الخطاب الإعلامي المسيحي.. بيان للتسامح أم أبواق للفتنة

اضيف الخبر في يوم الأربعاء 27 يناير 2016. نقلا عن: العرب


الخطاب الإعلامي المسيحي.. بيان للتسامح أم أبواق للفتنة

الخطاب الإعلامي المسيحي.. بيان للتسامح أم أبواق للفتنة
  • يؤكد خبراء أن مواجهة الفتن المذهبية وحماية الأقليات والطوائف في المنطقة العربية، في المرحلة الراهنة، تحتاجان وقفة حاسمة مع عدد كبير من وسائل الإعلام، وبشكل خاص الفضائيات، التي تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى ظاهرة لا يستهان بها وبات أداؤها يثير تساؤلات عدة حول دورها في تأجيج العنف المجتمعي والتحريض الطائفي.
العرب  شيرين الديداموني [نُشر في 28/01/2016، العدد: 10168، ص(7)]
 
تختلف الأديان وخطر الفتنة واحد
 
القاهرة - تلعب الفضائيات الدينية دورا بالغ الأثر في المشهدين الإعلامي والاجتماعي في المجتمعات العربية. وكان التقرير السنوي حول البث الفضائي العربي الذي أعدّته اللجنة العليا للتنسيق بين القنوات العربية رصد ارتفاعا هاما في عدد الفضائيات الدينية.

وجاءت هذه القنوات في المرتبة الخامسة من عموم القنوات الفضائية العربية. وتقسم إلى نوعين: قنوات برامج دعوية سنية وشيعية بالأساس وقنوات تبشيرية مسيحية (مارونية وقبطية وبابوية وأرثوذكسية).

وبسبب طبيعة الصراعات المذهبية والنزاعات التي برزت بعد الثورات العربية، تركز الاهتمام على الخطاب الديني المتطرّف في الفضائيات الإسلامية، الشيعية والسنية، على حساب الاهتمام بالنوع الثاني من الإعلام الديني، وهو الفضائيات المسيحية، التي قد تكون أكثر خطورة لأن الأضواء غير مسلّطة عليها.

لكن، مؤخّرا تصاعد جدل كبير، في الساحة المصرية، حول دور بعض هذه الفضائيات وضرورة الانتباه إلى ما أسماه الأزهر “خطاب الفتنة الطائفية”، الذي تبثّه فضائيات محسوبة على المسيحيين.

وتوجّه الأزهر ببيان لقادة الكنيسة الأرثوذكسية المصرية وطالبهم بالتعاون لوقف القنوات المتطرفة، التي تنال من بيت العائلة المصرية (رمز الوحدة الوطنية) الذي يترأسه كل من أحمد الطيب شيخ الأزهر، وتواضروس الثاني بابا الأقباط وبطريرك الكرازة المرقسية المصرية. وخص الأزهر في بيانه قناة “الحياة” التي تبث عبر القمر الاصطناعي المصري “نايل سات”.

ورغم أن البيان صدر قبل حوالي أسبوعين، إلا أن الجدل الذي أثاره مازال متواصلا، وكاد يتحول إلى أزمة بين الأزهر والكنيسة، ويعكر صفو الأجواء التي تحسنت كثيرا بين المسلمين والأقباط، عقب انحسار المدين السلفي والإخواني.

واعتبر نشطاء مسيحيون أن هذه الخطوة محاولة من الأزهر للفت الأنظار إلى الخطاب الديني المسيحي، فيما نفت الكنيسة علاقتها بأي قنوات تثير الفتن، مؤكدة أنها ليست في نطاق سيطرتها، مذهبيا أو جغرافيا، ومعظم مقدمي البرامج فيها من الذين عزلتهم الكنيسة.

وأكّد القس بولس حليم، المتحدث باسم الكنيسة الأرثوذكسية في مصر، أن الكنيسة تمتلك ست قنوات فقط، هي “أغابي” و”سي تي في” و”سيك” وجمهورها الرئيسي هو أقباط المهجر، ثم قناة “مارمرقس” و”كوجي”، إلى جانب قناة “لوجوس” التي تبث من أميركا. وشدّد حليم على أن قناة “الحياة” لا تتبع الكنيسة، وأنه ليس من تعاليم المسيحية الهجوم على معتقدات الغير بشكل سلبي.

بعض البرامج تعطي مبررا للتيارات الإسلامية المتشددة للنيل من الأقباط واستخدام العنف تجاه أماكن عبادتهم

وأكد عدد من المراقبين أن القنوات الطائفية المسيحية، على غرار القنوات الطائفية الإسلامية، تحمل أجندات مشبوهة، وغرضها إذكاء الفتنة، وهو ما ينعكس سلبا على التعايش المذهبي.

وتابعت “العرب” عددا من القنوات المسيحية التي تعرض في هذا السياق، وقد تبيّن بالفعل أنها لا تسير على سياسة إعلامية واحدة، فقليل منها يهتم بالشأن الديني المسيحي، وغالبيتها تعمل على شحن الأقباط وتلجأ إلى وضع الدين الإسلامي في مواجهة الدين المسيحي عن عمد.

نقطة البداية

فكرة إنشاء القنوات الفضائية المسيحية العربية طرحتها في البداية بعض المنظمات القبطية في المهجر لتعبر عن مشاكل الأقباط في مصر، باعتبارها تضم أكبر تجمع للمسيحيين في الوطن العربي. وبالفعل خرج الإعلام الديني المسيحي بقناة “سات 7” على القمر الأوروبي “هوت بيرد” في مايو 1996 وبعدها توالت القنوات المسيحية في الظهور لتصل إلى 32 قناة في أقل من عشرين عاما، وتركز بثها على أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية.

أما الكنيسة المصرية فبدأت في التفكير في تأسيس فضائية دينية خاضعة لها عام 2005، لتهتم بالنواحي الروحية والعقائدية، وأطلقت عليها “أغابي” وتعني المحبة، ثم في عام 2007 أطلقت قناة أخرى عوهي “سي تي في”، ثم جاءت قناة “مار مرقس” المنبثقة عن المقر البابوي بالقاهرة عام 2011، لتكون مواكبة لروح العصر، وتقوم بعرض برامج تعليمية وتربوية.

أما فضائية “الحياة” فقد بدأت بثها عام 2003 عبر القمر الأوروبي “هوت بيرد”، وتعتبر منظمة “جويس ماير” التبشيرية الأميركية الممول الرئيسي لها. وعندما تابعت “العرب” ما تبثه القناة تم رصد أكثر من 12 برنامجا أغلبها يهاجم الدين الإسلامي، عبر عناوين لافتة مثل “نظرية المؤامرة في الإسلام”، و”جمل قرآنية غير مفيدة”.

 
عادل عبد الغفار: مواجهة القنوات الطائفية تتطلب ممارسة الكنيسة القبطية لنفوذها
 

وما تعرف به القناة نفسها على موقعها الإلكتروني ربما يعد دليلا على أهدافها، حيث قالت “غالبية العاملين فيها من المرتدين عن الإسلام”.

بالرغم من بعض ردود الأفعال الغاضبة تجاه بيان مرصد الأزهر، إلا أن غالبية الأقباط في مصر والمهجر رفضوا ما تبثه تلك القناة وما شابهها من خطاب عنصري.

وقد أبرأ البابا تواضروس الثاني ذمته مما يشوب قنواته الكنسية من تجاوزات، وقام بعد صدور بيان مرصد الأزهر بتغيير الأنبا أرميا المسؤول عن إدارتها، ومنحها للأنبا بيشوي، مطران دمياط.

وأكد الأنبا موسى، أسقف الشباب بالكنيسة المصرية، أن الكنيسة لا تعرف شيئا عن تلك القنوات المشبوهة، ولا عن مالكيها أو مصادر تمويلها، مشيرا إلى أن سياستها تتخطى كل الخطوط الحمراء وتثير الفتنة بسبب مهاجمتها لعقيدة المسلمين.

ولم يختلف رأي الإنجيليين عن الأرثوذكس، حيث أكد القس مكرم نجيب، راعي الكنيسة الإنجيلية بمصر الجديدة، أنه كما ترفض الكنيسة الخطاب الإعلامي لبعض الفضائيات الدينية الإسلامية المتشددة ضد المسيحيين، فإنها لا تقبل أيضا الخطاب المسيحي المعادي للمسلمين. وأشار نجيب إلى أن الكنائس المصرية واجهت ذلك بإصدار بيان رفضت فيه ما تقوم به تلك القنوات.

وقال لـ“العرب” إنها اتخذت إجراءات ضد بعض القساوسة وعزلتهم من درجتهم الكهنوتية، مثل القس مرقس عزيز الذي يقدم برنامجا معاديا في قناة “الطريق” الفضائية التي تبث من أميركا.

التيار العلماني بالكنيسة هاجم تلك الفضائيات من خلال مؤسسه كمال زاخر، الذي أوضح لـ “العرب” أن مثل هذه الفضائيات نشأ بشكل عشوائي، مستشهدا بوجود أكثر من قناة تتحدث باسم الكنيسة الأرثوذكسية.

وتساءل زاخر عن سبب إنشاء هذه القنوات، مطالبا بتشكيل لجنة تتبع المجمع المقدس تكون هذه القنوات خاضعة لها، مبديا رفضه للقنوات التي تنال من عقائد الآخرين، كما رفض من ينتقد العقيدة المسيحية.

وردا على سؤال زاخر السابق، قال الأب رفيق جريش، مدير المكتب الصحفي للكنيسة الكاثوليكية لـ “العرب” إن “السبب من وراء إنشاء هذه القنوات الحاجة إلى قناة متخصصة تفسر تعاليم الكتاب المقدس، لصعوبة ذلك على الإعلام الحكومي المصري”.

وقسم جريش القنوات المسيحية إلى معتدلة، مثل قنوات الكنيسة الأرثوذكسية الست وأخرى متطرفة.

مصطفى علوي أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، قال إن الخطاب العنصري لا يخدم مصلحة الأقباط، ويضرب الوحدة الوطنية في مقتل، بسبب تجاوزه للدور المطلوب في نشر المسيحية المعتدلة والتعبير عن مطالب الأقباط المشروعة.

وكشف لـ“العرب” أن المواد الإعلامية السلبية بتلك القنوات والهجوم على الإسلام والتطاول على رموزه، تثير حفيظة وغضب الملايين من المسلمين في كل أنحاء العالم، وتعطي مبررا للتيارات الإسلامية المتشددة لتستخدم العنف تجاه الأقباط، وهو ما ظهر في مهاجمة متطرفين لبعض الكنائس المصرية.

الكنيسة مثلما ترفض الخطاب الإعلامي لبعض الفضائيات الدينية الإسلامية المتشددة ضد المسيحيين فإنها لا تقبل أيضا الخطاب المسيحي المعادي للمسلمين

أطراف خارجية

أكدت ليلى تكلا المفكرة القبطية، أن أقباط المهجر ورجال أعمال مسيحيين من أصل مصري يعيشون في الخارج، خاصة الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا، هم من يقفون وراء تمويل ودعم وبث هذه القنوات.

وفسرت مساندتهم لتلك القنوات، بأن الكثير منهم يحمل مشاعر سلبية ضد الدولة المصرية، ويتهمونها باضطهاد الأقباط في الداخل. وقاموا في البداية بالترويج لتلك المزاعم في الأوساط السياسية والإعلامية الأجنبية، ثم تطور الأمر إلى إنشاء قنوات فضائية طائفية تستضيف مصريين يدعون أنهم تحولوا من الإسلام إلى المسيحية.

وأكّد مسؤول بالمنطقة الإعلامية الحرة في مدينة الإنتاج الإعلامي التابعة للهيئة العامة للاستثمار، أن القوانين تمنع بث قنوات دينية، حرصا على دعائم الوحدة الوطنية. لكنه قال لـ “العرب” إن شركة الأقمار الصناعية المالكة لمجموعة “هوت بيرد” أطلقت قمرا يحمل اسم “يوتل سات” على نفس مدار القمر المصري “نايل سات”، وبإمكان جميع قنواته أن تظهر على الريسيفر الذي يستقبل قنوات “نايل سات”، ولن يعرف المشاهد هل تأتي القنوات من “نايل سات” أم من القمر الآخر.

وأضاف أنه بعد نفاد جميع قنوات الأقمار المصرية “نايل سات” قامت باستئجار بعض القنوات لعملائها من هذا القمر الجديد، تلك الحالة من الدمج بين قنوات القمرين أوحت للمشاهد بأن مصدرهما واحد هو القمر المصري. هذا إلى جانب وجود قنوات تمارس نشاطها الإعلامي في مصر، وتمتلك استديوهات بث وتصوير دون تصاريح.

لذلك تساءلت “العرب” عن مدى إمكانية وقف بث تلك القنوات واتخاذ إجراءات قانونية بشأنها. وفي هذا السياق صرّح مصدر مسؤول بمدينة الإنتاج الإعلامي بأن هناك صعوبات فنية وقانونية أمام وقف بث هذه القنوات لأنها تأخذ تراخيص بثها من دول أجنبية وتقوم ببث قنواتها على ترددات أقمارها الصناعية.

وقال محمد شوقي عبدالعال، أستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة: إن هناك صعوبات قانونية أيضا في مقاضاة وملاحقة أصحاب تلك القنوات أمام المحاكم الوطنية للدول التي تبث منها. وأشار إلى أن ميثاق الشرف الإعلامي الذي يحكم عملها يختلف عن الذي يحكم الأقمار المصرية والعربية، فالأقمار الأجنبية ترى أن ما يبث على تلك القنوات يدخل في نطاق حرية الرأي والتعبير.

وأوضح عادل عبدالغفار، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، أن مواجهة تلك القنوات تتطلب ممارسة الكنيسة القبطية المصرية لنفوذها لكي تؤثر على أصحابها من أجل تغيير خطابها الإعلامي. ونصح بتوثيق المواد الإعلامية التي تبثها وإعداد ملف كامل وتقديمه إلى الجهات الحكومية في الدول التي تبث منها.

ويرى متابعون أن هناك ضرورة لأن تتضافر جهود الأزهر مع الكنيسة المصرية لتفنيد إدعاءات القنوات الطائفية، وتحذير المسلمين والمسيحيين داخل مصر من متابعتها، مع الكشف عن أهدافها للنيل من وحدة المصريين.

اجمالي القراءات 1149
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق