الدولة البوليسية في نصف قرن

رضا عبد الرحمن على في الخميس 24 فبراير 2011


الدولة البوليسية في نصف قرن

 

منذ نصف قرن تقريبا تعيش معظم البلاد العربية تحت وطأة وقبضة حكام مستبدون ظالمون فاسدون يلاحقهم العار والخزي في معظم أفعالهم ، هؤلاء الحكام استخدموا قانون الدولة البوليسية في التعامل مع الشعوب ، وقد يختلف تطبيق معنى الدولة البوليسية من بلد إلى آخر فقد يكون أمن الدولة هو الوسيلة ، وقد يكون جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي الوسيلة المهم ف&ing;م في النهاية هذه الدولة تتعامل مع الشعوب بعقلية وسياسية وقانون الدولة البوليسية ، ورغم نجاحهم في السيطرة على هذه الشعوب على مدى نصف قرن تقريبا تزيد في بعض الدول وتنقص في دول أخرى إلا أن المعظم استخدم نفس القاعدة ونفس القانون مع شعبه ، وكأن هؤلاء الحكام قد تخرجوا من مدرسة واحدة أو فصل واحد ، وأثبتوا أن قدوتهم ومرجعيتهم جميعا واحدة ، فهم من وجهة نظري خونة للشعوب من ناحية ، ومن ناحية أخرى عملاء ضد هذه الشعوب ويجب أن يحاكموا بالقانون على جرائمهم ضد تلك الشعوب ، وكل يوم تتكشف هذه الحقائق بانتشار نيران الثورات الشعبية في دولة تلو الأخرى ، لتحرر دولة من حاكم ظالم مستبد يخون ويسرق وطنه ويقتل أبناء شعبه.

وأخص بالذكر وطني مصر كنموذج واضح في تطبيق الدولة البوليسية ، التي سيطر عليها الحكم العسكري منذ ثورة 52، حتى 25 يناير 2011 و الإطاحة بحسني مبارك ، وهذه المدة الطويلة يجب أن ننظر إليها بشيء من التأمل والتركيز.

عاشت مصر في عهد ثلاثة رؤساء جميعهم ينتمون للمؤسسة العسكرية ، جميعهم يعمل بقانون الطوارئ ، جميعهم يؤمن بالاعتقال والقمع وإرهاب الشعب ، جميعهم يؤمن بنظرية (فرق تسد) ، نجح هؤلاء الحكام الثلاثة في السيطرة على البلاد هذه المدة بالقوة بمساعدة أجهزة الأمن (الشرطة) والبوليس السياسي وأمن الدولة والأمن المركزي ، وهذه الأجهزة ينفق عليها الشعب نفسه لتكون أداة لقمعه وإرهابه واعتقاله وتعذيبه ثم قتله إذا تطلب الأمر.

الرؤساء الثلاثة الذين حكموا مصر كانت نهايتهم كالتالي:

عبد الناصر ـ أفلت من محاولة قتله في ميدان المنشية ، ثم أشيع أنه مات بالسم ، ويقال أنه مات بسكتة قلبية.

السادات ـ لم يتعلم ، وسار على نفس الخط وكانت النتيجة موته قتيلا في المنصة يوم الاحتفال بنصر أكتوبر.

مبارك ـ أكثرهم فسادا وظلما وغباء لأنه لم يتعلم ، بل بالغ في الظلم والقهر والفساد والاستعباد ، وبالغ في توسيع معنى الدولة البوليسية ، وكانت النتيجة ثورة عظيمة اكتسب فيها لقب جديد هو (الرئيس المخلوع).

بالنسبة لدولة عبد الناصر والسادات رغم أنهما أقل جرما من دولة مبارك ، ورغم أن لهما بعض الانجازات التي لا يمكن أن ينكرها إنسان عادل ، إلا أنه لم تتوفر في عهدهما أسباب أو وسائل قيام ثورة حقيقية ضدهما كما حدث في يوم 25 يناير ، والسبب هو أن عبد الناصر كان يقيم نوعا من العدل الاجتماعي في الدولة بالإضافة لبعض إنجازاته ، والسادات كان يحاول فعل ذلك بالإضافة أنه أصبح بطل الحرب والسلام ، فكان هناك نوع من الرضا وقبول التجاوزات في عهديهما ، وكان المناخ الشعبي لا يسمح بقيام ثورة تطيح بأحدهما ، ولذلك تم قتل السادات نتيجة حادث شخصي مدبر.

أما مبارك المخلوع فلم يتمكن من قياس وتقدير الفوارق بين عصري عبد الناصر والسادات ، وبين عصره ، ولم يلمس التطور الحادث بين تلك العصور وبين العصر الحاضر ، لذلك أصر على الاستمرار في حكم البلاد بنفس الأسلوب ونفس الطريقة ونفس القانون ونفس العقلية ، متجاهلا كل التطورات الفكرية والعلمية وثورة الاتصالات التي حولت العالم إلى قرية كونية واحدة ، وبينما يسير العالم في هذا التطور الذي نجح الشباب المصري في مواكبته لحظة بلحظة ، لا يزال مبارك يحكم مصر بقاعدتين إحداهما قديمة وهي (فرق تسد) والثانية جديدة وهي (يقتل القتيل ويمشي في جنازته) ، وهذه الطريقة العبيطة والمتخلفة ظل  يستخدمها الإعلام الحكومي المصري المنافق لمبارك ـ في أول أيام ثورة 25 يناير ، حين بدأ يكذب على الشعب لصالح مبارك ، وحين كان يعرض صورة لكوبري قصر النيل والمياه الهادئة في نفس اللحظة التي يقتل فيها بوليس مبارك وبلطجيته ـ شباب الثورة في ميدان التحرير ، لم يتعلم مبارك أي شيء رغم بقاءه في الحكم هذه المدة ، ورغم خبرته الطويلة سياسيا  في الداخل والخارج ، لم يتعلم وأصر كل الإصرار أن هذا الشعب لا يمكن التعامل معه إلا بقانون الطوارئ ، وكانت النتيجة صحوة شعبية انتهت بخلع مبارك إلى الأبد غير مأسوفا عليه ، نهاية غير مشرفة لطاغية تم تشويه صورته كما قال نجله الأكبر حين عاتب نجله الأصغر.

من هنا أقول لكل الحكام العرب ـ الشعوب العربية ستكتب نهايتكم واحدا تلو الآخر ، لأنكم تصرون على أن تحكموا هذه الشعوب بعقلية الماضي ، وهذه الشعوب أبت إلا أن تعيش بين الحاضر والمستقبل.

أخيرا::

على المجلس الأعلى للقوات المسلحة بصفته الحاكم الحقيقي للبلاد في هذه الفترة ـ أن يعلم جيدا أن شعب مصر وُلـِدَ من جديد ولن يسمح لأي إنسان مهما كان وضعه أن يعيد مصر لقانون الطوارئ أو الدولة البوليسية ، الشعب المصري تذوق طعم الحرية التي غابت عنه أكثر من نصف قرن ، وأعتقد أنه لن يسمح لأي مخلوق أن يحرمه من نعيم هذه الحرية ، هذه نصيحة في صورة رجاء وتمني فكروا جيدا حين تتعاملون مع المصريين من الآن الشعب المصري تعلم الدرس الشعب المصري استيقظ ، ولن ينام ـ وفي النهاية ــ للمجلس الأعلى للقوات المسلحة أقول تعظيم سلام..!!  

اجمالي القراءات 9085

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (4)
1   تعليق بواسطة   محمد عبد الحليم     في   الخميس 24 فبراير 2011
[56214]


اولا أحييك على مقالك يا أستاذ رضا .... لكنى أرى ان العنوان فضفاضا إلى حد ما ويتسع القول إلى اكثر مما ذكرت

  عموما : دعنا نقدم أجمل التهانى لشعب مصر وللعرب أجمع ولشعوب الدنيا كلها بعد سقوط إحدى قلاع الإستبداد العربية الحصينة ...

دعنا نتبادل أسعد وأغلى التهانى بعد رحيل ذاك الطاغية الذى لم يدمر بلدنا وجوع شعبنا فحسب .. بل امتد شره لبقية البلدان العربية ، ذاك الرجل الذى دعم الأنظمة العربية المستبدة بالإستشارة .. وبالخبراء فى القمع تارة ... وبالتهويل والتزييف على المجتمع الدولى تارة أخرى ... وباع قضايا الأمة بثمن بخس .. دراهم معدودة ....

فى الحقيقة الحديث عن الإستبداد فى العصر السابق مقزز جدا ويشعر بالألم وبمدى الوحشية التى كان يتعامل بها النظام القمعى مع مواطنيه ..

وللأسف النظام السابق كان بارعا جدا فى أداء مهامه القذرة .. فهل تعلم سيدى أنه يوجد فى مصر .. 31 إدراة للشرطة المصرية .. منها شرطة البريد وشرطة الكهرباء ... وهذه الأقسام من الشرطة لم توجد إلا فى مصر ؟! هذا العدد بالطبع يدل على براعة العقلية البوليسية القمعية فى مصر... أى بارعة هذى ؟!

نعلم جميعا أن دخل أمن الدولة هو من معونات خارجية ومن رشاوى يدفعها لهم رجال الأعمال للحصول على ولائهم خصوصا من تجار الحزب الوثنى الحاكم _ السابق _

يا إلهى .. اى نظام هذا كنا نعيش فيه وأى دولة هذه يمكن إدراتها بأليات الترهيب هذى ؟! وأى إستقرار كان يتحدث عنه مبارك وأعوانه لا أرجعهم الله

الشارع العربى لم يعد يخصع للأنظمة البوليسية الفاسدة ... والخنوع للظلم والرضوخ للإستبداد والخوف من القمع الذى تطبعت عليهم العقول العربية هى امور مرفوض الأن بلا شك

وعلى العالم أجمع ان يعى أن العرب كسروا حاجز الخوف وتمردوا على الطغاة مطالبين بحقوقهم وحقوق أبنائهم المسلوبة منذ أمد بعيد .. وعلى الحكام العرب الطغاة ان يعلموا هذا أولا ..!!


مصر _ تونس _ ليبيا ... الدائرة ما زالت تدور

 


2   تعليق بواسطة   زهير قوطرش     في   الجمعة 25 فبراير 2011
[56241]

عزيزي رضا

 


 


كما كنت أيام أرهاب النظام والدولة والحكم في مصر حراً تكتب وتنتقد ,وها أنت اليوم أكثر حرية ,تكتب أيضاً وتنتقد هذا الماضي الذي  اغتال من أفراد الشعب الطيب العامل  بسمته وأمله في الحياة الكريمة.


اليوم علينا أن نكتب مع نقد الماضي للمستقبل ,علينا مهمة التوعية كي لايسرق الثورة أعداء الثورة ,ليذهب مبارك وزبانيته إلى الجحيم ,ما يهم الشعب الحفاظ على مبادئ الثورة واستمراريتها.


وفقك الله ياعزيزي رضا.


3   تعليق بواسطة   رضا عبد الرحمن على     في   الجمعة 25 فبراير 2011
[56244]

أشكرك أستاذ ـ محمد عبد الحليم

أشكر الأستاذ الفاضل ـ نحند عبد الحليم


وأنت محق فيما تقول أن العنوان فضفاض ويحتاج مزيد من الشرح والكتابة والتفصيلات لكن ما يهمني في هذا المقال هو التركيز على أن الاستبداد مهما طال ومهما كانت قوته فلابد ان تكون له نهاية والنهاية مخزية ومهينة وفاضحة لكل النظم المستبدة وهذا درس للعالم كله حكام ومحكومين هذا ما أردت أن اوضحه في هذا المقال


وأشكرك مرة أخرى ..


4   تعليق بواسطة   رضا عبد الرحمن على     في   الجمعة 25 فبراير 2011
[56245]

أشكرك أستاذي الفاضل ــ زهير قوطرش

أشكرك أستاذي وأبي على هذه الكلمات التي أتمنى أن أكون جديرا بها


بالنسبة لأول جزء في مداخخلة حضرتك ، أذكر أني كتبت في آخر فقرة في أول مقال لي بعد الثورة هذه الفقرة ((ومن أعظم تجليات هذه الثورة العظيمة أنها كانت سببا في إظهار قيمة وعظمة المواطن المصري وخصوصا الشباب ، كذلك وطنية ملايين من المصريين ، وكذلك ستكون سببا في إظهار خيانة كثير من المصريين لهذا الوطن ، اليوم الأربعاء دخلت المظاهرات يومها التاسع ، وخلال هذه الأيام التسعة سقطت أقنعة كثيرة جدا وانكشفت وجوه كثيرة جدا على حقيقتها.)) انتهى


فلابد أن يكون للإنسان مبدأ مهما كان الثمن




صدقني يا أستاذي الفاضل لو قلت لك رغم أني أبلغ من العمر 34 سنة إلا أنني أشعر أن تاريخ ميلادي هو 25 يناير 2011

أشعر بحياة جديدة وروح جديدة مسيطرة على المصريين جميعا ، وهذا الكلام لمسته بنفسي حين ذهبت وشاركت في هذه الثورة العظيمة في محافظتي الشرقية ، وفي ميدان التحرير ، ولو قلت لحضرتك لو فاتتني الفرصة ولم أشارك في هذه الثورة العظيمة كنت سأندم عمرى كله ، لأنني كنت سأحرم نفسي من شرف لا يدانيه شرف رغم أني كما تفضلت حضرتك أكتب وأنقد وأقول وتعرضت لمشاكل في حياتي واعتقال وتضييق من أمن الدولة ، لكن كل هذا لا طعم له ولا قيمة أمام المشاركة في إسقاط نظام فاسد مستبد قولا وفعلا في ثورة مثل ثورة 25 يناير التي أراها أعظم ثورة في التاريخ المعاصر وبكل أمانه ما حدث لمصر أنساني كل أوجاعي ومشاكلي الشخصية لأن مصر أهم عندي من نفسي ، وقلتها لأمي وزوجتي أنا ذاهب لميدان التحرير ولو لم أرجع فيكفيكم شرفا موتى وأنا أدافع عن مصر وأساهم في تحريرها من هذا النظام الفاسد ، ولأن أجد مجدا أعظم من هذا أتركه لابنتي التي ولدت قبيل الثورة بأيام ، وسميتها (شمس) ويبدو أن هذه الشمس ولد معها شمس جديدة لكل المصريين غابت عنهم منذ ثلاثة عقود.

بالنسبة للتوعية التي تفضلت حضرتك ونصحتني بها أنا بصدد كتابة مقالات مضمونها نصائح وإرشادات للثوار من ناحية وللمواطنين من ناحية أخرى حتى لا يتم قتل الثورة أو محاولة قطع الطريق أمامها ، ولذلك يجب التوعية من منظورين أساسيين توعية الثوار وهم على قدر كبير جدا من الثقافة والوعي السياسي الذي ظهر حقيقة ملموسة على أرض الواقع وقد ساعد فيه كذب النظام وخداعه في بداية الثورة ، والذي يحاول تضليل الشعب إلى الآن

أما الجانب الثاني هو توعية المواطنين بحقوقهم وواجباتهم نحو هذا البلد حتى تتم هذه الثورة على أحسن ما يكون

وأتمنى من الله العلي القدير أن ينعم العالم العربي كله بحياة كريمة في عدل وحرية وسلام .




أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-08-21
مقالات منشورة : 258
اجمالي القراءات : 3,639,781
تعليقات له : 2,475
تعليقات عليه : 1,178
بلد الميلاد : مصر
بلد الاقامة : مصر