هل سيملأ البرادعى الرُبع الخالى فى عصر ما بعد مُبارك؟

سعد الدين ابراهيم في السبت 27 فبراير 2010


 

فى مقالنا الأسبوع الماضى (٢٠/٢/٢٠١٠)، تحدثنا عن أن ثلاثة أرباع المسلمين فى العالم يعيشون فى ظل حكومات مُنتخبة ديمقراطياً من إندونيسيا (٢٥٠ مليوناً) شرقاً إلى نيجيريا (١٠٠ مليون) غرباً. أما الرُبع المحروم من الديمقراطية (٣٠٠ مليون) فهم يتركّزون فى بُلدان الوطن العربى، حيث إن ستاً فقط من بُلدانه الاثنين والعشرين، هى التى تتمتع بقدر معقول من الديمقراطية والحُرية، طبقاً لمقاييس «بيت الحُرية» (Freedom House)، الذى يُصدر تقريراً س&aucute;نوياً موثقاً عن «حالة الحُرية فى العالم».

وداخل ذلك الرُبع الخالى من الديمقراطية، فإن مصر (٨٠ مليوناً) هى حوالى الرُبع. وقلنا إن مصر لم تكن دائماً رُبعاً خالياً من الديمقراطية فى العصر الحديث. بل إنها كانت أول البُلدان العربية والإسلامية والأفريقية والآسيوية أخذاً بالديمقراطية. ففى ستينيات القرن التاسع عشر، قام الخديو إسماعيل بتحديث مصر فى كل المجالات: الثقافية (بناء دار الأوبرا) والعُمرانية (قصر عابدين والقناطر الخيرية)، والزراعية (شق الترع والريّاحات واستصلاح الأراضى) وكذلك السياسية باستحداث برلمان مُنتخب (مجلس شورى النواب). وكان ذلك بداية عصر ليبرالى تعددى، استمر حتى فى ظل الاحتلال البريطانى، إلى أوائل خمسينيات القرن العشرين، وحتى حدوث انقلاب عسكرى أطاح بالملكية والعصر الليبرالى وأعلن نفسه «ثورة يوليه»، وأقام نظاماً «شعبوياً» حقق فيه عدة إنجازات اجتماعية واقتصادية، ولكنه استبدل التعددية بنظام الحزب الواحد الذى أخذ مُسميات مُختلفة خلال رُبع القرن التالى (١٩٥٢-١٩٧٧).

ورغم عودة التعددية الحزبية فى أواخر حُكم الرئيس أنور السادات، فإن الحياة السياسية المصرية ظلت تحت سيطرة حزب واحد عملياً، هو «الحزب الوطنى الديمقراطى»، الذى أسّسه الرئيس السادات، وورثه الرئيس حسنى مُبارك.

وفقط تحت ضغوط داخلية وخارجية، زاد هامش التعددية والمُنافسة البرلمانية أولاً، ثم اتسع بعض الشىء بالنسبة لاختيار رئيس الجمهورية لاحقاً (٢٠٠٥). ومنذ ذلك التاريخ وحتى ٢٠١٠ كان المُنافس الشرعى الأقوى صوتاً هو حزب الغد بزعامة د. أيمن نور، بينما كان المُنافس الأقوى ندية فى الشارع هو حركة الإخوان المسلمين. وفقط منذ شهور ظهر البديل الأقوى، حينما أعلن د. محمد البرادعى الرغبة والاستعداد للترشح لمنصب الرئاسة، كمُستقل، إذا تغيّر الدستور، بحيث يسمح بمُنافسة عادلة. وهكذا تغير المشهد السياسى المصرى كيفياً ونفسياً، بشكل غير مسبوق منذ عام ١٩٥٢. وكان ذلك، كما نوّهنا فى حينه، إيذاناً «بعودة السياسة»، أى التنافس السلمى على السُلطة، لأول مرة منذ نصف قرن.

ورغم القيود الدستورية على ترشيح المُستقلين، فإن الترحيب الشعبى بنزول د. البرادعى إلى الساحة، يمكن أن يُجبر النظام على تعديل المواد التى أقحمها على الدستور، لقصر الترشيح على أعضاء الحزب الوطنى، إن لم يكن على أسرة الرئيس مُبارك تحديداً. فإذا صمد د. البرادعى فى الساحة وقاد تلك الحركة الشعبية المرجوة، فإن الديمقراطية الغائبة ستعود إلى المصريين. أى أن هذه الديمقراطية هى رهن إعطاء المصريين فرصة حقيقية للاختيار بين بدائل. فحتى إذا قرر الرئيس مُبارك الترشح لفترة أخرى، ونجح، فإن مذاق النجاح هذه المرة سيكون مُختلفاً تماماً، بالنسبة له وللمصريين والعرب والعالم. وستنتقل مصر من خانة «بلد غير حُر» فى التقارير الدولية إلى «بلد حُر» (أى ديمقراطى).

فهل يمكن لهذا الأمل (أو الحلم) أن يتحقق؟

إن للشاعر التونسى، أبى القاسم الشابى، قصيدة عصماء، طالما ردّدنا أحد أبياتها ونحن نتظاهر كتلاميذ:

«إذا الشعب يوماً أراد الحياة... فلابد أن يستجيب القدر... ولابد للفجر أن ينبلج... ولابد للقيد أن ينكسر». وإن هذا الكاتب على يقين أن مصر لم تكن قاب قوسين أو أدنى من استجابة القدر لشعبها كما هو الحال فى هذه اللحظة التاريخية مع د. البرادعى.

ورغم أننى لا أعرف الرجل شخصياً، فإننى أتحدث عن شىء أكبر، وهو «الحركة الاجتماعية» (Social Movement) التى كانت تنمو فى أحشاء الشعب المصرى، فى انتظار مرحلة النفاس ولحظة الولادة. فالرجل كان على موعد مع هذه اللحظة. وهو الآن رمزها. وفى هذا الصدد فإنه أقرب تاريخياً إلى نموذج سعد زغلول، الذى لم يسع للزعامة ولم يشتغل حتى بالسياسة، ولكن الحركة الوطنية المصرية كانت قد نمت وترعرعت خلال عقدين سابقين، وكانت تبحث عمن يقودها، فذهبت إلى الرجل الذى كان قد أصبح شيخاً وطلبت منه أن يكون على رأسها واستجاب الشيخ، واستجاب القدر له ولمصر.

ومثل كل الحركات الاجتماعية، ينضم إليها المئات، ثم الآلاف، ثم الملايين، دون أن يعرف مُعظمهم بعضه بعضا. ولكنهم يشتركون فى «الشوق» إلى جديد يُعيد زرع الأمل فى نفوسهم، ثم يشتركون معاً فى المبادرة إلى التعبير عن الشوق والأمل، من خلال حركة عفوية تلقائية. وفقط عند هذه المرحلة تبدأ القيادات والشعارات والتنظيمات فى التبلور.

وأغلب الظن أنه رغم ظهور عدة أسماء أعلنت عن تأييدها المُبكر لترشيح البرادعى، فإن هؤلاء لم يكونوا يعرفون بعضهم بعضا. ولكن خيطى «الشوق» و«الأمل»، هما اللذان شدّاهم ومعهم عدة مئات، ثم عدة آلاف إلى مطار القاهرة لاستقبال الرجل العائد إلى الوطن من آخر محطات خدمته العامة فى العاصمة النمساوية، فيينا.

ومع التغطية الإعلامية، غير الحكومية، لحدث الاستقبال، ثم لمن كتبوا فى الصُحف المُستقلة، بدأنا نرى ملامح وقسمات الحركة الاجتماعية التى ستحمل البرادعى إلى ساحة المُنافسة الرئاسية: رأينا بين المستقلين شيخ الإعلاميين المصريين حمدى قنديل، وشيخ الفنانين الشعبيين محمد نوح، وأشهر الروائيين المصريين المُعاصرين علاء الأسوانى. كذلك كان لافتاً أن جيلاً وسيطاً من المُحللين السياسيين قد احتفوا بالدكتور البرادعى، وانبرى بعضهم لإعطائه النصائح حتى يُحافظ على قوة الدفع التى صاحبت عودته، منهم د. أسامة الغزالى حرب (زعيم حزب الجبهة الديمقراطية)، ود. حسن نافعة (منسق الحركة المصرية لمُناهضة التوريث)، ود. عمرو حمزاوى، كبير باحثى مؤسسة كارنيجى للسلام، والسيدة جميلة إسماعيل، أحد قيادات حزب الغد.

والأهم فى هذه الحركة الاجتماعية من أجل التغيير، هو أن الشباب هم عمادها، وهم وقودها إذا لزمت التضحيات من أجلها. وهذا الحضور الشبابى غير المسبوق منذ ثورة ١٩١٩، وغير المعهود لا فى دوائر من يحكمون ولا حول من يتطلعون، يُضاعف من جدية حملة البرادعى، ومن التحدى الذى سيُمثله فى الانتخابات الرئاسية القادمة (٢٠١١). ومن هنا كان الاهتمام غير العادى فى الدوائر الأجنبية بهذه اللحظة المفصلية فى تحول المسار.

ومنذ الانتخابات الإيرانية فى صيف ٢٠٠٩ لم تحظ انتخابات أخرى بمثل هذا الاهتمام بالانتخابات المصرية المُرتقبة، سواء تلك الخاصة بمجلس الشورى أو بمجلس الشعب (٢٠١٠) أو الرئاسة (٢٠١١). فالمُراقبون يُدركون أن هذه الثلاثية ستحدد طبيعة وشكل مرحلة «ما بعد مُبارك»، وربما للعقدين القادمين. وسيكون شأنها فى ذلك شأن ثلاثة انتخابات أخرى خلال هذا العام والعام القادم، فى كل من السودان والعراق والأردن.

وللأهمية القصوى لهذه الانتخابات، فإن الرقابة الأهلية والدولية تصبح ليست فقط مُستحبة، ولكن ضرورية، لضمان أمانتها ونزاهتها، وبالتالى شرعيتها، فى نظر الشعوب صاحبة الشأن، أولاً، وفى نظر العالم الخارجى ثانياً. ثم إن هذه الشرعية، غير المطعون فيها، بشهادتى الداخل والخارج، هى التى ستقى البلاد من مغبة الانفجارات الاجتماعية من ناحية، والانقلابات العسكرية من ناحية أخرى.. والله أعلم.

اجمالي القراءات 6161

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-03-23
مقالات منشورة : 216
اجمالي القراءات : 1,594,719
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 410
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt