الحلقة الأولى:
رواية الكفار....

اسامة يس في الأربعاء 26 اكتوبر 2011


""

 

فوق رصيف ممتد كفم ثعلب بري، جلسنا، جاورتنا قطة ترضع نمورها، يمتص أحدهم الحلمة بنهم، محاولًا ما استطاع إزاحة البقية، الذين يحاولون إزاحته بدورهم، يتداعى لذهني قول أحد الشعراء، محرفًا إياه: “أنت كما الإسفنجة تمتص الحلمات ولا تسكر”

أجول بعيني؛ كي أسكر من صدرها البارز، يصنع شعاع النور المتعرج، الآتي من عامود نهشه الصدأ؛ فتعرت أسلاكه، ولما يزل يضيء، فاصلًا مغويًا بين نهديها.

 يحاول طفل سمج أن يزعج القطة وصغارها بشد ذيولها، أنهره، يبتعد قليلًا، يصرخ بكل وقاحة: “مال دين أمك، هيه كانت قطتك”.

يسعفني النادل بقذائف تنتهك العِرض؛ فيرد الطفل عليه مستخدمًا كل فنون البلاغة، من أشعار وجناس وطباق وسجع، ويباغته بزلطة كانت خبيئة كفه، ينكسر كوب أو أكثر، يفر الولد هاربًا؛ والنادل مسترسل في السباب.

تبتسم صديقتي الأمريكية ذات الأصول الصينية، هي لا تفهم حرفًا مما قاله الطفل، لكن الموقف أعجبها كأنه طرفة، يتميز الأمريكيون بقدر لا بأس به من البلاهة، والفرحة بأشياء تافهة.

 وصديقتي التي لا تمل أبدًا أن تحكي لي عن بوذا ومعاناته، تقول للمرة الخامسة والخمسين: هل تعلم أن أمه مايا توفيت وهو في السابعة من عمره، وأن عمته قد ظللته برعايتها، و…

تتبسم هوانغ دون داع؛ فتضيق عينيها أكثر مما هي ضيقة، تتابع قائلة: إن الأشخاص الذين يصهرهم الحزن، هم الأقدر على حمل المبادئ والقيم، هم الأقدر على معرفة طريق الخلاص، هم الأحق أن يعبَدوا.

وعلى رغم أن لي فلسفة أخرى بعيدة كل البعد عن شخصنة الدين، إلا إني قلت لها من قبيل الملاحظة فقط، : أو تعلمين أيضًا أن آمنة بنت وهب، أم النبي محمد، توفيت وهو في السادسة من عمره، وكذلك كفله عمه، ومع ذلك لم يؤلهه أتباعه، كما أن بوذا لم يقل عن نفسه إنه إله ؟

باغتتني متسائلة: وهل قال علي بن أبي طالب ذلك؟

قلت” بالعربية”: حاشا لله، ثم استدركت : بالطبع لم يقل.

فقالت: إن الإله الذي يعلن عن ذاته يشكك في ذاته وألوهيته.

فقلت: إذن الجميع آلهة.

غيرت هوانغ مجرى الحديث عمدًا ” هذا المقهى لا يروقني، لنذهب إلى مكان آخر” تعللت بالرطوبة والذباب المنتشر.

*******

في العتمة يمكن أن يحتويك سريرك، أن تشعر بالدفء، بينما تعصف الريح في الخارج بأبواب ونوافذ لا تخصك، وتناطح بقرنيها أرجاء المعمورة، في العتمة قد تضرب بكفك بعوضه مستفزة، وتداعب عضوك المنتصب بالكف الآخر، دون خجل.

في العتمة تتذكر أبو رجل مسلوخة، فتحاوره ويحاورك، بل قد ينشدك قصته عن سلخ رجله الشهيرة، ويحكي لك قصة أبو شوال.

في العتمة يقتحمك آخر، يتمنى أن تدهسك مقطورة في يوم ماطر؛ فيزيحك، يتكلم باسمك، وينصب نفسه بديلًا عنك، ويفاوض، ويفكر لك، ويفكر عنك، يقرأ أفكارك،  بل ويسائل شعثًا:

قلت: ويحك يا شعث بن بلتعة، أو تزعم أنك رأيته ؟

قال: وأيم الله رأيته كأني أراك، وهو في عشرة آلاف أو يزيدون؛ فركبت دابتي، وجئت أنذر القوم؛ فوجدت أبا سفيان وبجواره عمرو بن العاص عند الكعبة؛ فصحت وأنا فوق دابتي: النذير النذير يا قوم؛ فالتفت أبو سفيان وقد امتقع وجهه وقال: ثكلتك أمك يا شعث، أي آبدة حلّت ؟

انسكب الحبر الأحمر، كان لزجًا؛ فلطخ الأوراق، فقال شعث وقد نزل من على دابته وكأنه يتكهن: “رجال صرعى، وأمهات ثكلى، زوجات مترملات، إنها المنايا قد أطلقت ليوثها فاحذروا”

في الليل اجتمع القوم في ناديهم؛ يتشاورون، تفحص أبو سفيان وجوه القوم؛ فلم يجد ابنه حاضرًا؛ فصاح: يا وحشي، اذهب ونادي سيدك معاوية.

 وراح القوم يسائلون شعثًا، ويتجاذبون أطراف المشورة، فقال خالد بن الوليد: إن بيننا وبين القوم صُلح، وقد علمتم صدق محمد ووفائه بالعهود، فإنا لا ننقض حتى ينقض، وإني لا أظنه يفعل.

فصرخ فيه عكرمة بن أبي الحكم قائلًا: بخ بخ يا صاحب أحد، أنا جذيلها المحكك و عذيقها المرجب.

وقدم معاوية على بغلة عرجاء قَطوف؛ فقال وهو بعد فوقها: إنما الأيام دول، آلا إنها قد دارت رحاها، ألا وإني قابض بيدي هاتين على دفتيها، وهي تتعرج كبغلتي هذه، فالصبر الصبر، ولَيَعْلَمٌنَّ غدًا لمن تكون….

*****

الشيخ القابع في أقصى الجامع، بعباءته السوداء المزركشة بخطوط من فضة لا تكاد تبين، كان وقورًا، يمضغ السواك أو يمضغه السواك، يداعب لحيته من آن لآخر، يعدل من وضع عمامته، يتبسم للجمع الغافر، لكن كأنه لا يراهم حقًا.

سأله أحدهم عن مسألة في الميراث، واستفتاه آخر، قبل أن يكمل إجابته، عن الفوائد المصرفية، بينما استفسر آخر عن عذاب القبر..

وقف رجل عجوز، بدا  خرفًا؛ وصاح معددًا نسب النبي صلى الله عليه وسلم،                          قائلًا: هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلببن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب …..

 فلما فرغ طلب الإحسان، وألح، نهره السائل عن الفوائد المصرفية؛ فجلس العجوز منكسرًا، بينما بادر السائل عن عذاب القبر بمساعدته.

 حسمتُ ترددي قلت:” أو تسمح لي بسؤال يختلج صدري يا شيخ “، قال: اقترب؛ فاقتربت، قال: أكثر؛ فاقتربت حتى مست ركبتاي ركبتيه؛ فحدجني بسهام متفرسة، ثم قال: مهلًا يا بني مهلًا، فتزحزحت جانبًا، وقد تملكني الغيظ، ثم راحت تتوالى على الشيخ الأسئلة، والشيخ يجيب، كأنه البحر الزاخر.

****

فقلت يا شعث أو رأيته نزلة أخرى؟

فقال: إي والله رأيته بعدها بعام، وكان ذلك يوم الفتح، وقد عفا عن القوم، وكنت يومئذ مشركًا، فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

فما أراق دمًا، وما نكل بأحد، بل الأمن الأمن، الرحمة الرحمة، السلامة السلامة.

قلت وكيف كان بن حرب حينها؟

قال أبصرته فاحتجبت عنه؛ فلما رآني صرخ فيِّ قائلًا: يا بن اللخناء، كذبت وخانك شيطانك، من أغلق عليه داره فهو آمن، ومن دخل بيتي فهو آمن.

فانزويت خجلًا، وكان أن شرح الله صدري للإسلام.

****

لمّا فرغت الصلاة، اخترقتُ الصفوف، واقتربت من الشيخ، وقد لاحظ ما فعلته؛ فتبسم ضاحكًا وقال: هات ما عندك أيها الشاب؟

 فقلت: بالله عليك يا شيخ أي الأديان أحب إلى الله..؟

فقال وقد تبدلت ملامحه: اقترب، فتذكرت ما كان في المرة السابقة؛ فقلت بوقاحة: يا شيخنا أجبني ، أو قل لا أدري، وأردفت ساخرًا: ومن قال لست أدري فقد أفتى.

طال صمته، حتى طننته لن يجيب.  ثم قال بنبرة إلى الضيق أقرب: دين الله أحب إليه.

فقاطعته متعجلًا: أي دين من أديان الله؟

تقدم الشيخ نحوي خطوات أربع إلى الأمام، ثم جذبني بقوة ورفق في آن، وهمس حتى لامست أنفاسه خدي: يا فتى لا تخب فراستي فيك، فليس كل ما يعرف يقال، وليس ما يقال لك خاصة، يقال أمام العامة.

فتنحيت جانبًا، وقد أصابني بعض ضيق لما بدر مني.

****

يشعرك الكون إذ أبصرته حقًا بحجمك؛ يتضاءل جسدك، ثم يتضاءل أكثر فأكثر، يبهرك توحش ألوان نسر، حط للمرة الأولى في حياته على غصن شجرة، تغض الطرف عن فأر يتحرش بالعشب، تتساقط رُطَب على الأرض الرطبة؛ تنحني، تأخذ واحدة أو أكثر، تلقي بنواة في الماء الراكد، تبقي أخرى في كفك، تقول، وكأنك تعتذر: بسم الله أوله وآخره.

      يشعرك البرد بقليل من الهذيان، أو ربما أسكرتك الرطب؛ فتقول:

“أَحد أَحد”

 وتقول: “أُُحد جبل يحبنا ونحبه ” وتبتسم.

تظن أن وعيك قد تلاشى؛ فتجادل عن جبل يحِب، وعن صخر له قلب، تجادل عقلك الباغي؛ فيهزمك وتهزمه، وتصر على صدق الخبر، ويصر العقل أن للمجاز أنيابًا؛ تقول ساخرًا: أية أنياب يا عقل تلك؟ أأسد هو؟ فيرد العقل: بل ذئب هو.

وحين يجن الليل، تتأمل في الملأ الأعلى، وتناجي: يا الله يا الله ( أرني أنظر إليك)

تحاورك الذات، أو يحاورك الجن سيان، فأنت الجني وأنت المجنون في آن، وتقول لعفريت ضلّلك: استرق السمع يا عفريت ونبئني ماذا يحدث .. في الأعلى هناك.. وتشير بسبابتك إلى أعلى، وتكرر: يا جنيّ ماذا يحدث في الأعلى؟

يحبس أنفاسه، يهمس مرتعشًا ملتاعًا، يتصبب عرقًا، يلتفت يمينًا ويسارًا، ويقول: ربي الآن قد نزل إلى السماء الدنيا؛ لينادي: من يدعوني فأستجب له، من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟

تستدعي الجني الخارق من مكمنه، تفرك مصابيح عينيه؛ توقظه، الجني الخارق يسكن قلبك، يسكن عقلك، يسكن أنفاسك، يسكن أحبالك الصوتية، يتجلى أمامك قزمًا عملاقًا، يتمطى غضبًا، يصرخ فيك، تصرخ فيه: حجرًا محجورًا.

 وتقول: يا جني احملني؛ أصعد إلى أعلى، لا تقلق، لن أحدث صخبًا، احملني إلى السماء الدنيا، فقط حيث السماء الدنيا؛ علّي أرى، علّي أسمع ما لا تسمع.

يا جني: ها قد واتتني الفرصة، فإن فاتت فلا أحسب أن تأتيني ثانية، يا جني إن تفعل أشفع لك عند ربك…؛ فينجيك من النار…

يا قزم إني آمرك، يا عملاق، إني أرجوك….

ويظل العقل يجادلك، يدهس فيك القلب قائلًا: ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)؛ فترد عليه متعجلًا: ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ).

فيجيب الشيخ أو الجني أو أنت في ارتياع: ماذا دهاك أكفرت؟!

ويجيبك جني آخر في حنوّ:  على رسلك، أمهلني أعرج، أتسمّع وأعود؛ فأقص عليك.

فتقول بصبر بدأ ينفد: لا تتأخر.

يصيبك بعض هواء ثائر، تنسى الأمر برمته، تغرز خنجرك البرونزي هناك؛ فتوجعها، تدفعك بلطف وتعيدك، يتشظى الجني؛ فتلحظه داميًا، ويقول: سُكِرت أبواب السماء عنا، بل نحنُ جندٌ مهزومون.

تنظر إلى أعلى مرتعشًا؛ فتصيبك صاعقة ترديك إلا قليلًا، تفيق ملتاعًا، وتفر، تتبعك النداهة قائلة: على رسلِك يا فتى؛ فالليل طويل والعمر كذلك.

****

استقبلني الشيخ في بهو منزله الرحب، أنيق الأثاث دون تكلف، تفوح منه رائحة المسك، قدمت لي الخادمة شرابًا من عصير البرتقال المثلج؛ فوددت من حلاوته ألا أفرغ منه أبدًا، وكنت قد عزمت وقد واتتني الفرصة أن أسأل الشيخ عن المُطْلقات، ولا أدري ألفراسة مماثلة وثقت في قدرته على الإجابة ؟ أم أن نفسي حدثتني أن هذه هي الفرصة الأخيرة للعمائم!

وحين أطل الشيخ بوقاره المعهود؛ سرت في الجسد رهبة، لم تحدث لي في لقاءات الجامع، فرت بعض الأسئلة من ذهني، لكني جمعت ما استطعت من شتاتها، وقذفت بآخر ما تبقى من العصير في فمي، وحين هممت أن أتكلم، جال بخاطري سؤال لم يكن في الحسبان، فقلت: أو شرب النبي صلى الله عليه وسلم النبيذ حقًا؟

فكما تعلم يا شيخنا أنه جاء في الحديث: “عن بكر بن عبد الله قال: قال رجل لابن عباس ما بال أهل هذا البيت يسقون النبيذ، وبنو عمهم يسقون اللبن والعسل والسويق. أبخل بهم أم حاجة؟ فقال ابن عباس ما بنا من بخل ولا بنا من حاجة، ولكن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته، وخلفه أسامة بن زيد، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب؛ فأتي بنبيذ فشرب منه، ودفع فضله إلى أسامة بن زيد فشرب منه، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسنتم وأجملتم كذلك فافعلوا “.

فتبسم الشيخ، وقال: أما الأولى فقد عذرتك فيها، وأما الثانية فما عذرك؟

فقلت: عفوًا، ثم ضحكت من كونه علم أني أختبره.

قلت: أي دين أحب إلى الله؟

قال: الإسلام.

قلت: أو لم يكن موسى مسلمًا؟

قال: بلى.

قلت: وعيسى؟

قال: بلى.

قلت: وأتباع موسى، وأتباع عيسى، أكفار هم جميعًا.

 فقال الشيخ: الأمر في كثير من الأحيان لا يتبدى هكذا ببساطة، النظرة الأولى وربما الثالثة لا تفسح زاوية للرؤية، هناك نظرة إلى الداخل، إلى الأعماق، ونظرة أخرى إلى أعماق الأعماق، تحت البحر نار، وفوق النار ماء.

 هناك أمر لا يمكن البرهنة عليه، عصي على إقناع الآخرين، غائر في إقناعك أنت، ذاك الشيء القريب منك كل القرب، البعيد في ظنك عن غيرك كل البعد، تتمنى لو يحل الآخر محلك، أن يكون أنت لبرهة، كي يصدق، كي يقول: بلى.

هب حاول هو أن يلعب معك نفس الدور، وقلت أنت: بلى.

فأيها الصادقة، وأيها على حق، وأيها معها اليقين؟

قلت: إذن الأمر يبدو وكأنه لا حق في ذاته، وأردفت: عفوًا، اعذرني يا شيخ، إن كلامكم هذا يسري في شرايينه روح من السفسطة.

غاص الشيخ بظهره إلى الوراء، داعب لحيته البيضاء، ثم قال متجاهلًا كلامي، كأنما يحدث نفسه: ليسوا سواء، ليسوا سواء.

 

أشعر بالحنق حين يضعني الآخر داخل الدائرة؛ ظنًا منه أن الجميع فيما يعتقد سواء؛ فأضطر حين ذاك أن أقاطعه، وعذره أنه ربما لا يعرف، لكن هوانغ التي قالت وهي تشير إليّ وإلى صديقي عمار: هذا هو دينكم، كانت تعرف أن لي أفكارًا أخرى؛ لذلك أبديت بعض امتعاض من الأسلوب ذاته، فهو أسلوب يجعل من عمار السلفي حتى النخاع، يقيم عليها جميع الحدود قاطبة، وأبديت بعض امتعاض آخر من صيغة الجمع التي شملتنا معًا. أردتها أن تدرك أنني انزعجت.

أدركت هوانغ الامتعاض الأخير، ويا ليتها أدركت الأول.

 أمسكت بتلابيب الأوراق، وهي تبتسم؛ كأنها حققت نصرًا عظيمًا.

الصوت المنبعث من سماعات ” الكافيه” كان مزعجًا، يشبه بطن حمار منتفخ، أو ربما يشبه صوت سلعوة رأت صورتها في الماء؛ فأُشكل عليها؛ فصاحت فزعة، وقررت ألا تروي ظمأها أبدًا.

 ضاعف من بذاءة الصوت، خشيتي من صِدام آتٍ لا محالة؛ فقلت: عمّار، صديقي متمسك بكتاب الله وسنة نبيه، وعضضت بنواجذي على سنة نبيه.

 فقالت هوانغ متجاهلة إشاراتي: طلب مني المركز أن أعد ورقة عن حال المرأة في الإسلام؛ فوجدت، بعد بحث، أن حالها يرثى له.

بدأ وجه عمار يتغير تلقائيًا؛ فأومأت له بقدر ما استطعت أن صبرًا، ولعنت الموقف الذي أنا فيه، والذي لم أتعمده قط، لكنها الأقدار، وقلت: يا صديقتي، يبدو أن هناك خلطًا قد وقعتِ فيه، حين مزجتِ بين حال المرأة في شبه الجزيرة العربية، الذي نزل عليه التشريع، وبين حالها في الإسلام.

قالت: لا يا صديقي، أنا أتحدث عن التشريع ذاته ؟

وأردفت: التشريع ذاته كان مجحفًا، دعنا نقول قاصرًا؟ كان تساؤلها يحمل يقينًا لا يرجوا إجابة.

حين وضع “الجرسون” “النسكافيه” الذي تفضله هوانغ، والشاي الذي أفضله أنا، والينسون الذي يفضله عمار، قلت له بانفعال ملحوظ : “يا  إمّا تشغَّل فيروز، يا تقفل الهباب دا “.

فقال عمار معقبًا: يقفله أفضل.

 ”دا عطية الملاح يا بهوات، انتم متعرفوهوش؟ دا مكسّر الدنيا “

تجاهلته تمامًا، قلت: هل تقصدين قصور التشريع وقت نزول النص أم الآن؟

قالت: في الحالتين، وأردفت: هل تغير شيء..؟

طمست إجابتي، تناولت كوب الشاي، رفعته في الهواء لأتأكد من درجة لونه، كابدت في إسكات عمار الذي اشتعل غيظًا، ونطق بإنجليزية ركيكة بعض سُباب هجين، ابتلعته هوانغ، وتنمرت كصينية تهيأت للقتال، قالت وهي تفتش في الأوراق: أوليس هذا بكلام نبيك يا عمار ؟! وبدأت تقرأ من ورقها:

 جاءت امرأة إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقالت: يا رسول الله، أنا فلانة بنت فلان، قال: (قد عرفتك، فما حاجتك؟).قالت: حاجتي إلى ابن عمي فلان العابد، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (قد عرفته)،قالت: يخطبني، فأخبرني ما حق الزوج على الزوجة، فإن كان شيئا أطيقه تزوجته، وإن لم أطق لا أتزوج. قال: (من حق الزوج على الزوجة، أن لو سالت منخراه دمًا، وقيحًا، وصديدًا، فلحسته بلسانها ما أدت حقه، لو كان ينبغي لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، إذا دخل عليها لما فضله الله عليها) قالت: والذي بعثك بالحق لا أتزوج ما بقيت في الدنيا.

 استشاط عمار غضبًا، كأنه الثور الهائج، تلعثم لسانه، ضرب الطاولة، هذى بعبارات عن صحة الحديث وعن ضعفه، مبديًا عللًا لا دخل للفتاة بها، أدركت أن كلامي سيجعل النزال دمويًا، ليس فقط بينه وبين الفتاة، بل بيني وبينه أنا الآخر؛ فصرخت فيها: يا هوانغ، كفى الآن، سيكون بيني وبينك حوار آخر، ثم انتشلت عمارَ قائلًا : هيا يا عمار، وإلا قتلتك الفئة الباغية.

****

تتمهل سيارتي قليلًا، بينما يتكوم طفل وأمه، وآخر دون أمه، وأخرى لا تعرف لها أبًا ولا أمًا، يتكومون، يتراكمون فوق أرصفة الجوع والبؤس، فوق الزبالة والجزم، تحت الزبالة والجزم، فوق الجرذان، أسفل اليرابيع، فوق ظهور البراغيث، وفوق بطون القُمَّل، وتنوح فيروز في حزن ” الطفل في المغارة وأمه مريم وجهان يبكيان، يبكيان لأجل من تشردوا…. “

الساعة في يدي تشير إلى العاشرة والنصف، وفي ساعة السيارة إلى العاشرة والنصف وخمس دقائق، الوقت متأخر قليلًا، فقد قُضيت صلاة العشاء منذ وقت ليس بقليل، ليس من عادتي أن أزور أحدًا بغير موعد سابق، لكني وددت لو عرجت على بيت الشيخ؛ فأقص عليه ما جرى لعمّار؛ لتكون بداية لنقاش ثري.

  تتريث السيارة كلما اقتربت من المنطقة التي يقطن فيها الشيخ، بينما يلح علي خاطري أن أكمل، أدهس البنزين بقوة؛ فتنطلق السيارة صوب البيت مباشرة، ثم تتوقف.

 أطرق الباب بتردد يتبدى في صدى الجرس المتذبذب، أعود قليلًا للخلف؛ فتجيب فتاة: عفوًا والدي الشيخ ليس هنا، تضيف: “نقوله مين حضرتك، لما يجي بإذن الله؟ “

 محبطًا أتقهقر للوراء خطوتين، دونما إجابة، ألتفت عائدًا، أسمع وكأن الباب قد انفتح؛ فأعود ببصري، ألحظها كالبرق الخاطف وتلحظني، ينغلق الباب بإحكام؛ فأقول وقد عرجت بي السيارة: ربما، بل لعل وعسى، بل قد يكون القدر.

قرب منزلي يعاجلني القدر، بكمين غير متوقع لشرطة المرور، قال أمين الشرطة، في نفاد صبر:

” على جنب يا ملاكي على جنب”

اصطففت خلف سيارات كانت هي الأخرى تحاذي بين المرايا، وتسد الفرج، وانتظرت إلى أن يحن علينا الضابط المتخفي خلف سيارة الشرطة، والذي ألحظة بصعوبة من موضعي هذا. أغرتني لوحة إعلان لفتاة نصفها عار، ونصفها الآخر نصفه عار، تختفي صورتها إلى الداخل، وتطل بعناقيد من اللؤلؤ والمرجان، تجاورها لوحة تطالبنا أن نتصل؛ ليفتينا فضيلته، عن نتف الإبط، وحلق العانة، وتحريم الدخان، وأخرى عن فيلم لمهرج قديم، لم يسأم بعد مس مؤخرات الممثلات. ولما طال الانتظار، عدت بسيارتي إلى الوراء قليلًا، ثم حاولت ما استطعت أن أعدل المقود للأمام؛ وأتفادى الاصطدام بالسيارة المجاورة، إلا أني سمعت صوتًا أجش، إلى البهائم أقرب، بصعوبة اتضح لي أنه صوت أمين الشرطة، الذي جاء مهرولًا ضاربًا على واجهة السيارة، قائلًا: إيه إيه رايح فين ..؟

فقلت، وقد تلبسني العته: “ماشي”.

ضحك الأمين ضحكة نعجة أصابها برد؛ فراحت تعطس، وتنتظر أن يشمتها النعاج؛ فلم يستجب لها أحد، ثم نادى الضابط متهكمًا: “والنبي يا باشا تيجي تشوف البيه أصله مستعجل عايز يمشي “

 تفحصني صاحب النجوم الثلاث، كان يشبه إلى حد بعيد الأواني المستطرقة، ولما اطمئن وجدانه أني لست فلانًا أو ابنًا لفلان، قال بلهجة حازمة مضغوطة مثقلة بدخان سجائر “مارلبورو” أحمر: رُخصك .

قلبها في كفه، تفحصها، دون في دفتره بعض أشياء لا علم لي بها، ألقى بالرخص في يد أمين الشرطة، أخذ الأمين الرخص وانصرف إلى زبون آخر، أقصد سائق أخر.

قال لي جاري من شباك سيارته، محاولًا مساعدتي: “يا بيه افهم بقى، هيه عشرين جنيه وهتخلص الليلة دي كلها”.

ناديت الأمين، غير الأمين، الذي جاء مختالًا، دسست في جيبه من الجنيهات، ما لا تعلم يسراي ما دسته يمناي، تفحصها الأمين بتمهل ماسخ، مط شفتيه، ثم تبسم كخروف أحول، وهو يقذف بالرخص في حجري، وينعق في آن واحد: وسّع الطريق.

*******

قلت يا شعث أو سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

فأنشد وكأنه لم يسمعني:

 قِفِـي قَبْلَ التَّفَرُّقِ يَا ظَعِيْنـَا    ____     نُخَبِّـرْكِ اليَقِيْـنَ وَتُخْبِرِيْنَـا

فقلت: صه.

فانتبه قائلًا: أي حديث هو ؟

قلت قوله صلى الله عليه وسلم:

“افترقت اليهود على إحدى و سبعين فرقة، فواحدة في الجنة و سبعين في النار، و افترقت النصارى على اثنين و سبعين فرقة فواحدة في الجنة و إحدى و سبعين في النار، و الذي نفسي بيده لتفترقن أمتي على ثلاث و سبعين فرقة، فواحدة في الجنة و اثنتين و سبعين في النار، قيل يا رسول الله من هم ؟ قال : هم الجماعة”
قال شعث: لا، لم أسمعه.

قلت: وكيف تراه؟

فقال: “يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ إلى النار”.

قلت: أي جماعة تقصد.

فرماني بنظرة غضب تتلظى، وراح وقد عاوده الإنشاد:

ذهبت قريش بالمكارم والعلا **** واللؤم تحت عمائم الأنصار

نحيت الكتاب جانبًا، أطفأت المصباح، ورحت في نوم عميق.

هناك رأيته، صدقًا رأيته، فمن رآه فقد رآه، عن يمينه الأول، وعن يساره الثاني، وكان الرابع يسكن قلبه، أما الثالث فلم أره، هرولت مسرعًا إليه؛ فقام الثاني والسيف بيده؛ فأصابني الفزع وتقهقرت للوراء، قلت بحذر: اغمد سيفك، فإني والله ما جئته إلا حائرًا؛ فوضع السيف في خصره، ثم تكلم الأول قائلًا: تقدم قليلًا، واجلس وَسَل، واخفض صوتك، ولا تطل المقام….

أيقظني عمّار، من نومي، أغلقت الخط دون قصد مني، وغفلت ثانية؛ فأتاني جبريل في المنام وقال:

 ‏اقْرَأْ فقلت: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، ‏فَغَطَّنِي‏ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ ‏ ‏أَرْسَلَنِي، فقمت فزعًا، وعمّار الذي يبدو أني فتحت عليه الخط بدلًا من إغلاقه يكمل الحديث، صرخت فيه:  يا عمار، ما أنت بقارئ، انتبه عمار لصوتي، وقال بحياء خالص:

 من فضلك أفق؛ سُمح لنا اليوم بزيارة الوالد، وأود، إن كان باستطاعتك، أن تصحبنا بسيارتك؟

أجبت على الفور: بكل سرور.

*****

في طريقنا إلى المعتقل، تغوص بنا السيارة، تشرق وتغرب، يغمرني دعاء الحاجة أم عمار، حتى يخجلني. يصر عمّار أن الفتاة حمقاء مغرضة، وأتبسم خافتًا صوتي إلى أقصى مدى: يا متطرف، هذا ما ألقى بوالدك هناك.

يتبسم عمار بتحفز ويقول: بل الحق من ألقاه هناك، والحق لابد سينتصر، ويزهق الباطل.

فأضحك ممازحًا إياه: الحق من ألقاه هناك أم أمن الدولة؟

يتمهل قليلًا ثم يقول: “يأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر” أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

أقول: تعلم يا عمّار، وربما لا يكون هذا وقته، لكن الشيء بالشيء يذكر، كما يقال، تعلم أن لي موقفًا من هؤلاء، ومن الدول البوليسية الشمولية، وتعلم أنهم لا يتركون أي رأي مخالف يرى النور، وتعلم أنهم يتعاملون مع الآراء بقدر ما يمسهم مباشرة، فالأقرب إلى كراسيهم أقرب إلى النار، ومع ذلك كله، لا يعني..، وتوقفت قليلًا، وكأني انتبهت إلى ارتفاع نبرة صوتي، ثم قلت مواريًا: لا يعني ذلك أن الحق هناك.

 وكأن أم عمار قد تنبهت لقولي، حين حوقلت قائلة: وأين الحق إذن يا صاحب عمّار؟

 فوددت لو ابتلعتني الأرض، وما نطقت، ونظرت لعمّار مستنجدًا؛ فقال بلطف: يا أماه هو لم يقصد قط أن أمن الدولة على حق.

فتمتمت أمه وأدغمت عبارات غير مفهومه، ثم راحت تبث شكواها إلى الله.

أقسم عمَّار أنه سمع الضابط في زيارته السابقة لأبيه، يتحدى الله عز وجل، وإنه قال بالحرف الواحد: خلي ربنا ينفعكم، لو نزل الأرض؛ لاعتقلناه.

قلت مندهشًا: الله اكبر، وأسررت لنفسي ما لم أبده لهما: يعقوب صارع الله، والضابط يريد أن يعتقله، استغفر الله.

حين انعطفت بنا السيارة أمام باب المعتقل، فرت من أسفل النقاب عبرة، بينما علا صوت عمّار وهو يتلو قوله تعالى: ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).

 الشمس تستعر حد الغليان، ورطوبة رخوة، وعفر يخترق رئتيك، تلهث ككلب أنهكه النباح، يخيل إليك أن كلمة الظمأ كلمة مضللة، تبحث في قاموس اللغة: القحط، البطحاء، الجدباء، الضّبُ، وتقول: وما دخل الضب؟

 لا أدري، ليست مهمة هي المترادفات، يخنقني العرق اللزج، يخيل إلي أن عسكري الأمن المركزي، الواقف على بعد أمتار مني هو الإنقاذ، أفكر أني لو كنت مدخنًا لأغريته بعلبة كاملة، للتدخين فوائد عظيمة إذن.

 أذكر أن صاحبًا لي كان شرهًا للتدخين، يمتصه وكأنه رحيق، يعرف قيمته، يعرف كيف يستخدمه ومتى، نصحته ذات مرة أن يقلل فقط من التدخين، قال ساخرًا ومتحديًا: بهذه، وأشار إلى رأسه، لو شئت أدخلتك قصر الرئاسة، إنه المزاج يا عزيزي، فقلت هازئًا: “والله ما تقدر تدخلني السينما حتى”

 انتظر صديقي حتى مباراة المنتخب المصيرية، وهاتفني، وكنت بالطبع قد نسيت أمر التحدي وحسبته مزاحًا، قال أبشر “معايا تذكرتين للمباراة “، فلم أصدق، وذهبت إلى “الإستاد” وانتظرته حسب الاتفاق، كان الزحام شديدًا، وإن بدا التنظيم جيدًا إلى حد بعيد، حين لمحته هرولت إليه: أين التذاكر؟ قال: انتظرني هنا، ساورني الشك، لكني انتظرت.

دار حوار بينه وبين عسكري أمن من عساكر البوابة، ثم انفرد به على جانب من الزحام المحيط، تبادل معه حديثًا بالقطع لم أسمعه، دس يده في جيبه أخرج علبه سجائر دسها العسكري سريعًا في جيبه، أشار بيده إلي، فتقدمت ببطء، بالكاد سمعته يقول: وصاحبي.

بعدما فرغنا من مشاهدة المباراة الآثمة، وفي طريقنا للعودة: أسر إليَ صاحبي بعد إلحاح مني: ” العلبة كان فيها خمس سجاير محشية بانجو يا ريس”.

اشتد لهيب الحلق، فتقمصت دور صاحبي، بيد أني لا أملك ما كان يملكه، وقلت بتأدب:

” من فضلك إذا في مكان أشتري منه ازازة مية يا دفعة، أكون شاكرًا لك”.

أشار الدفعة بيده قائلًا: “ارجع ورا ارجع”

أكرر : ” يا دفعة أنا بسألك عن مكان أشتري منه مية”

الدفعة الطافح بغباء كالح أجاب قائلًا : ” ميه إيه وهباب إيه في الحر دا”

أنفجر ضاحكًا، ثم ألمم ضحكاتي التي تقف في الحلق؛ فتزيد الأمر سوءًا.

*****

عاتبني الشيخ في رقة؛ فقلت: والله يا شيخنا منعني الحياء، وارتبكت حين لم أجدك، ثم رويت له ما حدث من الصينية الأمريكية، وما أصاب عمّار من هلع من قولها.

اهتزت أحبال صوت الشيخ وهو يلوك الاسم بفمه، ويكرر اسم عمار عمار عمار، أخذه الشرود ثم قال:  أتراه عمار طه عبد الرحيم ؟ ابن الشيخ طه عبد الرحيم.

قلت: بلى، هو ذاك، هل تعرفه ؟

صدرت عن الشيخ تنهيده صلبة، وقال: يا الله، عمار ولد وأبوه بالمعتقل، كانت تجمعني بأبيه زنزانة واحدة، يا رحيم يا رب، كم من العمر فات ولم أره.

قلت: لكن الشيخ طه لم يزل خلف الجدران ؟

أومأ الشيخ: أعلم أعلم.

 وكأنها الفرصة قد واتتني؛ لأقتحم حصون الشيخ وأدكها دكّا: إذن فقد كنت في ذاك الزمان تشاركه  الأفكار ذاتها.

فقال الشيخ: كنا نظن أن الحق معنا، كنا نظن أننا باستطاعتنا أن نغير الكون بأسره، أن ننصر دين الله، كانت والله يا ولدي مرحلة بكر، مفعمة بإيمان حقيقي، إيمان أقرب للفترة المكية من رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

فقلت بزفرة: أخطر شيء أن تحركنا العاطفة؛ لنقتل باسم الله، ولا نشعر بالذنب أو بفداحة ما كسبته أيدينا ؟

راح الشيخ يدافع عن نفسه، وكأني صوبت له اتهامًا مباشرًا: لا والذي نفسي بيده لم آمر بقتل إنسان، ولا يحاسبني الله على دم أريق، حتى حين كنت أميرًا للجماعة، ثم انتبه الشيخ متراجعًا: خيركم في الجاهلية خيركم في الإسلام.

فقلت بطريقة إلى التشفي أقرب: أصبح الماضي إذن جاهلية، والحاضر إسلام.

قضم الشيخ سواكًا كان بيده، وقال بضيق: يا ولدي العدول عن الخطأ خير من التمادي فيه.

فقلت بحماقة مست أوصالي: العدول عن الخطيئة يا شيخ لا عن الخطأ، ثم أردفت: والآن أيضا تعتقد أن الحق معك، أليس كذلك؟

فقال الشيخ بلهجة آمرة: اشرب العصير يا بني، اشرب.

همست الخادمة؛ فاستأذن الشيخ، ودخل من الباب الذي يقابلني مباشرة، عرفت بعد ذلك أنه باب المكتبة، ثم خرج الشيخ وبجواره فتاة، يبدو أنني كنت أقف عائقًا أمام خروجها من المكتبة، تعجلت الفتاة خطاها، استمهلها الشيخ قائلًا: أهذا هو صاحبنا الشاب الذي جاء، ثم فر ولم يعقب …؟

هزت الفتاة رأسها في حياء، وإن غمرت وجهها ابتسامة، ثم انصرفت.

لم يك يشغلني شيء بعد تلك الابتسامة سوى تلك الابتسامة، فما تبقى من حوار مع الشيخ، جاء مشوشًا، لم أعد أذكر منه سوى أنه طالبني عندما هممت بالمغادرة، أن أصحب معي صديقي عمّار إذا جئت لزيارته المرة القادمة.

******

الفتاة الأمريكية، التي عرفتني عليها هوانغ، والتي كانت تعمل معها في ذات المركز، كانت يهودية.

 لم يكد التاكسي، الذي يقلنا نحن الثلاثة، يتوقف أمام “الكافية” حتى صرخت قائلةً: “أووه كدت أنسى تغطية المظاهرة” لكن بقليل من الجهد أقنعتها “هوانغ” بالبقاء معنا، لم يعن أي منا  بسؤالها أية مظاهرة تقصد.

  صوبت النظر إلى تلك الفتاة اليهودية، محاولًا ما استطعت أن ألقي ورائي ما حُمّلته من أفكار معلبة قابعة في يافوخ الدماغ.

لم أر فيها ذاك الأنف الطويل، المتوارث في جينات المُخَيّلة، ولا تلك البشرة الصفراء، ولا ذاك الشعر المشوب بحمرة، وإن كنت لم أستطع إلا أن أرى فيها بعضًا من نصوص أسفار العهد القديم، إن نصًا من قبيل “وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك، فاضرب جميع ذكورها بحد السيف. وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة، كل غنيمتها، فتغنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك”.

 نصٌ كهذا الوارد بسفر التثنية، تراءى لمخيلتي مباشرة، لكني خشيت أن أقع في المغالطة نفسها، التي أطالب الجميع بألا يفعلها معي؛ فتمهلت حتى أسمعها.

  حين تحدثت الفتاة بدا لي أنها تتعمد أن تبدو ملحدة، تسعى دائمًا؛ كي تثبت لك أن قضية الدين غير ذات اهتمام بالنسبة لها، والذهن ربما مخادع، وأنا أشعر ببعض برد من أثر التكييف، أفتش بعيني عن “الجرسون”، أتوه في ثنايا الرسم المنحوت على الحائط، أخرق عين التنين، أتماهى ككائن سريالي، أحلق في فضاء الصورة، أخترقها، أضاجع الفتاة في شفتيها، في عينيها المكحلتين، في نهديها النافرين، أطعن التنين طعنتين نافذتين، أفيق من نزوتي على جوليا، وهي تنفث دخان سجائرها، وتضحك، معلقةً بوقاحة على مؤخرة فتاة تعطيها ظهرها، تضحك هوانغ بخجل مصطنع، وتقول: “صديقتي … ثم تتمهل؛ فتكمل لها الفتاة الحديث قائلة: “لديها ميول لذات الجنس”. لا أعلق بشيء

 يتقدم نحونا شاب في الثلاثين من عمره تقريبًا، يتدلى الصليب الذهبي من رقبته؛ ليستقر أخيرًا  بين فتحة قميص واسعة ، حين تلمحه هوانغ تضحك قائلة: صمويل سعد، أو لنقل الشماس عمار المسيحي، يعمل معنا في المركز هو الآخر.

ترحب جوليا بالشاب القادم ترحيبًا حارًا، نتبادل في عجالة تعارفًا سطحيًا.

        تقول هوانغ بزهو لا أعرف له سببًا: كيف حال صديقك عمّار ..؟

        أقول: هو بخير، وأردف: تجاهلتِ يا هوانغ إشاراتي وجادلتيه عمدًا.

 هوانج يحتاج بحثك إلى غربلة، نتائجك متعجلة، التشريع يا زميلة الدراسة يعالج الواقع القائم، القرآن عالج وقائع الواقع حيث كانت.ثم اخبريني: كيف كان رأي بوذا في المرأة ..؟

 ألم يسأله تلميذه أناندا قائلًا: كيف ينبغي لنا أن نتصرف حيال النساء؟ فأجابه بوذا: “لا تنظر إليهن”. وحين سأله أناندا معترضًا: ولكن ماذا نفعل إذا كان لابد لنا من رؤيتهن..؟ فكان جوابه: “لا تتحدث إليهن”. وحين ألح عليه أناندا قائلًا: افترض أنهن تحدثن إلينا، ماذا سنفعل عندئذ..؟ فقال بوذا محذرًا إياه: “حذار منهن يا أناندا”.

تنظر جوليا لهوانغ نظرة ملؤها الشماتة إلا قليلاً.

أردد  في سخرية، ما يقوله اليهودي في صلاته اليومية: “لك الحمد يا إلهي، يا مالك الملك، الذي لم يجعلني امرأة” وأردف: هيا يا جوليا رددي ” لك الحمد يا إلهي، يا مالك الملك، يا من خلقتني حسب مشيئتك”.

 يقتحم صمويل الحوار قائلًا: إذن فأنت ترى أن ملابسات الواقع لم تتغير من 1400 سنة.. ؟

في ذهني أفكار شتى عن معنى الدين وعن موقع التشريع منه، لكني أردت أن أرجئها لنقاش مع الشيخ، رشفت رشفة من فنجان قهوتي السادة، و حاولت مفاجأته : “قيل من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق، و أما أنا فأقول لكم إن من طلق امرأته إلا لعلة الزنا يجعلها تزني، ومن يتزوج مطلقة فانه يزني” أليس هذا تشريعًا يحتاج إلى تعديل …؟

وأردفت معقبًا: لا يمكن أبدًا أن يبيح الله الطلاق في شريعة موسى، ويحرمه على عيسى، ثم يبيحه لمحمد، عليهم جميعًا السلام، دعك من محمد فأنت لا تعترف به نبيًا في الأساس، لكن ماذا عن العهد القديم؟ إلا أن يكون الأمر تشريعات ذي صبغة اجتماعية تتغير مع تغير الواقع وظروفه، أليس كذلك… يا صمويل؟

تلعثم صمويل، تمامًا مثلما تلعثم عمّار من قبل؛ لتضحك جوليا ضحكة بغي، تلبستها حية رقطاء، وتقول بلكنة عربية مهجنة: البحث منشور منشور يا ولدي.

*****

للأيام ألوان كما للأشياء، فيوم السبت كحلي قاتم بلون زي المدرسة الثانوية، ويوم الأحد رمادي كالفأر، ويوم الإثنين بني محروق بلون الطوب اللبن، ويوم الثلاثاء لبني سماوي، ويوم الأربعاء أصفر كصفار البيض، ويوم الخميس أسود كحصان أدهم، أما الجمعة فبرتقالي كلون البرتقالة، ولشمسه حرارة مختلفة، حرارة تتطابق وحرارة خبز خرج لتوه من آتون الفرن.

 في الجمعة يبدو صفير جارنا على سرب الحمام  مختلفًا، طائره العجيب المسمى “شقلباز” تبدو حركاته البهلوانية أكثر روعة وإبهارًا، الكلب الأجرب المفترش مقدمة سيارتي ألحظة نظيفًا معافى، حتى حوكشة المجنون، الذي يتعرض لفتيات الحي خصوصًا بالسباب والتحرش، والذي قيل عن جنونه الكثير، ابتداءً بخيانة زوجته له، مرورًا بأنه مرشد وخصوصًا على عمّار وأمثاله، وانتهاءً بأنه كان يعمل في المخابرات ثم حقنوه عقارًا، حتى
أن أحدهم راح يعلل ذلك بلحظات صحو نادرة تنتابه يرطن فيها بالانجليزية، حتى هذا  الحوكشة المعتوه يبدو هذا اليوم ساكنًا، وربما لم تنتبه لحظات الصحو التي لم أرها قط، إلا في ذاك اليوم.

أما عمّار فقد أضاف لي، موثقًا ملاحظتي بأسانيده، ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة: فيه خُلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أُخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة.

 ويبدو أن شغفي بيوم الجمعة مرده للطفولة، ففيه كنا نذهب لزيارة جدتي وجدي لوالدتي؛ فأفك قيود الحمار المعقود في عامود الأسمنت خارج المنزل وأسرقه؛ ليسرح بي في الحقول والغيطان، ويرمي بي أحيانًا في الترعة؛ فأقوم لأركبه من جديد ولا أبالي بما حدث، وفيه توطدت علاقتي بالحيوانات عمومًا وبالحمير و الجاموس والأبقار والخرفان والماعز خصوصًا، وبت أراها شريكة لي في هذا الكون، وكنت حين ذاك أحدثها وتحدثني، وأبكي على فقدها عند النحر بكاءً مريرًا.

لا أنسى يوم ذبح الخروف “خوتو” كما كنت أطلق عليه، كان ذلك في عيد الأضحى، كنت في التاسعة من عمري، وبكيت عليه بكاء كثيرًا، وكرهت عيد الأضحى كراهية شديدة، لكن جدي يرحمه الله، قص عليِّ قصة إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، وقال لي بصوت ملؤه الرحمة والهيبة: “يا ولدي الناس أيام زمان أوي أيام ما كانوا كفار، كانوا بيدبحوا أبناءهم قربانًا للآلة، فربنا اختبر إبراهيم هل سيضن بابنه ولا هيدبحه عشان خاطر يرضيه سبحانه، لكن الله الرحيم فدى إسماعيل بذبح أعظم من خوفو بتاعك دا، وضحك جدي وهو يقبلني ويضمني إليه بقوة، وإلا كنا هندبحك انت يا بطل لو فضلت حكاية ذبح الأبناء على حالها”.

****

  و أما الآن فللجمعة طقوس خاصة أيضًا، ففيها أصلي الفجر في المسجد حاضرًا، ثم أقرأ ما تيسر من القرآن، ثم أخرج وقد تنفس الصبح، فأعرج على عم متولي “بتاع الفول” وعلى صبحي صاحب كشك الجرائد الذي لا يعرف من الكلمات إلا أسماء الصحف والمجلات، وأعود وأمي لا تزال تُسبح بحمد ربها وتكبر، وفيها يمتلئ “البانيو” عن آخرة لأغوص فيه لمدة ساعة تقريبًا، فأتطهر بالماء والثلج والبرد.

وفيها تعاني أذناي وأعصابي من خطبة الشيخ لطفي: “فالله جلا وعلا  قد أذن له أقصد للنبي أن يحدث عن ديك مرقت رجلاه الأرض ورقبته منثنية تحت العرش يقول سبحانك ربي ما أعظمك، فيقول الله عز وجل: لا يعلم هذا من حلف بي كاذبًا.

ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين على من يغزوهم قاهرين لا يضرهم من ناوأهم حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك” قيل: يا رسول الله وأين هم؟ قال: “ببيت المقدس”

ثم اللهم إني داع فأمموا:

“اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأذل أعداءك، أعداء الدين، اللهم عليك باليهود ومن هاودهم والنصارى ومن ناصرهم يا الله، اللهم انصر المسلمين في الشيشان وأفغانستان والعراق وفلسطين”.

  وفيها تزورنا أختي وبنتيها، وفيها تطهو أمي طعاما مختلفًا، وهي امرأة ريفية من الطراز القديم، في عينيها العسليتين دفء مشبع بطعم العسل، قلبها يمامة حطت على غصن شجر يابس؛ فبثت فيه الحياة، إذا حزنت بكت، وإذا غضبت بكت، وإذا ضحكت بكت، لله لست أدري كيف مع كل هذا البكاء؛ لا يراها أحد إلا وسُر قلبه.

تطبخ أمي بمعاونة أختي بطتان و”محشي” ورق عنب وكرنب وباذنجان، وأطلب منهم أحيانًا إضافة “مكرونة باشاميل”، فيعج البيت بزحام الجيران، يجتمع مجلس النميمة عصرًا، ويمتد حتى ساعات الليل المتأخر، تقود المجلس الأستاذة عواطف، امرأة مطلقة، يقارب سنها سن أختي، جميلة من غير تكلف، وإن بدت بدينة بعض الشيء، تشارك الحاجة أم عمّار في المجلس أحيانًا، وإن كانت أكثرهن استغفارًا، تقوم؛ لتصلي فرضها، وتعود لتسأل عن حال عبير هل أنجبت… أم تزوج عليها زوجها؟

فتقر إحداهن: “مش العيب مطلعش من عبير، دا كمان طلع ولا مؤاخذة…” …” تضع يديها على فمها، وتضحك.

تنتبه علا لوجود بنتٍ لها، تنهرها بعينها؛ لتقفز البنت إلى الداخل في خجل يعتريها دون ذنب.

فترد أخرى بغمز: مؤكدة صحة الخبر، وتضيف: “دي كمان عبير طلبت الطلاق، وهي الست يا حبة عيني تقدر على كدا؟ “، تضحك إحداهن بخبث وتقول: “وهوه ايه كدا دا اللي متقدرش عليه الست يا نسرين هانم ” فتقول نسرين وقد غلبهن الضحك جميعًا، ” والله لولا الست أم علا والست أم عمار قاعدين كنت عرفتك هو إيه كدا”.

وتهمس أمي بأذن علا: “هوه أخوكي محمد متصلش؟”

فتجيب علا بصوت جهوري: ” ياما مهوه كل فترة يتصل يقول هينزل ومينزلش”

“يا بنتي أنا خايفة أموت قبل ما أشوفه”

“بعد الشر عنك ياما”

 وترد أخرى: “بعد الشر عنك يا حاجه، إن شالله عدوينك”

  أسمع رنة هاتفي المحمول تتصاعد قدومًا، تناولني بنت أختي هاتفي المحمول:

 تفضل “الموبايل” يا خالي. يصمت بمجرد ملامسته لكفي، رقم لا أعرف صاحبه.

يعاود الرقم الاتصال، إنها جوليا: “طلبت رقمك من هوانغ، أحتاج أن أقابلك بعد غدٍ، لأمر ضروري.

ولماذا ليس الغد، ألانه يوم سبت؟

تعرف أني لا أهتم بمثل هذه الأمور، لكني مشغولة غدًا.

أضحك: الرب استراح يا جوليا، وأنت مشغولة.

تجيب باقتضاب: في السابعة مساء بعد غد، انتظرني أمام الكافية، “جود باي”.

وأنتبه، فإذا الحاجة أم عمار كأنما تجيب عن استفسار لم أسمعه قائلة: إن جبريل أتى الرسول بقدر هريسة، فأكل منها، فأعطي قوة أربعين رجلًا في الجماع ؛ ليذكرني كلامها بحوار دار بيني وبين صديق أصابه الموروث بزكام أفقده توازنه؛ فكان يردد دائمًا، بصورة جدية حادة: ما بال هؤلاء القوم لا يفكرون إلا بنصفهم الأسفل. واشتد به الغضب، فراح يذكر أسماء الأعضاء جهارًا عيانًا.

بينما كانت راقصة المعبد ذات الجسد الممشوق العاري إلا من قلادة ذهبية، وخلخال فضي يتدلى من كاحلها، قد أدلت بدلوها قائلة: إن النفس التي خلقت في البدء كانت نفسًا واحدة ثم انشطرت اثنتين، ذكر وأنثى، زوجًا وزوجة، ثم ضاجعها الزوج؛ فكثر النسل.

وأردفت: في مرحلة سحيقة، لا يزال أثرها باق إلى الآن، كانت الأرض رمزًا للأنثى والسماء رمزًا للذكر، كان المعبد المقدس يعج بالعابدين، وكانت الأفعى المقدسة تحضر حفلات الزواج المقدس، وتتراقص، وكنا نحن راقصات المعبد نحاكيها؛ فبعد حفل الزفاف الخرافي بين الملك وحبيبته ترافيلا، مارس الملك بمباركة الكهنة الحب على أرض المعبد الطاهرة، ضاجع الملك حبيبته أمام أعين الكهنة، وبعض الفتيات العذاراوات المختارات بعناية فائقة، واللاتي كن يمزقن ثيابهن ويتساقطن فوق بعضهن؛ من فرط النشوة، وكانت الكهنة تتحلل من أعباء ملابسهم الداخلية؛ فيرتمون عليهن، ويمارسون الجنس معهن بعدة أوضاع جنسية، قد تصل في بعض الأحيان إلى عشرة أوضاع؛ فتتجسد الروح على جدران المعبد، قضيبًا صلبًا جامحًا، يشبع رغبات اللائي لا يجدن نكاحًا؛ ليزول الجسد الفاني، بعدما تخلص من شهواته، ويحل الجسد النوراني محله.

انزوت راقصة المعبد، خلف أحد عمدانه، ثم أطلت برأسها فتدلى ثديها الأيمن، بينما اختفى الأيسر وقد حجبه العامود، أطال صديقي النظر؛ محاولًا الوصول لثديها المحجوب، ثم قال معززًا كلامها: إن السبب الرئيس في الهوس الجنسي؛ يعود في الأساس إلى الأديان السماوية، التي ساهمت إلى حد كبير بتعنتها الزائد، وبفرضها لكمية من المحرمات الصارمة، في أن يفكر هؤلاء المغضوب عليهم بنصفهم الأسفل، رغم أنها أبقت النساء حرثًا، أليس كذلك…؟

وقفت حائلًا بين عينيه والفتاة وقلت: هون عليك يا صديقي، فلا الأولى مبرأة، ولا الثانية مسئولة، إنها أطوار في التكوين، وفروق في التوقيت.

اجمالي القراءات 7655

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2008-07-14
مقالات منشورة : 26
اجمالي القراءات : 244,505
تعليقات له : 122
تعليقات عليه : 196
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt