مشكلة التدين في مصر

كمال غبريال في الجمعة 22 يناير 2010


الجزء الأكبر مما يبدو في مصر كمشكلة صراع ديني بين طوائف المجتمع المصري، ليس مشكلة الأديان في ذاتها، بقدر ما هو مشكلة تدين. . فالتدين هو فهم الناس للدين، وانعكاس ذلك الفهم على نظرتهم للعالم وللآخر، وبالتالي على علاقاتهم في مختلف جوانب الحياة. . أيضاً جزء من مشكلة التدين المصري، نراها ترجع إلى ما يبدو عجزاً للعقلية المصرية عن التجريد، ولجوئها لتحويل المجرد إلى حسي. . فرغم أن الأديان السائدة في مصر، وهي المسيحية والإسلام تعبد إله متسام، يخاطب ضمير الفرد، بما Êrc;صلح به دنياه وآخرته، إلا أن ما نزعم من عجز للعقلية المصرية عن التعامل مع ما هو مجرد، جعل التدين المصري يتحول من المعنوي السماوي، إلى الحسي الأرضي، مما يفرغ الدين من محتواه الرئيسي، ويحوله عن طبيعته المتسامية، إلى شيء آخر مختلف كل الاختلاف.

لقد ترتب على هذا التحول من المجرد للحسي ثلاثة نتائج رئيسية:

· في ظل تغيب مفهوم التدين كعلاقة بين الإنسان والخالق المتسامي، تحول التدين إلى أيديولوجيا خصامية بين أتباع الدين الواحد وسائر أتباع الديانات الأخرى. . أي صار مجرد رابطة عصبية غير مستقرة، إذ تتوالى فيها الشروخ والتصدعات الداخلية، بظهور الطوائف المختلفة داخل الدين والواحد، لينتقل الصراع الخارجي إلى داخلها. . ويصبح هكذا أي تفسير شخصي للدين وكأنه انشقاق ليس فقط يهدد وحدة المؤمنين، وإنما يضرب الدين ذاته. . يتبدى هذا بنفس القوة والوضوح في كل من المسيحية والإسلام، فالصراع المتبادل بين أتباعهما على قدم وساق، بذات قدر وضراوة الصراعات الداخلية بين كل فريق، بل وكثيراً من تفوق الصراعات الداخلية بين أبناء الدين الواحد في ضراوتها، ذلك الصراع التقليدي بين أتباع الديانات المختلفة.

· ترتب على ذات العجز أيضاً في العقلية المصرية، أن تحول التقديس من الإله المتسامي، إلى البشر الذين قاموا بدور الوكلاء عنه في مفهوم وتدين الناس، فتحول الكهنة في المسيحية إلى كائنات مقدسة، ممتنعة على النقد والمراجعة، التي عدت في نظر العامة من المؤمنين بمثابة تجرؤ بل وتطاول على الدين ذاته، ففي ظل مفهوم أنهم معينون بواسطة الإله، وليس بموجب خيار أو رغبة بشرية، صار لهؤلاء ذات قداسة الإله وعصمته!!. . وفي نظر المسلمين تحول رجال الدين من مساعدين للمؤمنين على فهم ما استعصى عليهم في دينهم، إلى أصحاب أمر ونهي باسم الإله. . يصدرون أوامرهم في شكل فتاوى، امتدت لتشمل كل مجالات الحياة الإنسانية، وليست فقط الجانب الديني. . صاروا مرجعاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وقانونياً، بل ومرجعاً طبياً وجنسياً أيضاً!!

· النتيجة الثالثة للتحول من العبادة المجردة إلى عبادة المحسوس هي أخذ التدين صورة شكلية مظهرية، تتجاهل وتكاد تجهل أهم ما في الأديان من قيم روحية وإنسانية سامية. . فالمفهوم الحسي للدين لا يعترف أو لا يعرف غير الالتزام بطقوس محددة، وبمظاهر خارجية من الأزياء واللحى وما شابه. . من الطبيعي في هذه الحالة أن يهتم المسلم ببول الرسول وبلباسه ولحيته، ويتناسى القيم والمثل والأخلاق التي دعى لها، والتي هي عند القادرين على استيعاب المجرد صلب رسالته، إن لم تكن هي الرسالة ذاتها ولا شيء أكثر. . على ذات النهج الحسي نرى الأقباط المحاصرين بالتمييز والازدراء لهم ولدينهم من قبل التيارات المتعصبة، التي تمرح ما شاء لها الهوى في ربوع مصر. . لا يجد الأقباط وسيلة للإعلاء من شأنهم وشأن دينهم، غير البحث عن تصورات وتجسيدات حسية يتفاخرون بها، ويطمنون بها أنفسهم بأنهم على حق، وبأن دينهم هو الدين الحق، مثل انسيال الزيوت من الأيقونات، أو ظهورات للعذراء مريم على قباب الكنائس، وأحاديث عن معجزات شفاء تصاحب هذه المظاهر. . يتجه المسيحيون المصريون هذه الوجهة، رغم أن هناك وصية واضحة للسيد المسيح تقول: "ليرى الناس أعمالكم الصالحة فيمجدوا أباكم الذي في السموات". . لكن معيار التفوق والفخر الذي تشير إليه هذه الوصية، وهو المعنى والمثل العليا المضمرة في الأعمال الصالحة، لا تتناسب مع عقلية المصري العاجزة عن التجريد، سواء عقلية المؤمن المسيحي الذي يبحث عن مثار فخر، أو عقلية غير المسيحي المستهدف إقناعه بتفوق المسيحية!!

لو صح ما زعمنا في هذه السطور، من أن طبيعة التدين المصري الحالي ترجع لقصور في عقلية الإنسان المصري عن التعامل مع المجرد، وهو ما يمكن اكتشافه أيضاً في طبيعة الحضارة المصرية القديمة في الحقبة الفرعونية، التي انحصرت في الإنجازات الحسية، من إنشاءات حجرية ضخمة، تم الاعتماد في تشييدها على التجربة والخبرة التطبيقية، دون أن يمتد ذلك إلى العلم المجرد كما حدث في الحضارة اليونانية. . لو صح هذا التصور، فإن مهمة الإصلاح والتنوير في مصر تكون هكذا أمام عقبة كأداء، تحتاج لمجهودات علمية للوصول إلى حل لها.

اجمالي القراءات 8208

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الثلاثاء 26 يناير 2010
[45275]

قصور في العقلية المصرية ومن المستفيد

فعلا حدث خلل في العقلية المصرية واضح ونعرف أن ذلك الخلل مرتبط في توقيته ببداية بظهور الوهابية وتسيدها على ما عداها من طوائف، فهي المسؤلة عن ظهور التعصب الذي كان غريبا على المجتمع المصري الذي تربى على وجود الآخر والتعامل معه ، كما انهم هم المسؤلون عن تحول االدين إلى طقوس فقط ومظاهر خارجية أي أنهم اختصروا الدين في صلاة الجماعة وفي النقاب واللحى، مع تناسي القيم والأخلاق والتسامح ومسالمة الآخر وترك الحكم عليه والحجر عليه ،لأن ذلك من اختصاص رب العالمين وحده يوم القيامة .،أتذكر وأنا أدرس عندما قال لنا أستاذ متمكن أن غطاء الشعر بهذه الطريقة ـ مع احترامي لكل من ترتديه منكن ـ عادة اجتماعية نظرنا له في استغراب وكأنه يقول شيئا منكرا !! ذلك ،لأننا اعتدنا على أنه فرض وأن الطريقة التي نرتديه بها هي أنسب طريقة وأفضلها .

 


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-03-23
مقالات منشورة : 598
اجمالي القراءات : 2,856,992
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 263
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt