دحر الإرهاب وتراجع "تسييس" الإسلام

د. شاكر النابلسي في السبت 15 يناير 2011


ما من شك أن العالم العربي - بما فيه العراق الآن - يشهد انخفاضاً في عدد ونوعية الأعمال الإرهابية، التي سادت بعد 2003. كما شهدت مناطق أخرى من الخليج  - وخاصة السعودية - انخفاضاً كبيراً في وتيرة الإرهاب، في السنوات الخمس الماضية، يكاد يصل إلى الانعدام التام، نتيجة للضربات الأمنية الذكية والصارمة والمتلاحقة، التي تلقتها مليشيات الإرهاب.

إضافة لذلك، فقد شهد العالم العربي  - ومنه منطقة الخليج - تراجعاً واضحاً لخطوات "الإس&ng;سلام السياسي"، التي تقدمت بخطى واسعة وسريعة في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وأدَّت بصورة غير مباشرة إلى كارثة 11 سبتمبر 2001.

-2-

راي تاكيه،الكاتب الأمريكي في جريدة "الواشنطن بوست"، والخبير في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، والمتخصص بالشئون الإيرانية ومنطقة الخليج العربي، ونيكولاس غفوسديف، رئيس تحرير صحيفة "ناشونال انترست" الفصلية، يؤكدان في كتابهما التوثيقي (نشوء "الإسلام السياسي" الراديكالي وانهياره) أن "الإسلام السياسي" بدأ بالانهيار، والتلاشي. وهما على حق في ذلك، فيما لو علمنا أن قادة "الإسلام السياسي" في الخليج خاصة، ومنهم الداعية السلفي الكويتي طارق سويدان، قد تراجعوا عن دعوة "الإسلام السياسي". وسويدان هو الذي اعترف في رمضان الماضي 2010، من أن شعار "الإسلام هو الحل" – وهو الشعار الديني السياسي الأبرز الذي نشره "الإخوان المسلمون" - شعار لم يعد له مفعول، وليس واقعياً أو منطقياً ("فضائية العربية"، 13/8/2010).

والأهم من ذلك، أنه قبل ثلاث سنوات، وفي 2007 ، وجَّه النائب السلفي الكويتي وليد الطبطبائي رسالة توبيخيّة في (جريدة "الوطن" الكويتية، 10/8/2007) إلى الإرهابي بن لادن، يوبِّخُه فيها على خطابه، قائلاً فيها:

"إن خطابكم أثار في نفسي الكثير منالتساؤلات العديدة، حول التأثيرات السلبية التي تسبب بها هذا الخطاب.

فكيف يصلُح أن تدعو الشعب الأمريكي للإسلام، وأنت تعترفبجرأة كبيرة، بأنك وراء قتل الآلاف منهم، في أحداث 11 سبتمبر 2001؟

ألا تعتقد، ويعتقدكل عاقل، أن هذا تنفير لهم من الإسلام؟

 إن الخط الذي تسيرون عليه أضرَّ بالعمل الإسلامي، والدعوة الإسلامية، في شتىأنحاء العالم."

وكانت هذه الرسالة، أقوى وأعنف ما تمَّ توجيهه من داعية سلفي، ومن سياسي إسلاموي بارز، إلى الإرهابي ابن لادن. وهو ما بدأ يشير منذ ثلاث سنوات، إلى بدء تراجع "الإسلام السياسي" الراديكالي وانهياره، على حدِّ تعبير راي تاكيه ونيكولاس غفوسديف، اللذين ذكرا في كتابهما، عدة تداعيات ونتائج لانهيار "الإسلام السياسي" الراديكالي، وانحسار الموجة الإرهابية بالتالي، في العالم العربي، وخاصة في منطقة الخليج، والسعودية على وجه الخصوص. ومن هذه التداعيات:

  1. لقد أثبت الباحث الأمريكي مايكل سكوت دوران، في مقاله "حرب أهلية يقوم بها آخرون" (مجلة "فورين أفيرز"، يناير- فبراير 2002) أن العمليات الإرهابية المنطلقة من حركات وجماعات "الإسلام السياسي"، فشلت، وعجزت تماماً، عن تسلُّم مقاليد الحكم في البلاد، التي مارست فيها نشاطها. وقال المفكر الراحل إدوارد سعيد في كتابه ("تغطية الإسلام"، ص 35) تأييداً لذلك: "الإسلام السياسي، لم ينجح في مهمته، أينما حاول تسلُّم السلطة من خلال الأحزاب الإسلامية". وهذا دليل على أن "الإسلام السياسي" الذي بدأ نشاطه الكثيف في الثمانينات من القرن الماضي، لم يستطع أن يحقق غير قتل آلاف الأبرياء، وتدمير مئات المنشآت، دون جدوى. وسبَّب نتيجة لذلك كراهية الآخر في الشرق والغرب للإسلام، وعداءهم له.
  2. كان إفلاس إيران الأيديولوجي – إضافة للإفلاس المالي – نكسة كبيرة ورئيسية للأحزاب الإسلاموية. ويقول راي تاكيه ونيكولاس غفوسديف: "إن المحاولة الإيرانية  للتوفيق بين الضرورات الإسلامية ومتطلبات المجتمع العصري، أدَّت إلى نشوء تناقضات، يبدو أن إيران الآن عاجزة عن حلها." وهذه المعضلة تواجه "حماس" الآن في غزة، كما تواجه "حزب الدعوة" في العراق. وتعمل على نهاية مصير الأحزاب الإسلاموية، على غرار مصير الأحزاب القومية واليسارية الأخرى، التي كادت أن تختفي الآن من الساحة السياسية العربية.
  3. وفي السعودية ومصر، ساهمت قوى الأمن في القضاء على تأثير الإرهابيين، ودعوات جماعات "الإسلام السياسي". كما تضاءل الدعم المالي المقدم لهذه "الفئات الضالة"، على حد تعبير مصادر الأمن السعودي. وقد تزامن ذلك مع فشل الإسلامويين في إيجاد أساس منطقي لمقاتلة الدولة وتدمير المجتمع، وأنظمة الحكم.
  4. أثبتت حركات "الإسلام السياسي" حتى الآن أنها تبدأ حكمها دينياً وتنتهي به ديكتاتورياً. ولنا من ذلك نماذج ثلاثة دالة: أولها في غزة، والثاني في السودان حين ساهم الإخوان المسلمون بقيادة حسن الترابي في تنصيب  جعفر نميري "أميراً للمؤمنين"، وانتهى إلى أن يصبح دكتاتور السودان. ثم أعادوا الكرَّة مرَّة أخرى في عام 1989، ونصَّبوا عمر البشير رئيساً، وحامياً للشريعة الإسلامية. وانتهى به الأمر الآن إلى دكتاتور مطلوب للمحكمة الدولية، وكان سبباً في انفصال الشمال عن الجنوب، وحدوث كارثة ومجازر دارفور. وثالثها في العراق، حيث استولى "حزب الدعوة" الإسلاموي على الحكم عام 2004 برئاسة إبراهيم الجعفري، ثم في 2005-2010، برئاسة الأمين العام الحالي للحزب نوري المالكي. وسيستمر الحزب في الحكم خمس سنوات أخرى حتى عام 2015. وبذا، يكون "حزب الدعوة" قد حكم العراق 11 عاماً. ورغم هذا، لم تستطع هذه الأمثلة الثلاثة – إضافة لإيران وهي المثال الرابع الأبرز - من تحقيق العدالة السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، التي وعدوا بها، كما يقول لورنس ديفيدس في كتابه "الأصولية الإسلامية".
  5. وأخيراً، فإن الدليل القاطع لانهيار "الإسلام السياسي" الراديكالي، مصداقاً لقول راي تاكيه ونيكولاس غفوسديف. هو ما تمَّ حديثاً من امتناع "جبهة العمل الإسلامي" (تجمع كافة الأحزاب الإسلاموية الأردنية، بما فيهم "الإخوان المسلمون") في الأردن على خوض الانتخابات التشريعية الأخيرة، خوفاً من النتيجة الحزينة، والفضيحة السياسية المدوية، التي مُني بها "الإخوان المسلمون" في مصر، وفشلوا في دخول مجلس الشعب الجديد فشلاً ذريعاً ومدوياً، بغض النظر عن دعوات "التزوير والبلطجة" التي انطلقت لتبرير هذا الفشل.  
اجمالي القراءات 5792

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-01-16
مقالات منشورة : 334
اجمالي القراءات : 2,582,984
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 361
بلد الميلاد : الاردن
بلد الاقامة : الولايات المتحدة