الله رب الناس

سامر إسلامبولي في الإثنين 15 يناير 2007


"FONT-SIZE: 16pt; FONT-FAMILY: "Traditional Arabic"">   والإنسان منذ بدء الوعي عنده أوجد أجوبة لهذه الأسئلة الفطرية من خلال تفاعله الاجتماعي والطبيعي في الواقع ، وكان كل مجتمع يعيد هذا التفاعل الثقافي لفهم وتحديد هذه العلاقات الفكرية والتأكد من درجة موافقتها للواقع ، فصارت هذه الأسئلة الثقافية تسمى بالعقدة الكبرى ,وتناولها فلاسفة كل مجتمع دراسة وتحليلاً . فكانت تتراكم الدراسات مع الزمن وكل دراسة لاحقة تعدل السابقة من جانب وتوافقها من جانب آخر, إلى أن وصلت معظم المجتمعات الإنسانية قاطبة إلى جواب واحد على هذه الأسئلة وهي :

- كيف وجدنا ؟

قالوا : لا بد من فاعل أول قائم بنفسه مستغن عن غيره يصدر الفعل منه اختياراً وليس احتياجاً ، وهذا الفاعل الأول لا ينطبق عليه نظرية الدور ولا نظرية التسلسل لبطلانهما في الواقع, وأثبت علماء الفيزياء أن الكون ( الفعل ) له بداية ونهاية, وذلك من خلال بنية ونشوء الكون على قانون التناقض الداخلي في بنية الشيء الذي يؤدي في النهاية إلى هلاكه لا محالة . فالكون هو فعل له بداية ويسير إلى نهايته ، وبالتالي يحتاج ضرورة إلى فاعل من غير صفاته يكون أساساً ومصدراً للوجود , وهذا الفاعل الأزلي ( الأول والآخر ) يملك صفة الإيجاد للخلق ، وصفة الإمداد , وهو مازال قائماً فوق فعله يمده بالاستمرار والطاقة والحياة, يدبر أمر هذا المشروع المتنامي ,وبالتالي فنحن مخلوقون لخالق عظيم .[قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض ] إبراهيم 10

-       لماذا وجدنا ؟

  نظر الإنسان إلى حياته الاجتماعية فشاهد أن المجتمع الإنساني قائم على قانون التناقض الحكمي المعياري الثنائي, فكل علاقاته محكومة بهذا القانون الجدلي ، فشاهد الظلم وشعر به في كيانه وحياته ، فعلم أنه لا بد من وجود العدل وتحقيقه على أرض الواقع ، وكذلك الخير والشر ، والصلاح والفساد .. الخ, وعند دراسة هذا الوضع الاجتماعي وصل الإنسان بمعرفته إلى أنه مسؤول عن ذلك الوضع لأن الظلم صدر من ناس مثله ، وبالتالي ينبغي عليه أن يدفع عن نفسه الظلم من خلال العمل إلى تطبيق العدل ليأخذ القانون الاجتماعي مجراه من خلال الصراع التناقضي الثنائي بين العدل والظلم ، والخير والشر ، والصلاح والفساد, وعندما شاهد الإنسان أن الموت نهاية حتمية لحياته القائمة على قانون التناقض الثنائي المعياري وصل إلى أنه قطعاً وُجدَ في هذه الحياة الدنيا لتحقيق العدل والخير والصلاح ومحاربة الظلم والشر والفساد . إذاً الكائن الإنساني كائن مسؤول ويعيش في دار المسؤولية, وهي الحياة الدنيا دار الابتلاء والامتحان, ويكون الصراع بين الإنسان والشيطان,وليس بين الرحمن والشيطان,وبالتالي أدوات الصراع متاحة للطرفين على أرض الواقع.

   ومع ذلك العلم الذي ممكن للإنسان أن يصله لم يتركه الخالق يتخبط في امتحانه فأرسل الرسل مبشرين ومنذرين يعلمون الناس ويخبرونهم بجواب لماذا وجدنا ؟

قال الله تعالى : [ الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ](الملك2) وقال:[وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون](الذاريات 56) وكلمة العبادة تدل في الواقع على صورتين ( الشدة واللين ) مما يعني أن الله خلق الناس ليمارسوا حريتهم كاملة في عملية الإيمان أو الكفر كما قال تعالى:[ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ](الكهف29).

- أين نذهب بعد الموت ؟

   عندما علم الإنسان بوجود الخالق المدبر, وعلم أن وجوده في الحياة الدنيا للابتلاء والمسؤولية وعمران الأرض بالخير والعدل والصلاح, وأن الحياة الدنيا يحكمها قانون التناقض الجدلي المعياري, وصل إلى حتمية وجود حياة آخرة بعد الموت خالية من التناقض الجدلي المعياري قائمة على السلام والخير والمحبة بصورة أبدية ، ووصل أيضاً إلى أن نفس الإنسان كائنة سرمدية لا تفنى أو تهلك مثل الجسم الذي يتحول إلى عناصره الأولى من التربة, وأن النفس سوف تبعث من جديد في داخل جسم جديد يتم خلقه لها لتحل به وتستخدمه مرة أخرى لأن الوجود الحقيقي للإنسان إنما هو وجود نفسه وليس جسمه وصدق من قال :

     انهض بنفسك واستكمل فضائلها....فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

ومع ذلك أنزل الخالق المدبر على رسله كُتُباً حَوت الأجوبة بصورة فطرية وعلمية للأسئلة الثلاثة [كيف، لماذا، أين] رحمةً بعباده وتحقيقاً للعدل وقطعاً للحجة والبرهان لئلا يكون للناس حجة بعد الرسل .

   أيها الشباب! إنّ هذه الأجوبة الثلاثة للعقدة الكبرى صارت قاعدة وقيادة فكرية لنظام الإنسان والمجتمع ، وعلى موجبها يتم نهضة المجتمع من الانحطاط والتخلف والذل .

والمقياس لصحة هذه الأجوبة الثلاثية هو:

1- مطابقة الأفكار للواقع وقيام البرهان عليها .

2- موافقة الأفكار للفطرة الإنسانية .

3- حصول الأمن والاطمئنان في المجتمع نتيجة التطبيق لها .

   هذه القاعدة الفكرية هي أساس دعوة الأنبياء والرسل كلهم, لا تخضع لعملية التطور والنسبية لأنها حقيقة ثابتة. أيها الشباب! أريد أن أصل إلى أن الله الخالق المدبر هو أحد صمد عند الجميع, فلا يوجد في تاريخ الإنسان من ادَّعى وجود خالق آخر غير الله [ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ]( لقمان 25) وهذا الإله العظيم قد أنزل ديناً واحداً بدأ بنوح عليه السلام واستمر في حركته إلى إبراهيم وموسى وعيسى ليصل إلى محمد صلوات الله عليهم جميعاً ,وهذا الدين سماه الخالق الإسلام ابتداءً منذ نزوله [ إن الدين عند الله الإسلام ](آل عمران 19)[ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانيا ولكن كان حنيفاً مسلماً ]( آل عمران 67)[ ووصَّى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بَنيَّ إنَّ الله اصطفى لكم الدين فلا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون ] ( البقرة 132)، فالقاعدة الفكرية كانت واحدة وهي الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح [ إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولاهُم يحزنون ] (البقرة 62) بينما الشرع فقد أخذ محورين :

  المحور الأول : شرع له صفة الثبات ابتداء, وذلك لا تصافه بالإنسانية والعالمية ,فأخذت هذه الأحكام صفة الشرع الإسلامي التي كانت تنزل تباعاً على كل رسول حسب معطيات واقعه, وتتراكم بناء ًمن رسول إلى رسول, إلى أن وصلت إلى آخر رسول فتم ختم الرسالة لاكتمالها تشريعاً.

  المحور الثاني : شرع كان ينزل على الرسل السابقة بجانب الشرع الإسلامي, وهي أحكام مرتبطة بظروف مرحلية اجتماعية خاصة لقوم الرسول, فهي شرع قومي عيني تاريخي يُعدَّلُ ويُنسَخُ عند كل بعثة رسول جديد.

 واستمرت حركة الشرع بمحوريه الإسلامي والتاريخي ، الأول يتراكم بناءً ويكبر مع الزمن ، والآخر يتقلص وينكمش مع الزمن, إلى أن أراد الخالق المدبر إكمال نزول الشرع الإسلامي وذلك ببعثة النبي محمد, فأنزل القرآن وأعاد فيه كل ما نزل من الشرع الإسلامي سابقاً, وأكمله بناءً, ونسخ كل الشرع القومي العيني حين لم ينزله مرة ثانية في القرآن . فصار القرآن هو الكتاب الجامع للشرع الإسلامي [ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا] ( المائدة 3 )، بينما الكتب السابقة تحتوي على أجزاء من الشرع الإسلامي والآخر شرع قومي عيني .

   وهذا يوصلنا إلى أن دين الله هو الإسلام ,ولا يوجد ما يسمى بتعدد الأديان , وبالتالي من الخطأ أن تكون الدعوة إلى تقارب الأديان, وإنما ينبغي أن تكون الدعوة إلى التعايش والتعارف والتعاون [ ياأيها الناس إناََّّ خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن َّ أكرمكم عند الله اتقاكم ] ( الحجرات 13) فالصراع بين الناس ليس دينياً, وإنما هو صراع سياسي واقتصادي، فجميع أتباع الأنبياء والرسل دينهم الإسلام أما شرعهم فهو مؤلف من قسمين : الأول أحكام لها صفة الشرع الإسلامي. والثاني أحكام لها صفة الشرع القومي العيني وهي المعنية بالنسخ والتعديل, بخلاف الشرع الإسلامي فلا يصح نسخه أو تعديله أبداً, لأنه إنساني عالمي ابتداءً, ولذلك نجد أن النسخ كان دائماً بين شرع سابق وآخر لاحق ,ولم يحصل النسخ في شرع واحد أبداً .

    فدين الله الإسلام يجمع جميع أتباع الأنبياء والرسل, والشرع الإسلامي قد اكتمل بناءً ورضيه الخالق للناس عموماً, والأمر أشبه ببناء ضخم مؤلف من عدة طوابق ، فأساس البناء واحد [ الإيمان بالله واليوم الأخر والعمل الصالح ] والطوابق هي بمثابة المراحل التاريخية فكل من يسكن في هذا البناء يعتمد على أساسه وينضبط بنظامه بين السكان بغض النظر عن الطابق الذي اختاره أو طريقة معيشته في داخل سكنه بشرط أن لا يضر بأساس البناء . ومن هذا الوجه ظهر نظام الثابت والمتغير . ***

   فالنظام الثابت بين الناس هو التعايش والتماسك والنهضة, والنظام المتغير هو في حياة الناس الخاصة ضمن محور النظام الثابت.

   فمفهوم الله عند الناس جميعاً هو المحبة والعدل والخير والصلاح والتعاون والتعايش, فدين الله يجمعنا على المحبة ,بخلاف فكر الناس فإنه ينتج عنه الظلم والفساد ، والاختلاف بين الناس ليس اختلاف في دين الله, وإنما اختلاف في دين الشيطان,الذي يحاول أن يعرض فكره تحت دين الله ومن خلاله ليخدع بسطاء الناس ويظنون أنه دين الله, وتجري الحروب والويلات وتسيل الدماء باسم الدين وهو منهم براء لأن قادة الظلم والفساد يعلمون أن الذي يحرك  الناس إنما هو الدين, والدين يحمل مفاهيم المحبة والخير والعدل, فلابد لهم من تحريف الدين وزرع بذور الحقد والكره فيه من خلال اغتيال حق الآخر في الحياة ونفي رأيه ، وحصر واحتكار فكرة الصواب والفلاح في الدنيا, وفكرة الخلاص في الآخرة بفئة واحدة فقط لاغير, ومحاربة الفكر والعلم ونشر الخرافة والتابعية للرجال ليتمكن الفراعنة من استخدام الدين وقوداً للحرب والطغيان, ويحشدون الناس عليه, ويضربون المجتمعات الأخرى بهم لتحقيق المصالح الخفية المتمثلة بالاقتصاد والسياسة .

    فالحذر أيها الشباب من أن تنطلي عليكم هذه الخدعة, ويتم نشر الخلاف والحقد والطائفية والعرقية بينكم ليتم ضربكم ببعضكم حتى لا تقوم لكم قائمة في المستقبل. فالرب واحد والدين واحد ، وشرعه الإسلامي نلتزم به كلنا, ومن أراد الوقوف في شرعه عند مرحلة تاريخية معينة فهذا شأنه ولا ينفي عنه صفة الدين الإسلامي .

أما مفهوم قوله تعالى [ ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ](آل عمران 85) هو أن الرفض يكون من الناس في الدنيا ,لأن الإسلام دين العلم والفطرة, فمن الطبيعي أن يتم رفض أي دعوة تخالف العلم والفطرة ,ويتم رفضه في الآخرة أيضاً لأن هذا الإنسان الذي خالف العلم والفطرة فهو لاشك إنسان قد اتخذ إلهه هواه وسلك طريق الإجرام .   

[ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ] ( المائدة 2)

 

 

 

اجمالي القراءات 8461

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-01-08
مقالات منشورة : 134
اجمالي القراءات : 3,392,911
تعليقات له : 354
تعليقات عليه : 833
بلد الميلاد : Syria
بلد الاقامة : Syria