نهاية الحملة الصليبية السابعة ونتائجها:
المواجهة الحتمية ونتائجها

نجلاء محمد في الجمعة 23 ديسمبر 2011


  في هذا المقال سوف نعرف أحداث المواجهة بين الحملة الصليبية وبين جيش المماليك ودور شجرة الدروما قامت به من بطولات ومواقف يذكرها لها التاريخ           

كانت نهاية المقال السابق عن ما قررته شجرة الدر من أن ترسل في الحال رسولاً ليحضر توران شاه من  معسكره . وكان من الضروري أن يحمل هذا الرسول رسالة ممضاة ومختومة بخاتم السلطان وألا فإنه لا يمكن لفخر الدين أن يأتي إلى القصر ويترك الجيش في هذا الوقت الحرج من الحرب .

وكان ينبغي أن يقوم شخص ما بتقليد إمضاء الصالح ، وبعض الوثائق الرسمية وهناك شخص واحد فقط هو الذي يستطيع ذلك وهو الطواشي الرقيق سهيل ،الذي غالباً ما كان يتولى منصب السكرتير الخاص للسلطان في أثناء مرضه وكان يمكن لشجرة الدر أن تشتري خدماته لها

 . فهل هناك شخص آخر لتشركه السر ؟ كلا فإنه كلما قل عدد من يعرف السر كان ذلك أفضل وأكثرأمناً .

    فبعد ان اجتمع حلفاء شجرة الدر الثلاثة في القصر في اجتماع خاص وأقسموا على أن يحفظوا لأنفسهم بسر موت السلطان ومن يفشيه من بينهم يحق عليه الموت ... وأعدوا أمراً سلطانيا وختموه بالخاتم السلطاني ومهروه بامضاء الصالح الذي قلده سهيل بإتقان وكان الأمر يقضي بتعيين فخر الدين قائدا للجيش ونائبا للسلطان في فترة توعكه كما جاء في حض الجيش على أن يقاتل في سبيل الله ورسوله بكل ما يستطيعه من بأس وان يلقي بالكفار فى البحر وترك فخر الدين القصر وقد تسلح بهذا الأمر السلطاني وكر راجعا إلى المعسكر لينظم عرقلة جيش الصليبيين الزاحف – واعدا بجائزة مقابل كل راس من رءوس المسيحيين- ويقوي تحصينات "البحر الصغير".

وكانت المشكلة الثانية أمام شجرة الدر هى كيف تتخلص من الجثة ، وكان من الميسور أن تربط بحجر وتلقى في النهر ، ولكن ربما يجرفها التيار في مجرى النهر ويكتشفها أحد الملاحين ويتعرف عليها .

وفضلا عن ذلك فقد كان الصالح زوجها وكانت تحبه وكان سلطانا من سلالة نبيلة يجب أن يدفن باحتفال مهيب وأن يشيد له ضريح لائق.

ثم فكرت في خطة جريئة وهى أن تأخذ الجثة سرا بطريق النيل في مركب شراعي إلى قلعة المماليك البحرية بجزيرة الروضة بالقاهرة وأن تخفيها هناك حتى يصبح الوقت آمناً لإخراجهاوودفنها بكل مظاهر الفخامةوالأبهة في ضريح يليق بمقامه ومكانته.

وقد نفذت شجرة الدر هذه الخطة بنجاح وتخلصت من الجثة في مكان أمن ودون أن يشعر بها أحد ممن كانوا في القلعة.

كانت لا تزال هناك اشياء كثيرة لابد من إنجازها ، فقد أرسلت لتوران شاه الرسالة العاجلة لاستدعائه ، وكان لابد من إعداد وثيقة يعينه فيها الصالح وريثه الرسمي وكان لابد من توقيعها بامضائه وختمها بخاتمه السلطاني .

 وكانت على شجرة الدر أن تحتفظ بهذه الوثيقة في حوزتها الأمنية لكي تنشرها على الملأ عندما يعود توران شاه ،ومن الممكن أن تحتاج إليها أيضا قبل ذلك إذا ما ذاع السر وعرف الناس أمر موت السلطان .

ولكن السر ظل محفوظاً  وكان المغني يغني والموسيقيون يعزفون ويأتون بالوجبات ويتذوقها ذواق السلطان ثم يحمل الطعام إلى الحريم حيث كان الصالح مريضا وتقوم زوجته المخلصة بالسهر عليه ، وكان الأمراء وقواد المماليك وشيوخ البدو يحضرون للمثول بين يدي السلطان – كما كانت العادة في العالم الإسلامي .

ومن المؤكد أن شجرة الدر قد عقدت هذه الاجتماعات بنفسها من وراء ستار باسم زوجها ، وأعلن كبير حجاب القصر أن مرض السلطان كان يصطره إلى الراحة الكاملة في ذلك الوقت ، وأنه قد عين بدلا منه السيدة شجرة الدر نائبة له ، وسوف تستقبل مقدمي العرائض وتستمع إلى قضاياهم وأن الصالح سوف يصدر فيها قراراته وبراءاته من فراش مرضه بعد أن تعرضها عليه ، وسوف تٌنقل كل أوامر السلطان عن طريقها إلى أن يحين الوقت الذي يمن فيه الله عليه بالشفاء .

ولكن هل اضطربت شجرة الدر قليلا عندما أٌذيع هذا الأعلان ، هل شكت في قدرتها على تضييع شكوكهم وتقوم في نفس الوقت بحكم البلاد وتنظم دفاعها ضد المسيحيين الغزاة ، وأن تٌبقي على استمرار الجيش على نظامه وشجاعته وتمام الاستعداد لملاقاة الأعداء .

كانت شجرة الدر في نظر الشعب هى زوجة الصالح ونائبة السلطان المؤقتة ، ولكنها كانت بينها وبين نفسها أرملة الصالح الحزينة ولمدة ثلاثة اشهر من نوفمبر إلى فبراير ظلت الخدعة مستمرة ولم يشك أحد من رجال القصر أو من المماليك . وظل الجيش مخلصا حتى وصل توران شاه واعتلى العرش في شهر فبراير .

وقلما يعرف أهل الغرب الآن شيئا عن شجرة الدر . ولكنها بالنسبة للعرب إحدى بطلات العالم وامتلأت قصصهم بمدائحها : شجرة الدر الجارية السابقة والزوجة والأم المخلصة ومنقذة مصر وملكتها المسلمة الوحيدة.

وكان الصليبيون في ذلك الوقت يلاقون مشقة في الوصول من دمياط إلى المنصورة بسبب شبكة قنوات الري المتقاطعة ، وكان  تقدم الملك لويس بطيئا ويتسم بالحذر ، وخاصة عندما أصبح في مقدور الفرسان المصريين الذين أرسلوهم ليعقبوا جيشه وهو يعبر الطرق المائية ،أن يحصدوا زهرة رجاله ، وفي إحدى المواقع خالف الفرسان الدوارية أوامر لويس وطاردوا المسلمين بعيدا ليجدوا أن التقهقر صعب وغالي الثمن ، وكان ذلك قبل عيد الميلاد بأسبوع عندما تمكن الجيش الصليبي من الوصول إلى المكان الواقع على شاطيء "البحر الصغير" في قبالة المكان الذي الذي كان المسلمون يعسكرون فيه على بعد ميلين شمالي المنصورة .

وبقى الجيشان المتحاربان لمدة ستة أسبايع بعد ذلك يواجه بعضهما البعض على جانبي (( البحر الصغير )) وكل منهما يتساءل ما الذي يفعله الآخر . لقد كانت حرب أعصاب .

وذهبت سدى كل المحولات التي بذلها الجانبان لإنهاء الحرب . وحاول لويس أن ينشأ خندقاًَ يوصل إلى جسر يعبورن القناة فوقه ، ولكن نيران المسلمين أجبرته على أن يتخلى عن ذلك ، وأرسل فخر الدين فرسانه عبر برزخ دمياط من الناحية الجنوبية ليفاجئوا مؤخرة الفرنجة ، ولكنهم عندما أصبحوا على مشارف المعسكر تقريباً حاصرهم فرسان الصليبيين بقيادة شارل أنجو وقهورهم .

وبعدئذ ، وفي أوائل فبراير ، جاء إلى معسكر الفرنجة رجل من قرية السلامون متخفياً وعرض لويس أن يبيعه معلومات عن وجود مخاضة عبر (( البحر الصغير )) وفي فجر يوم ثلاثاء رافع ، خرج لويس بعد أن ترك حماية قوية لتحرك المعسكر تحت قيادة دوق بورجاندي ، ليعبر النهر عند المخاضة وقد أرسل أخاه المتحمس روبير دوق أرتوا في المقدمة ومعه قائد الفرسان الداوية ، ووليم لوجنسورد أيريل سالبوسري ، ولديهم أوامر مشددة من الملك بألا يهاجموا المسلمين إلا إذا أمر هو بذلك .

وكانت خطته هي بناء مركز قوي على جانب القناة من ناحية المنصورة وأن ينشئ جسراً من القوارب عبر ليضمن وسيلة التقهقر والأتصال بمعسكره وقوات دوق بور جاندي التي تركها وراءه في المعسكر . وعندما يتم ذلك كله ، وليس قبل ذلك بأي حال من الأحوال ، يصدر أمره بالهجوم العام على جيش المسلمين ويصدر أمره بإحتلال المدينة .   

ووجدت جماعة المقدمة أن المخاضة صعبة وتتطلب التأني

في عبورها ، وعندما أتم روبيرعبور المخاضة أصبح  الخوف من أن يبغته المسلمون ويقتلوه وقال لمن معه "فلنفاجئهم ولنركب إالمنصورة رأسا" . ولكن قائد الفرسان

الداوية ، ووليم لونجسورد اختلفا معه . وقالا له " تذكر أو أمر الملك يتحتم علينا أن ننتظر وألا نهاجم حتى يصدرالأمر"

فرد عليهم "هل أنتم جبناء فتتركونى أهاجم المسلمين بمفردى "؟. وكان ذالك أكثر مما يحتملون . وخـطواالخطوة

الخطيرة ، الخطيرة والمهلكة نتيجتها الأنفسهم وللكثيرين 

غيرهم . ولم يكون لدى أى فرد في المعسكرالأسـلامي

شمالي المنصورة ،عندما أستيقظوا في الصباح من نومهم

     أية فــكرة عما كان يجرى بين الآخرين . لقد كانوا هم وجيش الفرنجة في حالة سكون منذ فترة طويلة ،

ولهذا كان أول شىء قامو به هو ما اعتادو عليه كل يوم

من الأغتسال والصلاة والأكل واللبس . ولما كان الجميع

لا يتوقعون شيئا، فقد ذهب فخرالدين في الصباح الباكر

من ثلاثاء الرفاع ، ليأخذ حمامة المعتاد وليصبغ لحيته

الرمادية بلون الحناء الأحمر ، وعند ذلك سمعوا  وقع حوافر خيل وصياح وصوت أسلحة معدنية . أخترق

روبير وقوته المعسكر العربي وهم يجرون بخيولهم ويصرعون الرجال العزل من السلا ح والذين لم يكونوا ق أكملوا أرتداء ملابسهم بعد .

نهاية القائد فخر الدين

وثب فخر الدين فوق جواده قبل أن يرتدي زرده ودخل غمار المعركة ليصرعه في التو أحد فرسان الداوية( فرسان هيكل سليمان ) .

 أما هؤلاء الذين نجوا من المذبحة فروا إلى المنصورة وأبلغوا أخبار الكارثة إلى القصر . يجب أحاطة السلطان علماً في الحال .

لقد مات القائد فما ينبغي على الجيش عمله الآن ؟

كانت هذه اللحظة أعظم أختبار لشجرة الدر . إذا عرفوا في هذه اللحظة أنه ليس لهم سلطاناً ، فإن حالتهم النفسية ستنهار في الحال ، وسوف يتحول المماليك لمحاربة بعضهم البعض من أجل الوصول إلى السلطة . وكانت الأمور تزداد تعقيداً وأصبح أمر الخدعة طويلاً من الأمور الصعبة . لماذا لايستطيع أي شخص أن يرى السلطان ؟

ما هى حقيقة أمر صحته ؟ وكانت شجرة الدر تعرف أن كلمات الهمس بدأت تنتشر في كل مكان . ولم يجرؤ أحد بعد على المجاهرة علانية بذلك الهمس .

ولم يكن هناك إلا شئ واحد يجب عمله : أن تصدر النشرة اليومية ممهورة ومختومة باسم زوجها ، تحض الجيش على الثبات وأنه تجب عليهم بالرغم من أستشهاد قادئهم ، أن يستمروا في القتال حتى الموت في سبيل الله تحت قيادة أمرائهم المماليك وأنه يجب الأحتفاظ بالمنصورة وأنقاذ بلاد مصر المباركة .

وبموت فخرالدين فقدت شجرة الدر صديقاً وفياً ووزيراً مخلصاً ، ولكن لم يكن هناك وقت للأحزان الشخصية .

لقد كانت المدينة وطفلها الصبي في خطر وبالرغم من أنها لا تستطيع القتال من أجلهما بالسلاح كما يقاتل الرجال فقد كانت لديها أسلحة أخرى وكان ينبغي أن تحسن أستخدامها إلى أبعد الحدود .

وأصدر روبير كونت أرتوا ، وقد أستفذه نجاح هجومه المفاجئ وأندحار الجيش الأسلامي الذي سالت دماؤه حارة وأصدر القرار المفاجئ بأن يسيروا وراء الفارين إلى المنصورة ، فربما أستطاع الأستلاء عليها بنفسه دون أنتظار اخيه والجزء الأكبر من الجيش .

ومرة أخرى أعترض عليه كل من قائد الفرسان الداوية ووليم لونجسورد . لقد خالفوا من قبل أوامر الملك لويس : وربما كان هناك ما يبرر اندفاعهم ، ولكن من الرعونة أن يتقدموا بمفردهم . فالمدينة لا بد أنها محصنة بكل تأكيد وملأى بجنود المسلمين ولا يمكن أن تهاجم المنصورة بنجاح إلا بجيش الصلبيين الرئيسي بكل عدته وعدده .

وعنفهم روبير ((أيها الجبناء أني أتقدم مع الذين هم رجال )) ومع أن فرسان الداوية والفرقة الأنجليزية كانوا يعرفون حمق ما كانوا يفعلون ، ونظراً لأنهم كانوا يشعرون بعجزهم عن منعه فقد تبعوه على مضض وبهذا حكموا على أنفسهم بالموت .

لقد كان صحيحا أن المصريين والجنود العرب الذي استبد بهم الزعر قد هربوا ، وأن أمراء المماليك قد انسحبوا في غير نظام إلى داخل أسوار المدينة، ولم يكن هناك قائد جديد يلم شعثهم ، وبدا لروبير كما أن الطريق أصبح خالياً. 

ظهور بيبرس وإنقاذ الموقف

 

 ولكن الأمر الذي لم يكن روبير يعرفه هو أن قائدا جديداً قد ظهر من بين صفوف المماليك :  بيبرس البندقداري الفارع الطول ذو الصوت الجهوري المحمر اللون، الرقيق السابق ذو العين الواحدة الزرقاء التي تشوبها سحابة بيضاء ,

والذي يصفه المؤرخون الفرنسيون  بذي العين الواحدة البندقداري الجبار المخيف .

وتنفيذا للأمر اليومي الذي أصدره السلطان تولى بيبرس القيادة ، فوضع الرماة المختفين فوق الأسوار وفي البيوت، وزرع قوات المماليك الكاملى العدة على الأذقة والشوارع الجانبية وترك بوابة المدينة مفتوحة على مصراعيها عمدا.

واندفع روبير وفرسانه من خلال البوابة رأساً إلى داخل الكمين.  وأمطرهم الرماة المختفون بالسهام من فوقهم ومن حولهم وهاجمهم المماليك في الشوارع الضيقة وأصبحت جيادهم لا جدوى منها في ذلك المكان المحصور، ولم تستطع فرارا وهكذا قتلوهم كما يقتل الإنسان الذباب ، وقد استدار بعض الفرسان محاولين الهرب من البوابة سيراً على الأقدام ولكنهم طاردوهم في القناة وأغرقوهم.

وتحصن روبير وحرسه داخل أحد البيوت ولكن المسلمين اقتحموا البيت وقتلوهم عن آخرهم، وسقط جميع الفرسان الداوية ولم يتبقى من عددهم الذي كان يبلغ ثلثمائة فارس تقريبا سوى خمسة فقط .

وثبت وليم لونجسورد وفرسان الانجليز في مكانهم بشجاعة واستمروا يقاتلون حتى النهاية . وأٌبيد الفرسان الرماة من الإفرنج عن آخرهم وقٌضى قضاء تام على أفضل فرسان الصليبيين .

 وقد ذكر المؤرخون العرب أن الفا وخمسمائة من زهرة فرسان المسيحيين قد قتلوا .

وبالرغم من أن بيتر فارس بريطاني جرح في رأسه جرحا شديدا ، فقد هرب وعدا إلى خارج المدينة ليحذر الملك لويس ، الذي كان قد عبر المخاضة وأخذ يتقدم في طريقه نحو المنصورة على راس الجزء الرئيسي من جيشه، وأنذره بأن المماليك كانوا يستعدون للهجوم عليه.

وأصدر لويس أوامره بسرعة بالإسراع بإقامة جسر القوارب الذي قد فكر في تشيده خلفه وأعد قواته لتقاوم الهجوم .

وأسرع المماليك بقيادة بيبرس إلى خارج المدينة وهم يلوحون بأعلام واشرطة القاهرة الحريرية الصفراء مع شارات اسلحتهم الخاصة بهم ، وهاجموا الجيش الصليبي مطلقين سهاما متتابعة كانت تقابل بسهام تٌطلق عليهم .

وقاد لويس الذي أظهر شجاعة شخصية فائقة هجوما مضاداٌ مما أدى إلى تقهقر المسلمين . ولكن ذلك التقهقر لم يطل بل كان لتنظيم أنفسهم ومعاودة الهجوم مرة أخرى.

ودفعوا بلويس إلى البحر الصغير وحاول بعض الفرسان الصليبيين أن ينجوا بأنفسهم بالنزول بجيادهم في الماء ، ولكنهم أغرقوهم عن آخرهم هم وجيادهم وكيفما كان الأمر فإن تأخر لويس المضاد قد أنقذ حياته وتم إعداد الجسر العائم. وبواسطته استطاع دوق بورجاندي أن يرسل رماة السهام المسيحيين الفرنسيين الذين كانوا منتظرين في المعسكر لمساعدة إخوانهم ، وذلك بعبورهم من فوقه .

وقد شتت سهامهم المتتابعة صفوف المماليك الذين ارتدوا إلى المنصورة واغلقوا في هذه المرة البوابة وحصنوها بالمتاريس الحديدية .

وعسكر الجيش الصليبي حيث كان الجيش المصري معسكراً في الليلة السابقة آملاً أن تكون الاضطربات بين الأمراء المتنافسين الذين كان يدعي كل منهم أنه أحق بالقيادة منذ وفاة قائدهم وربما يطلبون هدنة حربية .

وانتشرت إشاعات غريبة ..أن ما يقال عن مرض السلطان الذي لا يراه أحد ليس إلا حيلة ... فلو أنهم عصوا إطاعة أوامره الصادرة إلى الفرقة المتقدمة.

وفي الوقت الذي كان لويس يبحث فيه عن شيء من الراحة ، حضر قائد فرسان الاسبتارية ليخبرة بوفاة أخيه روبير في المنصورة فانهار لويس وبكى .

وكانت شجرة الدر تستطيع أن ترى وتسمع كل ما دار في المعركة وتتبع الهجوم الشديد والهجوم المضاد لكلا الجانبين من نوافذ الطابق العلوي للحريم في القصر ، ولكن يجب أن لا تضعف وأن لا تتردد وكان لابد من إصدار نشرة يومية اخرى باسم السلطان يثني فيها على همة الجيش ويؤكد له المنح والعطايا السخية عندما يتم اكتساح الغزاة ليس من المنصورة والطريق المؤدي إلى القاهرة فحسب بل من كل أنحاء مصر.

وبعد ثلاثة أيام قاد بيبرس المماليك ، وقد شجعته النشرة  اليومية وعزز جيشه بقوات أتت من الجنوب ، وقام هو بهجوم ثاني فخرج من المدينة بقوة وشجاعة أكثر من ذي قبل وحمل على الأعداء مطلقين سحبا من السهام على معسكر الصليبيين وحافظ لويس على ثبات جيشه وحارب جيش المسلمين وشن عليهم هجوما مضادا .. وشن المماليك هجوما ثانيا ولكن ليصدهم الملك لويس ورماته .

ولكن بالرغم من أن الصليبيين ثبتوا في مواقعهم فإن الفريضة التي فرضها الموت على جيوشه كانت باهظة ، حتى أن بيبرس وقد عٌرف بانه قد أنقذ المدينة من الاستيلاء عليها أوقف الهجوم وارتد في نظام تام إلى داخل أسوار المنصورة .

ولاشك أن شجرة الدر قد ضاعفت استقبالاتها ومنحت هدايا وكساوي شرف كثيرة وبراءات شجاعة وهدايا سخية من الذهب والجواهر والاقطاعات لقواد المماليك ، كما قامت بتصريف جميع أمور القصر بكل ما لديها من شجاعة ومهارة ، وفي آخر يوم من شهر فبراير من تلك السنة وصل توران شاه وكانت المحنة الطويلة قد انتهت .

وبمجرد استلامه رسالة شجرة الدر أسرع إلى دمشق حيث أعلن نفسه سلطانا ، والآن وقد اصبح في الاستطاعة إذاعة نبأ وفاة الصالح . وقدمت له شجرة الدر الوثيقة المزورة  باختيار والده له وريثاً ، وأسرع أمراء المماليك إلى قاعة الاستقبال ليقسموا يمين الولاء ويهللوا له .

وكان توران شاه بالرغم ما هو عليه من خلق غير كريم وانغماسه في الملذات إلا أنه كان قائدا قديراً، أدرك أنه لو تمكن من أن يقطع امدادات الجيش الصليبي من دمياط فإنه سوف يقع في مأزق حرج لأن سكان القرى سوف لا يبيعونهم شيئاً .

وفي الوقت الذي ترك فيه لويس مشغولا بمناوشات صغيرة حمل هو على ظهر جمال أجزاء أسطول من القوارب الخفيفة إلى فروع النيل السفلي، وهناك جمعت أجزاؤها واٌنزلت إلى الماءوسرعان ما كانوا يهاجمون ويغرقون المراكب المسيحية . حتى أصبح لويس وجيشه معرضين للمجاعة والأمرض ، وانتشرت الدوسينتاريا والتيفود انتشارا وبائيا وأخذ الجنود يموتون ..

وكان لويس في مركز ميئوس منه ، لقد أضعفت موقعة المنصورة قواته إلى حد أنه لم يعد يفكر بعد ذلك في شق طريقه عنوة إلى القاهرة.

ورأى أنه كثير على نفسه أن ينسحب عبر الجسر العائم إلى معسكر دوق بورجاندي وأن يحاول من هناك أن يسير راجعاً إلى دمياط ، وكان السبيل الكريم الوحيد الذي يمكنه أن يسلكه هو أن يحاول التفاوض مع المسلمين، لقد رفض منذ عدة شهور مضت عرضهم بتسليم بيت المقدس له مقابل دمياط، فهل فات الأوان لقبوله لهذا العرض ؟ نعم لقد تاخر الوقت جداً جاءت الإجابة بالرفض القاطع ، وكان لا مناص من الانسحاب ولكن كبرياءه العنيد ظل يمنعه . وأمر بهدم المعسكر الصليبي واخذ مكانه في مؤخرة رجاله ليشجع الضعفاء في رحلتهم الشاقة .

وكانت هذه فرصة المسلمين فهاجموهم وقد قتل وجرح مئات من الفرنجة وقد نسى الذين عبروا الجسر العائم فارين من قتال المسلمين لهم نسوا أن يدمروا الجسر – كما نسى رجال بني كنانة من قبل -  وترتب على ذلك أن المماليك تابعوهم وحاربوهم حتى وصلوا إلى معسكرهم . ولم يمضي وقت طويل حتى استسلموا وسلموا أسلحتهم بدون علم الملك .

ووقع لويس فريسة للمرض ولم يستطع أن يمتطي صهرة جواده بعد ذلك ووجده المماليك فجذبوه من فراش مرضه فصفدوه بالأغلال وأخذوه أسيراً ووضعوه في منزل خاص بالمنصورة .

وفي المقال القدم بعونه تعالى تكون الخاتمة.

وأخيراً فقد حدثت المواجهة بين القوتين الصليبيةعن المسيحية والمملوكية عن مصر والإسلام ،فهل هذه النهاية تعطينا الأمل في إزاحة كل معتد علينا حتى ولو كان من أبناء جلدتنا وينتصر الخير في النهاية؟، أم أنها سوف تظل أمنيات مستحيلة المنال؟

أعلم أنه لابد من إصلاح أنفسنا أولا وتغيير ما بداخلنا من سلبية وتعصب لكي نكون قدوة  ونقنع الآخرين بالتغيير والإصلاح

   التاريخ مليء بالعبر والعظات ومن لم يتعلم من خبرات السابقين فلا جدوى من محاولاته الإصلاحية فما نتعلمه من هذه الغزوات والحملات الكثير،  من بينها أن من يطمع - أياً كان هذا الطامع محتل خارجي أو محتل داخلى - ويحاول الاسيلاء على مقدرات الشعوب تكون نهايته بشعة ومحزنة إن عاجلاً أو آجلاً وهذا ما لمسناه وعايشناه  ويؤكده التاريخ.

وأن من يجعل كل همه السعي وراء حٌطام دنيوي فانٍ فلا طائل من وراءه في الآخرة فإنه يخسر الإثنين ويٌحبط عمله .

المراجع الاستعانة  بكتاب (كانت ملكة على مصر) للكاتبة البريطانية (ونفرد هولمز)

اجمالي القراءات 7538

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (7)
1   تعليق بواسطة   نورا الحسيني     في   الجمعة 23 ديسمبر 2011
[63282]

هى مواجهة غير متكافئة

هذه المواجهات بين شباب الثوار والجيش هى  إثبات موقف وشهادة للتاريخ ومحاولات صادقة لتغيير الفساد ونيل الحرية .


أما المواجهة بين الجيش والشعب الأعزل الذي لا يملك سلاحاً ولا أموالا ولا قوة كالتي يملكها الجيش فنتائجها معروفة مسبقا فالأفضل هو الخيار السلمي كما هم ويكفي فضيحتهم المدوية عالمياً التي كشفت كذبهم  وطبيعتهم التي لا يمكن أن تغييرها ثورات ولا وقفات ولا إستنكارات . فهم لا يتقبلون فكرة انتقادهم  يعتقدون أنهم جٌبلوا على الصدق ولا يكذبون أبداً وهذا ما يؤكده كبرائهم في المجلس العسكري في تصريحاتهم .


2   تعليق بواسطة   محمد عبدالرحمن محمد     في   الجمعة 23 ديسمبر 2011
[63294]

وثيقة تعيين الوريث الرسمي..1

 شكرا للسيدة نجلاء محمد على هذا السرد التاريخي الذي نتعلم منه كيف تنتقل السلطة إلى الوريث.. في بلاد مصر المحروسة.. منذ عهد الملك الصالح نجم الدين ايوب..


 كيف أن ثقافة وتدين شجرة الدر بالدين السني جعلها.. تزور وثيقة بالتوريث لتوران شاة إبن زوجها الملك الصالح.. ومع أن هذه الوثيقة لم يكتبها الملك الصالح.. إلا ان قواد المماليك صدقوا هذه الوثيقة المفبركة من جانب شجرة الدر.. لأنهم كعسكر مملوكي.. يعتقدون بوجوب توريث الحكم لابن الملك.. الصالح..


إن نحن  بصدد ثقافة التوريث التي آمن بها المصريون عقائديا .. منذ  الفراعين.. وحتى الآن .. فالعسكر المملوكي تأثر بالثقافة المصرية العتيدة .. وآمن بالتوريث كما آمن به العسكر الفرعوني..


وكاد الفرعون مبارك أن يورث ابنه السلطة بمصر.. وأصبح العسكر بقيادة  الطنطاوي. مؤهلا ومستسلما ,, لهذا الأمرو وهو توريث مبارك السلطة لابنه جمال..


 إلى أن جاء الثوار الأحرار أبناء مصر الأبرار وقلبوا الموازين وأضاعوا الأمل لأسرة مبارك في التوريث..


 كان قواد الجيش وعلى رأسهم طنطاوي وعنان وعمارة.. وغيرهم لا يعصون أمرا لسيدهم الفرعون مبارك .. فهم خدم عنده ...


 اما ثوار مصر فهم  مع صغر سنهم فهم أسياد انفسهم وقرروا التصحية بالنفس لمنع مبارك من أن يورث السلطة لابنه..


 خاف قواد الجيش على مناصبهم ودخلهم .. ولم يعصوا امر مبارك ..


 وتحينوا الفرصة بعد الثورة .. وزاد املهم في أن يرثوا السلطة من مبارك وأن ينقلبوا على الثورة. وبالفعل حدث ذلك لأن الشعب المصري لديه ثقافة التوريث..


وأعلن المجلس العسكري وثيقة توريث السلطة لنفسه.. لأنهم عسكر مثل سيدهم مبارك.. فهم ورثوا منه السلطةعن طريق الوظيفة العسكرية.. وأعلنوا أنفسهم الحاكم الفعلي للبلاد..


شكرا لك والسلام عليكِ ورحمة الله.


3   تعليق بواسطة   نجلاء محمد     في   السبت 24 ديسمبر 2011
[63300]

المشكلة أننا لا نتعلم من دروس التاريخ .

شكرا د.  محمود مرسي  على مرورك على المقال والتعليق الذي يضيف دائما للمقال . المشكلة أننا لا نتعلم من دروس التاريخ .


لقد زورت شجرة الدر الوثيقة لإنقاذ الموقف وتسيير الأمور  ولكنها تسببت لنفسها قبل الآخرين في مشاكل بسبب هذا الاختيار وهذا التزوير . فبعد أن ساعدته على الوصول للحكم تنكر لها وعاملها معاملة سيئة بل واتهمها بالاستيلاء على أموال والده .


مما أدى إلى التأمر عليه واشتراكها في قتله .


 


4   تعليق بواسطة   نجلاء محمد     في   الإثنين 26 ديسمبر 2011
[63336]

المواجهة مخاطرة

نعم أستاذة نورا فالمواجهة مخاطرة بكل المقاييس والحل في بقائها سلمية كما بدأت .جميعهم اجتمعوا على الثوار بعدما تم الانقضاض على ثورتهم وخطفها وجني مكاسبها


فلم يكنفوا بتشويه الثوار فحسب بل قتلوهم جسديا بعد أن قتلوهم معنويا أطلقوا عليهم شائعات لا تنطبق مع شباب ضحورا بأنفسهم مقابل أهداف نبيلة وشريفة  ، والهدف هو  إثاروا الراي العام علي المعتصمين  وهذا بدوره من الممكن أن يؤدي إلى كوارث لا يمكن تفاديها بدون إراقة مزيداً من الدماء.


وذلك كله بمساعدة مشايخ السلفية الذين قرروا مؤخراً  أن من يموت في هذه التظاهرات لا يعتبر شهيدا أو مقتولا في سبيل الله فمن أين لهم بهذه التصريحات .


5   تعليق بواسطة   نعمة علم الدين     في   الثلاثاء 03 يناير 2012
[63641]

الفارق بين شجرة الدر والمشير ومبارك فى حكم مصر

 الفارق الهائل بين شجرة الدر والمشير ومبارك ، فشجرة الدر كذبت على شعبها من أجل حمايته وحماية مصر من العدو الخارجى الحقيقى القادم لأغتصاب أرض مصر وخيراتها،ولكن المشير ومبارك كذبوا على الشعب وقاموا بسحل وتنكيل أشرف وأطهر شباب على أرض مصر ( الثوار الاحرار ) بحجة حماية مصر من المخططات الخارجية التى تهدف لأحتلال مصر ونهب خيراتها وذلك كذب واضح فهم فعلوا ما فعلوه من اجل مصالحهم الشخصية ومن أجل البقاء فى الحكم ونهب أموال الشعب وتكديسها فى بنوك الغرب ، فشتان الفارق بينهم وبين شجرة الدر وللأسف فإنهما تشرفا بحكم مصر مثلها وأصبحا جزء من تاريخها ولكن العزاء الوحيد لنا أن التاريخ سوف يذكر لهما المجازر التى ارتكبوها فى حق الشعب المصرى على عكس ما يذكره التاريخ لشجرة الدر وما فعلته لحماية مصر والمصريين .  


6   تعليق بواسطة   نجلاء محمد     في   الأربعاء 04 يناير 2012
[63657]

والمقارنة بين شجرة الدر وسوزان مبارك غير جائزة

شكراً استاذة نعمة علم الدين على مرورك الكريم وعلى التعقيب واشاركك الرأي في أن الفرق شاسع بين شجرة الدر وحرصها على مصلحة البلاد من أن يعتدي عليها معتد وينهب خيراتها وبين هؤلاء الذين نهبوا خيرات مصر  وجوعوا المصريين الشرفاء البسطاء .


ولكن لدى مقارنة أخرى أجدها غير متكافئة وليست في صالح الطرف الثاني الذي مازال على قيد الحياة وهى المقرنة بين شجرة الدر وسوزان فهل من وجهة نظرك يجوز لنا المقارنة بينهما ؟


7   تعليق بواسطة   نعمة علم الدين     في   الأربعاء 04 يناير 2012
[63669]

شكرا استاذة نجلاء وإليك المقارنة

 الاستاذة نجلاء كنت قد كتبت هذا التعليق على مقال لأستاذنا الفاضل الدكتور أحمد على مقال بين مبارك وأبو لهب ( 2/2) التشابه فى الزوجة 


فتلك هى شجرة الدر والشىء المشترك بينها وبين سوزان هو أن كل واحدة منهن أرادت ان تحكم مصر من خلال سيطرتها على زوجها ، ولكن سوزان أذاقت الشعب المصرى الويلات فى سبيل تحقيق هدفها واستمرار حكمها من خلال سيطرتها على زوجها ومن بعده ابنها ، أما شجرة الدر ففعلت الكثير من اجل مصر حيث نجحت شجر الدر بمهارة فائقة أن تمسك بزمام الأمور وتقود دفة البلاد وسط الأمواج المتلاطمة التي كادت تعصف بها، ونجح الجيش المصري في رد العدوان الصليبي وإلحاق خسائر فادحة بالصليبيين، وحفظت السلطنة حتى تسلمها توران شاه الذي قاد البلاد إلى النصر.




فهذا هو الفرق بين سوزان وشجرة الدر ويا له من فرق .


أعتقد أن هذا التعليق يجيب على تساؤلك حيث أن وجه الشبه الوحيد بين شجرة الدر وسوزان أن كلتاهما حاولت أن تحكم مصر من خلال السيطرة على الزوج وإن كانت تلك هى السيئة الوحيدة لشجرة الدر مقابل ما فعلته لمصر وشعبها ولكن فى المقابل ماذا فعلت سوزان لمصر وشعبها أذاقته الذل والهوان والجوع والفقر والسحل والتعذيب على يد جلاديها من الشرطة وأمن الدولة  فى سبيل أن يصل ابنها للحكم وتحكم هى مصر من وراء ستار مثلما كانت تفعل مع والده .


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-08-23
مقالات منشورة : 32
اجمالي القراءات : 964,233
تعليقات له : 523
تعليقات عليه : 319
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt