صفحات من الذاكرة 3 ..... وسقطت فى بئر النفط

د.حسن أحمد عمر في الأحد 29 يونيو 2008


""

فجأة وبلا مقدمات إختفت تلك الفتاة الصغيرة الجميلة من الشارع , فلم تعد تلعب مع قريناتها ألعابها المفضلة وأهمها الأستغماية ( وهى لعبة مصرية مشهورة بين الأطفال وترجمتها بالإنجليزية هى hide and seek ) ، لقد كانت تملؤ المكان ضجيجاً مع صديقاتها أثناء اللعب ولكن للحق كانت ممشوقة القوام شديدة سواد الشعر واسعة العينين رائعة الجمال ، لم تتخطى بعد عامها الرابع عشر حين حرموها من طفولتها وبتروا براءتها وزوجوها خلسة من عجوز خليجى متصاب لم يكمل بعد الثمانين ربيعاً ، حيث كان يتجول مع أحد أحفاده المتزوجين من نفس القرية وكان يسير بخطواته الواثقة كخطو المها فى صفاء الربيع ، وقعت عيناه التى تشبه عيون البوم على تلك الطفلة المسكينة الرائعة الجمال الممشوقة القوام فاضطرب قلبه المرهف حباً ، واشار إليها بالبنان وشخشخ جيبه الملآن ، ويا لأثر بريق الذهب ورنين الفلوس حين يشخشخ بها خبير بالنفوس ومريض بالزواج كل شهر من عروس .



أسرع حفيده ذو النسب القديم فى القرية وأعلن أمام أهل زوجته عن رغبة جده الهمام من الزواج من تلك الفتاة اليانعة كالوردة الساطعة وأكد إستعداد جده لدفع أى مبالغ للشبكة والمهر والهدايا والتجهيزات وأكد أنه سيشترى لها شقة فى المدينة المجاورة ، وبطبيعة الحال إستقبل أهل العروس- الطفلة - هذا الخبر إستقبالاً سعيداً ورحبوا بالعريس ترحيباً شديداً ، وظنوا أن الله تعالى قد رضى عنهم بهذه الزيجة وفتح عليهم من خزائن النفط الخليجية بئراً من آباره ونقلهم بهذه الخطوة من فقر مدقع إلى غنى ومال وجاه لم يحلموا به من قبل ، ولم يكن صعباً عليهم أن يستخرجوا لها شهادة تسنين من مكتب الصحة مثبوت فيها أن الطفلة قد بلغت سن الزواج القانونى (16سنة ) مقابل عدة مئات من الجنيهات ووليمة طعام فاخر لطبيب الصحة وكاتبها ، وأقيمت الأفرح والليالى الملاح وزفت الطفلة على عريسها الذى لم يتخط بعد الثمانين ربيعاً ، وبالطبع فقد خدعت الطفلة بالذهب الكثير والفساتين والهدايا وهى تظن أنها ذاهبة فى رحلة ترفيهية لفترة وجيزة تعود بعدها للعب واللهو فى الشارع مع قريناتها مرة أخرى ، ولكن ذلك لن يحدث أبداً فقد سافرت مع زوجها الذى لم يتخط الثمانين ربيعاً بعد إلى دولته التى يعيش فيها .

كانت طفلة فحرموها من طفولتها ، وكانت سعيدة فبتروا سعادتها ، وكانت تتعلم فى الصف الثانى الإعدادى فحرموها من التعليم ، كانت حرة طليقة كالعصفورة المغردة فأحرقوا حريتها وكتموا صوتها وحرموها من نعيم الحياة ، كانت طفلة صغيرة مسكينة فأصبحت فى مقام الأم لرجال بعضهم تخطى سن الستين ، كانوا جميعاً يترقبون كل خطواتها وكل كلماتها ويحاسبونها على كل صغيرة وكبيرة ، وحبسوها فى قمقم كأنه زنزانة فيها كل أنواع المتع من طعام وشراب وتلفزيون وفيديو وخلافه .. ولكنها حرمت من نعيم الحرية وجمال الحياة ولذة الطفولة ، كانت – كالآلاف من قريناتها – ضحية الفقر والجهل والتخلف وموت الضمير .

وبطبيعة الحال لم يمض أكثر من عدة أشهر حتى مات زوجها وتركها أرملة فى عمر الزهور حيث لم تبلغ عامها الخامس عشر ، وعادت إلى قريتها كأن شيئاً لم يكن ، فالعجوز المتصابى لا أرضاً قطع ولا ظهراً ابقى كان يعيش معها كصديق لطيف وأخ ودود ولقد قامت على خدمته بكل إخلاص حتى توفاه الله تعالى ، عادت الطفلة ولكنها لم تصبح طفلة بل صارت كمن تخطت سن الستين من كثرة ما حملت من هموم وما صبرت على أعباء ، وصارت أرملة يتوافد على زواجها كل من هب ودب وكل طامع ذهبها وشقتها ورصيدها البنكى ، وماتت فيها البسمة وخنقت الفرحة وحلت محلهما لوعة الضياع ومرارة الإحساس بالظلم .



اجمالي القراءات 9042

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (6)
1   تعليق بواسطة   محمد مهند مراد ايهم     في   الأحد 29 يونيو 2008
[23685]

أخي الكريم الدكتور حسن

هذه قصة تحدث في كل مجتمع ولكن بصور مختلفة لقد آلمتني وأيقظت في ما كان نائما وسيستقيظ بإذن الله في قصة من واقع الحياة


أشكرك


2   تعليق بواسطة   عثمان محمد علي     في   الإثنين 30 يونيو 2008
[23688]

الحمد لله انه مات :

لا أدرى لماذا إنتابنى شعور غريب وأنا اقرأ هذه القصه الواقعيه وهو إحساسى القوى بأنى لو كنت موجودا فى تلك اللحظات التى عقد فيها قرانها  لخطفتها إلى مكان بعيد عن انظار الجميع (لأحافظ عليها )  حتى لو حوكمت بتلك التهمه  ولضربت ابوها أو ولى امرها ضربا شديدا و لو أفضى إلى موته ..رغم ان طبيعتى وفطرتى التى فطرنى الله عليها ضد العنف بكل أشكاله وألوانه حتى  لو كان عنف الكلمه .....ولكن إحساسى بظلم الضعيف الذى لا يستطيع رفع الظلم عن نفسه يكاد يقتلنى عندما افكر فيه واتصور لو أنى أستطيع محاسبة الظالم ومعاقبته أشد العقاب .  ....وأعتقد أن من فضل الله على تلك الطفله ان ذلك العجوز المتصابى  قد مات . وبالتاكيد سيرسل الله لها من يعيد بسمتها  مرة أخرى وينسيها تلك التجربة المريره  فما زالت الورود متفتحه ولا زال فى النهار ضوء الشمس ولازال سواد الليل يبدده ضوء القمر.


3   تعليق بواسطة   د.حسن أحمد عمر     في   الثلاثاء 01 يوليو 2008
[23771]

أخى الفاضل الأستاذ مهند مراد

أشكرك على المرور والتعليق وطبعاً للأسف تحدث هذه الماساة بشكل متكرر فى مجتمعنا ، وهو أن نقوم بتزويج الطفلة فى عمر الزهور من عجوز خليجى غنى من أجل ماله وهذه من وجهة نظرة جريمة إجتماعية كبرى يجب وضع القوانين لها ، ولقد أسعدنى أن قامت محكمة مصرية فى الشهر الماضى بإلغاء زواج  عقد قران طفلة مصرية من عجوز سعودى ، فسعدت بالقضاء المصرى أعظم سعادة منذ قرأت هذا الخبر.، بل إننى أطالب بمحاكمة الأب أو ولى الأمر الذى يقدم على فعل كهذا .


شكرا لك أخى الحبيب


4   تعليق بواسطة   د.حسن أحمد عمر     في   الثلاثاء 01 يوليو 2008
[23772]

أخى الفاضل د عثمان

تحية طيبة وأشكرك على تعليقك القيم الذى أتفق معك فيه بالطبع ، وأتمنى كما قلت لأخى مهند أن تتم محاكمة كل أب أو ولى أمر يقدم على هكذا فعل ويتم تجريمه .


تقبل خالص محبتى وشكرى


 


5   تعليق بواسطة   د.حسن أحمد عمر     في   الخميس 03 يوليو 2008
[23887]

أخى الفاضل الأستاذ عابد أسير

تحية طيبة


أشكرك على تعليقك الكريم وأتفق معك على كل ما ذكرته ، ندعو الله تعالى أن نفيق من الغفلة وأن نحترم بناتنا فلا نزج بهن فى مثل هكذا زيجات قاتلة تحطم أملها وتدمر حياتها ، بل يجب أن نأخذ بأيديهن نحو التعليم والثقافة على أعلى مستوياتها وأن يكون لها كامل الحرية فى الإختيار والموافقة والرفض والا تقع تحت أى ضغوط إجتماعية  تؤدى بها فى النهاية إلى وأد حريتها ودمار حياتها وحرق مستقبلها .


تحياتى لك وكل عام وأنت بخير


6   تعليق بواسطة   د.حسن أحمد عمر     في   الجمعة 11 يوليو 2008
[24295]

على غرار منع "زفاف الأطفال"

على غرار منع "زفاف الأطفال"

سعوديون يطالبون بمنع زواج ابنة الـ(10) سنوات من عجوز ستيني









دبي - العربية.نت



طالب العديد من سكان مدينة حائل في السعوية بمنع عقد قران رجل تجاوز الستين من عمره على طفلة لم تتعد السنوات العشر الأولى من ربيع حياتها، معتبرين هذا النوع من الزواج "انتهاكا لبراءة الطفولة"، وذلك وفقا لتقرير إخباري نشر الجمعة 11-7-2008.



وذكر التقرير أن العريس العجوز أنهى مع تلك الطفلة فحوص الزواج، ولم يتبق سوى عقد القران، وسط عدم قبول عدد من الأقارب الذين تذمروا من موافقة الأب ووصفوا الزواج بـ"البيع".



وأوضحت صحيفة "شمس" التي أوردت الخبر أن عددا من أهالي مدينة حائل طالبوا الجهات الحقوقية بالتدخل لإيقاف مثل هذه الزيجات، على غرار إيقاف زواج الأطفال التي تم أخيرا، حيث تدخلت جهات مختلفة لمنع زواج طفلين لم يتجاوزا الثانية عشرة من عمرهما.



ويرى الباحث الاجتماعي عبد الله الحربي أن مثل هذه الزيجات تتم كعملية "بيع من قبل الأب لطفلته، يتم من خلالها دفع أموال طائلة من قبل العريس للظفر بطفلة لإشباع غريزته الجنسية"، وأوضح أنه غالبا ما تفشل هذه الزيجات، وأشار الحربي إلى أن الطفلة قد تصاب بأزمة نفسية كونها ستعاشر رجلا يكبرها في السن بسنوات كثيرة.



من جهته، يعتقد المواطن وليد الأسمري أن هذا الزواج يجب ألا يتم وينبغي محاسبة من سيقوم بعقد القران، مشيرا إلى وجوب إصدار قانون يمنع مثل هذه الزيجات، وقال "نريد تدخلا سريعا من قبل جمعية حقوق الإنسان، كيلا نساهم في تدمير حياة هذه الطفلة المسكينة".


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-09-03
مقالات منشورة : 209
اجمالي القراءات : 2,797,716
تعليقات له : 1,171
تعليقات عليه : 1,054
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : USA