مدى حرية السوق

الأربعاء 06 فبراير 2008


نص السؤال:
ما هو موقف الاسلام من تدخل الدولة لصالح المستهلك أو لصالح البائع ؟ وهل جاءت إشارات فى القرآن الكريم لهذا ؟ وهل تاثر بهذا فقهاء المسلمين ؟ أرجو الاجابة بالتفصيل
آحمد صبحي منصور :
فى البداية نقرر الآتى :
الدولة الاسلامية الحقيقية تمنع تركز السلطة و الثروة فى يد شخص أو فئة أو أسرة أو عائلة أو طبقة ، لأنها تقوم على الديمقراطية المباشرة وتوازن بين الحرية و العدل وتحافظ على حريات الانسان الأساسية ، وعلى راسها حقه فى الحياة وتضمن حريته المطلقة فى العقيدة و الفكر دون أى نوع من الاكراه فى الدين ، ولقد عرضنا لهذا فى مقالات سابقة منشورة هنا فى الموقع.
وبنفس المنظور فهناك نظام اقتصادى فى القرآن الكريم ـ سننشر مقالا عنه فيما بعد . واساس هذا النظام هو التوازن بين حرية السوق و العدل الاجتماعى وضمان الكرامة و الاعالة للمحتاجين بحفظ (حقوقهم ) فى مال المجتمع ، وفى نفس الوقت منع تركز المال فى فئة من الناس حتى لا يتحول ثراؤها الى ترف فتتسبب فى تدمير المجتمع من الداخل ، هذا كله مع تنقية السوق من الاستغلال و الغش و البخس والتطفيف فى الكيل و الميزان على أساس الارتقاء بالانسان من الداخل خلقيا بممارسة تقوى الله تعالى فى التعامل مع الناس ـ أى بتعبير عصرنا إحياء الضمير لدى الانسان ليخشى الله تعالى بالغيب قبل أن يخشى القانون.
هذه هى البداية الأساس.
بعدها نتوقف مع رؤية قرآنية للمستهلك والبائع فى إطار ما سبق بيانه.

ـ للقرآن الكريم نظرة متوازنة لا يقف مع المستهلك " المشتري " على طول الخط كما لا يقف مع البائع دائما ، وإنما يقف مع العدل والقسط ، فالقرآن حين يتوعد المطففين لا يقصد بهم الباعة فقط ، وإنما يقصد المستهلكين أيضا ، فالمستهلك الذي يريد أن يأخذ من البائع فوق حقه فهو مطفف ، والبائع الذي يتلاعب بالميزان هو أيضا مطفف ، وكلاهما له الويل يوم يقوم الناس لرب العالمين (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) المطففين 1 : 4 " .
ـ لقد كانت " مدين " في العصور القديمة تتوسط الطريق التجاري في الشام ،وكان أهلها ذوي قوة وبأس شديد ، وقد استخدموا موقعهم الجغرافي وقوتهم في احتراف التجارة بمنطق السلب والنهب ، فأرسل الله لهم النبي شعيبا عليه السلام ، وكان محور رسالته يدور حول التوحيد والقسط في البيع والشراء : (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) (هود 84 ـ ) " . كانوا إذا باعوا بخسوا الكيل والميزان ، وكانوا إذا اشتروا بخسوا السلع حقها في السعر ، فاستحقوا مقت الرحمن ، وأبادهم الله تعالى .
على أن المفهوم من قصة النبي شعيب مع قومه ( والتي ترددت في مواضع كثيرة فى القرىن الكريم ) أن القوة أو النفوذ والسلطة هي التي تمكن القوم من تحويل التجارة إلى سلب ونهب ، وهذه حقيقة اقتصادية تنبه إليها العالم العلامة ابن خلدون وأكد عليها في مقدمته المشهورة ، حين حذر من احتراف الحاكم للتجارة وتدخله فيها لأنه بذلك يفسد السوق ويقع في استغلال النفوذ والاحتكار .
وحتى حين تعرض ابن خلدون لموضوع التجارة فإنه أكد تحت عنوان " الجاه مفيد للمال " إن صاحب الجاه يتقرب إليه الناس بالخدمة والعمل فإذا كان صاحب الجاه والنفوذ تاجرا اتسعت تجارته ، وإذا كان معدوم النفوذ كانت ثروته بقدر سعيه ، لذلك ينصح ابن خلدون التاجر الذي لا جاه له بأن يتجنب احتراف التجارة لأنه سيعرض ماله للضياع .
وصحيح أن ابن خلدون لم يتكلم عن المستهلك مباشرة ، ولكن نفهم بين سطوره أن التاجر صاحب النفوذ يستخدم نفوذه في ظلم المستهلك سواء بالاحتكار أو بالغش في الميزان في حماية أولي الأمر وهو آمن من سطوة المحتسب الذي يتحكم فى حركة الأسواق أو يفرض السعر الذي يريده . وفي كل الأحوال فالمستهلك هو الذي يدفع فاتورة النفوذ والقوة لدى التاجر الجشع .
ويكرر ابن خلدون ما سبق تحت عنوان يقول إن خلق التجار " نازلة عن خلق الأشراف "لأنهم يمارسون البيع والشراء على أساس المساومة ، وكثيرا ما يلجأون إلى الغش والحيل والأيمان الكاذبة والخداع ، وكل ذلك بعيد عن الشرف والمروءة وقريب من الذل والخسة ، ولذلك يتحاشى ذوو النفوذ والمروءة والشرف العمل بالتجارة ، ومن الطبيعي حينئذ أن يكون المستهلك في أسوء حال إذا وقع في براثن تجار ذوي نفوذ . وذلك ما حذر منه القرآن العزيز حين نهى عن أكل أموال الناس بالباطل عن طريق الرشوة واستغلال النفوذ: (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ )( البقرة 188) .
إن من أشد أنواع الفساد إيلاما أن يعمل ذوو النفوذ بالتجارة أو أن يظاهروا التجار ويؤيدوهم بالجاه والنفوذ ليزدادوا تسلطا على المستهلك العاجز، فإذا كانت وظيفة الدولة هي العدل والقسط وإقرار الأمن فإنه إذا استغل أصحاب السلطة نفوذهم في التجارة فقد أصبحوا قطاع طرق ينهبون الشعوب التي ائتمنتهم على حياتها وأموالها ، ولذلك نفهم الحكمة من ترديد القرآن لقصة أهل مدين والنبي شعيب عليه السلام الذي كرر القرآن مقالته لقومه بإقامة القسط في البيع والشراء .
ويظل مصير أهل مدين عبرة لكل المفسدين ، فإذا عجز البشر عن عقاب المفسدين فإن رب البشر تعالى لا يعجزه شيء ، والعادة أن يتسلط المفسدون بعضهم على بعض لتكون نهايتهم عبرة مثل نهاية قوم شعيب ، وصدق الله العظيم حين يقول : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) ( يوسف 111 ) .




مقالات متعلقة بالفتوى :
اجمالي القراءات 8451
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   تان تان     في   الأربعاء 06 فبراير 2008
[16163]

إذا مرة أخرى لا شيء جديد

إذا مرة أخرى لا شيء مما يظهر لنا في العالم اليوم (عدا التكنولوجيا) جديد و أي حال نمر بها سبق تطبيقها في التاريخ و ها هو مثال أخر , ذلك أن سيطرة رأس المال على الحكم و الذى نشهده في مصر من خلال إحتلال رجال الأعمال لمناصب العمل السياسى و موالتهم للنظام الحاكم , ليس بجديد على التجربه البشريه و سبق أن جربه أهل مدين و بعدهم جربه ابن خلدون و كتب عنه


و مفيد جدا ان نستفيد من تجارب الماضى في الحاضر


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 3706
اجمالي القراءات : 30,306,403
تعليقات له : 4,113
تعليقات عليه : 12,445
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي


قرية جانم فى السنغال: هذه الرسالة نكتبها الي فضيلة السيد احمد صبحي منصور رئس المركز العالمي للقرءان نريد يد...

نقد أهل الكتاب: لقد اعترضتَ في أكثر من موضع على ما ينشر في الموقع من محاولات وكتابات لمعرفة أخطاء عقائد أهل...

أخت ظالمة: اود ان استشيركم في عدد من القضايا، اولها :ان والدتي قبل وفاتها اقرضتني مبلغا من المال...

اقرأ لنا : يقول الله جل وعلا في سورة التوبه ايه 36 ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم...

أسئلة مكررة : هلا اجبتموني عن اسئلة تكاد تفتنني ولكم جزيل الشكر س١ ان كانت السنة النبوية التي...

ليس حراما : الفاظل السلام عليكم رجاء الإجابة السؤال: مزج نطفتي ببويضة امرأة أخرى خارج الرحم...

ليس عليك هداهم: أنا قرآنى وأعرفك من التسعينيات . مشكلتى فى عمال المصنع الذى أملكه ، كلهم سلفيون ، ويرفضون...

فى قراءة القرآن: أنا مقيد بحصة قرآنية يومية لابد عنها كى أظل محتفظا بكتاب الله تعالى, أحيانا أؤديها بصدر...

التصدق هو الأفضل . : بعد أن تاب أراد شخص أن يرد لمقاول سبق أن غشه مبلغا من المال.لكن لما سأل عنه تبين أن هذا الأخير...

تحريفاتهم هى السبب: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اريد ان اسجل اعجابى لكثير مما تكتبه وانا طبيب استشارى...

ليلة القدر: اقرا لك الان سلسلة مقالات عن ليلة القدر حيث يكثر الان الحديث عنها في المساجد ، وتوقفت عند ان...

غيب لا نخوض فيه: الحمد لله الذي هداني إلى هذا الموقع المفيد جدا والذي وجدت فيه أجوبة مقنعة على تساؤلاتي...

عن البعث: الذى يقتل فى سبيل الله جل وعلا ما هو موقفه فى البعث ؟ نعرف ان الشهيد ليس هو الذى يُقتل فى سبيل...

الأمر بالمعروف وال..: ماذا يعني مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في القرآن الكريم؟ هل يعني هذا أنني كل ما...

الطهارة بالماء او ..: هل تُطهَّرُهذ ه النّجاسات الحسی ;ّة. (البول والغائط ودم الحی ض) ...

more