لبنان الأصفر!

د. شاكر النابلسي في الثلاثاء 12 فبراير 2008


; سوريا ومخابرات سوريا وسياسو سوريا اللبنانيون في لبنان. فلا حاجة لنا أن نُعدِّد لكم أسماء الذين اغتيلوا من الإعلاميين والسياسيين ورجال الجيش والأمن اللبناني. وكلهم كانوا ضحايا 'الغضب السوري' من جرّاء فقدان أندلس الشام والفردوس المفقود: لبنان، ومحاولة عودة النظام السوري إلى أندلسه، وحُلّمه به، كحُلم إبليس في الجنة.
ولكن، وفي واقع الأمر، فإن سوريا لم تفقد لبنان بانسحاب جيشها منه، كما يتصور الطيبون ودراويش السياسة. فالبُلهاء هلّلوا، وصفقوا، ورقصوا لخروج الجيش السوري من لبنان، واعتبروه استقلالاً ثانياً للبنان، ودحراً للديكتاتورية السورية، وهزيمةً للاستعمار السوري في لبنان. وكان لهم الحقُّ في ذلك.
فمن لا يفرح بخلاصه من جيش الاحتلال؟
ومن لا يبتهج في يوم الاستقلال؟
ومن لا يرقص ويغني، بعد استعمار دام قرابة ثلاثين عاماً، أكلَ كُلَّ تفاح لبنان وكرزه، وأفرغ كل ليلة صناديق الكازينو، وقام بجبي الأتاوات من البنوك والمؤسسات، وصادر ضرائب الميناء (البور) والمطار، وملأ جيوبه بمليارات الدولارات من زراعة الحشيش في سهل البقاع.. الخ؟
لقد قال كل هذا الكتاب الليبراليون، في 'إيلاف' وغيرها من المواقع الإعلامية الأخرى، المشاهَدة، والمرئية، والمقروءة، بشجاعة وصراحة وبروح فدائية كشهود على عصر 'الإستعمار السوري'، ولكنهم لم يلقوا إلا الاستنكار والسباب والشتائم من بعض القراء الأشباح، وأصحاب الأقنعة، والأنقبة، والأسماء الحركية التي تمارس 'الإرهاب الأليكتروني' على الانترنت، إلى درجة أنهم حجبوا موقعاً ليبرالياً مهماً لعدة ساعات، منذ أيام.


هل يعود لبنان إلى نقطة الصفر؟
اليوم يتأكد للجميع، كيف أصبح لبنان بعد سنتين من جلاء 'الاستعمار السوري'، المحافظة السورية الخامسة عشرة، بعد أن أسقطت سوريا اسم المرشح التوافقي (ميشال سليمان) وسحب عون وفرنجية و'حزب الله' (تسمية 'حزب الله' شعوذة ودسيسة، كما قال مصطفى النحاس باشا لأحمد حسين. فكيف يُزجُّ اسم 'الله' الكريم في السياسة القذرة، انظر: رفعت السعيد، الليبرالية المصرية، ص 233) ترشيحهم للعماد سليمان، بعد حوادث 'الأحد الأسود' الدامي المرتّب بإتقان من قبل المعارضة السورية في لبنان، لكي يعود لبنان إلى نقطة الصفر من جديد، كما كان عليه في نوفمبر الماضي 2007.
وأنا – وبكل صراحة - معجبٌ أشد الإعجاب بذكاء السياسة السورية الحالية، وكيف استطاعت بكل سهولة ومهارة، أن تُسقط ترشيح العماد سليمان، بعد أن كنت أراهن - وأنا الخاسر لمثل هذه الرهانات دائماً – بأن سوريا لن تستطيع إسقاط ترشيح العماد سليمان، بعد أن اتفقت معظم أركان الكون عليه (أوروبا، وأمريكا، والدول العربية، والفرقاء اللبنانيون، والملائكة في السماء، وباركه بابا الفاتيكان، وشيخ الأزهر، والبابا شنودة، والبصرواي والسعداوي والمنياوي والحفناوي، وكل العمائم والقلونسوات.. الخ).


سوريا قوة عظمى!
يا للهول لهذه القوة السياسية السورية التي وصفناها من قبل، بأنها 'قوة عظمى' فسخر منا البهاليل من بني هجّاس.
ويا حافظ يا كريم، كم هو عظيم ذكاء حكام دمشق السياسي، الذي ورثوه عن جدهم الأكبر معاوية بن أبي سفيان، ومن جاءوا بعده من الأمويين الميامين.
فمن شابه جده ما ظلم.
فبضربة واحدة، فيما أطلق عليه اللبنانيون 'الأحد الأسود' لعبت سوريا (ضَرْبَ) ورق سياسي لفترة قصيرة مع الفرقاء، وأشعلت النار، وأحرقت ورقة العماد سليمان. وقال سليمان فرنجية المارد الأكبر وزعيم 'حزب المردة' (المردة جمع مارد) لقناة 'الجزيرة'، بأن العماد سليمان لم يعد مرشحنا، وعمرو موسى لم يعد وسيطاً حيادياً، ولم نعُد نثق به، والسلام ختام. ورغم هذا جاء عمرو موسى يوم الخميس إلى بيروت وغادر السبت دون نتيجة، ولا أدري لماذا جاء وقد سمع تصريح فرنجية بعدم الثقة فيه قبل أن يجيء إلى بيروت. ولكن عمرو موسى كراقص الزفَّات، لا بُدَّ أن يكون له في كل (عُرس قُرص).
وهكذا طار الاستحقاق الرئاسي اللبناني بنفخة سحرية واحدة من (بوء) بشّار الهزبر، الذي يفتننا – وأنا خاصة - بألعابه السياسية السحرية المبهرة والمشعوذة من حين لآخر في لبنان. فقد أصبحت الأخبار اللبنانية كل يوم زاد النهار، ومتعة الزوار، واللعبة الوحيدة، المسلية، والطريفة، والمشوّقة، في السياسة العربية، والتي تأتي لنا في كل يوم بجديد مضحك، وما عداها طبيخ (بايت)، لا يؤكل، ومكانه صندوق الزبالة.


السياسة السورية 'الساحرة'
ولكن من أين لسوريا كل هذه القوة السحرية السياسية لكي تلعب بلبنان، كما يلعب المشعوذون بالبيضة والحجر؟
هل لأن سوريا نظام قوي فعلاً بمخابراته، وعيونه، وجواسيسه، وعملاءه، وعقوله الإرهابية؟
أم هل لأن لبنان (الكتكوت) يسهل على الذئاب - حتى الخائبة منها - والضعيفة أن تلتهمه بلقمة واحدة؟
أظن أن الاحتمال الثاني هو المُرجَّح.
فلو كان في لبنان سياسيون وطنيون شرفاء ومخلصون، لما جرى كل الذي يجري.
ولو كان في لبنان أحزاب قوية مخلصة لوطنها فقط دون أي طرف آخر، لما حصل الذي يحصل.
لقد استطاعت السياسة السورية 'الساحرة' أن ينال المسيحيون (سليمان فرنجية مثالاً) من الكنيسة المارونية ومن بطريرك هذه الكنيسة (الكاردينال صفير)، ثأراً لسهام البطرك التي يطلقها يومياً على سوريا مشيراً إليها بـ 'الخارج'، و 'الدول المجاورة'، و 'الأشقاء الأعداء' .. الخ. فلأول مرة يجرؤ زعيم مسيحي – بالوراثة - كسليمان فرنجية باتهام البطرك الماروني، بأنه عميل للسفارة الأمريكية، والسفارة الفرنسية.
ولقد استطاعت السياسة السورية 'الماهرة' والماكرة كذلك، أن تذهب إلى بيروت، وتُغلق مجلس النواب لأكثر من عام مضى وحتى الآن، وتضع مفتاحه في جيبها (جيب نبيه بري) وتقول للنواب اللبنانيين ( اضبضبوا، وكل واحد يروح بيته، بلا نواب، بلا ديمقراطية طائفية، بلا بطيخ أصفر).
وهكذا استطاعت السياسة السورية وارثة السياسة الأموية 'المحنّكة' أن تعطِّل الاستحقاق الرئاسي، وتطعن في قائد الجيش، وتُمرّغ سمعة (سيدنا البطرك) بالوحل فيما قاله سليمان فرنجية، وتلغي الانتخابات التشريعية اللبنانية التي فازت بها أكثرية قوى 14 آذار، بتعطيل أعمال مجلس النواب، وإغلاق أبوابه وإرسال مفاتيحه إلى 'الباب العالي' في دمشق.


سرقوا لبنان وانتم عنه غافلون
فماذا بقي للبنان.. وماذا بقي لمسلميه ومسيحييه؟
مفاتيح مجلس النواب في الجيب السوري.
استحقاق رئاسة الجمهورية قرار سوري.
بطرك السياسة اللبنانية (ميشال عون) سوري.
سيدنا 'بطرك بكركي' يُهان، وتُمرّغ سمعته بالتراب، من قبل معارض سياسي مسيحي ماروني.
المقاومة سورية، وزنادها لا يضغط عليه غير الإصبع السوري.
الاستخبارات والأمن اللبناني سوريان.
مزارع الحشيش في البقاع سورية.
بوابة لبنان البرية إلى العالم سورية.
أكثر من نصف وسائل الإعلام اللبنانية سوري، والنصف الآخر يعمل ألف حساب وحساب لسوريا، وهو تحت طائلة التهديد والوعيد، ويراقب ما يقول جيداً.
وكل هذا تفعله سوريا، والكل يتفرج عليها، والجامعة العربية تقوم باجتماعات أشبه باجتماعات (ستي) مع عجائز القرية على فنجان قهوة الصباح في يوم ربيعي مشمس. والعرب يجتمعون في الجامعة العربية ويطلقون تصريحات بلهاء، وتهديد ووعيد، وسوريا تسخر منهم، وتشدد القبضة على رقبة لبنان لخنقه وإرغامه على تنفيذ ما تريد.
فلا أمريكا تستطيع أن تفعل شيئاً، ولا أوروبا بيدها أن تفعل شيئاً، والعرب كما تعلمون مكرسحون، جبناء، شاربو القهوة المرّة، وناتفو ذقونهم، ويقولون لك:
'الحل العربي' لو صبرتم!


لبنان الأصفر صفرة الموت
لبنان الأخضر كما غنّت له فيروز، ووديع الصافي، وصباح، ونصري شمس الدين لم يعد أخضر.
فقد تم إحراق غاباته، وإغلاق مقاهيه، وتعتيم مرابعه، وتجفيف ينابيعه، واحتلال ساحاته، وحرق الإطارات في طرقاته، وتسويد وجهه.
القوة الضاربة التي تستطيع إنقاذ لبنان من بين فكي 'القِرش السوري'، هم السياسيون اللبنانيون أنفسهم.
على السياسيين اللبنانيين جميعاً أن يدركوا، أن لا قوة عظمى في العالم قادرة على تخليصهم من بين فكي 'القِرش السوري' ما لم يصبحوا وطنيين شرفاء، يحبون لبنان كما يحبون أنفسهم، وأولادهم. أما أن يبقى جزء كبير من السياسيين اللبنانيين سماسرة، وتجار نخاسه في سوق السياسة كما هم الآن، فذلك ما سوف يشجع 'القِرش السوري'، والقروش الأخرى في المنطقة، وفي العالم، على التهام المزيد من لبنان الأصفر، الذي يزداد صفار موته يوماً بعد يوم.
السلام عليكم.

اجمالي القراءات 11325

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-01-16
مقالات منشورة : 334
اجمالي القراءات : 2,809,349
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 361
بلد الميلاد : الاردن
بلد الاقامة : الولايات المتحدة