الصبر أساس فلاح المؤمن في الدنيا، وفوزه الفوز العظيم في الآخرة.

ابراهيم دادي في السبت 13 سبتمبر 2008


lt;/p>

الأمر بالصبر فى الجهاد ( القتال ):

الصبر فى التعامل مع الرفاق المؤمنين:

الصبر على المصائب :

ارتباط الصبر بمعالم الإسلام و قيمه العليا:

ارتباط الصبر بالحق وإتباعه:

ارتباط الصبر بالتقوى والدعوة إلى الله:

ارتباط الصبر بالاحسان:

ارتباط الصبر بالغفران:

ارتباط الصبر بتأمل قصص الأنبياء السابقين:

ارتباط الصبر بالصلاة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر:

ارتباط الصبر بالتسبيح والاستغفار:

ارتباط الصبر بالهجرة.. والتوكل على الله تعالى:  

الخلاصة:

المراجع:

 

عزمت بسم الله،

المقدمة

إن أعظم ما يتسلح به الإنسان هو الصبر ,فهو السبيل الذي يوصل إلى الهدف، وهو السلاح الذي يتسلح به المؤمن،  فيطمئن فؤاده، ولنا في رسول الله (ص)الأسوة الحسنة بالصبر، قال تعالى مخاطبا رسوله: " فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب"  ولم تكن دعوة القرآن الكريم إلى الصبر لتتوقف عند حدود الأنبياء والمرسلين بل لا تكاد تخلو سورة من سور القرآن الكريم إلا وفيها دعوة صريحة وقوية إلى التحلي بالصبر وقد قرن هذا الصبر بكل العبادات, وكل المعاملات,وكل الأخلاقيات.

معنى الصبر

يتمركز معنى الصبر في اجتناب الناس للشر، وطاعتهم لأوامر اللّه، وفى التمسك بعقيدتهم والامتناع عن الشكوى من أي سوء يصيبهم. إن أفضل مثال على الصبر نجده ماثلا في موقف الأفراد الذين يواجهون المصائب ، ويحافظون على صبرهم واضعين ثقتهم باللّه سبحانه وتعالى.

 

  الصبر لغة: الحبس والكف، قال تعالى:  " وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ..." الآية، أي احبس نفسك معهم. واصطلاحاً: حبس النفس على فعل شيء أو تركه ابتغاء وجه الله قال تعالى: " والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم ".

والصبر، الإمساك في ضيق، يقال صَبَرْتُ الدابة: حبستها بلا علف، والصبر حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع أو عما يقتضيان حبسها عنه. فالصبر لفظ عام وقد خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه. فإن كان حبس النفس لمصيبة سُمي صبرا وبضاده الجزع وإن كان في محاربة سُمي شجاعة ويضاده الجبن وأن كان نائبة مُضجرة سمي  رحب الصْدر ويضاده الضجر وإن كان في إمساك الكلام سمي كتمانا ويضاده المَذَلُ وقد سمى اللــه تعالى كل ذلك صبرا، ونبه عليه بقوله: " وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ" ، " وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ" . والصبور هو القادر على الصبر. والصبار يقال إذا كان فيه نوع من التكلف والمجاهدة كقوله تعالى " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ"، ويعبر عن الإنتظار با لصبر فقال: " فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ" .                

فالنصر مع الصبر والفرج مع الكرب والعسر مع اليسر ولقد ضمن الله لأهله في محكم كتابه انه يوفيهم بغير حساب. واخبرهم ايضا انه معهم بهدايته ونصره العزيز وفتحه المبين. فقال في سورة الانفال:46  واصبرو ان الله مع الصابرين فظفر الصابرون بهذه المعية بخير الدنيا والآخرة اصل الصبر هو المنع والحبس فالصبر منع النفس وحبسها عن الجزع واللسان عن التشكي والجوارح عن خروج من المالوف والمقبول في حال الرضا والغضب. فهو والنصر اخوان شقيقان.  وقيل اصل الكلمة من الشدة والقوة.

 

الصبر له صفات عديدة. فبالإضافة إلى معناه الشائع والمعروف، يدل الصبر على الثبات والتحمل والمثابرة وضبط النفس والصمود.

 

 بالإخلاص لله تعالى قامت شريعة الإسلام الحقيقية المذكورة في القرآن، والتي طبقها المرسلون و خاتم الأنبياء محمد عليهم جميعا السلام، فلم يكن رسول الله محمدا (عليه الصلاة وأزكى السلام) فظا غليظ القلب، بل كان بالمؤمنين رؤوفا رحيما صابرا خافض الجناح لينا، ممتثلا لأمر الله تعالى في تبليغ الرسالة دون أن يشقى ولا أن يذهب نفسه على الكافرين حسرات. (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(215) الشعراء. (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا).(10)المزمل، الروم (60)، النحل (127) وأمره ربه أن يصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا يستعجل لهم،( 35) الأحقاف.

 

لكن نجد في الدين المختلق ومما كتبت أيدي الناس ليشتروا به ثمنا قليلا ما يتناقض تماما مع الخلق العظيم الذي وصف الله به رسوله (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)) القلم. فمثلا نجد في كتاب البخاري الذي يعتبر عند شيوخ الدين الأرضي ( أصح كتاب في دين الإسلام) أقول نجد فيه ما يلي: 4094 حدثنا قتيبة حدثنا عبد الواحد عن عمارة بن القعقاع بن شبرمة حدثنا عبد الرحمن بن أبي نعم قال سمعت أبا سعيد الخدري يقول ثم بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها قال فقسمها بين أربعة نفر بين عيينة بن بدر وأقرع بن حابس وزيد الخيل والرابع إما علقمة وإما عامر بن الطفيل فقال رجل من أصحابه كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء قال فبلغ ذلك النبي  صلى الله عليه وسلم  فقال ألا تأمنونني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء قال فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار فقال يا رسول الله اتق الله قال ويلك أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله قال ثم ولى الرجل قال خالد بن الوليد يا رسول الله ألا أضرب عنقه قال لا لعله أن يكون يصلي فقال خالد وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم إني لم أومر أن أنقب قلوب الناس ولا أشق بطونهم قال ثم نظر إليه وهو مقف فقال إنه   يخرج من ضئضئ  هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية وأظنه قال لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود. البخاري ج 4 ص 1581 قرص 1300.

 

يأمر الله تعالى نبيه قائلا: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ) أي أحبسها (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا). ويأتينا البخاري برواية عن أبي سعيد الخدري الذي استصغر يوم بدر (أي كان صغيرا وهو الذي اشتهى النساء وعمره لم يتجاوز السادسة.) فيروي لنا هذه الرواية التي اختلف فيها اختلافا كثيرا، فقد اختلفوا في نوعية ما فرق النبي بين أصحابه فمنهم من قال: الصدقات ومنهم من قال: ذهبية ومنهم من قال: غير ذلك إلا أن الشخص الذي دارت عليه الرواية شخص واحد وهو حرقوص بن زهير المسمى ذي الثدية، الذي تنبأ الرسول الذي لا يعلم الغيب فقيل أنه قال:  سيخرج من ضئضئه قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية وأظنه قال لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود.

فقد أصدر حكمه على هذا الرجل وعلى نسله أن يقتلهم قتل ثمود إن أدركهم!!! من أجل ماذا لأنه قال له إتق الله!!! فأين أمر الله له بالصبر على أذاهم والعفو عنهم؟؟؟  

 

1.ـ الأمر بالصبر فى الدعوة والصبر على أذى ومكر المشركين:

وفي أحسن الحديث كتابا يقول المولى تعالى آمرا رسوله والمؤمنين بالصبر في الدعوة وعلى أذى ومكر الكافرين، يقول ملك يوم الدين: اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ(17). ص. المزمل "10" النحل "127" الروم "60" وغيرها الكثير من آيات الذكر الحكيم التي تليت عليه، يٌعلّم الله رسوله ويأمره أن يصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، فلا ينبغي أن يضيق صدره، ولا أن يٌذهب نفسه على كفرهم ومكرهم وأذاهم حسرات. (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ)(35). الأحقاف. (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا(5)) المعارج. غافر "77".

 

وينقل لنا البخاري وغيره مما كتبت أيدي الناس وشروا به ثمنا قليلا ليضلوا الناس ويبيحوا لأنفسهم سلب أموالهم وأكله بالباطل، لقد نهاه ربه أن يستعجل لهم وأن يكون في ضيق مما يمكرون، ومع ذلك جاء في البخاري وغيره ما يلي:   

باب قتل الأسير وقتل الصبر     2879 حدثنا إسماعيل قال حدثني مالك عن بن شهاب عن أنس بن مالك رضي الله عنه ثم أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاء رجل فقال إن بن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال   اقتلوه.

البخاري ج 3 ص 1107 قرص 1300.

1335 حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع أخبرنا شعيب بن أبي حمزة عن الزهري حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن أبا هريرة رضي الله عنه قال ثم لما توفي رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وكان أبو بكر رضي الله عنه وكفر من كفر من العرب فقال عمر رضي الله عنه كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أمرت أن   أقاتل الناس  حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله فقال والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  لقاتلتهم على منعها قال عمر رضي الله عنه فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه فعرفت أنه الحق.

البخاري ج 2 ص 507 قرص 1300.

فهل الروايات التي ورد فيها الأمر بقتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله تعتبر من الوحي؟  ـ ولم يروي لنا عمر بن الخطاب أنه زاد في الشهادة ( وأن محمدا رسول الله)!!! ـ بينما نجد في أحسن الحديث أمر الله بالصبر في الجهاد في حالة الدفاع عن النفس فقط، ولا تعتدوا (فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) " 191" البقرة  ولم يأمر بقتل المشركين والكفار ولا المرتدين إلا إذا قاتلوكم (فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا(90)) . النساء. الممتحنة "8/9" (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ). البقرة "217"  فلا دخل لمخلوق في الحكم على العباد على عقيدتهم وإيمانهم أو كفرهم، فلحكم يكون لله وحده العليم بما تخفي الصدور، ويكون ذلك يوم الدين يوم النشور أمام الأشهاد. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(7)فَلَا تُطِعْ الْمُكَذِّبِينَ(8)وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ(9) القلم.

 

2 ـ الأمر بالصبر فى الجهاد ( القتال ):

يأمر المولى تعالى الذين آمنوا عند لقاء فئة من أعدائهم المقاتلين، أن يثبتوا ويذكروا الله كثيرا، حتى لا يستحوذ عليهم الشيطان فينسيهم ذكر الله، وبالتالي يغويهم بمتاع الدنيا فيعتدوا على من ألقى إليهم السلم، (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ.) "94" النساء وأمر الله المقاتلين في سبيله بطاعته وطاعة رسوله والصبر على المكاره طاعة لله ولرسوله القائد للمعركة، ثم نهى المؤمنين أن يخرجوا من ديارهم بطرا ورياء الناس والصد عن سبيل الله، والامتثال لكل هذه الأوامر والنواهي تتطلب الصبر الجميل والتقوى والرغبة فيما عند الله تعالى. يقول المهيمن: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(45)وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(46)وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ " وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ(47) الأنفال. المدثر من "1" إلى "11" .

3. الصبر فى التعامل مع الرفاق المؤمنين:

وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28) الكهف.

يأمر الله نبيه ويوصيه بالصبر على المؤمنين الذين يدعون ربهم يريدون وجهه، ونهاه أن يتولى عنهم حبا في زينة الحياة الدنيا، ونستنتج من هذا الأمر والنهي لولا معية الله تعالى للنبي وتثبيته فقد كاد أن يركن لمن اتبع هواه ويترك الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي.( وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا(74)) الإسراء. (عبس "1" ) فيطيع من غفل قلبه عن ذكر الله تعالى، فهذا دليل قاطع على استحالة معرفة النبي للغيب،( وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ) "188" الأعراف.

 

وجاء في كتاب البخاري: قال خالد بن الوليد يا رسول الله ألا أضرب عنقه قال لا لعله أن يكون يصلي فقال خالد وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم إني لم أومر أن أنقب قلوب الناس ولا أشق بطونهم قال ثم نظر إليه وهو مقف فقال إنه   يخرج من ضئضئ  هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية وأظنه قال لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود.

البخاري ج 4 ص 1581 قرص 1300.

انظروا إلى تناقضات البخاري في نفس الرواية فمرة يروي بعد العنعنة عن الرسول.) فأي الروايات أصح في كتاب يعتقد أهله أنه أصح كتاب وما فيه إنما هو وحي من عند الله!!!

 

4. الصبر على المصائب :

يأمر المولى تعالى عباده أن يصبروا على المصائب والنقص في الأموال والأنفس، (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)) البقرة. وعلى لسان نبيه لقمان عليه السلام يأمر قائلا: يَابُنَيَّ أَقِمْ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(17).لقمان.

ونجد في كتب السلف ومنها ( صحيح البخاري) ما يلي: محاولة انتحار الرسول حسب رواية البخاري والتناقض في كلامه و فعل ما ينهى عنه ومخالفة أمر الله  !!!

باب شرب السم والدواء به وبما يخاف منه والخبيث     5442 حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب حدثنا خالد بن الحارث حدثنا شعبة عن سليمان قال سمعت ذكوان يحدث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال ثم   من تردى  من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدا مخلدا فيها أبدا ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا.

البخاري ج 5 ص 2179 قرص 1300.

 

وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي  صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس   شواهق  الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدى له جبريل فقال يا محمد إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك قال بن عباس فالق الإصباح ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل.

البخاري ج 6 ص 2561 قرص 1300.

يقول الجبار: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(44)).البقرة.

 

5. ارتباط الصبر بمعالم الإسلام و قيمه العليا:

 

لو أن إبليس صبر وأسلم وجهه لله تعالى حين أمره الخالق أن يسجد لما خلق طينا، لما حكم عليه باللعنة إلى يوم الدين وأعد له جهنم يخلد فيها مهانا، ولو أن آدم وزوجه عليهما السلام وهما في الجنة صبرا ولم يقربا الشجرة التي منعها المولى تعالى عنهما، وأكلا من غيرها من حيث شاءا رغدا لما حكم الله تعالى عليهم جميعا بالهبوط من الجنة، وأن يكون بعضهم لبعض عدو. لقد خلق الله سبحانه الجن والإنس إلا ليعبدوه ويطيعوا أمره (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  [ الذاريات  56 ]  ) الخالق سبحانه يبلوا خلقه على الصبر في طاعته وعلى معصيته فلا يقرب الزنا ومال اليتيم وما إلى ذلك من المنهيات، الفرقان "20" الملك "2"، ويحذر المولى تعالى رسوله أن يفتنه قومه عن الذي أوحى الله إليه من الحق ليفتري غيره ـ وهذا ما قام به البخاري وغيره الذين كتبوا كتبا بأيديهم، ثم أوهموا الناس أنها من قول الرسول الأمين الذي لا يمكن أن يفتري على الله ولا أن يتقول عليه ـ وقد كاد أن يفتري على الله  ليتخذوه خليلا لكن معية الله تعالى لرسوله حالت بينه وبين أن يتقول على ربه بما ليس له به علم، فطمأنه المهيمن أن ما أنزل إليه من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ( الكتب السماوية السابقة) ومهيمنا عليه، ( أي القرآن العظيم ) ونهاه المولى تعالى أن يتبع أهواءهم لأن ما جاءه هو الحق وأمره أن يحكم بما أنزل الله ولا يتبع أهواءهم وأن يحذرهم عن بعض ما أنزل الله إليه من الحق. (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا(73)وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا(74)إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا(75)الإسراء). المائدة 48/49.

 

6 ـ ارتباط الصبر بالحق وإتباعه:

  

الخالق سبحانه يأمر نبيه قائلا: وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ(109).يونس. معنى ذلك أن الرسول مأمور أن يتبع ما يوحى إليه ولا يذهب نفسه على من كفر ولم يؤمن بما جاء به ( القرآن العظيم) حسرات ولا أن يشقى، (طه * ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى  [ طه  2 ]، "8" فاطر. ومن أوامر الله تعالى لرسوله وللمؤمنين أن يصبروا على الذين لا يوقنون بأن القرآن وكفى هو الحق، ولقد ضرب الله فيه من كل مثل لكن اعترفوا أن قلوبهم غلف  (وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون  [ البقرة  88 ] " 155" النساء. يقول العليم الحكيم: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ(58)كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ(59)فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ(60) الروم.

يقسم المهيمن العزيز الجبار بالعصر فيقول:

وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3).العصر.

 

نلاحظ أن الله تعالى أقسم في هذه السورة العظيمة بالعصر، ( وقسم الله لو تعلمون عظيم، وما يأتي بعد القسم يكون أعظم). والعصر له معان عدة منها الدهر، ومنها قولنا مثلا نحن نعيش في عصر التكنولوجيا، ومنها اسم صلاة العصر، المهم في ما بعد القسم الذي أخبرنا العليم الحكيم أن الإنسان لفي خسر، يتساءل ساءل كيف يقسم الله على أن الإنسان لفي خسر؟ وهذا السؤال من حقه أن يسأله ليعلم سبب حكم الله عليه بالخسر ويبحث عن النجاة منه، فجاء الجواب مباشرة مستثنيا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر. ونلاحظ أن الله تعالى لم يقل: إن المسلمين لفي خسر، بل قال سبحانه: ( إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ). فهذا في نظري يعني أن أي إنسان من أي جنس، ومن كل دين يمكن أن يكون من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر أو من الخاسرين، فعلى الإنسان أن يختار لنفسه ما دامت له الخيرة أن يكون من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ( وهو القرآن ) وتواصوا بالصبر على أذى الكافرين بما جاء به الرسول من الحق.

 

7 ـ ارتباط الصبر بالتقوى والدعوة إلى الله:

 

يقول الملك القدوس السلام:

يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا(45)وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا(46)وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا(47)وَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا(48) الأحزاب.

يخبر المولى تعالى نبيه أنه أرسله إلى قومه شاهدا ومبشرا ونذيرا، ـ ما دام حيا يرزق ويمشي في الأسواق بينهم ـ وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا ( أي نورا) منيرا، ليبشر المؤمنين بما أُنزل إليه من ربه أن لهم فضلا كبيرا في اتباع ما أنزل الله من الكتاب والحكمة يعظكم به، ( أي بالكتاب)، ويأمر الله جل جلاله نبيه أن يصبر لأن العاقبة للمتقين، (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ(49).هود.) والمتقون هم أولائك الذين يؤمنون بالغيب، يقول الودود سبحانه: (الم(1)ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(3)وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(4)أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(5)) البقرة. والمتبعون المستمسكون بغير كتاب الله تعالى، ( الصحاح) المتخذون القرآن وراء ظهورهم، المتخذون هواهم إلههم يستهزؤون بالرسول لما كان بينهم، ( وهذا ما يعاني منه أهل القرآن الرافضون للعنعنات المنسوبة إلى الرسول كذبا وزورا لتحقيق حطام الدنيا الفاني) وصدق الله العظيم حيث يقول: وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا(41)إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا(42) أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا(43)أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا(44) ... إلى أن يقول سبحانه: فَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا(52). الفرقان. ( أي يجاهدهم بالقرآن ) ويبشر الله رسوله والمؤمنين أن لهم فضلا كبيرا إذا هم صبروا وتوكلوا على الله وعملوا الصالحات، وفي هذا يوجه المولى تعالى تعاليمه لنبيه والمؤمنين فيقول: يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا(45)وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا(46)وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا(47)وَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا(48) الأحزاب. وفي نفس الوقت يحذر الله تعالى نبيه أن يتقي الله فلا يطع الكافرين والمنافقين، لأن في عهده ومن بين صحابته منافقون مردوا على النفاق فهو لا يعلمهم، لكن الله وحده العليم بهم وبنواياهم لذلك يقول الحق سبحانه: يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا(1)وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا(2)وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا(3) الأحزاب. ( القلم "13") (الأنبياء "14" ).

ونجد في كتب السلف ما نسب إلى الرسول النبي أنه يقول عكس ما أُمر به وما نهي عنه فقد جاء في كبيرهم ( البخاري) : باب ما قيل في الرماح ويذكر عن بن عمر عن النبي  صلى الله عليه وسلم  جعل رزقي تحت ظل   رمحي  وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري     2757 حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري عن أبي قتادة رضي الله عنه ثم أنه كان مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم  حتى إذا كان ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين محرم فرأى حمارا وحشيا فاستوى على فرسه فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا فسألهم رمحه فأبوا فأخذه ثم شد على الحمار فقتله فأكل منه بعض أصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم  وأبى بعض فلما أدركوا رسول الله  صلى الله عليه وسلم  سألوه عن ذلك قال إنما هي طعمة أطعمكموها الله.

البخاري ج 3 ص 1067 قرص 1300.

وفي تفسير ابن كثير جاء: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم.

تفسير ابن كثير ج 1 ص 149 القرص. وانظر مصنف ابن أبي شيبة ج 6 ص 471 القرص.

 

3344 وعن أبي جحيفة أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ضرب على الناس بعثا فخرجوا      فرجع أبو الدحداح فقال له معاوية ألم تكن خرجت قال بلى ولكن سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا أحببت أن أضعه عندك مخافة أن لا تلقاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يا أيها الناس من ولي عليكم عملا فحجب بابه عن ذي حاجة المسلمين حجبه الله أن يلج باب الجنة ومن كانت همته الدنيا حرم الله عليه جواري فإني بعثت   بخراب  الدنيا ولم أبعث بعمارتها  رواه الطبراني ورواته ثقات إلا شيخه جبرون بن عيسى فإني لم صليت فيه على جرح ولا تعديل والله أعلم به .

الترغيب و الترهيب ج 3 ص  124 القرص.

 

وتتمثل متاعب الدعوة في أذى الناس بالقول أو الفعل، فليس أشد على نفس الرجل المخلص في دعوته، البريء من الهوى، المحب لخير الناس، فيتهموه بما ليس فيه، وقد لا يقف الأمر عند هذا الحد، فكثيرًا ما يمتد الطغيان إلى الأموال فينهبها ، وإلى الحريات فيسلبها، بل إلى الأنفس فيقتلها وهذا ما أقسم القرآن على وقوعه للداعين إلى الله، حيث خاطب بذلك المؤمنين ليوطنوا أنفسهم على الصبر الطويل، فقال: " لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ" (آل عمران: 186)، ومن هنا أمر الله رسوله أن يصبر على إيذاء قومه بمثل قوله تعالى: " وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً" (المزمل: 10).

والأنبياء جميعًا يمثلون هذا النوع من الصبر، ولهذا حكى الله على لسانهم هذا القول ردًّا على أقوامهم: "وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ" (إبراهيم: 12)، وعزى الله خاتم رسله بما حدث لإخوانه من قبله فقال: " وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ" (الأنعام: 34).

 8 ـ ارتباط الصبر بالاحسان:

من السهل ربما أن يصبر الإنسان على الإحسان، فيحسن للناس ويقول لهم حسنا، لكن من الصعب جدا أن يصبر الإنسان على من ظلمه، أو بينه عداوة فقد وصف المولى تعالى ذلك الذي يصبر على أذى الناس ويعلم أنه مظلوم ومهضوم حقه، ومع كل ذلك يصبر ابتغاء وجه الله تعالى الذي أقر في كتابه المبين أن الصابر على الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم  نلاحظ هنا قوله تعالى: (كأنه) أي يجب أن يكون في ذلك جهاد للنفس حتى يجعل من عدوه شبه (ولي حميم) يقول المولى تعالى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(35). فصلت. فقد وصف المولى تعالى ذلك الذي يصبر على أذى الناس أنه ذو حظ عظيم، ولكي ينال الإنسان ذلك الحظ العظيم يقول المولى تبارك وتعالى بعد الآية "35" ( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(36) ) والصبر لا يأتي إلا من المتقين المحسنين الذين يعملون الصالحات، (مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(96)). النحل. ( يوسف "90")  ( هود "115" ).

 

9 ـ ارتباط الصبر بالغفران:

بعد الإحسان يأتي الغفران فالذي له قلب مطمئن عامر بتقوى الله تعالى راجيا ما عنده فإنه لا محالة يكون ممن يغفر ويرحم ويسامح، وذلك يعتبر عند الله من عزم الأمور. (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(43).الشورى. ونلاحظ أن يوسف عليه السلام لما قضي الأمر ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا، لم يقل لإخوته ( سأغفر لكم) بل جاء في الحق: قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(92).) يوسف. فأسند الغفران هنا لرب العزة رغم أنه هو الذي تلقى العذاب والهوان من إخوته والناس، فبالصبر على طاعة الله ورسوله ـ محمد بن عبد الله في حياته و ( القرآن) بعد ممات النبي ـ يطمع الصابر في نيل مغفرة الله تعالى له يوم الدين ليزحزحه عن النار ويدخله الجنة، لا بالتوكل على رواية في البخاري التي جاء فيها: 5489 حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث عن الحسين عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر حدثه أن أبا الأسود الديلي حدثه أن أبا ذر رضي الله عنه حدثه قال ثم أتيت النبي  صلى الله عليه وسلم  وعليه ثوب أبيض وهو نائم ثم أتيته وقد استيقظ فقال ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة قلت وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق قلت وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق قلت وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق على   رغم أنف أبي ذر  وكان أبو ذر إذا حدث بهذا قال وإن   رغم أنف أبي ذر  قال أبو عبد الله هذا ثم الموت أو قبله إذا تاب وندم وقال لا إله إلا الله غفر له. البخاري ج 5 ص 2193 قرص 1300 كتاب. 

10 ـ ارتباط الصبر بتأمل قصص الأنبياء السابقين:

جاء في كتاب الله تعالى الكثير من قصص الأنبياء والرسل السابقين لخاتمهم محمد عليه وعليهم أزكى السلام وهذه القصص لم تأت إلا للعبرة والموعظة، فمثلا نأخذ قصة صاحب الحوت عليه السلام الذي ذهب مغاضبا من عناد وكفر قومه، وعدم تصديق قوله فلم يصبر في تبليغ رسالة ربه فذهب مغاضبا، يقول تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87) ) الأنبياء. فأمر الله تعالى رسوله ومن حمل الرسالة من بعده، أن يصبر على عناد وكفر الكافرين لما أنزل الله من الحق إن لم يتبعوه ويؤمنوا به، ولا يذهب نفسه عليهم حسرات، يقول أحكم الحاكمين: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ(49) (48)) القلم. فهذا الآيات البينات لقوم يعقلون. (الفرقان "20") ( هود "49" ).

وجاء في سنن أبي داود:

4410 حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل الهلالي ثنا جدي عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال ثم جيء بسارق إلى النبي  صلى الله عليه وسلم فقال   اقتلوه  فقالوا يا رسول الله إنما سرق فقال اقطعوه قال فقطع ثم جيء به الثانية فقال   اقتلوه  فقالوا يا رسول الله إنما سرق قال اقطعوه قال فقطع ثم جيء به الثالثة فقال   اقتلوه  فقالوا يا رسول الله إنما سرق قال اقطعوه ثم أتي به الرابعة فقال   اقتلوه  فقالوا يا رسول الله إنما سرق قال اقطعوه فأتي به الخامسة فقال   اقتلوه  قال جابر فانطلقنا به فقتلناه ثم اجتررناه فألقيناه في بئر ورمينا عليه الحجارة.

سنن أبي داود ج 4 ص 142. القرص.

 

11 ـ ارتباط الصبر بالصلاة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر:

يوجه المولى تعالى تعليمات صارمة لنبيه ليتبعها فلا يمكن أن يتخلى عنها أو يتبع غيرها، فقد نهاه سبحانه أن يتبع هوى الكافرين وأن يقول : (آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ.)

فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(15) الشورى. فهل يمكن أن للنبي أن يشرع أو يحكم بغير ما أنزل الله في الكتاب؟ وهل يمكن أن يخالف أمر الله فيتبع أهواء قوم قد ضلوا؟ كلا لو فعل فإن الله تعالى أخبر فقال: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ(44)لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ(45)ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ(46)فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ(47). الحاقة. وأنزل الله عليه في القرآن قصصا ومواعظ ليقتدي بها فجاء في سورة لقمان: يَابُنَيَّ أَقِمْ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(17).لقمان.

ومع كل هذا وذاك نجد في كتب السلف ما يلي:  8153 حدثني أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه ثنا إسحاق بن الحسن بن الحربي ثنا عفان بن مسلم ثنا حماد بن سلمة ثنا يوسف بن سعد عن الحارث بن حاطب ثم أن رجلا سرق على عهد رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فأتي به النبي  صلى الله عليه وسلم  فقال   اقتلوه  فقالوا إنما سرق قال فاقطعوه ثم سرق أيضا فقطع ثم سرق على عهد أبي بكر فقطع ثم سرق فقطع حتى قطعت قوائمه ثم سرق الخامسة فقال أبو بكر رضي الله عنه كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم أعلم بهذا حين أمر بقتله اذهبوا به فاقتلوه فدفع إلى فتية من قريش فيهم عبد الله بن الزبير فقال عبد الله بن الزبير أمروني عليكم فأمروه فكان إذا ضربه ضربوه حتى قتلوه هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

المستدرك على الصحيحين ج 4 ص 423 القرص.

  صلى الله عليه وسلم  أنه قال ثم في الذي يأتي البهيمة اقتلوا الفاعل والمفعول به أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان أنبأ أحمد بن عبيد الصفار ثنا إسماعيل القاضي ثنا إبراهيم بن حمزة ثنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن بن عباس قال قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ثم من وجدتموه وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة معه فقيل لابن عباس ما شأن البهيمة فقال ما سمعت من رسول الله  صلى الله عليه وسلم  في ذلك شيئا ولكن أرى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  كره أن يؤكل من لحمها أو ينتفع بها بعد ذلك العمل أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه أنبأ أبو محمد بن حيان ثنا بن منيع ثنا أبو الربيع ثنا عبد الحميد يعني بن سليمان ثنا عمرو بإسناده أن النبي  صلى الله عليه وسلم قال ثم ملعون من وقع على بهيمة وقال اقتلوه.

سنن البيهقي الكبرى ج 8 ص 233 القرص.

12 ـ ارتباط الصبر بالتسبيح والاستغفار:

 

 

كل المرسلين الذين أرسلوا لينذروا قومهم أوذوا في سبيل الله، فمنهم من ألقي في النار ومنهم و من استهزئ بهم فقالوا جميعا: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ(9)). إلى أن يقول تعالى:  ( وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ(12)).إبراهيم. ويطمئن الله رسوله فيقول:  وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ(48).الطور. (ق) "39" (غافر) "55".

 

13 ـ  ارتباط الصبر بالهجرة.. والتوكل على الله تعالى:   

 

فبعد أن يجاهد الرسول في سبيل الله بالموعظة الحسنة واللين وخفض الجناح والتذكير بالجنة والوعيد بالنار، يأمر الله تعالى رُسله أن يصبروا على كفر الكافرين وعنادهم وآذاهم ويتوكلوا على الله ولا يحزنوا على القوم الظالمين فإنهم لا يكذبون الرسول وإنما الظالمون بآيات الله يجحدون. (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ(33).الأنعام. ويعد المولى تبارك وتعالى المخبتين المسلمين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، والصابرين على ما أصابهم والمقيم الصلاة المنفقون مما رزقهم الله تعالى يقول سبحانه: فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرْ الْمُخْبِتِينَ(34)الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِ الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(35) ... إلى أن يقول سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ(38)أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ(39). إلى أن يقول سبحانه: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ(42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ(43)وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ(44). الحج. (النحل) "41".

 

14 ـ الخلاصة:

يتحدد موقف الإنسان بمدى قدرته على الصبر في عبادة إله واحد لا شريك له، وفي مدى صبره على الشهوات وحب الدنيا والمال حبا جما فينفق ما استخلفه الله فيه في سبيل الله، وفي مدى تمسكه بأحسن الحديث كتابا، وإخلاصه في عبادة ملك يوم الدين الحكيم العليم بكل شيء في السماوات والأرض، (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا(126)) النساء. فالذي له عزم على رياضة الصبر، وأوتي العلم فإنه يعلم يقينا أن ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا، ولا يلقى ذلك إلا الصابرون المخلصون العبادة لله وحده لا شريك له، فالصابر لا يمكن أن يصبر على الظلم وأذى ومكر الناس، إلا إذا كان من أولي العزم على الصبر لأنه متيقن بأن الله تعالى يوفى الصابرين أجرهم يوم القيامة بغير حساب. قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ(10). الزمر.

 

كان صبر يوسف على  مطاوعة امرأة العزيز وصبره على ما ناله من السجن أعظم من صبره على ما ناله من إخوته لما ألقوه في الجب وفرقوا بينه وبين أبويه، وباعوه بيع العبد، ومن الصبر الاختياري صبره على العز والتمكين الذي أورثه الله إياه فجعله مسخراً  لطاعة الله ولم ينقله ذلك إلى الكبر والبطر، وكذلك كان صبر نوح والخليل وموسى الكليم والمسيح ومحمد عليهم الصلاة والسلام فإن صبرهم كان على الدعوة إلى الله ومجاهدة أعداء الله ولهذا سموا أولي العزم، وأمر الله رسوله أن يصبر كصبرهم  (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل) ونهاه عن أن يتشبه بصاحب الحوت حيث لم يصبر فخرج مغاضباً قبل أن يؤذن له  (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت ليس أمام دعاة الحق إلا أن يعتصموا باليقين، ويتسلحوا بالصبر في وجه القوة الضاربة، والسلطة الطاغية وهذا هو السر في اقتران التواصي بالصبر بالتواصي بالحق في سورة العصر: (إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر: 2 - 3). فلا بقاء للحق بغير صبر وهو السر فيما ذكره الله على لسان لقمان الحكيم حيث وصى ابنه بالصبر على ما يصيبه من بلاء وأذى عقب وصيته له بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال الله تعالى على لسانه: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور) (لقمان: 17).

 

15 ـ المراجع:

 القرآن العظيم.

( صحيح البخاري).

تفسر ابن كثير.

مصنف ابن أبي شيبة.

الترغيب والترهيب.

سنن أبي داود.

المستدرك على الصحيحين.

سنن البيهقي الكبرى.

المعجم المفهرس لألفاظ القرءآن.

اجمالي القراءات 17356

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (4)
1   تعليق بواسطة   زهير قوطرش     في   الإثنين 15 سبتمبر 2008
[26855]

الأخوة الاعزاء

اخوتي الاعزاء جزاكم الله خيراً على هذا الموضوع التأصيلي القيم .وأعتقد أن موضوع الصبر هو من المواضيع الاساسية في فلسفة القرآن الكريم ،لإن الايمان بدون الصبر ،يبقى ايمانا ناقصاً ،كون المؤمن مبتلى من خالقه باستمرار لكي يمتحن قوة هذا الايمان وصلابته والصبر هو المحك .ولقد عالجتم الكثير من المحاور التي تتعلق بالصبر مع ايراد امثلة من تخريفات التراث الذي ناقض الكتاب بشكل سافر.لكني أنظر دائماً الى هذه المواضيع من منظور أخر ،وأسأل ما هو موقف الكتاب وموقفكم أنتم من حال 60% من افراد الامة الاسلامية الذين يعيشون تحت خط الفقر إذا قارنا خط الفقر كما حددته هيئة الامم المتحدة .هل عليهم أن يصبروا؟ ....والى متى .ما رايكم بحالة الشعوب والافراد الذين يعانون من الاستبداد السياسي من خلال أنظمة استبدادية ،هل عليهم ان يصبروا فقط ؟ وهل الصبر سيحل مشكلة الفقر والاستبداد .اشعر أحياناً أن مقالات التأصيل والابحاث معظمها موجهة للطبقة الغنية في عالمنا الاسلامي أو الوسطى. ولم أرى التطبيق العملي لمقاصد القرآن الكريم في حل مثل هذه الازمات من قبل الباحثين ،وكأن الله عز وجل انعم عليهم بشكل ما!!!! بحث لم يعد بإمكانهم رؤية هؤلاء الذين يقاسون من صعوبة العيش .أخوتي لو قلت لهؤلاء أصبروا سيأتيكم الفرج ،كأني حولت الصبر الى آلية للتقاعس عن النضال في سبيل تطبيق شرع الله في تأمين حق هؤلاء المساكين .

إذن كيف علينا أن نوفق ما بين المآسي الاجتماعية ،والصبر ،وطريقة الحل.... معتمدين على كتاب الله.

ملاحظة بسيطة : يمكن أن بعضكم قد لاحظ بأنني كثيرا ما اطرح موضوع الفقر والظلم في عالمنا الاسلامي ،والعالم كله .وأقدر كل مفكر يضع فكره وعمله لحل مثل هذه المآسي الاجتماعية .اتدرون لماذا ؟ لأنني عانيت الفقر في طفولتي . الفقر المدقع بحث أنني عشته بشكل عرفت معه ما معنى الجوع .... وما هي المصيبة عندما لاتجد ما تأكله .عرفته لأنني عايشت الفقراء .... الفقر كفر ياأ خوني صدقوني ...تستطيع ان تقول للجائع مليون مرة أصبر ... سبنظر إليك وكانك لست من هذا العالم.المحك في جهادنا ايضاً علينا وضع الحلول التي جاءت شرعا في القرآن الكريم لحل مآسي البشر وشكراً لكم


2   تعليق بواسطة   ابراهيم دادي     في   الثلاثاء 16 سبتمبر 2008
[26896]

فعلا الصبر وحده لا يكفي ولا يسمن ولا يغني من جوع

عزمت بسم الله،

أخي العزيز الأستاذ زهير الإخوة القراء الكرام سلام الله عليكم،

أولا: شكرا على مرورك وتعليقك القيم على المقال، أتفق معك على أن الصبر وحده لا يكفي ولا يسمن ولا يغني من جوع من لا يجد لقمة العيش الكريمة.

ثانيا: تأمل معي وتساءل معي ما سبب اقتران عبادة الصلاة ـ التي تؤدى خمسة مرات في اليوم ـ و عبادة الزكاة التي جعلها الفقهاء مرة بعد دوران الحول؟؟؟

فما معنى قوله تعالى : لَكِنْ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا(162).النساء.

أقول ما معنى في حوالي 28 آية في كتاب الله يقرن المولى تعالى فيها إقام الصلاة مع إيتاء الزكاة!!! ألا يفهم من ذلك أن الزكاة وهي الصدقات تؤتى وتؤدى كما تقام الصلاة، ولا علاقة بدوران الحول، ليكون الفقير في كل أيام السنة يعيش ميسور الحال، فيمكن حينئذ لأولاده أن يدخلوا المدارس لطلب العلم، ليتمكنوا بعد ذلك من إيجاد عمل يضمنوا به استمرارية العيش السعيد ويصبحوا هم كذلك ممن يؤدون الزكاة للفقراء من راتبهم الشهري.

ثالثا: من الذي حدد نسبة الزكاة في المال ب 2.5% ، ومن الذي حدد أصناف الزكاة، طبعا يجيبني قائل أن الرسول عليه السلام هو الذي حدد كل ذلك، فهي مما يسمى بالسنة الفعلية والتقريرية، فأجيبه هل أصناف الزكاة وأصناف الموارد وعدد الفقراء اليوم هو نفس العدد في القرن الأول للهجرة؟ إذن ماهو السر الذي أمر الله تعالى عباده المؤمنين بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة معا بقول سبحانه: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ(156).الأعراف. إذن في نظري المؤتون الزكاة لا يمكن أن يكونوا إلا من المتقين المؤمنين بآيات الله تعالى والصابرين على عبادة الله وحده، في الصلاة وإيتاء الزكاة فينفقوا مما استخلفهم الله فيه. يقول سبحانه: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ(18). التوبة.

بعون الله تعالى سوف أخصص لموضوع الزكاة مقالا خاصا، لأن الزكاة في نظري بالنحو الذي جاءت في كتب الفقه لا تؤدي الغرض والمقصد المطلوب، فقد حرفت كما حرفت جميع العبادات بالزيادة والنقصان حسب الهوى.

والسلام عليكم،


3   تعليق بواسطة   زهير قوطرش     في   الأربعاء 17 سبتمبر 2008
[26916]

أخي ابراهيم

حياك الله. وأتفق معكم مئة بالمئة،بأن الزكاة صدقة لاتتوقف ، ولو طبقت كما تقول ،لكانت الحل الامثل ،وتطبيقا لقول الله تعالى بأن للفقراء حق في اموال الأغنياء. لكن المشكلة العملية التي ستواجهنا هنا . هل الزكاة قضية فردية ،ام قضية عامة وعلى الدولة تحصيلها ...وكيف. السؤال الثاني إذا  وفقك الله وكتبت في موضوع الزكاة. سؤالي هل الضريبة التي يدفعها المواطن بحق والتي يذهب قسم كبير منها للفقراء واليتامى وللاعمال الاجتماعية هل تحسب من الزكاة.


وشكرا لك


4   تعليق بواسطة   يحي فوزي نشاشبي     في   الجمعة 19 سبتمبر 2008
[26987]


 




شكرا جزيلا للأستاذ ابراهيم دادي .

أعتقد أن الصبر موضوع هام وحيوي ومفتاح فرج في قضايا عديدة .

وأما ما جال في خاطري وأنا اتمعن الموضوع فهو هو ما يلي :

* ما بال أولئك المسلمين الذين يفضحون أنفسهم والذين يقول لسان حالهم إنهم يعانون من فقر مدقع في مادة الصبر ، وذلك لمجرد أن أحد الجهلة قال قولا أو رسم رسما كاريكاتوريا يقصد به المساس من شخصية وسمعة رسول الله ؟ ، فإذا بهم يتفجرون ويتشنجون وينطلقون مصوتين ، متذمرين ومدمرين وحارقين ومتوعدين ؟

* فهل هذه المواقف تعبير عما كان الرسول واقفه أو فاعله لو كان معنا ؟

* أم هم يريدون أن يجروا تعديلا على فحوى وروح الآية رقم 10 بسورة المزمل ، وأمثالها وما اكثرها ؟ حيث ينصح الله بل يأمر رسوله قائلا : اصبر على ما يقولون ؟ وينبهه أن ذلك من صفات أولي العزم ؟

* وما يعجبني كذلك النصيحة الأخرى التي وجهها الله الودود الرحمان الرحيم إلى رسوله قائلا له : لا تكن كصاحب الحوت .

وأعتقد أن هذه النصيحة تكتسي أهمية وتبطن درسا أو دروسا ينبغي علينا أن نجتهد حتى نعيها ونهضمها .

ومرة أخرى دمت موفقا يا إبراهيم دادي ، والحق يقال إنه بحث هام ويبرز حجم الجدية والإخلاص في الأمر .



أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-11
مقالات منشورة : 400
اجمالي القراءات : 8,266,561
تعليقات له : 1,903
تعليقات عليه : 2,752
بلد الميلاد : ALGERIA
بلد الاقامة : ALGERIA