من خفايا التاريخ: أبو ركوة الأموي يثور على الخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله

آحمد صبحي منصور Ýí 2020-11-10


من خفايا التاريخ: أبو ركوة الأموي يثور على الخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله

مقدمة :

1 ـ بدأت الدولة الفاطمية في المهدية في تونس ، ومن البداية وضعت الاستيلاء على مصر هدفا أساسا لها ، وتم لها ذلك في عهد الخليفة الفاطمى الثالث المعز لدين الله الفاطمي   سنة 358. إعتمدت الدولة الفاطمية على القبائل الأمازيغية في تثبيت سلطانها ، بجانب مجموعات عرقية أخرى . حدث نفور بين بعض القبائل الأمازيغية والخليفة الفاطمي الحاكم إستغله ( أبو ركوة ) ، فثار على الدولة الفاطمية . كان الخليفة الحاكم قد أوقع مظالم في قبيلة بنى قرّة  فظهر فيهم أبو ركوة داعيا لنفسه فبايعوه ، واستجابت له قبائل لواته ومزاته ، فاستولى على ما يعرف الآن بتونس ، ثم برقة ( ليبيا ) وهزم جيوش الخليفة الحاكم أكثر من مرة ، واستمرت الحروب فانهزم أبو ركوة في ثالث ذي الحجة إلى الفيوم ، وتبعه القائد فضل بعد أن بعث إلى القاهررة بستة آلاف رأسومائة أسير ، وهرب أبو ركوة بعد هزيمته الى بلاد النوبة ، فقبضوا عليه وجىء به الى القاهرة فقطعوا رأسه وصلبوه عام 397 .

2 ـ هذا ( موجز الأنباء ) واليكم التفصيل ننقلها من ( التاريخ الكبير ) للمؤرخ المصرى ( المُسبّحى ) (  366 : 420) ، وهو الذى كان وزيرا للخليفة الحاكم وصاحب حظوة عنده وشاهدا على عصره .

  البداية :

1 ـ  أبو ركوة مولود بالأندلس ، وقدم القيروان، ( وكان يعلّم الصبيانالقرآن فيها ، ثم دخلإلى مصر فأقام بها وبأريافها يعلم الصبيان مدة ، ثم خرج إلى الإسكندرية ، وقد أكثرالحاكم من الإيقاع ببني قرة وأكثر من قتلهم وتحريقهم بالنار فخلعوا طاعته‏.)‏ كان الحاكم قد بعثهم  في حملة عسكرية فانهزموا ورجعوا الى برقة ، وأعطاهم الحاكم الأمان ، وجاء وفدهم الى الإسكندرية فقتل الحاكم الوفد عن آخره عام 394.  ( وكان عندهم معلم القرآن ، واسمه الوليد بن هشام ينسب إلى المغيرة بنعبد الرحمن من بني أمية ،  وكان يزعم أن له أثارة من علم ،  ويخبر بأنه سيملك ما ملكهآباؤه وكان يقال له أبو ركوة‏.‏فدعاهم إلى نفسه ، فبايعوه وتلقب بأمير المؤمنين الناصر لدين الله‏.‏ثم بعث إلى لواتة ومزانة وزناتة فاستجابوا له ، ورحل إلى برقة والناسيباركونه في كل يوم فيسلمون عليه بالخلافة ، ويقبلون له الأرض ، فيجلس في وسطهمويقول‏:‏ " أنا واحد منكم وما أريد شيئا من هذه الدنيا‏ ‏ ولا أطلبها إلا لكم وليسمعي مال أعطيكم وإنما لي عليكم طاعة وإن نصرتموني نصرتم أنفسكم وإن قاتلتم معيأخذتم حقكم بأيديكم ." ...فلم يزل معهم يطوف قرى برقةويأخذ البيعة إلى أن عظم أمره وهو فيما بين الإسكندرية وبرقة‏.‏)

2 ـ ( فبعث إليه الحاكم جيشا عليه ينال الطويل التركي في نصف شعبان سنةخمس وتسعين ، فواقعه أبو ركوة وقتله ومعظم عسكره ، وظفر من الأموال والخيل والسلاحوالنعم الجليلة بما قوى به واشتد بأسه‏.‏وابتدأ الحاكم في تجريد العساكر شيئا بعد شيء . ونزل أبو ركوة بعدظفره على برقة فحاصرها وصندل الحاكم أميرها يقاتله حتى اشتد الحصار ، ومنع أهل برقةمن الميرة ، ففرّ صندل ومعه شيوخ البلد إلى الحاكم ، وحثه على بعث الجيوش ، وأعلمه بقوةأبي ركوة واستفحال أمره‏.‏ودخل أبو ركوة إلى مدينة برقة ، واستخرج الأموال وأقطع بني قرة أعمالمصر مثل دمياط وتنيس والمحلة وغيرها ، وكتب خطه بذلك، وأقطع دور القواد والأكابر التيبالقاهرة ومصر وجدد البيعة لنفسه‏.‏)، أي أعطى مدن مصر وقصور الأكابر فيها إقطاعات لأعوانه .( فندب الحاكم لقتاله القائد أبا الفتوح فضل بن صالح في ربيع الأولسنة ست وتسعين ، وأتبعه بالعساكر فاجتمعت بالإسكندرية وسار بها فلقيه أبو ركوة بذاتالحمام‏.‏وكانت بينهما حروب آلت إلى هزيمة العسكر ( الفاطمى )  والاحتواء على ما فيه منمال وسلاح فعظم شأن أبي ركوة‏.‏ ووردت الجند على الحاكم بذلك للنصف من رمضان)

2 ـ إتبع الخليفة الحاكم أسلوب الخداع فجعل كبار قواده يراسلون أبا ركوة أنهم معه ضد الحاكم : ( فكان من تدبير الحاكمأن دعا بوجوه رجاله وقواده فأمرهم أن يكاتبوا أبا ركوة ، ويعرفوه أنهم على مذهبهورأيه، وانه إن توجه إليهم وقرب منهم صاروا في جملته وقاتلوا معه ، وذكروا ما يقاسونهمن قتل وجوههم وأكابرهم ، وأنهم لا يأمنون في ليلهم ولا نهارهم ، مع ما يسمعونه منانتقاص الشرف ونحو هذا‏.‏فكتبوا بذلك وأنفذوا إليه عدة كتب من كل واحد منهم كتابا معرسوله‏.‏ فلما تواتر ذلك عليه وثق به ولم يشك فيه ، وحشد جموعه ووعدهم بأموالمصر ونعمها وسار‏.‏) .

3 ـ إستعد الخليفة الحاكم لمجىء أبى ركوة . عيّن الخليفة قائدا للدفاع عن القاهرة هو ( علي بن فلاح ) الذى عسكر بجنوده في ( بركة الحبش ) ، ثم عبر الى  الجيزة ( وتلاحقت به العساكر براً وبحراً‏.‏)

4 ـ الاستعداد العسكرى أدى الى الغلاء في مصر (واضطربت الأسعار بمصر وعدم الخبز وبيع مبلولاً ستة أرطال بدرهم ، وكانيباع عشرة أرطال بدرهم ، وأنفق في العساكر المتوجهة لكل واحد أربعةً وعشرين دينارا‏.‏) ( وكوتب على بن صفوح بن دغفل بن الجراح الطائي فحضر في سابع عشر شوال،  وخلع عليه ، وتزايد سعر الدقيق والخبز وروايا الماء وازدحم الناس عليها‏.‏) ، وتم تعيين فضل بن صالح قائدا عاما : ( وخُلع على القائد فضل بن صالح ثوب ديباج مثقل طميم أحمر ومنديل ذهبوقلد بسيف وحمل على فرس بمركب ذهب وبين يديه تسعة من الخيل وثلاثون بندا مذهبةوأربعة عشر سفطا فيها أنواع الثياب‏.‏ وسار إلى الجيزة وأكمل لكل واحد من العساكر السائرة خمسون دينارا‏.‏ونزلت إليه خزانة السلاح‏.‏)

5 ـ وصل جيش أبى ركوة الى الفيوم ونهبها :( وورد الخبر بنهب الفيوم فجهزت إليها سرية ، فأوقعوا بأصحاب أبي ركوة،  وبعثوا إلى القاهرة بعدة رؤوس طيف بها‏.‏)، كانت هذه أول هزيمة لأبى ركوة .

6 ـ هذا بينما استعدادات جيش الحاكم تجرى على قدم وساق ، ولا عبرة بالغلاء وجوع الفقراء المصريين آكلى الخبز وخوفهم ، يقول المُسبّحى : ( وسار القائد فضل من الجيزة في رابع ذي القعدة ، والغلاء بالعسكر، فبيعتالويبة من الشعير بخمسة دراهم والخبز ثلاثة أرطال بدرهم‏.‏وأقام على بن فلاح في مضاربه بالجيزة وحمل إليه خيمة وخمسة أفراسبمراكبها وسيف وألفا دينار وثلاثون ثوبا فأنفق في أصحابه‏.‏ فلما كان في ثامن عشر ذي القعدة وقع في الناس خوف في الليل وضجيج،  فنزلت العساكر طائفة بعد طائفة، والناس جلوس في الشوارع وعلى أبواب الدور ليلهم كله، يبتهلون بالدعاء بالنصر ، فلحقت هذه العساكر بابن فلاح وهو بالجيزة فسير عسكراً إلىالفيوم، وأقام على خوف ووجل‏.‏).

7 ـ وأسرع أبو ركوة فهاجم جيش ( على بن فلاح ) في الجيزة وهزمه شرّ هزيمة : ( فبلغ أبا ركوة إقامة علي بن فلاح بالجيزة فأسرع إليه وكبس عسكرهونهب سواده وأخذت خزائن السلاح ووقع القتال الشديد فقتل خلق كثير من أصحابه وجرحخلق لا يحصى‏.‏ ولما نزلت خزائن السلاح من عند الحاكم مع قائد القواد وعظم البكاءوالضجيج على شاطىء النيل لكثرة القتلى في العسكر . ومنع ابن فلاح من حمل الموتى إلىمصر وأمر بدفنهم في الجيزة‏.‏وافتقد كثير من العسكر فلم يعلم لهم خبر ، ولم يسلم من العسكر إلاالقليل ، فغلقت الأسواق وجلس الناس بالشوارع غمّا لما جرى على العسكر ، وتزايد البكاء منالناس على فقد آبائهم ومعارفهم‏.‏)

النهاية :

1 ـ ودخل أبو ركوة الفيوم منتصرا ، فسار اليه القائد فضل بن صالح ، وبعد معركة هائلة إنهزم أبو ركوة : ( وباتوا وأصبحوا يوم السبت العشرين منه ، فورد الخبر بدخول أبي ركوة فيجموعه إلى الفيوم ، وسار فضل بن صالح لقتاله فالتقى معه في ثالث ذي الحجة وحاربه،  فكانت وقعة عظيمة قتل فيها ما لا يحصى كثرة‏.‏وانهزم أبو ركوة واستأمن بنو كلاب وغيرهم من العرب‏.‏فسارت العساكر في طلب أبي ركوة ، وحضرت الرؤوس من الفيوم ومعها الأسرى، وهي تجاوز ستة آلاف ومائة أسير، فطيف بها بالبلد ، وقتل الأسرى بالسيوف مع ما لحقهمأنواع البلاء بيد العامة يصفعون أقفيتهم وينتفون لحاهم ويضربونهم ، حتى تفتحت أكتافكثير منهم فكان أمراً مهولاً‏.‏وتواتر مجيء من أخذ من عسكر أبي ركوة فجيء بخلق كثير وعدة رؤوس‏.‏) ( ودخل ابن فلاح من الجيزة فخلع عليه‏.‏واستمر القائد فضل في طلب أبي ركوة هو يبعث بمن قبض عليه من الرجالوبرؤوس من يقتلهم شيئاً بعد شيء‏.‏ وعاد علي بن الجراح من عند القائد فضل فخلع عليه‏.‏).

2 ـ  وقوع أبى ركوة في الأسر : ( وفي الثاني من جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين ورد الخبر من القائدالفضل بن صالح بحصول أبي ركوة ووقوعه في يده،  فابتهج الناس لذلك وخلع على قائدالقواد وعلى أولاده وعلى البدوي الذي خرج في طلب أبي ركوة حتى أدركه ببلد النوبةوعلى أبي القاسم علي بن القائد فضل وعلى ابنه‏.‏)

3 ـ ( وذلك أن أبا ركوة دخل بعد هزيمته إلى بلد النوبة ، فتبعه القائد فضل،  وبعث إلى ملك النوبة بالقبض على أبي ركوة وسير إليه عسكراً مع الكتاب‏.‏فلما بلغوا أطراف النوبة وجدوا أبا ركوة قد اختفى بدير هناك وله فيهأربعة عشر يوماً فدلهم عليه رجل من العرب ، فقبضوا عليه في ربيع الأول منها وأتوا بهإلى القائد فضل‏.‏فسار به إلى مصر ، ونزل بركة الحبش يوم الجمعة للنصف من جمادى الآخرة،  فخرج إليه قائد القواد بسائر رجال الدولة وسلم عليه،  وأبو ركوة في مضرب ومعه القائدفضل ، فأقام هناك إلى بكرة يوم الأحد سابع عشره، فصار من بركة الحبش بعساكره وأبو ركوةعلى جمل فوق سرير وعليه ثوب مشهر وفوق رأسه طرطور طويل ومعه رجل يمسكه‏.‏ وذلك أنه لما ألبس الطرطور صاح‏:‏ يا فضل يا أبا الفتوح ما كذا ضمنتلي‏.‏ فصُفع صفعة منكرة..) أي إن أبا ركوة كان حتى هذه اللحظة مخدوعا بالرسائل التي وصلته من قوّاد الخليفة الحاكم .

4 ـ وعن ( تجريس أبى ركوة و التشهير به في شوارع القاهرة ) يقول المسبحى : (    وقد اجتمع الناس من كلجهة ، فكان جمعا لم يُر مثله كثرة، وأوجرت الدور والحوانيت بجملة ( أي أموال كثيرة ) ، وبات الناس علىالطرقات ،حتى وُصل به إلى القصر ، فأوقف ساعة على باب القصر ، وهو يشير بأصبعه ويطلبالعفو ، والصفع في قفاه ويقال له : "قبّل الأرض"  فيقبّل ، ثم سير به إلى مسجد تبر‏.‏ فلما خرج من باب القاهرة أشار إلى الناس يرجمونه بالحجر والاجرويصفعونه وينتفون لحيته حتى عاين الموت مرارا إلى أن بلغ مسجد تبر، فضرب عنقه ، وصلبجسده، وحُمل رأسه إلى الحاكم ، فخُلع على القائد فضل وغيره من القواد والعرفاء الذينكانوا معه ، وخُلع على قائد القواد‏.‏فكان يوماً عظيما مهولاً لكثرة اجتماع الناس‏.‏ وأقاموا ليلتين في الحوانيت والشوارع وعلى أبواب الدور يظهرونالمسرة والفرح‏.‏) .

5 ـ ويقول المسبحى عن أبى ركوة : ( وأظهر أبو ركوة في مواقف الألم صبرا وتجلدا ، وكان لا يخاطب القائدالفضل إلا باسمه أو بكنيته‏.‏ولما أقام في بركة الحبش وخرج الناس ورأوه كان يسأل من يلقاه عناسمه ، وكان يتلو القرآن ويترحم على السلف‏.‏وكان شاباً أسمر تعلوه حمرة مستن الوجه طويل الجبهة أشهل بزرقة أقنىصغير اللحية أصهب إلى الشقرة ظاهر القلوب ، تبين فيه الجد ، لا يكاد يتجاوز ثلاثين سنةيوم قتل‏.‏)

6 ـ عن التهنئات بالقضاء على ثورة أبى ركوة يقول المسبحى : ( ولما قتل أبو ركوة نفذت الكتب إلى الأعمال كلها بخبر الفتح‏.‏ فلما كان في رجب ورد شيوخ كل ناحية وقضاتها وقضاة الشام وشيوخهلتهنئة الحاكم بالظفر وأخذ أبي ركوة‏.‏وقدم أبو الفتوح حسن بن جعفر الحسني أمير مكة في شعبان لتهنئته فخلععليه وأكرمه وأنزل بدار برجوان‏.‏ ).

 أخيرا :

1 ـ المسبحى ( الأمير المختار، عز الملك، محمد بن أبي القاسم عبيد الله بن أحمد بن إسماعيل ) كان مؤرخا شاهدا على العصر ، يؤرخ لعصره من واقع المشاهدة والمعاينة. بعض المؤرخين السُّنييّن الذين كانوا شهودا على عصرهم ( مثل قاضى القضاة العينى وقاضى القضاة ابن حجر العسقلانى والقاضى ابن الصيرفى ، والسيوطى ) كتبوا تاريخا ينافق السلطان ويسكت عن جرائمه . قليلون هم المؤرخون المعاصرون للسلطان والذين يكتبون بموضوعية مثل المقريزى في العصر المملوكى والمسبحى في العصر الفاطمى .

2 ـ المؤرخ المسبحى كان شيعيا متطرفا يعمل في خدمة الخليفة الحاكم ومع ذلك فلم  ينافق الخليفة ولم يبرر خطاياه ولم يتجاهلها، ولم يتحامل على أبى ركوة . وحرص على تسجيل أحوال الشعب وقتها ، وبموضوعية أيضا ، سواء في معاناتهم من الغلاء ومن الخوف، أو في وحشيتهم في التعامل مع أبى ركوة والأسرى .

3 ـ تناقض هائل بين موضوعية المسبحى من ألف عام ، وأجهزة الإعلام لدى المستبد الشرقى في عصرنا .

4 ـ نرجو أن يتقدم إعلام المستبد الشرقى الى الخلف ألف عام .!!  

اجمالي القراءات 661

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4533
اجمالي القراءات : 43,870,307
تعليقات له : 4,744
تعليقات عليه : 13,699
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي