سيد درويش 2

محمد حسين في الثلاثاء 16 اكتوبر 2007


 

                                                       

 

لم يكن سيد درويش مجرد فنان او عملاق موسيقى فقط ، ولكنه ببراعة اراد ان يجهز الحس لدى الجمهور فى فهم موسيقاه و الموسيقى عموما ، وهذا ما اضاف اليه ميزة عن باقى فنانى عصره والعصر الذى تلاه. ففى عام 1921 قرر سيد درويش بعد نجاحه أن يكتب عن الموسيقى ، فكتب للصحافة مقالات موسيقية كان يقصد بها توعية الجمهور والتثقيف الموسيقى العام واعتبر هذا الميدان الذى لم يرتاده أحد قبله أحد واجباته تجاه الرسالة الفنية التى حمل لواءها ، وكان يختم مقالاته بتوقيع ”خادم الموسيقى س&iute;يد درويش“ ، ثم قرر أن ينشر كتابا يضم نوت ألحانه واتفقت معه إحدى الصحف على نشر الكتاب فى حلقات. أصبح سيد درويش سيد درويش! ولم يكن هناك باب إلا وطرقه من أجل توصيل رسالته والمشاركة فى المد الشعبى والقومى الصاعد حينذاك بكل ما يستطيع من طاقة.  وهو على تلك القمة ،  تمنى سيد درويش أن يفعل شيئا طالما حلم به ، أن يذهب إلى أوربا ، وإيطاليا بالذات موطن الموسيقار فيردى محب مصر ، كى يستزيد من العلوم الموسيقية ويقدم ألحانه فى أفضل صورة ... ولكن كما يقولون ، تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن ،  ففى عام 1923 استعد سيد درويش للسفر لكن القدر لم يمهله ووافته المنية بالإسكندرية مسقط رأسه عندما ذهب إليها ذات فجر ليكون فى استقبال الزعيم سعد زغلول العائد من المنفى وبينما كان الشعب فى فرحة غامرة بعودة زعيمه كانت أسرة سيد درويش تبكيه فى هدوء حزين ولم يتنبه أحد فى الخارج إلى وفاة روح الثورة سيد درويش ... 

موسيقى سيد درويش
كان سيد درويش يستلهم ألحانه من الألحان الشعبية البسيطة التى يرددها الناس فى مناسبات مختلفة ، وكان يستمع إلى كافة طوائف الشعب من باعة وشيالين ومراكبية وسقايين وفلاحين وعمال وغيرهم ، وكان له القدرة على تحويل تلك النغمات البسيطة إلى ألحان ذكية يستطيع كل الناس ترديدها فى سهولة . يحكى عنه صديقه الكاتب "بديع خيرى" أنه كان يصطحبه إلى حى بولاق بالقاهرة ليستمع إلى "بائع عجوة" ينادى فى نغمات جميلة مرددا " على مال مكة .. على مال جدة .. مال المدينة يا شغل الحجاز" ، وظهرت تلك النغمات فى لحنه الشهير "مليحة قوى القلل القناوى"

التعبير الموسيقى عند سيد درويش
تتلخص مدرسة سيد درويش الفنية فى مبادئ أساسية هى :
اختيار الموضوع والكلمات
التعبير عن الموضوع والكلمة باللحن
اختيار النغمات ذات الجذور الشعبية المصرية
صياغة الجمل اللحنية فى أبسط صورة
صياغة الألحان فى تراكيب حديثة متطورة وإيقاعات شابة مليئة بالحيوية
استطاع سيد درويش التعبير عن هموم وطنه وآماله فى أصدق صورة ، باللحن والكلمة ، ومن أهم أسباب انتشار موسيقى وألحان سيد درويش أنها بسيطة وسهلة مع عمق نغماتها وتأثيرها القوى فى النفوس ، ولم تكن ألحانه تحتاج إلى أصوات محترفة لترددها ، وقد كانت الأغانى السائدة فى ذلك الوقت من أصول تركية غير معبرة عن البيئة والمزاج المصرى ومليئة بالتراكيب المعقدة والزخارف اللحنية وهو ما كان معروفا بـ "موسيقى الصالونات" يسمعها فقط خاصة العائلات والطبقة الأرستقراطية من الأتراك ، كما أن موضوعاتها اقتصرت على الحب والغرام والهجر والفراق ، لكن سيد درويش استطاع أن يجعل الغناء للجميع ، وأحس المصريون لأول مرة فى العصر الحديث بأن لهم موسيقاهم المعبرة عنهم وعن جذورهم ومشاعرهم . وعمل سيد درويش كثيرا على إيقاظ الروح الوطنية بين المصريين بألحانه وبما يختار لها من كلمات معبرة ، بعضها من نظمه هو ، والبعض الآخر من تأليف الشعراء الوطنيين ، وكان أحيانا يعجب بكلمات منشورة فى إحدى الصحف فيقوم بتلحينها على الفور دون معرفة مسبقة بمؤلفها ، ومنها لحن " قوم يا مصرى" لبديع خيرى فقد كان الشعور الوطنى يوحد بين الكتاب والفنانين فى وقت ساد فيه الاحتلال وفسدت السلطة ، ولم يتقاض أجرا عن تلحينه لأعظم ألحانه الوطنية . ويكفى النظر إلى بعض مقاطع أغانيه لكى نعرف عن ماذا يتحدث سيد درويش وما الذى يعبر عنه ، ولكى ندرك النقلة الكبيرة التى أحدثها .

فى أنشودة أنا المصرى

نا المصرى كريم العنصرين .. بنيت المجد بين الإهرامين

جدودى أنشأوا العلم العجيب ، ومجرى النيل فى الوادى الخصيب

لهم فى الدنيا آلاف السنين

ويفنى الكون وهم موجودين

وفى لحن سالمة يا سلامة

صفر يا وابور واربط عندك نزلنى فى البلد دى

بلا أميركا بلا أوربا مافى شى أحسن من بلدى
وفى نشيد قوم يا مصرى

قوم يا مصرى مصر دايما بتناديك ، خد بناصرى نصرى دين واجب عليك
شوف جدودك فى قبورهم ليل نهار .. من جمودك كل عضمة بتستجار
صون آثارك ياللى ضيعت الآثار .. دول فاتوا لك مجد خوفو لك شعار
ليه يا مصرى كل أحوالك عجب .. تشكى فقرك وانت ماشى فوق دهب
مصر جنة طول ما فيها انت يا نيل .. عمر ابنك لم يعش أبدا ذليل"

وفى أغنية طلعت يا محلا نورها

طلعت يا محلا نورها شمس الشموسة .. ياللا بنا نملا ونحلب لبن الجاموسة"

وفى لحن الصنايعية

الحلوة دى قامت تعجن فى البدرية .. والديك بيدن كوكو كوكو فى الفجرية"
ياللا بنا على باب الله يا صنايعية .. يجعل صباحك صباح الخير يا اسطى عطية"

والنشيد الوطنى الذى وضع سيد درويش كلماته مستوحيا إياها من كلمات الزعيم الوطنى مصطفى كامل

بلادى بلادى .. لك حبى وفؤادى
وهو نشيد الشعب الذى غناه فى ثورة 1919 وهو النشيد الوطنى الحالى بعد أكثر من 80 عاما

والأغنية التى انتقدت تجنيد الشباب بالقوة لخدمة الجيش البريطانى

يا عزيز عينى وانا بدى اروح بلدى ..بلدى يا بلدى والسلطة خدت ولدى
****
آثــار مدرسة سيد درويش فى الموسيقى
يقول الموسيقيون فى مصر ، كبارهم وصغارهم " كلنا خرجنا من عباءة سيد درويش" ، وهم يعترفون بذلك لأنه كان المجدد الأول فى العصر الحديث ، ولأن التطور الذى أحدثه كيفا وكما كان كفيلا بمد من جاءوا بعده من الفنانين بمدد لم ينفد بعد وقد مضت أكثر من ثمانبن سنة على وفاته ، وتكفى هذه الشهادة لإثبات مدى أصالة عن هذا الفنان ، وكانت الموسيقى قيله من عزف وغناء وتأليف وتلحين لمئات السنين تهتم بالقوالب الشكلية والزخرفة بصرف النظر عن الجوهر والمضمون ، واتفق فى ذلك الفن التركى مع بقايا الفن الأندلسى من الموشحات وانفصال كلاهما بالتالى عن واقع الحياة والناس ، وقد توجه سيد درويش بالموسيقى نحو الأصول الشعبية والتحديث فى آن واد .
سار على نهج سيد درويش كبار الملحنين فى القرن العشرين ، والذين لم تقتصر ألحانهم على مصر بل ذاعت فى جميع الأقطار العربية ، وهم محمد القصبجى ، زكريا أحمد ، محمد عبد الوهاب ورياض السنباطى ، وأحدثت تلك الألحان ثورة جديدة فى الذوق العربى الموسيقى ، وساهمت فى إثراء الحركة الثقافية القومية ... 
والواقع أن المتتبع لآثار فن سيد درويش فى أعمال الآخرين لا يجدهم فقط قد ساروا على منهجه وإنما يجد أيضا مقاطع كاملة من أعماله فى أعمالهم ، وهم لم يستطيعوا حتى تحويرها أو تغييرها معالمها فظهرت كما هى!
وقد يقود هذا إلى الحديث عن سرقة ألحان سيد درويش من قبل الفنانين اللاحقين ، لكن فى رأينا أنه التأثير القوى الذى لا فكاك منه! فهؤلاء الفنانين أساتذة كبار وبوسعهم وضع ألحان غاية فى الثراء وليست السرقة من شيم الأثرياء ، ونحن إذ ننفى عنهم هذه التهمة فهم بعترفون بأنهم واقعون تحت تأثير سيد درويش وأنهم تربوا جميعا فى مدرسته الرحيبة ، ولهذا لا بأس من تتبع آثار سيد درويش فى موسيقاهم لنعلم مدى ذلك التأتير ولنضع سيد درويش فى مكانته الحقيقية بين الفنانين

كثيرا ما وصف سيد درويش بالعبقرية ، ومن مظاهر عبقريته :
أن عمره الفنى لم يتجاوز ست سنوات وتوفى عن 31 عاما لكنه أحدث ثورة هائلة فى الموسيقى الشرقية  و مازالت أعماله تردد حتى اليوم ، بجانب ذلك استطاع هذا العملاق  لأول مرة فى تاريخ الموسيقى العربية التعبير باللحن عن الكلمات والمواقف الدرامية ، وهو أول فنان يجعل من الموسيقى الشعبية فنا قوميا راقيـا على الاطلاق ، ووضع أسس المسرح الغنائى التعبيرى وألف أعظم الألحان المسرحية حتى الآن ، وقد ألف عشرة أدوار غنائية من مقامات مختلفة هى كم صغير فى عالم الأدوار لكنها أفضل عشرة على الإطلاق ، وقام بوضع مقاما موسيقيا جديدا أسماه زنجران هو مقام السهل الممتنع الذى وقف اعتى الموسيقيين من تعرفوا على هذا المقام لأول مرة منه امامه عاجزون عن تفهم اى نوع من العبقرية الموسيقية يمتلك هذا الرائع ، وجعل الغناء للجميع بعد ما كان مقصورا على المطربين المحترفين و دليلا صارخا على مكانته كنجم قطبى فى سماء الموسيقى انه ظهرت آثاره الفنية فى كل ما جاء بعده من موسيقى لذلك اتفق معظمهم ان لم يكن كلهم على انه لم يستطع أحد حتى الآن تقديم أعمال موسيقية ترقى إلى مستوى أعماله

هو سيد درويش ، عملاق الفن المصرى بحق وأحد ابرع موسيقيى العالم ، ورغم وفاته عن عمر لم يتعدى الاحدى وثلاثين عاما ، الا انه ترك تراثا هائلا علق بأذهان الشعب امة وأرضا ، عرفته مصر ابنا مخلصا عملاقا ، احبها واحبته ، فذهب جسدا وبقى اسما خالدا يتلألأ فى سماء مصر كنجم اوحد تلتف حوله النجوم ، مشكاة الفن .... سيد درويش

المصادر:
سيد درويش فى عيون اصدقائه ، للكاتب حسن درويش
السبعة الكبار فى الموسيقى العربية المعاصرة ، فيكتور سحاب
رحلة حب مع سيد درويش ، صلاح طنطاوى
اعلام الموسيقى http://www.syriagate.com
موقع سيد درويش البحر www.sayeddarwishelbahr.com

اجمالي القراءات 23389

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   آحمد صبحي منصور     في   الأحد 09 ديسمبر 2007
[14320]

تحية لمحمد حسين

عذرا إن تاخر التعليق
كنت فى نقاش مع ابنى محمد منصور حول سيد درويش ، إذقال محمد ان بعض كلمات أغانى سيد درويش هابطة تذكره بكلمات أغانى شعبان عبد الرحيم . وقلت له : ان السائد فى أوائل القرن الماضى هو هبوط مستوى الأغانى من حيث الكلمات ، قد استمر هذا حتى الاربعينيات مع نشوء طبقة (أغنياء الحرب ) بعد الحرب العالمية الثانية، وفى هذه الفترة غنى عبد العزيز محمود ( يا شبشب الهنا ياريتنى كنت أنا ) ولم يخجل مما يقول .ولقد كان لام كلثوم فضل الريادة بالرقى بالكلمة وتشجيعها لشاعر مثل احمد رامى على أن يكتب لها بالعامية.ظهر سيد درويش فى وسط هذا الاضمحلال فكان من أغانيه ما ساير السائد ومنها ـوهو الأكثر ـ ما اكتشف مناطق جديدة فى الموضوعات وفى رقه الاحساس و بلاغة التعبير حين غنى للفلاح و النوبى و والخواجات اليونانيين والعمال و الفواعلية و المصريين العائدين من خدمة القوات الانجليزية ، وكان رائدا للاغنية الوطنية التتى تتغنى بمصر وعظمتخا وتدعو الى ان الدين لله والوطن للجميع ، وأن الدين هو الذى يقوم بتجميع المصريين و ليس الذى يفرقهم ، أى وصل الى مستوى عال من التمدن يسبق عصرنا الان ، ولكن من حوالى مائة عام.. فاذا كان له بعض أغنيات أو طقاطيق خفيفة فهى من المغفور له ، خصوصا وان بعضها لا يزال نتغنى به حتى اليوم كأعظم تراث موسيقى مصرى .

أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-02-28
مقالات منشورة : 52
اجمالي القراءات : 615,843
تعليقات له : 110
تعليقات عليه : 154
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State