ثانيا : بين ( إبراهيم و(زُرَدُشْت ) :

عثمان محمد علي في السبت 17 يوليو 2010


الجزء الثانى من كتاب (بين (إبراهيم وإسرائيل وزردشت)

للدكتور   (الراحل) محمد علاء الدين منصور

المزيد مثل هذا المقال :

استاذ ورئيس قسم اللغات الشرقية بجامعة القاهرة

ثانيا : بين ( إبراهيم و(زُرَدُشْت ) :

  • وجوه مشابهة تاريخية ودينية :

بين شخصية ( إبراهيم ) و( زُرَدُشْت ) وجوه مشابهة ، كذلك بين دعوتيهما نوجزها فيما يلى :

(أ ) رغم الجدال حول زمن ظهور كل منهما بالحد الذى لا يمكن القطع بأحد التواريخ بشأن كليهما إلا أن بعض الآراء الأكثر رجحانا تجعل ظهور زردشت بناء على القرائن اللغوية والتاريخية ما بين تسعمائة وألف وسبعمائة قبل الميلاد [1]ويعين معظم المنقبين تاريخ ظهور إبراهيم فى زمن متوسط من (700) وأواخر (1800) قبل الميلاد [2]أى يقترب  ظهور هذين الإمامين إلى الحدالذى يمكن أن يجعل منهما ، بفرض صحة الآراء ، شخصا واحدا . لأن العالم إذ ذاك لم يك من السعة بحيث

يتطلب دعوتين كبيرتين فى فترة تاريخية واحدة تقريبا ،

( ب) ورغم أن من حدد مكان ظهور إبراهيم أعتمد على التوراة رغم ما يحيطها من شكوك فإن إبراهيم بدأ دعوته من ( أور ) بجنوب العراق وانتهى إلى أشور شمالا قبل الأتجاه إلى فلسطين [3]وأغلب الآراء تذهب إلى أن ظهور زردشت كان فى أذربيجان وبدأ ينشر دعوته على شاطىء بحيرة ( أورمية ) [4]وهى تقترب جدا إلى شمال العراق الحالي وكانت هذه المنطقة تدخل ضمن ممتلكات أشور القديمة ، وعلى هذه الآراء يكون مكان ظهور الرجلين واحدا تقريبا .

  1. أحداث فترة البحث عن الحقيقة لدى الرجلين واحدة ، فزردشت اعتزل أهله وأمضى نهاره فى الفكر وليله فى التأمل وراقب الشمس والقمر والنجوم تشرق وتغرب والنهار ينير والليل يظلم حتى اهتدى إلى قوى الخير والشر أو النور والظلام [5]وهذا نفس ما حكاه القرآن الكريم أصدق المصادر عن تأمل إبراهيم الذى أفضى به إلى اليقين ( وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين ، فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى فلما أفل لئن لم يهدني ربى لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إنى برىء مما تشركون إنى وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ) [6]
  2. لاقى الرجلان من قوميهما نفس العذاب ، فقد ثار عبدة الأصنام والسحرة  

 

على زردشت حتى أدى بكبير سحرة إيران المسمى ( دوراجان ) إلى إشعال نار عظيمة وألقى بزردشت فيها فخرج منها سالما [7]الأمر الذى حدث إبراهيم الذى لابد أنه كان يعيش فى قوم يعبدون النار وكان الكفر بها وإنكار قوتها عملا يستوجب أن يكون جزاؤه من نفس جنسه أى الحرق بها ليعتبر من يكفر بها .

(هه) هاجر الرجلان ، فقد هاجر زردشت من آزربايجان إلى بلخ وبلاد توران فى شرق إيران ، وهاجر إبراهيم من شمال العراق إلى الغرب ، وفى خط سيرهما أراء متباينة لكن يبقى أمر الهجرة وترك ديار الكافرين وجهاً دينيا مشتركا .

(و) لم يؤمن لزردشت إلا راجل واحد هو ابن عمه الذى هاجر معه [8]. وكذلك إبراهيم ( فأمن له لوط إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ) [9]وقد ذكر القرآن أن لوطا من ذرية إبراهيم وإن كانت الذرية تعنى هنا التبعية وحسب ، إلا أن هذا لا ينفى أن يكون لوط ابن عم لإبراهيم أو أحد أقاربه تربى معه فى مسقط رأسه .

 

(ز) جوهر الدعوتين واحد ، فإذا أخذنا في الحسبان أن كتاب زردشت الديني ( الأبستاق ) واجه من الغير والمحن مالم يواجه كتاب دين قط ، حين ابتلة بتحريق الأسكندر له إلا ما أتصل بعلوم الدنيا ، وظل مجهولا حتى جاء بلاش الأول الأشكانى فجمع القليل المتبقي في صدور رجال الدين ودونه في أوائل النصف الثاني للقرن الأول الميلادي ، ثم رتبه ( تنسر ) كبير هرابذة أردشير أو الساسانيين خلال الربع الثانى للقرن الثالث  

الميلادي ، ومع هذا فالموجود من هذا الكتاب هو الربع فقط . والأبستاق الأصلي نفسه يشك فى أن زردشت تولى تدوينه بنفسه وإنما الذى قام بذلك أحد تلامذته الذى لم يدركه ومع هذا فقد تعرض الكتاب لتغيير متنه مراراً بكثرة شروحه وشروح شروحه ، فقد شرح الأبستاق " بالزند " ثم شرح الشرح ( بالبازند ) ثم شرح الشرح ( بالإياردة) وكانت الشروح تبعد الناس تدريجا عن الأصل وتوسع مجال إدخال الموضوعات وانتحال الأحكام على زردشت . فضلا عن التطور اللغوي الذى جد على لغات إيران قبل الإسلام من عهد زردشت حتى ظهور الإسلام مما كان يوقع المفسرين فى أخطاء الشرح وإساءة فهم النصوص الأبستاقية . وهذا الأصل يقوم أغلبه على الحكايات والقصص . وعالج رجال الدين الزردشتى نقص الكتاب فى العصر الساسانى حين تمكنوا وتغلبوا بإدخال ما يقوى شوكتهم ويخضع لهم طبقات الشعب [10]

ولما غزا العرب إيران نظروا إلى الأبستاق وشروحه والمؤلفات الزردشتية البهلوية بازدراء وألقوا بجانب عظيم منها طعمة للنيران وفر رجال الدين الزردشتى أمامهم وظلوا منعزلين عاكفين على مذهبهم لا يأبه بهم حتى بدأت ترجمة بعض آدابهم إلى العربية فى عصر الترجمة والحرية الفكرية من عهد ابن المقفع ( النصف الأول للقرن الثانى الهجري ) فصاعدا . إذا أخذنا كل هذا فى الحسبان غدا الحكم على دين زردشت حكما قاطعا بعيب به أمراً بعيداً عن الإنصاف [11]  

 

ورغم هذا فهذا الدين يعد بداية الاتجاه إلى وحدانية لأنه يقوم على عبادة إله واحد قوى عالم بالماضي والمستقبل ظل يحكم العالم سماه الابستاق ( أهورامزد ) ثم ظهر من الظلام من يقف أمام نوره وخيره ويصطرع معه ويدعى ( أهريمن ) ، ويظل الصراع بين إله الشر والظلام هذا وأهورامزد الأقوى إلى أن ينتهي الأمر بغلبة الخبر والنور واندحار أهريمن والشر والظلام وتعود الوحدانية كما كانت فى البداية . فمدار الدين إذن على الوحدانية ولا يضيره وجود قوى شريرة تعصى إله الخير ، وأغلب الظن أن أهريمن ما هو إلا شيطان المذكور فى القرآن ، لكنه تضخم فى الفكر المنحول على زردشت حتى صار نداً لإله الواحد عهودا طويلة من الزمان . ويقوم الشرع عند زردشت على حسن التعبد سواء فى النية أو القول أو الفعل ومؤازرة الخير وتأدية الأعمال التي تديمه قصدا دخول الجنة وتجنب النار لأن بعد الخير بعثا وثوابا وعقابا وخلودا فى الجنة أو النار . وهذا هو جوهر دعوة إبراهيم وبنيه فى الكتب المنزلة إليهم .

  1. يمثل ( إبراهيم ) فى التوراة الأب الأول وصاحب العهد الأول ومؤسس الوحدانية ، وفى نفس الوقت فزردشت هو الذى نقلت عنه التوراة باعتراف دارسيها عقيدة البعث والحساب فلم لا يكون هذان الرجلان السابقان للتوراة شخصا واحدا ؟

(ط) ذكر القرآن ( المجوس ) المشهور أنهم أتباع زردشت على أنهم كاليهود والنصارى غيروا رسالة نبيهم فى قوله تعالى :(إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة) [12]، ولو طبقنا أسماء هؤلاء المخافين على أسماء 

 

رسلهم بعد أن بدأت الآية بذكر المؤمنين بسائر الرسل فإن الذين ( هادوا ) هم مخالفوا موسى و ( النصارى ) هم الذين غيروا على عيسى والذين ( أشركوا ) هم الذين خالفوا محمد . فلا يبقى إطلاق لمخالفي نوح وإبراهيم – والأنبياء الخمسة هم أكبر الرسل – غير الصابئين والمجوس ، والصابىء فيما أفهم هو المتخذ ( الأصباء ) أو الأصنام ( بناء على التقارب اللفظي لكلمتي الصبأ والصنم ) . وكان أول من اتخذ الأصنام المنحوته قوم نوح الذين اخترعوها : ( وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ) [13]إذن ( فالمجوس ) هم أتباع ( إبراهيم ) الذين غيروا عليه رسالته .

 

(ى) وأخيرا ما يؤكد هذا التشابه بين ( إبراهيم ) ( وزردشت ) اختلاطهما عند بعض المؤرخين المسلمين من العرب والفرس حين ذهبوا إلى الاعتقاد بأن زردشت من فلسطين وهاجر منها إلى آذربيجان كالطبري وابن الأثير وميرخواند ، نقل الطبري عن علماء أهل الكتاب أن زردشت كان يخدم بعض تلامذة إرميا النبي – بقوله – فكذب عليه فدعا عليه فبرص فلحق بآذربيجام فشرع بها دين الجوسية[14]أما جامع المعجم الفارسي ( برهان قاطع ) فقد نقل أن اسم ( زردشت ) هو ( إبراهيم ) وفى رواية أخرى أنه و( برزين ) إمامان فى دين إبراهيم ، وأن الزند ، فى رواية ثالثة عن الأسدى صاحب ( لغت فرس ) – من أقدم المعجمات الفارسية – اسم آخر لصحف إبراهيم ، ثم يسميه فى موضع رابع " بإبراهيم زاردشت " ويذهب إلى أن الزند والبازند نسكان من صحف إبراهيم .



[1]
فرهنك بهلوى بهرام فره وشى . تقديم بورداود ( تهران 1346ه .ش ) ص 512 وتقترب المصادر الزرداشتية بمولد زردشت حتى القرن السابع قبل الميلاد ولا يخفى أن هذا الرأي الموضوع يقرب من ظهوره إلى الفترة التي ظهر الفرس فيها أقوياء على المسرح السياسي القديم عند بداية الدولة الأخمينية ، انظر أيضا : تاريخ إيران القديم ،حسن بيرنيا ترجمة د.السباعي محمد ود نور الدين عبد المنعم ( مصر 1977) ص 312.

[2]إبراهيم أبو الأنبياء .عباس العقاد ( دار الهلال ) ص 183

[3]إبراهيم أبو الأنبياء /150

[4]فرهنك بهلوى 512- تاريخ إيران القديم ص 321.

[5]سركذشت دينهاى بزرك 146.

[6]الأنعام / 75_79

[7]سركذشت دينهاى بزرك 143 وسورة الأنبياء 68-70 والصافات 97-98 والعنكبوت / 24.

[8]سركذشت دينهاى بزرك 147 ، فرهك بهلوى 512 .

[9]العنكبوت / 26 -27 .

[10]انظر فى أسماء هؤلاء الرجال ونشاطهم فى العصر الساسانى مجلة ( بررسى هاى تاريخى ) مقاله علاء الدين آذرى : بحثى بيرامون زندكانى وفعاليت روحانيان بزرك عصر ساسانى ص 39 – 74 ، العدد الرابع ( طهران 1353) ه.ش) .

[11]يندرج تحت هذا الحكم ما حكاه الشهرشتانى ( متوفى 548هه) فى الملل والنحل على حاشية الفصل لأبن حزم (3/51-57) على الزردشتية وثنائيتها لأنه استمد معرفته عنها مما شاع بعد أن غبر على زردشت ردح من الزمن وغيره أتباعه مذهبه . ويذكر المؤلف نفسه أنه نقل بعض ما حكاه عن أبى حامد الزونى أى لم يقرأ الأبستاق ولم يستخرج منه – رغم أغلبه – آراءة فيه .

[12]الحج / 17

[13]نوح / 23

[14]تاريخ الطبري ( مصر 1963) 1/540

3 برهان قاطع ( طبعة الهند ) 1/ 334، 337،345 والقصة فى الأدب الفارسي : د عبد المجيد بدوى ( القاهرة 1964) ص 36 .

اجمالي القراءات 15913

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (2)
1   تعليق بواسطة   محمد عبدالرحمن محمد     في   الإثنين 19 يوليو 2010
[49423]

ليس هناك ما يضير ....

 إذا كان هذا بحثا علميا تاريخيا من بحوث الدكتور علاء الدين منصور ذلك العالم الراحل عنا في هذا العام  أسكنه الله فسيح جناته ، اللهم اغفر له وارحمه واجمعنا به في جناتك إتك علىما تشاء قدير ..


لابد بادئ ذي بدء  أن نؤكد على أننا كعرب تتملكنا العزة والعصبية القبلية حبا في اللغة العربية والناطقين بها ، وعادات أهلها ، لكن أصحاب الفكر  وطلاب الحق والحقيقة لا يستنكفون أن يردوا الحق إلى أهل وينسبوا الفضل لموطنه ،


واذا كان موطن زردشت هو نفسه موطن ابراهيم وكان التأريخ الزمني واحدا ، فمن المحتمل جدا أن يكون الشخصان شخص واحد وهذا ليس ببعيد ولا يضير العرب ولا القرآن ..


 يكفينا حبا لهذان الشخصان أن القرآن أشاد  بإيمانهما  وما لاقوه في سبيل الدعوة الى اله واحد لا شريك له / والشريعة الدينية التي نزلت علىيهما أو على كل واحد منهما على حدة ...


 المهم أن الوصايا العشرة هى وصايا سماوية علوية من عند الله تعالى وردت في تعاليم زردشت أو في صحف ابراهيم أو في التوراة أو الانجيل أو القرآن .. فكلها في متنها الأصلي  نزلت من عند الله تعالى ولها نفس التقديس والحب في قلب الموحدين  جميع الذي يفهمون حقيقة التوحيد ..


 ليس هناك ما يضير أبدا  ما اذا كان ابراهيم وزردشت شخصية واحدة أو شخصيتان ، وما اذا كان اخناتون شخية واحد أو شخصياتان فهو أول موحد في الديانة المصرية القديمة ...


 وأخيرا المسلمون العرب يرديون أن يسلبوا كل يقعة من بقاع الشرق الأوسط القديم والحديث القدسية والتكريم فيما عدا مكة والمدينة شأنهم شأن أجدادهم من  تجار قريش الذين دخلوا الاسلام  للحفاظ على هذه المكانة القرشية  وان كانت قلوبهم لم  يدخلها الايمان ..


 


2   تعليق بواسطة   ميرفت عبدالله     في   الإثنين 19 يوليو 2010
[49424]

هل العزير هو أوزوريس ..؟؟

رحم الله الدكتور علاء فقد فتح مجالً كبيراً في علم مقارنات الشخصيات التاريخية الدينية بمنهجه العلمي الجديد واختياره لهذا التخصص في البحث ، فقد علم كثير من طلابه ومن تأثروا به هذا الأسلوب الجديد ، وأحب أن ألقي الضوء على شخصية مصرية قديمة كانت مسار جدل بين المصريين قديماً وبين اليهود الذين كانوا يسكنون مصر أنذاك فالأسطورة المصرية القديمة كانت ترفع أوزوريس إلى مستوى الآلهة هو وزوجته إيزيس وأنهما أنجبا حورس الأبن الذي نقله المصريون القدماء  إلى صفوف الآلهة ، وأصبح هذا الثالوث رمزاً لعقيدة المصري الدينية حتى يومنا الحاضر في عقيدة أقباط مصر .


اليهود عاشوا بمصر تأثروا بحضارتها وتدين أهلها ونقلوا هذا التأثر إلى عقيدتهم أيضاً وسجلوها في شروحهم للتوراة وادعوا ظلماً وبهتاناً أن عزيز (أوزير) ابن الله وهو اختصار لكلمة أوزوريس . كما أدعى النصارى أن المسيح هو أيضاً ابن الله


 


 


 


 


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق