الله تعالى أم الفقيه السلطاني

نبيل هلال في الأربعاء 12 يناير 2011


الله تعالى أم الفقيه السلطاني

لو لم يصور السلاطين الفتح على أنه غزو في سبيل الله , لما استطاعوا مطالبة الناس بالقيام بواجب الانخراط في الجيش , فالناس مقهورون فقراء . والجهاد فرضه الله في الأساس لحراسة حقوق الناس والدفاع عنها , ومناهضة الإقطاع والطبقية .

ولكن الكهنة - خِدمة  للفرعون والملأ- نجحوا في تحويله إلى اقتتال "مقدس" بين الناس لحيازة الأموال والثروات والأراضي .

والجهاد في جوهره إنما شرعه الله للتصدي للشقاء الإنساني , فبدون وضع  الدين في مواجهة شقاء الإنسان يكون مجرد شعائر لا معنى لها  ولا فعالية . وكان لابد لفقهاء السلطان من ابتداع فقه يجعل من فتح البلاد جهادا في سبيل الله , وتصوير استعمار البلاد على أنه نشر للإسلام وتبليغ لدين الله .

في حين كان المطلوب هو الحفاظ على أنهار الغنائم والأسلاب تتدفق غزيرا إلى خزائن السلاطين وإقصاء قوى المعارضة خارج البلاد  اتقاء لشرها , لذا انحرفوا بمعاني الآيات التي طالب الله فيها المسلمين الأوائل بقتال المشركين الذين أخرجوهم من ديارهم  في عهد الإسلام الأول قبل الهجرة , على أنها أوامر مستديمة وتكليف ديني أبدي على المسلمين تنفيذه في كل زمان ومكان , وابتدعوا  قاعدة فقهية بررت لهم ما أرادوا وأسموها مبدأ " الأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" , كما قالوا بالناسخ والمنسوخ , وغير ذلك من أدوات وحِيَل ابتدعوها لتعِينهم على الاحتيال ولَيِّ المعاني .

فالفرعون والخليفة والكاهن والفقيه وراء شن الحروب التوسعية لجلب الغنائم والأسلاب منذ فجر التاريخ وللأبد  بدوافع تبدو في ظاهرها نبيلة كتحرير الناس أو فرض الديموقراطية أو مناهضة التخلف .

وليس للنبي , ولا بمقدوره , أن يقهر الناس قهرا على اعتناق دين الله , وليس عليه حسابهم . ويقتصر دور النبي- أي نبي- على تبليغ كلمة الله , وآيات القرآن في هذا المعنى كثيرة وواضحة : - " لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء " البقرة 272, " لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ  ظَالِمُونَ " آل عمران 128 , " لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ٌ " البقرة 256 ,, " أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ " فاطر 8 .

وفي مخالفة مباشرة لكلام الله وضع فقيه السلطان حديثا نسبه إلى النبي , وفيه أنه قال": أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله , فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها , وحسابهم على الله تعالى . والله يقول : " وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ " يونس 99 , ويقول : { لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} الغاشية22 . والحديث ينص على الأمر بقتال " الناس " وليس مجرد مشركي العرب , وهو أمر - كما أسلفنا - لا طاقة للمسلمين به في (كل) أو (أي) مكان أو زمان . وهل هو أمر خاص بالنبي أم بعموم المسلمين ؟ ولو كان الأمر على ما يرى الفقهاء   فليفسر لنا أحد سبب عفو النبي عن كفار مكة بعد أن دانت له ومنَّ اللهُ عليه بفتحها , وقال لهم : اذهبوا فأنتم الطلقاء , وأمَّنهم , ولم يرغم منهم أحدا على اعتناق الإسلام - بل أَمَر جنود جيشه فاتح مكة ألا يبادروا أحدا بقتال , ولم يشترط للعفو عنهم اعتناق الإسلام , وكان الظرف مناسبا لقهرهم عليه لو صح الكلام عن أن الله أمَره بقتال الناس حتى يؤمنوا .

ولو كان الأمر للنبي بقتال الناس - لاحظ كل الناس - لكان عفوه كما أسلفنا عصيانا لأمر الله بعدم تنفيذه . ولا قهر على الدين , لا في كفر أو هداية . الله نفسه يفعل ذلك . واسمعه تعالى يقول عن عدد من أنبيائه في سورة الأنعام :"وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ{85} وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ{86} وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ{87} ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} .وهُدى الله الذي يهدي به من يشاء - بحسب نص الآية - هي هداية بمعنى إرشاد وتوجيه نحو الحق والصراط المستقيم وليس إجبارا عليه ولا قهرا , بدليل قول الله في بقية الآية : " ولو أشركوا - بعد هداية الله لهم - لحبط عنهم ما كانوا يعملون " , فلو كانت هداية الله أكثر من أنها مجرد توجيه وإرشاد إلى الطريق الحق لما كان بوسعهم ( أي الأنبياء والمذكورين في الآيات ) الشرك بعد الهداية . وإرسال الأنبياء للناس هو من قبيل هُدى الله فهم يوجهون الناس دون إجبار, ولو كان المقصود من هدى الله أنه إجبار على الهدى لانعدم تكافؤ الفرص للناس إذ ينجو من النار المُجبَر على الهداية بينما يصطلي بها سواه . وفي يثرب عندما نشأت دولة الإسلام الوليدة , لم ينشب فيها قتال لإرغام غيرالمسلمين على اعتناق الإسلام وكان فيها يهود ومشركون , وخلت وثيقة المواطنة في المدينة من ذكر أي شيء عن الجزية بل تساوَى في دولة المدينة كل "المواطنين" بصرف النظر عن الدين أو العرق أو الجنس . وحقوق المواطنة التي سنتها الحكومة النبوية بيثرب تنفي الأمر " أُمرت أن أقاتل الناس  .. , وإن كان النبي مأمورا بقتال الناس حتى يؤمنوا , أفَتَراه أغفل إجبار عمه أبي طالب على الإسلام حتى مات على شركه ؟   

اجمالي القراءات 6411

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (2)
1   تعليق بواسطة   عبدالمجيد سالم     في   الخميس 13 يناير 2011
[55013]

للأسف معظم الصحابة حولوا الإسلام إلى أرصدة ..

دعوة الإسلام القائمة على التحرر ..حولها الصحابة وهم الرعيل الأول للأسف الشديد إلى حروب سموها غزوات وفتوحات ، وتم سرقة ونهب الشعوب المفتوحة تحت الراية المقدسة للإسلام ..


الفكر الاستحلالي لابن لادن والإرهابيين  لم يأتي من فراغ وإنما كان نتاج أفعال الغزو وسرقة ونهب الشعوب المهزمة المعتدى عليها .


هؤلاء الجفاة قلوبهم حولوا رسالة الإسلام من دعم للحياة .. إلى دعم الهلاك


2   تعليق بواسطة   سيد أبوالدهب     في   الخميس 13 يناير 2011
[55020]

ركوب الأكتاف والظهور ..!!

عندما تركب دابة مثل الحمار فلابد من مسوغ لك ولها .. فلابد أن يسخرها الله لك ويجعلها تمشي في طوعك ..


ولابد للشخص الراكب على الحمار أن يحس أن من حقه الركوب على ظهره وإلا انقلب الموضوع .. أي أن الراكب راضي بالركوب والمركوب راض أيضاً


ولكن ما سبب رضاء كلا الطرفين ؟؟


الأجابة في المسوغ الذي أستخدم في ذلك ..


والمسوغ اساسه لابد أن يكون ديني او اخلاقي ..


ندخل على الموضوع الآخر وهو الراكب والمركوب في البشر .. فكلاهما راضي ..!! وسبب الر ضا هو وجود المسوغ .


والمسوغ هنا هو دين مزيف نشأ بتحريف معاني دين السماء ..


يقوم هذا الدين المزيف بتشيع الراكب على الوكوب .. والتصفيق له ، وفي المقابل يصبر المركوب ويعده بالجنة في الآخرة على تحمله ركوب الراكبين ..


اذن فإن السبب هو الزيف .. ومن يقوم بالزيف هم فقهاء السلطان ..


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2011-01-12
مقالات منشورة : 123
اجمالي القراءات : 866,035
تعليقات له : 109
تعليقات عليه : 282
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt