(3 ب ) العمل السيىء قد يؤدى الى الكفر

آحمد صبحي منصور في الأحد 28 ديسمبر 2008


أولا : تنوع الأعمال حسب دوافعها :

1 ـ الأعمال والسلوكيات تظهر لنا ونراها دون أن نعرف نية صاحبها ،أى نرى الفعل ولا نرى ما فى قلب الفاعل ،أو دوافع الفاعل فى هذا العمل أو ذلك السلوك.
نرى مثلا رجلا يتصدق على طفل يتيم ، من حيث الظاهر هو عمل خير عظيم ، لكن ربما يكون هدف ذلك الرجل التقرب للأرملة أم اليتيم لاغوائها . وقد ترى شخصا يصوب سلاحه الى رجل فى الطريق ويقتله . الذى يتبادر الى الذهن أننا أمام مجرم قاتل ، ولكن ربما يكون ذلك القاتل مسلوب الارادة ،أويكون القتيل سفاحا قتل كثيرين ، منهم أب القاتل ، ويكون القتيل مستحقا للقتل باسم الشرع . هنا يختلف الوضع .



2 ـ هناك سيئات نرتكبها غافلين أو ناسين غير متعمدين . وهناك سيئات نقع فيها مكرهين مجبورين مضطرين ، وكلها مرئية للناظرين على أنها سيئات ، ولكن الله جل وعلا عالم الغيب و الشهادة يعلم ما فى الضمائر وبالتالى فهو وحده الذى يعرف هل الجانى مضطر أم متعمد ، ودرجة الاكراه ومدى التعمد ،وامكانية ألا يرتكب الجريمة ، وهل حين رفض ارتكابها هل فعل ذلك خوفا من الله جل وعلا أم خوفا من الفضيحة أو لأن أمورا طرأت قد تحبط خطته ؟ لا يعلم هذه الدقائق و الخفايا سوى رب العزة جل وعلا ، ولذلك فانه يغفر فى حالات النسيان و الاضطرار وعدم التعمد ـ إذا كانت حقيقية ، وليست مجرد ذرائع ومزاعم وادعاءات .
يستطيع المجرم أن يخدع أجهزة التحقيق لأنها لا تعلم السرائر و لا تعلم الغيب ، ولكن يستحيل أن يخدع رب العزة الذى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور.
لهذا لنا أن نحكم على الظاهر فقط ، ومسئولية القائمين على الأمن و العدل هى تحرى الحق والحكم بالعدل و القسط بأقصى ما تمكنهم إمكاناتهم البشرية ، ثم يأتى العدل المطلق يوم الحساب .

3 ـ بالنسبة لرب العزة عالم الغيب و الشهادة فالأعمال البشريةأيضا تختلف ، هناك عمل صالح يصدر عن رياء فيضيعه الرياء ، وهناك عمل صالح يصدر عن عقيدة شركية تسيطر على صاحبها فيحبط الله جل وعلا ذلك العمل . وموعد إحباط العمل هو يوم القيامة و ليس الآن ، أى بعد أن يظل على شركه وكفره العقيدى الى الموت ، وعند الاحتضار تتلقاه ملائكة الموت تبشره بالنار وسوء المصير .
وهناك عمل صالح يقدمه المؤمن خالصا لوجه الله عز وجل لا يبغى من الناس أجرا ، وهذا يقبله الله جل وعلا و يثيب صاحبه أضعافا مضاعفة. وهناك سيئة يقع فيها هذا المؤمن فيتوب ويتطهر ، ويعطى التوبة حقها فى تصحيح الايمان وتصحيح السلوك . هذا يستحق ان يغفر الله جل وعلا ذنوبه طالما تاب و أناب . وموعد الغفران ليس الآن ، ولكن يوم القيامة بعد أن يموت ذلك الشخص على إيمانه الصحيح ، وتتلقاه ملائكة الموت تبشره و أنه لا خوف عليه و لا حزن ( بفتح الزاى ) .
وهناك مؤمن يقع فى السيئة غافلا عنها بحيث يعتادها ويظل هكذا الى ان يموت وقد أوجز حياته فى كلمة واحدة هى السيئة التى أحاطت به و اكتنفته واعتادها حتى الموت فيموت بلا توبة . هذا المؤمن أضاع إيمانه بمعصيته التى استمر عليها دون توبة حتى الموت ، يقول جل وعلا : (بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ( البقرة 81 ). (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا )(النساء 17 : 18 ).التفاصيل فى كتابنا : ( المسلم العاصى : هل يخرج من النار ليدخل الجنة ؟) وهو منشور فى موقعنا (أهل القرآن) .
4 ـ وهناك ( مؤمن ) وقع فى السيئة فقام بتبريرها وتسويغها مثلما فعل ابليس حين دافع عن خطيئته متمسكا بها فى مواجهة رب العزة . هذا ( المؤمن ) يفقد ايمانه الصحيح ، وب( استحلاله ) الحرام يتحول الى مشرك بالعقيدة ، كما يتحول بسلوكه السيىء الى كافر بالسلوك إذا وصل عمله السيىء الى قتل الناس واكراههم فى الدين والبغى عليهم وظلمهم .
وهذا ما وقع فيه الصحابة حين اعتدوا بجيوشهم على أمم وشعوب ودول لم تعتد عليهم ، وحين اغتصبوا بلادا ليست من حقهم ، وحين استعبدوا أحرارا وسلبوا أموالا ، ولم يكتفوا بذلك بل جعلوه جهادا وربطوه بالاسلام زورا وبهتانا .
وهو نفس ما فعله العرب حين كانوا يرتكبون الفحشاء و يزعمون أن الله جل وعلا قد أمرهم بها (وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا) ، وقد ردّ الله جل وعلا عليهم فقال ( قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ )(الأعراف 28 : 30 ).
والصوفية ( المسلمون ) فى العصر المملوكى كانوا يعتبرون الزنا واللواط والحشيش مما يقربهم الى الله جل وعلا ..وقد شرحنا هذا فى الجزء الثالث من كتابنا ( التصوف و الحياة الدينية فى مصر المملوكية) وكان عن اُثر التصوف فى الانحلال الخلقى فى العصر المملوكى . وسننشره فى موقعنا بعونه جل وعلا. المهم أن هنا إعجاز يتحقق للقرآن الكريم ،فقد أخبر رب العزة بجهد الشيطان مقدما فى غسيل مخ اولئك العصاة ( المتدينين ) الذين يجعلون المعصية دينا و يمارسون العصيان وهم يحسبون أنهم مهتدون . ولا يمكن لهذا الصنف من الناس أن يتوب لأنه يعتقد أنه على الحق ، بل يعتقد أنه هو مصدر الحق.
5 ـ قمة العصيان هذه وصل اليها ابليس حين برر معصيته ودافع عنها أمام الله جل وعلا . وقد تابعه فيما بعد ابن آدم قاتل أخيه ، ففى قصة أول حرب عالمية فى تاريخ بنى آدم يقول جل وعلا عن القاتل ( فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) ( المائدة 30 ) ، أى إنه قبل أن يقتل أخاه قام بتيرير قتل أخيه لنفسه فقتله ، أى التبريربالقتل سبق فعل القتل .بتبرير المعصية وفعل المعصية أصبح من الخاسرين ، أى مهما عاش بعدها وعمّر من سنين فقد تم الحكم عليه بالخسران ، أى أنه لا يمكن أن يتوب ولو تاب فلن يكون مخلصا فى توبته ، ولن يقبل الله جل وعلا توبته، لأنه بتبرير وتشريع وتسويغ العصيان يكون قد اكتشف الطريق السريع للخسران .
6 ـ بعدها نزلت الرسالات السماوية فوقف لها ابليس بالمرصاد ، وطريقته المفضله هى إقناع البشر بتبريرالسيئات وتشريعها بأن ينسبها أصحابها الى دين الله جل وعلا ، عن طريق التكذيب لآيات الله جل وعلا فى كتابه وإفتراء وحى مزيف يعضد تلك المعاصى . وهذا هو موجز كل دين أرضى يقوم بتدمير الدين الحق و يفعل ذلك بالانتساب كذبا وزورا ..للحق... والفيصل الذى يتحدد به الدين الأرضى من المذاهب الفكرية العادية أن الدين الأرضى يزعم أصحابه أنهم يتلقون الوحى من لدن الله جل وعلا ، وينسبون أقوالهم ورؤاهم الفكرية لله تعالى ورسوله بالافك و البهتان ، وبسبب تلك الأحاديث المفتراة يكذبون بآيات الله جل وعلا. أى يفترون على الله تعالى كذبا ويكذّبون بآياته. وتكرر فى القرآن الكريم وصف ذلك بأعظم الظلم لله جل وعلا.
هذا هو مدخلنا الى موضوعنا الأصلى ..وهو أن العمل السيىء قد يؤدى الى الكفر العقيدى .
ثانيا : عاقبة الاصرار على السلوك السيىء هو التكذيب للدين الحق :
1 ـ هنا يتضح الفارق بين الايمان الحق بالله واليوم الآخر والايمان الكاذب بالله تعالى واليوم الاخر. لنفترض ان شخصا مؤمنا صحيح الايمان ، يؤمن بالله جل وعلا الاها لا اله غيره و لاشريك له و ليس كمثله شىء ، ولكنه أدمن المعصية واستراح لها و لم يبغ الاقلاع عنها والتوبة منها ، هنا يكون مؤمنا بالله جل وعلا وكافرا باليوم الاخر بسلوكه العاصى . فالايمان باليوم الاخر يتحقق سلوكا وعملا بالعمل الصالح و بالتوبة السريعة من العمل السيىء ، أى إلتزام التقوى بالاستعداد ليوم الحساب بحيث يحاسب الانسان نفسه بنفسه قبل الموت ، ويخشى الله جل وعلا بالغيب ، أى وهو فى خلوته لا يراه سوى الله جل وعلا.
2 ـ إنه المؤمن الذى يرجو لقاء ربه.
والبشر بالنسبة للقاء الله جل وعلا يوم القيامة صنفان فقط : قسم يرجو لقاء الله ، وقسم لا يرجو لقاء الله . فالذى يؤمن بالاخرة إيمانا حقيقيا يرجو لقاء ربه يوم القيامة و يستعد لهذا اللقاء بأن يتحقق إيمانه عمليا بالتقوى والطاعة و التوبة و العمل الصالح والاستغفار المستمر على ما سبق من ذنوبه . الذى لا يرجو لقاء الله جل وعلا هو الغافل عن هذا اللقاء الحتمى القادم الذى لا مهرب منه ، أو هو غير المكترث بلقاء الله ،أو غير المؤمن به أصلا ، لذا يشغله عصيانه عن لقاء الله جل وعلا يوم القيامة ، ويستريح الى عصيانه ويمضى فيه بلا توبة الى النهاية. إذا كان مؤمنا إيمانا صحيحا بالله جل وعلا فإن إيمانه هذا لا يجدى شيئا طالما لم يؤمن بلقاء الله تعالى و باليوم الآخر ايمانا حقيقيا يتهذب به سلوكه ويصلح به عمله.
أى لا معنى للايمان بالله جل وعلا بدون تقوى الله جل وعلا ، ولا معنى للايمان الصحيح بالله جل وعلا مع الوقوع فى العصيان والاصرار عليه بحيث يتحول العصيان الى كفر سلوكى يمتد الى الظلم والبغى والاكراه فى الدين.
هذا إذا ظل على كفره السلوكى بدون أن يبرره وأن يجعل له تشريعا ، فاذا فعل فقد وقع فى الإفتراء على الله تعالى كذبا و التكذيب بآياته، أى جمع بين الكفر السلوكى والكفر العقيدى ، وضاع إيمانه بالله جل بالتدريج ، أى وصل الى أسفل السافلين كما جاء فى سورة العصر التى توجز الاسلام و حال البشر فى كل عصر.
3 ـ بعض الناس يشتهر بإيمانه ( الذى قد يكون صحيحا ) ولكنه أدمن المعصية دون الاقلاع عنها ، وفى نفس الوقت يحرص على مكانته بين الناس ويخشى من إكتشاف انحلاله الخلقى أو أكله الرشوة ، فيلجأ الى أن يعيش بوجهين ، يرائى الناس بسيماء الورع وملامح التقوى ثم إذا تولى سعى فى الارض بالفساد . هنا يكتسب ملامح النفاق وصفات المنافقين الذين يخادعون الله والله جل وعلا هو خادعهم (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً ) ( النساء 142 ) .أى أدى به إدمان المعصية الى النفاق .
4 ـ إدمان المعصية قد يؤدى الى الشرك العقيدى بنوعيه : ( العملى )وهو تقديس القبور كما يفعل الصوفية والشيعة ، (والعلمى) وهو تقديس الأئمة وكتبهم وأسفارهم التى تزعم الوحى الالهى كما يفعل أهل السّنة والشيعة ). لنفترض شخصا مؤمنا (إيمانا قد يكون صحيحا ) ولكنه مدمن على العصيان بلا توبة ، هذا الشخص قد يبحث له عن مسوغ يبرر به لنفسه استمراره فى المعصية ، قد يطلب ممن يتوسم فيه الخير و الصلاح أن يدعو له بالغفران ، ولكى يضمن له قيام ذلك الرجل الصالح بالدعاء له فقد يعطيه مالا ، وهو هنا يسقط فى بئر التوسل بغير الله تعالى درجة درجة ، إلى أن يصير عابدا للبشر و الحجر يطلب شفاعة البشر كى تحميه من عذاب يوم القيامة ،ويصبح سعيدا بأحاديث الشفاعة وكل إفتراء على الله جل وعلا بالكذب ، وفى سبيل سعادته بتلك الافتراءات يكذّب بآيات القرآن الكريم . وهكذا يواصل المعصية دون توبة الى أن يموت خاسرا،قد أضاع إيمانه الذى كان بعمله السيىء.
5 ـ ماسبق كان تدبرا فى قوله جل وعلا : (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون) (الروم 10). هنا يقول رب العزة أن النتيجة الحتمية للذين أدمنوا عمل السيئات فارتبطوا بها وارتبطت بهم (الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأى ) أن يقعوا فى جريمتين مرتبطتين هما التكذيب بآيات الله جل وعلا والاستهزاء بها.

6 ـ الاستهزاء بآيات الله جل وعلا فى كتبه المنزلة هو أيضا نتيجة مرتبطة بالتكذيب لآيات الله فى كتبه السماوية .
على أن هذا الاستهزاء له مظهران :
* إما أن يكون استهزاءا واضحا مكشوفا متعمدا يمارسه الكافرون الصرحاء الذين يعلنون تكذيبهم لكتاب الله جل وعلا ، كما كان يفعل كفار قريش ، وكما كان يفعله المنافقون فى المدينة (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ) ( التوبة 64 ـ )
* وإما أن يكون استهزاءا ضمنيا يجسده الدين الأرضى الذى ينسب نفسه زورا الى الحق بالأحاديث الضالة، و بتشريعاته و تطبيقاته يخالف الدين الحق ، فيكون ما يفعله أشد استهزاء بالحق . ولنتصور الجهاد الاسلامى القائم على السلم وقد تحول بالأحاديث الضالة وتطبيقها الى إعتداء آثم وباسم الاسلام . ولنتخيل الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر كأبرز الأنشطة العملية فى الاسلام فى تطبيق القيم العليا للاسلام من كرم وتكافل و عدل وتراحم واحسان وتسامح ورفق وتيسير واحترام لحرية العقيدة وحرية التفكير .. لنتخيلها وقد تحولت الى تسلط وسوط فى يد الحاكم الظلم الجائر المستبد يلهب به ظهور الناس كما يحدث فى هيئة المطوعة فى السعودية ، وفيما تفعله جماعات الاخوان المسلمين حين تسيطر على قرية أو على أحد الأحياء الشعبية ..
حين تفعل ما يناقض الاسلام تحت اسم الاسلام فهو أكبر استهزاء بآيات الله جل وعلا.
و حين يتحول كتاب الله جل وعلا الى أغنية يترنم بها المنشدون فى حفلات العزاء وفى حفلات رسمية لتمجيد الحاكم المستبد ونفاقه ، وحين ينصب الطرب على صوت المنشد ، ويتحول الانذار الالهى بالوعد والوعيد الى أغنية يطرب لها السامعون .. هنا يكون الاستهزاء مقترنا بالتكذيب لآيات الله جل وعلا. إذ إن أولئك الذين حولوا القرآن الكريم الى أغنية للطرب يرفضون بكل حزم أن تتحول أحاديث البخارى الى أغنية ، ويعتبرونها استهزاءا ب( السّنة ).
وقد أكّد رب العزة أنها عادة لدى كل المشركين فى كل عصر ، أنهم يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق ، وهم يتخذون آيات الله هزوا ، فالله ينذرهم وهم يحولون الإنذار الالهى الى أغنية للسمر :(وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا ) ( الكهف 56 ـ )
وأكّد رب العزة أن جهنم مصيرهم لأنهم إتخذوا آيات الله ورسله هزوا : (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ) ( الكهف 105 ـ )
والله جل وعلا أخبر عما سيقول لهم ـ وهم فى عذاب الجحيم ـ عن حفلات الاستهزاء و السمر بالقرآن الكريم (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُم مِّنَّا لا تُنصَرُونَ قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ ) ( المؤمنون 64 : 67 ).
وهكذا فالاصرار على العمل السيىء يتبعه التكذيب بآيات الله فى كتابه السماوى ، والاستهزاء بهذا الكتاب صراحة أو ضمنا .. ومصيرهم جهنم ، وبئس المصير .
ثالثا :
مثال عملى من سورة ( المطففين )
1 ـ يقول جل وعلا : (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ )(المطففين 1 : 17).
2 ـ (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ) أى وعيد بالعذاب لمن يستمر من المطففين على هذا الاثم حتى الموت بلا توبة. وياتى تعريف المطففين بأنهم (الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُون) أى إذا اشتروا من الناس أخذوا أكثر من حقهم ، وإذا باعوا للناس أخذوا أيضا أكبر من حقهم . فليس الأمر مجرد (كيل ) أو (وزن ) للحبوب و المحاصيل ، بل هو ظلم للبائع والمشترى. هذا الظلم لا يتحقق إلا بسيطرة الظالم على السوق وتحكمه فى الاسعار وحركة البيع و الشراء والاستيراد و التصدير ، وسيطرته على وسائل الانتاج . بغير ذلك ،أى فى مجتمع حرّ ونظام ديمقراطى تنتفى هذه السيطرة و يحل محلها قوانين السوق وقيام البيع و الشراء على اساس التراضى وقوانين العرض و الطلب و المنافسة لصالح المشترى .
إذن نحن هنا امام حاكم مستبد ظالم يستخدم السلطة فى جمع الثروة بالاحتكار والتلاعب فى السوق فيظلم من يبيع ومن يشترى ، ويفرض الأسعار التى يشترى بها ، ويقرر الأسعار التى يبيع بها ، وليس للناس سوى الامتثال و الطاعة . ومن الطبيعى أن الظالم الذى يحتكر تلك السلطة لا بد أن يستخدمها ضد الناس بارهابهم وقهرهم حتى ينصاعوا له . أى نحن لسنا أمام مجرد بائع متجول يغش فى الميزان ولكن أمام حاكم مستبد ظالم يحتكر السلطة و الثروة.
هؤلاء هم المطففون الحقيقيون ..أو الفجّار الحقيقيون ، فذلك البائع المتجول الذى يطفف فى الميزان سيصفعه الناس على قفاه ، وقد تقبض عليه سلطة الحاكم المستبد ليقضى فى السجن بضع سنين ،أما الحاكم المستبد نفسه فهو الذى يصفع الشعب على قفاه بكل ما يملك من قوات مسلحة وغير مسلحة.

3 ـ أولئك المطففون يخاطبهم رب العزة قائلا عنهم (باسلوب الالتفات أى لا يوجه الخطاب لهم تحقيرا ، وإنما يكلمهم باسلوب الغائب ) : (أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ). أى إنهم بعملهم هذا لا يؤمنون بالآخرة ، لأنهم لو آمنوا بالآخرة ما اقترفوا هذا الظلم وذاك الفساد . لو آمنوا بلقاء الله جل وعلا وكانوا من الذين (يرجون لقاء الله ) لاستعدوا ليوم اللقاء هذا بالعمل الصالح ليتشرفوا به عند العرض على الله تعالى ويوم الحساب ، لكنهم أنكروا بأعمالهم وسلوكياتهم وجود ذلك اليوم العظيم ، يوم يقوم الناس لرب العالمين .
إذن نحن أمام سلوك شرير و عمل سيىء وهو ( التطفيف فى البيع و الشراء ) وحتى لا يستمر أصحابه فى ارتكابه جاءهم التحذير بالويل يوم الحساب.

4 ـ إذا مات المطفف متمسكا بهذا الاثم الى لحظة الموت فستأتى صحيفة أعماله أو كتاب أعماله ضمن الخاسرين الفجّار ( جمع فاجر ) ، يقول تعالى : (كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ).
ولأن القرآن الكريم يفسر نفسه بنفسه فقد فسّر معنى المطففين ،ويفسر هنا أيضا معنى ( سجّين ) : (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ ) أى إن (سجين ) هو كتاب أعمالهم الذى سجل وأحاط بكل أعمالهم بصورة رقمية عددية بالتاريخ والوقت و الكمية.
ولأن التطفيف عمل جماعى متعدد العلاقات ومعقد التشابكات داخل كل مجتمع وكل دولة فإن له كتاب أعمال جماعى لكل الفجار المشتركين فى التطفيف معا وضحاياهم الذين يعيشون فى نفس الزمان والمكان .
ويصور هذا الكتاب الجماعى كل ما حدث بالصوت و الصورة والديجيتال الالهى ، ويتم عرضه عليهم عند لقاء الله جل وعلا ، فينطقون بالويل رعبا وفزعا مما رأوه قد سجل عليهم كل شىء . يقول جل وعلا عن موقفهم يوم العرض:(وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا) ، ثم يقول عن موقفهم عند عرض الكتاب الجماعى عليهم: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) ( الكهف 48 : 49 ) .
هنا يقولون بالويل لهم ، فقد نسوا فى الدنيا التحذير الالهى بالويل ، فوجدوا الويل أمامهم فنطقوا به مذعورين مفزوعين مما ينتظرهم بعد العرض و الحساب .
هنا يتعجبون من كتاب الأعمال الجماعى الذى لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها بحيث أنهم وجدوا كل ما عملوا فى الماضى متجسدا ماثلا أمام أعينهم ،ليس مجرد صورة تسجيلية عما حدث ، بل هو فعلا ما حدث ، ليس تصويرا سينمائيا أو تليفزيونيا ولكن استرجاع لنفس ما حدث مع إضافة الأرقام التى تبين الزمان و المكان وكل ما لانعلمه مما يصدر عن أعمالنا ونوايانا وخلجات قلوبنا ، أى باختصار وجدوا يوم العرض امام الله جل وعلا (مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ).
وبالتالى فان الله جل وعلا لم يظلمهم ولكن كانوا أنفسهم بسلوكياتهم السيئة يظلمون أنفسهم : (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) .
5 ـ يلاحظ هنا أن مصير المطففين ترتب أساسا على (عمل ) سيىء و( سلوك )سيىء ، وليس الكفر العقيدى ، بمعنى أن جريمة التطفيف هى التى جعلتهم ضمن ( الفجّار ) يوم القيامة ، أى ربما كانوا مؤمنين بالله جل وعلا ، وأنه لا اله غيره و أنه هو الأحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، ولكنهم استمروا متمسكين بظلم التطفيف الى الموت ، فانتهى بهم الأمر الى الجحيم ضمن الفجّار.
ويلاحظ أن الله جل وعلا قام بتوضيح وتفسير هذا العمل ( التطفيف ) بأنه سلوكيات وأعمال هى كذا وكذا : (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ) ، بل فى وصف كتاب الأعمال جاء الوصف للعمل و ليس للاعتقاد ، فقال تعالى (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ) ولم يقل ( ووجدوا إيمانهم حاضرا ) .
فهل هنا إغفال للعقيدة من إيمان أو كفر ؟
الله جل وعلا هنا يوضح أن الاستمرار فى تلك الأعمال السيئة الفاجرة حتى الموت ودون توبة أدت بأصحابها الى الكفر العقيدى ، ففى تحذيره جل وعلا لهم قال : (أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ). وإذا لم يتوبوا وتجاهلوا هذا الانذار و التحذير فقد ماتوا وهم على تكذيب لآيات الله جل وعلا ، أى ماتوا على كفر عقيدى أوقعهم فيه كفرهم السلوكى ، لذا يقول تعالى عنهم : (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ). أى إن سلوكهم السيىء الذى ماتوا عليه أصبحوا به مكذبين ليوم الدين ، والعادة أنه لا يكذّب بيوم الدين إلا كل من أدمن الاعتداء والاثم ، أى كل معتد أثيم ، أى ان الاعتداء والاثم مرتبطان بالتكذيب لليوم الاخر أونتيجة له . وهم حين يوعظون بما جاء فى كتاب الله فانهم يقولون فعلا إنه أساطير الأولين ،أو يقولون ضمنا نفس القول ، أو أن لسان حالهم وأعمالهم تسخر و تستهزىء بالقرآن الكريم .
6 ـ هل يحدث هذا فجأة للمؤمن ؟ ..كلا .. ..
هنا يكون الاختيار.. هل يتوب ويصلح حاله أم يختار الانسياق فى السوء الى الموت . إن اختار المعصية والاستمرار فى ارتكاب نفس الجريمة و الاصرارعليها وتعودها فان تأثير المعصية يؤثر على إيمانه القلبى شيئا فشيئا ، والقلب هو النفس والفؤاد ، أو هو الذات التى ترتدى ذلك الجسد البشرى ، تفارقه يوميا بالنوم ، وتفارقه نهائيا بالموت . بتراكم السيئات تتلوث النفس فترتدى سواد السيئات أو تصبح السيئات هى الجسد الذى ترتديه يوم القيامة ، أى كلما كسب سيئة إزدادت بها نفسه سوادا ، يقول جل وعلا : (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ).
وبهذا السواد يأتى يوم العرض على الله تعالى فينتهى به الأمر الى النار حيث تتحول السيئات الى جسد يرتديه ويتعذب به تطبيقا لقوله تعالى (ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ) ( يونس 52 ).
وبهذا السواد يتم حجبه عن رب العزة ، يقول تعالى عنهم (كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) إن الحجب عن الله جل وعلا يعنى العذاب يوم القيامة (ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ ) وفيه يتم تأنيبهم بأن هذا العذاب هو ما كانوا ينكرونه ويكذبون به فى الدنيا :( ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ ) (المطففين 1 : 17).
وفى الوقت الذى يتم فيه حجب أولئك المكذبين المعتدين عن رب العزة يكون أصحاب الجنة متمتعين بالقرب من الله جل وعلا حيث إن رحمته قريب من المحسنين ، وتتجلى رحمته بنجاتهم من عذاب النار (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ) ( الأعراف 56 ) وفى رحمة الله جل وعلا يتمتع المتقون فى ضيافة الرحمن (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ) ( القمر 54 : 55 ).
وبينما تكون السيئات سوادا حجابا يتم به تعذيب الكافرين فى أسفل سافلين فان الصالحين المتقين يتمتعون بالقرب من الله جل وعلا حيث يكون النعيم ، لذا فإن أعلى المتقين مقاما من أهل الجنة هو ( المقربون ) أى الأقرب الى رب العزة (كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) ( المطففين 18 : 21 ).
هذا تدبر سريع فى فهم آيات سورة المطففين (1 : 21 ).
أخيرا :
1 ـ نحن لا نتحدث فى فراغ . بل نسلط أنوار الهداية القرآنية على واقع المسلمين . وربما يكون أهم درس عملى يترجم واقع المطففين فى عصرنا هو حال الطغاة العرب ( المسلمين )، فأعمالهم فى إحتكار السلطة و الثروة وقهر شعوبهم هو أفظع أنواع التطفيف فى ميزان العدل . وهناك فارق هائل بين بائع متجول يطفف فى الميزان وهو يبيع لك كيلو فاكهة ،أو زبون يشترى كيلو فاكهة و يرجو البائع أن يأخذ حبة فاكهة زيادة فوق الميزان ، وبين طاغية ظالم سرق أموال الشعب وسرق السلطة التى هى من حق الشعب ، واستخدم جيش الشعب فى قهر الشعب ، واستخدم الشرطة ليس فى حماية وخدمة الشعب ولكن فى ارهاب الشعب . البائع المتجول يظلم عدة أفراد لبعض الوقت وسرعان ما يكتشف أمره فيخسر أو يقبض عليه . أما الطاغية فضحاياه شعب بأكمله طيلة حكمه ، وهو لا يقتصر ظلمه على المال بل يقتل و يسجن ويظلم الملايين كل ساعة ..
2 ـ ولكى يستمر فى ظلمه لا بد له من رجال دين (أرضى ) يدافعون عنه باسم الدين (الأرضى ) ويطمعونه فى ارتكاب المزيد باساطير الشفاعة يوم القيامة ، فمهما فعل من جرائم فإن النبى و العلماء والأولياء سيشفعون له يوم القيامة. فإذا تصدى لهم المصلحون من ( اهل القرآن ) ينذرونهم بآيات القرآن اتهموهم بازدراء الدين .. هل هناك ( فجر )( بضم الفاء وسكون الجيم ) أفظع من هذا ؟
3 ـ موعدنا معهم ( يوم الدين ) حيث ينقسم البشر تبعا لأعمالهم الى أبرار أو فجّار ، هذا فى الجنة وذاك فى النار ، وحيث لا تشفع نفس لنفس وحيث يكون الأمر لله تعالى رب العالمين مالك يوم الدين : ( إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ) ( الانفطار 13 : 19 ).
4 ـ كل عام وانتم بخير ..

اجمالي القراءات 12923

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (5)
1   تعليق بواسطة   فتحي مرزوق     في   الأحد 28 ديسمبر 2008
[31784]

من هو المكذب بالدين


إضافة لما إستشهد به الدكتور أحمد من آيات كريمات تفيد بإن العمل السئ قد يؤدي للكفر فإن الله سبحانه وتعالى ذكر مواصفات المكذب بالدين في سورة الماعون


أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ{1} فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ{2} وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ{3} فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ{4} الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ{5} الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ{6} وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ{7}.


أي أن المكذب بالدين طبقا لنص الآيات الكريمات هو الذي يدع اليتيم وهو أيضا الذي لا يحض على طعام المسكين ، أي أن الله سبحانه وتعالى إعتبر الذي  يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين هو المكذب بالدين مهما تظاهر بعكس ذلك .


2   تعليق بواسطة   سوسن طاهر     في   الأربعاء 31 ديسمبر 2008
[31935]

الرقي الحضاري

الرقي الحضاري للقرآن الكريم والتعصب والتطرف في أقوال الفقهاء يضع الشخص في حيرة شديدة فهل هؤلاء الفقهاء قرأوا القرآن الكريم ، فهل قرأو آية المكذب بالدين  وكيف أن الله سبحانه وتعالى ذكر في قرءانه الكريم أن المكذب بالدين هو فقط من يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين فإين نحن من القرآن الكريم فهل سنظل نتخذ القرآن مهجورا !!


ولكن الفقهاء أجهدوا وأجهضوا أنفسهم في أشياء بعيدة كل البعد عن رسالة الاسلام .


وأتفق مع الدكتور أحمد في كون المطفف المذكور في القرآن الكريم لا ينطبق فقط على البائع الغلبان الذي يطفف الكيل ولكن المعنى الأشمل لها هو من يطفف في علاقاته مع كل البشر أي هو من لا يقوم بالعدل في كل شيئ ولذلك فإن المستبد الذي يحتكر السلطة والثروة هو من ينطبق عليه لفظ المطفف وأيضا وكل من يساعده في الأستبداد !!


 



3   تعليق بواسطة   عبد الله العراقي     في   الخميس 01 يناير 2009
[32027]

افضل ماكنه في البحث على مستوى الجذور في القران رايتها في حياتي

بسم الله السلام عليكم

هديه قيّمه

هذا البرنامج مهم لكل باحث في القران فهو يحتوي على افضل ماكنه في البحث على مستوى الجذور في القران رايتها في حياتي وهو برنامج ضخم يحتوي على تفاسير وصوت ولكني قمت بتحوير البرنامج وحذفت منه كل شيء وابقيت على ماكنة البحث المتطوره جدا وانا استخدمه منذ7 سنين ويختلف عن كل ماكنات البحث في العالم الاسلامي بانه:

1- يستطيع تحديد المسافه في الكلمات بين الجذور المبحوثه وتغيير هذه المسافه من 0 الى 99 كلمه وبذلك يمكننا عمل احصائيات عن الكلمات المجاوره لكلمه ما.

2- البحث عن عدد كبير من الجذور في نفس الوقت

3- البحث عن جذر مع كلمه في نفس الوقت

4- صغير جدا 3 ميغا بايت !!

انه موجود على هذا الرابط

www.hotshare.net/image/105335-7954968b9d.html


 


rapidshare.com/files/365580052/Best_quran_search_engine_multiple_root_search.iso


4   تعليق بواسطة   عبد السلام علي     في   الأحد 04 يناير 2009
[32232]

المطففون الحقيقيون الاكثر والاخطر

استاذنا الفاضل



ذكرتم فى المقالة فى تفسير سورة النطففين "إذن نحن هنا امام حاكم مستبد ظالم يستخدم السلطة فى جمع الثروة بالاحتكار والتلاعب فى السوق فيظلم من يبيع ومن يشترى ، ويفرض الأسعار التى يشترى بها ، ويقرر الأسعار التى يبيع بها ، وليس للناس سوى الامتثال و الطاعة . ومن الطبيعى أن الظالم الذى يحتكر تلك السلطة لا بد أن يستخدمها ضد الناس بارهابهم وقهرهم حتى ينصاعوا له . أى نحن لسنا أمام مجرد بائع متجول يغش فى الميزان ولكن أمام حاكم مستبد ظالم يحتكر السلطة و الثروة.

هؤلاء هم المطففون الحقيقيون "


اعتقد ليس الحكام فقط هم المطففون الحقيقيون فكل الشعوب خاصة الغنية منها والتى احتكرت ثروات الارض التى تقيم عليها "الدولة الوطنية" مانعة الاخرين من الاستفادة بهذه الثروات عن طريق السماح لهم بحرية العمل والانتقال والاقامة ...الخ "حرية السعى فى ارض الله" والتى امربها للناس جميعا دون تفرقة بين البشر جنسية اوطائفية اوجمارك وخلافه من المعوقات اليس هذا منع للماعون وعدم اطعام للايتام والمساكين فى هذا العالم والذى وصل عدد الجوعى " لا الفقراء كلهم"الى المليار نفس بشرية وبهذا نكون مكذبين بالدين حسب سورة الماعون كما ذكر الاخ فتى مرزوق والاخت سوسن طاهرحيث ذكرت هذه الجملة الرائعة "ولكن الفقهاء أجهدوا وأجهضوا أنفسهم في أشياء بعيدة كل البعد عن رسالة الاسلام .

وأتفق مع الدكتور أحمد في كون المطفف المذكور في القرآن الكريم لا ينطبق فقط على البائع الغلبان الذي يطفف الكيل ولكن المعنى الأشمل لها هو من يطفف في علاقاته مع كل البشر أي هو من لا يقوم بالعدل في كل شيئ ولذلك فإن المستبد الذي يحتكر السلطة والثروة هو من ينطبق عليه لفظ المطفف وأيضا وكل من يساعده في الأستبداد !! "
اى الشعوب

ثم اليس تحكم الشعوب الغنية فى الشعوب الفقيرة بهذه المعوقات التىذكرتها يالاضافة لقوانين الاقامة والكفيل تجعلهم من اكبر المطففين عند الله

لابد ان نرجع الى الله وان لاتملك نفس لنفس شيئا "بهذا الظلم الخطير" وان يكون الامر لله وحده فى هذه الدنيا كما سيكون فى الاخرة مصداقا لقوله تعالى : وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ) ( الانفطار 13 : 19 ).



تحياتى لسيادتكم ولرواد الموقع والسلام هليكم


5   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الأحد 04 يناير 2009
[32239]

ياليتنا نستعد

بحث قيم يا دكتور بارك الله فيك ،ولكنه يحد ث قشعريرةعند قراءته ويحثناعلى التزام



التقوى بالاستعداد ليوم الحساب بحيث يحاسب الانسان نفسه بنفسه قبل الموت ، ويخشى الله جل وعلا بالغيب



وتحضرني هذه الآية الكريمة : {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }النور 24 وهو كتاب لا يفارق كبيرة ولا صغيرة ،{كِتَابٌ مَّرْقُومٌ }المطففين20 وليس أدل على تلك الدقة المطلقة من الأرقام .بالإضافة إلى استحضار للفعل عند القيام به فيكون حاضرا أمام الإنسان ،


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 3869
اجمالي القراءات : 32,629,584
تعليقات له : 4,250
تعليقات عليه : 12,764
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي