إيران وثورتها الثالثة

احمد شعبان في الأحد 21 يونيو 2009


cute;تمويل السعودي لتلك المجلة.
(2)
اعتذرت عن قبول الدعوة بسبب ما اعتبرته صيغتها غير الملائمة، ولم أعد&# 1604; عن الرفض رغم الاعتذار اللاحق عن الصيغة ورغم تطلعي لزيارة ذلك البلد الذي ما يفتأ يدهشنا بإبداعات شعبه، وذلك بسبب مشغوليات وارتباطات مسبقة عديدة. وقد تصادف أن استمعت إل&# 1609; أحد أفراد المجموعة التي لبت الدعوة للقيام بتلك الزيارة، ولم أدهش من روايته وإعجابه بما رأى.
(3)
ما كانت تلك الزيارة لو تمت لتهيئ لنا أن نكون شهوداً على ما تشير كل الدلائل أنه الثورة الإيرانية الثالثة خلال ثلاثة عقود، ولكن ربما كان من الممكن استشعار الجو السائد هناك ومعرفة اتجاه الريح المحتمل.
( 4)
على كل حال فإنه من الصعب جداً التنبؤ مسبقاً باتجاه التطورات في إيران. فقبل أسابيع فقط من اندلاع الثورة في بداية عام 1978 كان الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر يتبادل الأنخاب مع شاه إيران في العاصمة طهران ويص 01; إيران بأنها 'جزيرة استقرار في عالم مضطرب'. ولم يمر عام حتى أصبح الشاه لاجئاً مطارداً، وخلال أقل من عام آخر لحق به كارتر ضحية أخرى من ضحايا تلك الثورة التي لم يلحظ هو ولا غيره بوادرها.
(5)
قبل أسابيع قليلة من انتخابات عام 1997 التقيت في استانبول أحد كبار العلماء الإيرانيين وسمعت منه انتقادات حادة للمرشح محمد خاتمي، حيث اتهمه بأنه سيسلم البل 583; للأمريكان بحسب رأيه، وتنبأ بألا يجد الرجل أي دعم شعبي ذي بال.
(6)
خابت توقعات ذلك الرجل رغم معرفته المفترضة بواقع إيران، فقد حقق خاتمي انتصاراً باهراً، وكرر ذلك في الانتخابات التالية عام 2001، حيث صوت له أكثر من ثلاثة أرباع الناخبين. كانت تلك بحق ثورة إيرانية ثانية أدهشت بها إيران العالم، حيث قدمت للمنطقة نموذجاً في التحول الديمقراطي بعد أن قدمت من قبل نموذجاً في الحكم الإسلامي والتحرر من قبضة الامبريالية، وكان كلا النموذجين مصدر إلهام للكثيرين.
(7)
يلقي كثير من أنصار خاتمي باللوم عليه لأنه لم يستثمر الدعم الشعبي الكاسح الذي وجده لفرض تغييرات جذرية على النظام الإيراني بما يعزز سلطة الشعب والملامح الجمهورية للنظام. فقد ظلت 'الجمهورية الإسلامية' تعي ش تناقضاً في بنيتها بين مركبها 'الجمهوري' القائم على سلطة الشعب، ومركبها 'الإسلامي' المجسد في ولاية الفقية. وقد كان الإسلاميون المعتدلون مثل مهدي بازركان أول رئيس وزراء في إيران الثورة وكثيرين غيره يرفضون طغيان مبدأ ولاية الفقيه على المبدأ الجمهوري، وقد أكدت جماهير إيران بانتخاب خاتمي أنها أيضاً من ذلك الرأي.
(8)
الرئيس الأسبق خاتمي لم يكن بطبعه الوديع يميل إلى المواجهة والحسم الذي كان التغيير يتطلبه. ولكن يبدو أن المرشح الجديد مير حسين موسوي لا يخشى من تلك المواجهة. ما يعزز من وضع موسوي أنه يأتي من الحلقة الداخلية لسلطة النظام الإسلامي، فقد كان من المقربين من الإمام الخميني الذي انتصر له في إحدى المرات حتى ضد مجلس صيانة الدستور، كما أنه كان أقوى رئيس وزرا& #1569; شهدته إيران في عهدها الثوري، حيث قاد الحكومة في واحدة من أصعب فتراتها.
(9)
ما يحدث الآن هو انشقاق حقيقي في النخبة الحاكمة، حيث نجد أن الرئيس الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني ورئيس مجلس الخبراء حالياً أعلن بوضوح انحيازه إلى تيار المعارضة. والمعروف أن رفسنجاني لعب الدور الحاسم في تنصيب المرشد الحالي آية الله علي خامنئي خلفاً للخميني وظل عملياً يتقاسم معه السلطة. فالأمر لا يتعلق إذن بمعارضة هامشية من الليبراليين والمعادين للثورة، وإنما بقوة يدعمها تيار مهم في داخل بنية النظام الإسلامي.
(10)
التقيت قبل أيام أحد الطلبة الإيرانيين الدارسين في لندن فأخبرني أن زوجته كانت في قلب المظاهرة الاحتجاجية الضخمة التي نظمتها المعارضة في إيران اليوم السابق وقد تعرضت لقصف مكثف بالغاز المسيل الدموع. وأضاف إنها تصر مع ذلك على المشاركة في المظاهرة التي كان مزمعاً أن تقوم في وقت لاحق ذلك اليوم رغم نصيحته لها بأن تلتزم الحذر، حيث أكدت له ألا أحد في طهران ينوي التخلف عن تلك المظاهرة.
(11)
لم أكن في الخرطوم خلال الانتفاضة التي أسقطت نظام الرئيس النميري في السودان عام 1985، فقد تركت السودان منذ مطلع الثمانينات. ولكن تصادف أيضاً أن زوجتي وأطفالي كانوا هناك. وقد س معت منهم ومن كثيرين ممن شهدوا ذلك الحدث التاريخي أن شيئاً أسطورياً وقع حينها، كما لو أن منادياً نادى في الناس أن اخرجوا إلى الشوارع. كانت الأسر بكاملها: شيباً وشباباً وأطفالاً تتدفق من البيوت إلى الشوارع في عزم وتصميم تخالطه نشوة مبعثها أن الشعب قد نال حريته مهما كانت النتائج.
(12)
في إيران أيضاً، يبدو أن عقبة مصيرية تم اجتيازها: بعد هذه اللحظة لن تعود إيران الثورة كما كانت. فإما أن تتغير وإما ان ترتد ردة كبيرة نحو نظام دكتاتوري يعادي غالبية الشعب الإيراني. ولعلها ميزة كبيرة لعهد أحمدي نجاد أنه وضع الأمة أمام هذا الخيار، لأن أيا من الزعماء الذين سبقوه لم يجسد الاستقطاب داخل جسم الثورة بهذه الحدة. قبل نهاية هذا الشهر، سنعرف إذن أي إيران ستخرج من هذه اللحظة الأسطورية.



(المصدر: صحيفة "القدس العربي" (يومية – لندن) الصادرة يوم 19 جوان 2009)

اجمالي القراءات 7175

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-09-27
مقالات منشورة : 144
اجمالي القراءات : 1,677,890
تعليقات له : 1,291
تعليقات عليه : 915
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt