الكتاب كاملا :( مسلسل الحُمق في ذرية : علىّ بن أبى طالب )

آحمد صبحي منصور Ýí 2020-11-04


   الكتاب كاملا :( مسلسل الحُمق في ذرية : علىّ بن أبى طالب )

هذا الكتاب :

1 ـ سبق نشر حلقات من مسلسل الدماء في تاريخ الخلفاء وتوقف الجزء الأول بالعصر العباسى الأول . وسبق نشر أجزاء من الحروب الأهلية بين الصحابة في ( الفتنة الكبرى ) من كتاب ( المسكوت عنه من تاريخ الخلفاء الراشدين ) ، ثم الحروب الأهلية التالية في كتب ( مذبحة كربلاء .. ) ثم ( الفتنة الكبرى الثانية ) ،. ونكمل في هذا الكتاب ( مسلسل الحُمق في ذرية : علىّ بن أبى طالب ) أحداثا أخرى من العصر الأموى الى مطلع العصر العباسى ، تجلّى فيها حُمق الطموحين من ذرية ( على ابن أبى طالب ) .

المزيد مثل هذا المقال :

2 ـ وبعد المقدمة يبدأ الكتاب بأروع إنسان من ذرية (على ) ، وهو ( على زين العابدين ) ، ثم يسير مع الحمقى الثائرين في العصر الأموى : زيد بن على زين العابدين ، ثم ابنه يحيى ، وهذا في الفصل الأول . ثم في الفصل الثانى : ثورة محمد النفس الزكية وأخوه في خلافة أبى جعفر المنصور . ثم خاتمة الكتاب .

والله جل وعلا هو المستعان

أحمد صبحى منصور

فرجينيا ـ الثانى من نوفمبر 2020

 

  

مقدمة كتاب ( مسلسل الحُمق في ذرية " على بن أبى طالب " ). ( الحمق المقدّس )

أولا :

1 ـ يتمتع على بن أبى طالب وذريته ( خصوصا الحسين ) بتقديس يفوق عند معظم السنيين التقديس للخلفاء أبى بكر وعمر وعثمان ، فهو الوحيد عندهم الذى يقال فيه ( كرّم الله وجهه ). وعند الشيعة يتضاءل تقديس رب العزة جل وعلا ويتفوق عليه عندهم تقديس (على ) وأكثر منه ( الحسين ) .

2 ـ وقد عرضنا في كتابنا ( المسكوت عنه من تاريخ الخلفاء الراشدين ) لشخصية ( على بن أبى طالب ) ، وأوضحنا حُمقه السياسى ، وقتها لم نستعمل كلمة ( الحمق ) واستعملنا كلمة الفشل . ثم تبين لنا الآن أن الأنسب هو كلمة ( الحُمق ) لأن الانسان قد يُعدُّ لمشروع ما كل عوامل النجاح ، ثم يفشل لأسباب خارجة عن إرادته أو لظروف قهرية فوق طاقته . أما أن يوجّه إنسان الطعنات لنفسه ، ويتسبب في هزيمة نفسه ثم يصمم على ذلك دون أن يتعلم من الخطأ فهذا ـ لو تعلمون ـ حُمق عظيم . برجاء أن ترجعوا الى ما كتبناه وتقرأوه بموضوعيه، واحكموا بأنفسكم .

3 ـ الأشدُّ حُمقا كان الحسين الذى صمّم  على الخروج بأهله في مغامرة دون استعداد ، وأصمّ أُذُنيه عن نُصح الناصحين ، وسعى الى حتفه بظُلفه ، وأضاع معه حياة العشرات ممن أهله . وقد عرضنا لهذا بالتفصيل في كتاب منشور هنا عن ( مذبحة كربلاء : دراسة بحثية / ترفع الضّغط ) . برجاء أن ترجعوا الى ما كتبناه وتقرأوه بموضوعيه، واحكموا بأنفسكم .

4 ـ نجا من هذا الحمق ( محمد ( ابن الحنفية ) ابن على ابن أبى طالب ) وعرضنا له في تفصيلات كتابنا ( الفتنة الكبرى الثانية / صفحة من التاريخ الأسود للسلف الصالح ) .

ثانيا :

1 ـ ونعرض في هذا الكتاب لمسلسل الحمق في ذرية ( على بن أبى طالب ) ، ونبدأ فيه بمن نجا من هذا الحُمق على زين العابدين ابن الحسين بن على بن أبى طالب . وهو شخصية فريدة في عائلته وأسرته ، ووصفناه بالقرآنى ، نظرا لايثاره السلام والإحسان والعفو والصفح ، برغم ما قاساه وهو يرى مصرع أبيه ومعظم أسرته في كربلاء . 

2 ـ بعده عرضنا لإبنه زيد بن على بن الحسين الذى صمّم على السير في طريق الحمق الذى سار عليه جدُّه الحسين ، ومثله رفض نُصح الناصحين ، ومثله خدعه أنصاره ، ومثله لقى مصرعه .

3 ـ وبعده سار على نفس طريق الحُمق أبنه ( يحيى بن زيد بن على بن الحسين ) . ولقى مصرعه .

4 ـ ثم إنتقل مُسلسل الحُمق الى ذرية الحسن بن على بن أبى طالب في ثورة محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم . وكلاهما انهزم وفقد رأسه . 

5 ـ بعده نتوقف في الخاتمة مع تحليل تاريخى وتدبّر قرآنى في الموضوع.

أخيرا

1 ـ الغريب إن أحدا منهم لم يتّعظ ، ولم يتعلم . صنعوا تاريخا من مسلسل من الحمق لا نظير له في تاريخ العالم ــ حسب علمنا .

2 ـ الأغرب هو حُمق من يقدّس هذه الشخصيات الحمقاء . نرى حُمقهم متجسدا في مظاهرات التطبير ، يضربون أنفسهم ويسيلون دماءهم بأيديهم حُزنا على مقتل شخص أحمق ، فيزايدون عليه في الحُمق . إن لم يكن ما سبق حُمقا ، فماذا نُسمّيه ؟ كان التطبير حُمقا محليا ، أصبح الآن عالميا ، تنتشر صور الاحتفال به في الآفاق ، تثير العجب والسخرية .

3 ـ إذا كان لا خير في قوم يعبدون مخلوقات عادية ، فكيف بقوم يعبدون مخلوقات غبية حمقاء ؟ ثم يرفعونهم فوق مستوى رب العزة جل وعلا .!

4 ـ العجيب إنهم يعبدون مخلوقات تمّ قطع رءوسها ، وطيف برءوسهم في الآفاق . آلهة بلا رءوس ..! آلهة عجزت عن حماية رءوسها . إذا كان لا بد عندهم من التقديس فالأولى بالتقديس هو السيف الذى قطع تلك الرءوس . أو الشخص الذى قطع تلك الرءوس .

5 ـ قد يحتجُّ بعضهم علينا استعمال وصف الحمق .. ولكنه يسكت عن حُمق الشيعة وهم في تقديسهم للحسين يرفعونه فوق مستوى الخالق جل وعلا . ونرجو مراجعة ما يقولونه في تفضيل الحسين ( صاحب الرأس المقطوع )على رب العزة جل وعلا .

5 ـ كفى حُمقا أيها الناس .. فقد ضحكت من حُمقكم الأُمم .

 


التعليقات(2)

1   تعليق بواسطة  سعيد علي     في   الأحد 01 نوفمبر 2020

[92938]


بين ( الجعفرية المنصورية ) و ( السادية المازوخية )!!



تاريخ العرب قبل بعثة النبي محمد عليه السلام و من خلال قراءة للحروب التي دارت بينهم لم تكن فيها تلك المشاهد التي تنم عن الانتقام السادي كقطع الرؤوس و تعليق الجثث و انتزاع الأحشاء .. ربما يذكر التاريخ حدث حز عبد الله بن مسعود لرقبة عمرو بن هشام ( أبا الحكم / أبو جهل ) بعد قوله : لقد ارتقيت مرتقا صعبا يا روعي الغنم ! و يذكر التاريخ انتقام هند بنت عتبة في معركة أحد من حمزة بن عبد المطلب عم النبي عليه السلام عن طريق انتزاع كبده انتقاما و تشفيا لمقتل عائلتها في معركة بدر!

و خلال فترة النبي محمد عليه السلام و التي يفترض أن تروض سادية البعض من خلال حرمة قتل النفس و عظم الجزاء إلا أن التاريخ يحكي عن سادية قادة بني أمية و بني العباس بعدهم.

في مشهد رأس إبراهيم – أخ محمد النفس الزكية – مقطوعا أمام أبو جعفر لنتأمل هذا المشهد : ( فلما رآه بكى حتى خرجت دموعه على خد إبراهيم ثم قال: أما والله إني كنت لهذا كارهاً ! ولكنك ابتليت بي وابتليت بك! ثم أمر بالرأس فنصب بالسوق‏.)

مشاهد السادية كثيرة جدا في التاريخ العربي بعد وفاة النبي عليه السلام و لكن كيف نفسر هذا العمل الحيواني!!

البعد عن القران الكريم و عدم تدبره و العمل به هو ما جعل من تلك النفوس طالبة للدنيا متناسية الآخرة.

 

 


 

2   تعليق بواسطة  آحمد صبحي منصور     في   الأحد 01 نوفمبر 2020

[92939]


شكرا ابنى الحبيب استاذ سعيد على ، واقول:



1 ـ قطع الرءوس كان معتادا ، ودليل النصر للمنتصر ، ولقد قال ابوجعفر المنصور اما رأسه أو رأس ابراهيم ، أى إما أن ينتصر ويؤتى اليه برأس ابراهيم ، وإما أن ينهزم ويؤتى برأسه لابراهيم . وهو أيضا وسيلة للسيطرة وإرهاب الخصوم ، لذا كان مرتبطا بالطواف بالرأس المقطوع فى الآفاق .  وبالمناسبة فإن رأس ابراهيم اخ محمد النفس الزكية قد وصلت فى الطواف بها الى مصر ، وتم دفنها فى مدينة عين شمس ، وأقيم فوقها مسجد اسمه إسمه الآن مسجد تبر ولا يزال موجودا . أيضا كان معتادا تعليق الجثة برأسها أو بدونه ، ويظل الجسد معلقا يراه الناس

2
ـمع فظاعة هذا العمل فهو لا يخلو من العبرة. فى العصر المملوكى كانت تتكاثر الفتن والمؤامرات ، والمهزوم يدخل السجن أو يفقد رأسه. يكون فى حياته ظالما شديد الظلم ، ثم يخسر ويفقد راسه ، ويُطاف بها فى الشوارع ، للتشهير والتجريس ، وكان يحدث أن يدفع بعض الناس الأموال للمشاعلى ( حامل الرأس ) كى يتيح لمن يدفع له المال أن يتبول على الرأس

3
ـ لم يُفلح قطع الرءوس فى قطع دابر الفتن ، بدليل ما جاء فى هذا الكتاب ، وبدليل مقدمة كتابنا عن الفتنة الكبرى الثانية

 

 

 

 (على زين العابدين ابن الحسين): القرآنى الحقيقى

الذى يؤلهه الشيعة ويخالفونه  

مقدمة

1 ـ على بن الحسين بن على بن أبى طالب ( على زين العابدين ) شخصية تاريخية تستحق الاحترام ، ومن التناقض أن الشيعة يؤلهونه وفى نفس الوقت يتناقضون في عقائدهم وسلوكياتهم مع ما كان عليه في حياته . كان مؤمنا بالقرآن الكريم وحده حديثا وكافرأ بما يخالف القرآن من حديث وتشريع وسلوك .

2 ـ نعرض لشخصية على زين العابدين القرآنية من خلال المكتوب عنه في المصادر السُّنّية لنتعرف على التناقض بينه وبين أئمة الكهنوت الشيعي .

أولا : لمحات من حياته

مولده ووفاته

مات علي بن حسين بالمدينة ودفن بالبقيع سنة94 ، وقيل سنة 92 . وكان عمره 58 عاما . ويرفض المؤرخ الواقدى القول بأن عليا زين العابدين كان صغيرا وقت مذبحة كربلاء ، ويقول إنه كان رجلا تجاوز العشرين ، ولكن كان مريضا لم يشترك في القتال . وهذا صحيح بدليل الدور الذى قام به في موقعة الحرة ، وهو دور لا يقوم به طفل مراهق بل شخص مكتمل الرجولة . 

في محنة كربلاء

قالوا إنه كان مريضا نائما على فراشه ، وبعد هزيمة الحسين وقتل أصحابه أراد ( شمر بن ذي الجوشن ) قتله ، فقالله رجل من أصحابه : " سبحان الله أنقتل فتى حدثا مريضا لم يقاتل.!"  وجاء عمر بن سعد بن أبى وقّاص قائد الجيش فقال: "  لا تعرضوا لهؤلاء النسوة ولا لهذا المريض. "

مع عبيد الله بن زياد والى الكوفة

بعد المذبحة إختفى على زين العابدين في الكوفة عند رجل من الشيعة ، وأخذ جنود ابن زياد الوالى يبحثون عنه ، وقد جعلوا مكافأة لمن يسلّمه لهم . يقول على زين العابدين  عن قصته مع هذا الرجل الشيعي الكوفى : ( فغيبني رجل منهم وأكرمنزلي واختصّني ، وجعل يبكي كلما خرج ودخل ،حتى كنت أقول : " إن يكن عند أحد من الناس خيرووفاء فعند هذا. " إلى أن نادى منادي ابن زياد : " ألا من وجد علي بن حسين فليأت بهن فقدجعلنا فيه ثلاثمائة درهم . " ) وباع هذا الشيعي ضيفه ب300 درهم .! . يقول على زين العابدين : ( فدخل والله علي ، وهو يبكي ، وجعل يربط يدي إلى عنقي،  وهويقول : " أخاف. " ،  فأخرجني والله إليهم مربوطا حتى دفعني إليهم وأخذ ثلاثمائة درهم . )

ويحكى عن مقابلته ابن زياد : ( فأُخذت وأُدخلت على ابن زياد ، فقال : " ما اسمك ؟ " فقلت : "علي بن حسين " ، قال : "أو لم يقتلالله عليا ؟ " .. قلت : "كان لي أخ يقال له علي أكبر مني قتله الناس. "  قال : "بل الله قتله . " قلت: "الله يتوفى الأنفس حين موتها " ) ( وأمر ابن زياد بقتله ، فصاحت زينب بنت علي : " يا بن زياد حسبك مندمائنا ، أسألك بالله إن قتلته إلا قتلتني معه." فتركه ).. نلاحظ هنا عقيدة الجبرية الأموية ، والتي تعنى أن أفعال البشر تصدر بأمر الله ( تعالى عن ذلك علوا كبيرا ) ، وأن البشر مجبورون على ما يفعلون ، وبالتالي فليس الأمويون هم من قتل الحسين وآله ، بل الله هو الذى قتلهم . ولقد إعترض على هذه الجبرية ( القدرية ) القائلون : ليس الأمر بالقدر الالهى وإنما هو بالقوة رغم أنف الناس . ولنا بحث منشور عن الجبرية وعن القدرية في موضوع حرية الرأي بين الإسلام والمسلمين . 

على زين العابدين ويزيد بن معاوية

أدخلوه على يزيد بن معاوية مع نساء الحسين ، فقام رجل من أهل الشام فقال  ( " إن سباءهم لنا حلال. "  فقال علي بن حسين : "كذبت ولؤمت ، ما ذاك لك إلا أن تخرج من ملتنا وتأتي بغير ديننا. "  فأطرق يزيد مليا ، ثم قال للشأمي : " اجلس " ، وقال لعلي بن حسين : " إن أحببت أن تقيم عندنا فنصلرحمك ونعرف لك حقك فعلت ، وإن أحببت أن أردك إلى بلادك وأصلك " قال : "بل تردني إلى بلادي" ،  فرده إلى بلاده ، ووصله )

ثانيا : كان قرآنيا بدليل : 

السلام والمسالمة

1 ـ مع إنه شهد بعينيه مصرع أبيه واخوته واسرته فقد آثر مسالمة أعدائه الأمويين . لقد رجع على زين العابدين ونساء بيته ومنهن زينب بنت على الى المدينة ، فثارت المدينة ثورة عارمة ، وخلعت طاعة يزيد بن معاوية ، وحاول يزيد إسترضاءهم فرفضوا ، فأرسل لهم جيشا يقوده مسلم بن عقبة . لم ينضم على زين العابدين الى الثوار ، واعتكف بأهله بعيدا عن المدينة . ولما انتصر مسلم بن عقبة على المدينة استدعى اليه عليا زين العابدين وأكرمه ، وأبلغه أن يزيد ابن معاوية أوصاه به خيرا. هذا في الوقت الذى أساء فيه مسلم بن عقبة استقبال الوفد الأموى بزعامة مروان بن الحكم وابنه عبد الملك .

2 ـ حين ثار أهل المدينة أخرجوا الأمويين الذين كانوا يسكنون المدينة وعلى رأسهم مروان بن الحكم بعد أن أخذوا عليهم العهود ألّا يدلوا مسلم بن عقبة . عندما قابلوه حنث عبد الملك بالعهد ونصح مسلم بن عقبة بالطريقة المثلى في الهجوم على المدينة ، ونفّذها مسلم وانتصر ، وفعل بأهل المدينة الأفاعيل قتلا وسلبا ونهبا وإغتصابا للنساء . على خلاف أهل المدينة وقف على زين العابدين الى جانب الأمويين المطرودين من المدينة ، فآوى اليه نساء مروان بن الحكم وأثقاله وجعلهم في بيته .  لذا كان محبوبا من الأمويين ، قالوا : ( كان الزهري إذا ذكر علي بن حسين قال كان أقصد أهل بيتهوأحسنهم طاعة ، وأحبهم إلى مروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان ).

3 ـ وكان صادقا في بيعته للأمويين ، يصلى خلفهم بلا تقيّة ، قال أبو جعفر : (  إنا لنصلي خلفهم في غير تقية ، وأشهد على علي بن حسين أنه كان يصلي خلفهم في غيرتقية ).

4 ـ وكانت التقيّة عند على زين العابدين بالمفهوم الاسلامى القرآنى ، قال جل وعلا : ( لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِوَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) آل عمران ) يقترب من هذا قول على زين العابدين  : ( " التارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالنابذ كتاب الله وراء ظهرهإلا أن يتقي تقاة . " قيل : " وما تقاته ؟" قال : " يخاف جبارا عنيدا يخاف أن يفرط عليه أو أن يطغى ." ). لم يقل ( التارك للسُّنّة ) فلم يكن هذا المصطلح معروفا وقتها ، كان الكتاب وفقط . يهمنا هنا أن التقية الشيعية تعنى  التآمر .

5 ـ كراهيته لسفك الدماء

5 / 1 : جعلته يقول : ( والله ماقتل عثمان على وجه الحق )

5 / 2 : وجعلته يرفض الثورات . قالوا : ( إن علي بن حسين كانينهى عن القتال ، وأن قوما من أهل خراسان لقوه فشكوا إليه ما يلقون من ظلم ولاتهمفأمرهم بالصبر والكف ، وقال : " إني أقول كما قال عيسى عليه السلام إن تعذبهم فإنهم عبادكوإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم).

العفو عند المقدرة

1 ـ كان يضيق صدره من لعن الأمويين جده عليا على المنابر ، وكان يعبر عن هذا الضيق أحيانا بما لا يصل الى الجهر بالسوء من القول ، قال جل وعلا : ( لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (148) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً (149) النساء ).

2 ـ قال المنهال بن عمرو : ( دخلت على علي بنحسين فقلت: " كيف أصبحت أصلحك الله "؟ ، فقال : " ما كنت أرى شيخا من أهل المصر مثلك لا يدريكيف أصبحنا ، فأما إذ لم تدر أو تعلم فسأخبرك : أصبحنا في قومنا بمنزلة بني إسرائيل فيآل فرعون إذ كانوا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم ، وأصبح شيخنا وسيدنا يُتقرّب إلىعدونا بشتمه أو سبه على المنابر ، وأصبحت قريش تعد أن لها الفضل على العرب لأن محمداصلى الله عليه وسلم منها لا يعد لها فضل إلا به ، وأصبحت العرب مقرة لهم بذلك ، وأصبحتالعرب تعد أن لها الفضل على العجم لأن محمدا صلى الله عليه وسلم منها لا يعد لهافضل إلا به ، وأصبحت العجم مقرة لهم بذلك . فلئن كانت العرب صدقت أن لها الفضل علىالعجم وصدقت قريش أن لها الفضل على العرب لأن محمدا صلى الله عليه وسلم إن لنا أهلالبيت الفضل على قريش لأن محمدا صلى الله عليه وسلم منا ، فأصبحوا يأخذون بحقنا ولايعرفون لنا حقا ، فهكذا أصبحنا إذ لم تعلم كيف أصبحنا ". ) .

3 ـ كان يغضب من لعن جدّه على المنبر، ومع ذلك يحرص على الصلاة خلف من يلعن جده .

4 ـ أكثر من هذا أن الوالى على المدينة هشام بن إسماعيل كان يؤذي علي بن حسين وأهل بيته تقرّبا للأمويين ، و يخطب بذلك على المنبر ، وينال من عليبن أبى طالب ، ويتحمّله زين العابدين . ثم غضب الخليفة الوليد بن عبد الملك على هذا الوالى فعزله ، وأمر به أن يوقف للناس ليضربوه ويهينوه ، فكان يخشى إنتقام على زين العابدين ، وأن يحرّض الناس على إهانته وهم له يطيعون . ولكن حدث العكس. بعد محنته يقول هذا الوالى السابق : ( لا والله ما كان أحد من الناس أهمّ إلي من علي بن حسين ، كنت أقول رجل صالح يُسمع قوله،  فوقف للناس ..فجمع علي بن حسين ولده وخاصّته ونهاهم عن التعرض . ) ( وغدا علي بنحسين مارّا لحاجة ، فما عرض له . فناداه هشام بن إسماعيل  قائلا : " الله أعلم حيث يجعل رسالاته."!!). وذكر عبد الله بن على أن والده على زين العابدين جمع بنيه وأهله ونهاهم عن التعرّض لهشام بن اسماعيل ، وقال لهم : ( إن هذا الرجل قدعُزل وقد أُمر بوقفه للناس ، فلا يتعرضن له أحد منكم . فقلت : " يا أبت ولم ؟ والله إن أثرهعندنا لسيء، وما كنا نطلب إلا مثل هذا اليوم . " قال : " يا بني نكله إلى الله. "  فوالله ما عرضله أحد من آل حسين بحرف حتى تصرّم أمره .) .

ضد التطرُّف الشيعي في تقديس آل البيت

1 ـ كان يعتبر التطرف في حُبّ آل على عارا . قال  يحيى بن سعيد  : ( سمعت علي بنحسين ــ وكان أفضل هاشمي أدركته ــ يقول : " يا أيها الناس أحبونا حب الإسلام، فما برح بناحبكم حتى صار علينا عارا ) وروى أيضا يحيى بن سعيد : (  قال علي بن حسين أحبونا حب الإسلام ، فوالله ما زال بنا ما تقولونحتى بغضتمونا إلى الناس )، ورواية أخرى عنه : (  جاء نفر إلى علي بن الحسين فأثنوا عليه ، فقال : " ما أكذبكم وماأجرأكم على الله.  نحن من صالحي قومنا ، وبحسبنا أن نكون من صالحي قومنا ).

2 ـ المختار الثقفى هو الذى انتقم ممّن قتل الحسين وآله ، وإتّخذ من الانحياز لهم شعارا حكم به العراق فترة من الزمن ، وهو الذى نشر خرافات دينية . من المتوقع أن يكون على زين العابدين كارها للمختار الثقفى ، مع إن المختار الثقفى هو الذى بعث بجيش الخشبية لينقذ بنى هاشم من الحرق بالنار ، إذ كان ابن الزبير قد حصرهم في شعب ابى طالب ، وأوشك على إضرام النار فيهم لرفضهم البيعة له ، وقد عرضنا لهذا بالتفصيل في كتابنا عن الفتنة الكبرى الثانية ، وهو منشور هنا .

أراد المختار إستمالة على زين العابدين فبعث له  بمائة ألف،  فكره أن يقبلها وخاف أن يردها ، فأخذها فاحتبسها عنده . فلما قتل المختار كتب علي بنحسين إلى عبد الملك بن مروان : " إن المختار بعث إلي بمائة ألف درهم فكرهت أن أردهاوكرهت أن آخذها فهي عندي فابعث من يقبضها . " فكتب إليه عبد الملك : " يا ابن عم خذها فقدطيبتها لك . " فقبلها . )

وكانت مفتريات المختار من أحاديث ينسبها للنبى ومن منامات أكثر ممّا يكرهه على زين العابدين . وبسببها أعلن على زين العابدين لعن المختار بعد مقتله . تقول الرواية : ( إن علي بن حسين قام على باب الكعبة فلعن المختار.  فقال له رجل : " جعلني الله فداك، تلعنه وإنما ذُبح فيكم " فقال : " إنه كان كذابا يكذب علىالله وعلى رسوله . ). ماذا لو عاش على زين العابدين في العصر العباسى ؟

 لم يزعم لنفسه العلم اللدنى كما يفترى أئمة الشيعة

كان متواضعا مع العلماء ، يذهب اليهم ويستفتيهم ، وهم أقل مكانة إجتماعية منه ، وكانوا يعاملونه كتلميذ لهم. نفهم هذا من قولهم : ( جاء علي بنحسين بن علي بن أبي طالب إلى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود يسأله عن بعضالشيء وأصحابه عنده ، وهو يصلي فجلس حتى فرغ من صلاته ، ثم أقبل عليه عبيد الله . فقالأصحابه : " أمتع الله بك جاءك هذا الرجل وهو ابن ابنة رسول الله وفي موضعه يسألك عن بعضالشيء فلو أقبلت عليه فقضيت حاجته ثم أقبلت على ما أنت فيه ؟" فقال عبيد الله لهم: " لابد لمن طلب هذا الشأن من أن يتعنّى )أي يعانى .

وقالوا : (  كان علي بن حسين يخرج على راحلته إلى مكة ويرجع.. وكانيجالس أسلم مولى عمر. فقال له رجل من قريش : " تدع قريشا وتجالس عبد بني عدي ؟ " فقال علي: "إنما يجلس الرجل حيث ينتفع ." ) .

الكرم  والعطاء وليس أخذ الخُمس

جعل دين التشيع الخمس فريضة للكهنوت الشيعي عدا مميزات أخرى . على زين العابدين كان يعطى ولا يأخذ . تقول الروايات : (  كنا عند علي بن حسين قال فكان يأتيه السائل قال فيقوم حتى يناولهويقول إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل قال وأومأ بكفيه ). وبعد موته وجدوه يقوت مائةأهل بيت بالمدينة في السّر. أئمة الشيعة تمتلىء خزائنهم بالبلايين سرّا وعلانية . 

تعليق د عثمان محمد على

كان رجل سلام

أكرمك الله استاذنا دكتور - منصور - هذا المقال من المقالات التى تُعلمنا القراءة عن الشخصيات التاريخية والكتابة عنها بحيادية ودراسة مدى اقترابها او بعدها فى أقوالها وأفعالها من تشريعات القرءان الكريم . ومن هذا المقال نستطيع أن نقول أن (على زين العابدين ) كان يتبرأ علنا من أقوال وأفعال الشيعة أتباع أبيه وجده ، وكان يقترب من القرءان العظيم فى تسيير أمور حياته فى عفوه عمن قتلوه ابيه وظلموا اسرته ،ولم يستجب لمحالولات بنى أمية فى إستمالته بالمال والمناصب  متمثلا قول الله جل جلاله(الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين  ) وقوله سبحانهتلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين )

 

 

 

 

مسلسل الحُمق في ذرية (على بن أبى طالب ) : ثورة زيد بن على زين العابدين

مقدمة

كان ( على زين العابدين بن الحسين ) متفرّدا في أسرته من العلويين . برغم ما عاناه عاش مُسالما مُتسامحا فعّالا للخير مُتواضعا . لم يتّبعه إبنه ( زيد بن على ) بل إتّبع طريق جدّه الحسين ، وجده ( على بن أبى طالب ) في طلب الدنيا ولو بسفك الدماء ، ومنها دماؤهم ودماء أتباعهم وأعدائهم . نتوقف مع مأساة ( زيد بن على زين العابدين ) الذى ثار عام 121 ، وفشلت ثورته وقتلوه وصلبوه عام 122 .

  أسباب الثورة :

  تتجمع في طموح زيد بن على ، وعدم تسامح الأمويين مع أي بادرة خروج عليهم .

 1 ـ قيل إن زيد بن على نقم على الأمويين محاسبتهم له على مال كان خالد القسرى كان قد أعطاه له حين كان واليا على العراق . جذور هذا السبب ترجع الى الصراع القبلى ( نسبة للقبيلة ) بين قبائل اليمن القحطانية وقبائل مُضر العدنانية . وصل نفوذ القبائل اليمنية القحطانية أقصاه  في خلافة هشام بن عبد الملك الذى عيّن خالد بن عبد الله القسرى البجلى واليا على العراق فعيّن خالد أخاه أسد القسرى على شرق العراق . ثم غضب الخليفة هشام على صديقه خالد القسرى فعزله وعزل أخاه ، وعيّن مكانه يوسف بن عمر الثقفى المُضرى المشهور بقسوته ، فتسلّم يوسف ( خالدا القسرى ) وأوقع به تعذيبا هائلا ، وحقّق في مصروفاته وثروته ، وجاء إتهام بأن خالدا القسرى قد أعطى أموالا لزيد بن على زين العابدين وآخرين من الهاشميين ، واستلزم هذا مُساءلة مُهينة لزيد بن على شجعته على الثورة . رجع الهاشميون من مقابلة يوسف بن عمر الى المدينة بينما بقى في الكوفة زيد بن على فوجد فيها من حرّضه على الثورة .

2 ـ وقالوا إن زيد بن على زين العابدين ذهب الى دمشق ليقابل الخليفة هشام ، فرفض هشام مقابلته ، ثم أذن له ، ودار بينهما حوار غير وّدّى ، إذ حلف زيد للخليفة هشام في موضوع خالد القسرى  فقال له الخليفة : "  لا أصدقك " ، فقال زيد : " يا أمير المؤمنين إن الله لم يرفع قدر أحد عن أن يرضى بالله ولم يضع قدر أحد عن ألا يرضى بذلك منه. " فقال له هشام : "  لقد بلغني يا زيد أنك تذكر الخلافة وتتمناها ولست هناك وأنت ابن أمة . " وكانت أم زيد جارية هندية ، وكانت العرب خصوصا الأمويين يحتقرون أبناء الإماء . ورد زيد بما أغاظ الخليفة : ( فقال زيد : " إن لك يا امير المؤمنين جوابا " . قال : " تكلم ." قال : "  ليس أحد أولى بالله ولا أرفح عنده منزلة من نبي ابتعثه،  وقد كان إسماعيل من خير الأنبياء وولد خيرهم محمدا صلى الله عليه وسلم ، وكان إسماعيل ابن أمة وأخوه ابن صريحة مثلك ، فاختاره الله عليه ، وأخرج منه خير البشر .. "، فقال هشام : " اخرج . " قال : " أخرج ثم لا تراني إلا حيث تكره " ) .

محاولة الأمويين إخراجه من الكوفة قبيل الثورة

وبينما عاد الآخرون الى المدينة ذهب زيد بن على الى الكوفة ، أقام بها أربعة أو خمسة أشهر، فأقلق ذهابه للكوفة الخليفة هشام. وكتب هشام إلى والى العراق يوسف بن عمر الثقفى أن يرغم زيدا على الخروج من الكوفة والرجوع الى المدينة . فكتب يوسف الى والى الكوفة بهذا ، وأرسل الي زيد يستدعيه ، فكان زيد يماطل ، فأرسل من قبض عليه فلحقته الشيعة وأنقذوه (  فقالوا له : " أين تذهب عنا ومعك مائة ألف رجل من أهل الكوفة يضربون دونك بأسيافهم غدا وليس قبلك من أهل الشأم إلا عدة قليلة لو أن قبيلة من قبائلنا نحو مذحج أو همدان أو تميم أو بكر نصبت لهم لكفتهم بإذن الله تعالى فننشدك الله لما رجعت. " فلم يزالوا به حتى ردوه إلى الكوفة. )

الاختفاء بالكوفة وزواجه بها مرتين:

1 ـ  إختفى زيد بن على في الكوفة ، بضعة عشر شهرا ، وقضى شهرين في البصرة ، ثم عاد الى الكوفة فأقام بها.  

2 ـ وتزوج فيها ابنة يعقوب بن عبد الله السلمي أحد بني فرقد ، وتزوج أيضا ابنة عبد الله بن أبي العنبس الأزدي. ( وكان سبب تزوجه إياها أن أمها أم عمرو بنت الصلت كانت ترى رأي الشيعة ، فبلغها مكان زيد فأتته لتسلم عليه ، وكانت امرأة جسيمة جميلة لحيمة قد دخلت في السّن إلا أن الكبر لا يستبين عليها ، فلما دخلت على زيد بن علي ، فسلمت عليه ، ظن أنها شابة،  فكلمته فإذا أفصح الناس لسانا وأجمله منظرا ، فسألها عن نسبها فانتسبت له وأخبرته ممن هي.  فقال لها : " هل لك رحمك الله ان تتزوجيني ؟ "  قالت : " أنت والله رحمك الله رغبة لو كان من أمري التزويج. "  قال لها : " وما الذي يمنعك ؟ " قالت : " يمنعني من ذلك أني قد أسننت . " فقال لها : " كلا قد رضيت ما أبعدك من أن تكوني قد أسننت. "  قالت : " رحمك الله أنا أعلم بنفسي منك وبما أتى علي من الدهر ولو كنت متزوجة يوما من الدهر لما عدلت بك ، ولكن لي ابنة أبوها ابن عمي وهي أجمل مني وأنا أزوجكها إن أحببت . " ... فتزوجها ). وكان زيد يتنقّل في الكوفة في منازل شتى منها بيوت أصهاره ، إلى أن ظهر.

الدعوة والمبايعة

بايعه خمسة عشر ألفاً، وقيل: اربعون ألفاً، فأمر أصحابه بالاستعداد،  وأرسل إلى أهل السواد وأهل الموصل رجالا يدعون إليه وشاع أمره في الناس .

زيد ( مثل جدّه الحسين يرفض النصيحة )

1 ـ قال له ابن عمه : ( داود بن علي ): ( يا ابن عم إن هؤلاء يغرونك من نفسك، أليس قد خذلوا من كان أعز عليهم منك ؟ جدك علي بن أبي طالب حتى قتل؟ والحسن من بعده بايعوه ثم وثبوا عليه فانتزعوا رداءه وجرحوه؟ أوليس قد أخرجوا جدك الحسين وحلفوا له وخذلوه وأسلموه ولم يرضوا بذلك حتى قتلوه. فلا ترجع معهم.) فقال زيد لداود: ( إن علياً قاتله معاوية بداهية وبكراهية، وإن الحسين قاتله يزيد والأمر مقبل عليهم.)  فقال داود: ( إني خائف إن رجعت معهم أن لا يكون أحد أشد عليك منهم، وأنت أعلم.)

2 ـ   أتاه سلمة بن كهيل فذكر له فرابته من رسول الله، صلى الله عليه وسلم وحقه، فأحسن ثم قال له: ننشدك الله كم بايعك؟ قال: أربعون ألفاً. قال: فمن بايع جدك؟ قال: ثمانون ألفاً. قال: فكم حصل معه؟ قال: ثلاثمائة. قال: نشدتك الله أنت خير أم جدك؟ قال: جدي. قال: فهذا القرن خير أم ذلك القرن؟ قال: ذلك القرن. قال: أفتطمع أن يفي لك هؤلاء وقد غدر أولئك بجدك؟ قال: قد بايعوني ووجبت البيعة في عنقي وأعناقهم. قال: أفتأذن لي أن أخرج من هذا البلد؟ فلا آمن أن يحدث حدث فلا أملك نفسي. فأذن له فخرج إلى اليمامة. ) .

3 ـ وكتب عبد الله بن الحسن بن الحسن إلى يزيد: ( أما بعد فإن أهل الكوفة نفخ العلانية خور السريرة هرج في الرخاء جزع في اللقاء، تقدمهم ألسنتهم ولا تشايعهم قلوبهم، ولقد تواترت إليّ كتبهم بدعوتهم، فصمتُّ عن ندائهم وألبست قلبي غشاء عن ذكرهم يأساً منهم واطراحاً لهم، وما لهم مثل إلا ما قال علي بن أبي طالب: إن أهملتم خضتم، وإن حوربتم خرتم، وإن اجتمع الناس على غمام طعنتم، وإن أجبتم إلى مشاقة نكصتم. ) . ( فلم يصغ زيد إلى شيء من ذلك. ).  

4 ـ وقال له محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب : ( أذكرك الله يا زيد لما لحقت بأهلك ولم تقبل قول أحد من هؤلاء الذين يدعونك إلى ما يدعونك إليه ، فإنهم لا يوفون لك ). فلم يقبل منه ذلك .  

الثورة

1 ـ بدأ التجهيز للثورة ، ووصلت الأنباء الى الوالى على العراق يوسف بن عمر الثقفى عن طريق سليمان بن سراقة البارقي ، هذا في الوقت الذى إنشقّ عن زيد بعض الشيعة لأنه رفض تكفير أبى بكر وعمر ، وقالوا بإمامة جعفر الصادق ابن محمد الباقر ، فسماهم زيد ( الرافضة ) . ثم أصبح هذا اللقب يشمل كل الشيعة في العصر العباسى وما بعده.

2 ـ وكانت جواسيس يوسف بن عمر قد أخبروا يوسف أن زيدا واعد   أصحابه على الخروج أول ليلة من صفر، وبعث يوسف بن عمر، الى واليه على الكوفة ( الحكم بن الصلت ) يأمره أن يجمع أهل الكوفة في المسجد الأعظم ، يحصرهم فيه، فجمعهم فيه. وأرسل قوة حربية لاعتقال زيد وهو في دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري، فخرج زيد منها ليلاً، وحدثت مناوشات قليلة وأصحاب زيد محصورون في المسجد الأعظم بالكوفة . وحضر بنفسه يوسف بن عمر والى العراق فوصل إلى تل قريب من الحيرة فنزل عليه ومعه رءوس القبائل ، وبعث بفرقة من الجيش لمواجهة زيد . 

3 ـ أحرز زيد بعض انتصارات متفرقة . كان من أتباعه نصر بن خزيمة العبسي  الذى هزم عمرو بن عبد الرحمن صاحب شرطة الحكم  بن الصلت ، فقتل عمرا . وسار زيد بمن معه الى حىّ  الكناسة ، فهزم فرقة من جيش الأمويين .

4 ـ ومع ذلك فقد بدت نُذُر الهزيمة تتضح مبكرا أمام زيد . تقول الرواية : ( وأصبح زيد فكان جميع من وافاه تلك الليلة مائتي رجل وثمانية عشر رجلاً، فقال زيد: سبحان الله أين الناس؟ فقيل: إنهم في المسجد الأعظم محصورون. فقال: والله ما هذا بعذر لمن بايعنا! ) .

وذهب زيد بمن معه الى دار أنس بن عمرو الأزدى  ( وكان في من بايعه وهو في الدار، فنودي فلم يجبهم، وناداه زيد فلم يخرج إليه، فقال زيد: ما أخلفكم؟ قد فعلتموها، والله حسيبكم ..! ) ، وتذكّر ما حدث لجدّه الحسين في كربلاء . تقول الرواية : ( فلما رأى زيد خذلان الناس إياه قال: يا نصر بن خزيمة أنا أخاف أن يكونوا قد فعلوها حسينية. " قال:" أما أنا والله لأقاتلن معك حتى أموت." ).

كان أتباع زيد محصورين في المسجد الأعظم وسعداء بهذا الحصار ليكون حُجّة لهم للقعود عن القتال . نهض زيد بمن معه الى هذا المسجد لتخليص أصحابه ، وفى الطريق هزم فرقة للجيش الأموى يقودها عبيد الله بن العباس الكندي ، ووصل الى باب المسجد ، وأخذ جنود الأمويين يقذفونهم بالحجارة من أعلى المسجد ، بينما أصحاب زيد ( يدخلون راياتهم من فوق الأبواب ويقولون: يا أهل المسجد اخرجوا من الذل إلى العز، اخرجوا إلى الدين والدنيا فإنكم لستم في دين ولا دنيا.) . ولم يخرجوا ، وفى النهاية انصرف زيد بمن من معه.

5 ـ وتوالت معارك متفرقة ، كان آخرها معركة استعمل فيها الأمويون النشّابة من رُماة السهام ، تقول الرواية : ( فرُمي زيد بسهم فأصاب جانب جبهته اليسرى فثبت في دماغه، ورجع أصحابه...   ونزل زيد في دار من دور أرحب، وأحضر أصحابه طبيباً، فانتزع النصل، فضج زيد، فلما نزع النصل مات زيد، فقال أصحابه: اين ندفنه؟ قال بعضهم: نطرحه في الماء. وقال بعضهم: بل نحتز رأسه ونلقيه في القتلى. فقال ابنه يحيى: والله لا تأكل لحم أبي الكلاب. وقال بعضهم: ندفنه في الحفرة التي يؤخذ منها الطين ونجعل عليه الماء ،  ففعلوا، فلما دفنوه أجروا عليه الماء، ..وكان معهم مولى لزيد سندي... فدل عليه، وتفرق الناس عنه،  ثم إن يوسف بن عمر تتبع الجرحى في الدور، فدلّه السندي مولى زيد يوم الجمعه على زيد، فاستخرجه من قبره وقطع رأسه ....  وبعث الرأس إلى هشام ....) وصلبوا جثة زيد ، ثم أمر هشام بإحراق جثته . !!

 

 


للمزيد يمكنك قراءةاساسيات اهل القران

التعليقات(3)

1   تعليق بواسطة  عمر على محمد     في   الأحد 11 اكتوبر 2020

[92897]


مسلسل الحمق الطويل


صلاحيات خاصة:

حذف التعليق

تعديل التعليق


السلام عليكم


نعم انه مسلسل حمق ، ولك ان تتخيل دكتوري العزيز اني من الذين شاهدة على مدار اربع سنوات لاني في مرحلة البكالوريس تخصصي في التاريخ الاسلامي ، كانت نفس الصفحة تمدح القاتل والمقتول ونفس الصفحه تضع القاتل والمقتول في الجنة ونفس الصفحه تلفق رويات ومنامات للرسول سعيد بعمل فلان وحزين لمقتل فلان ومن هذة رويات رواية ان النبي جاءة جبريل يبلغة باستشهاد الحسين وحفيدة زيد ..ولا أعلم هل زيد هذة قتله حمقه عندما ثار ام غروره لانه لم يتقبل استحقار هشام له في مجلسة ام للسببين معا ..واستغرب كيف كان احدهم يجد الوقت للزواج والمعاشرة وكل اوقاتهم في حرب او الاستعداد للحرب ، هذا زيد وهو يستعد للثورة وبنفس الوقت يريد ان يتزوج عجوز اعجب بقوامها ، وهشام  هلك وعنده 20 ولد وبنت!! برغم ان الرويات تذكر انه لم يجد يوما واحدا بدون غم او دم .... المشكلة  علماء البخاري في هذا الوقت يتغنون بسفك الدماء في عهد هؤلا الفسقة ويسمونها فتوحات ويذكرونها كانجازات ستشفع لهم عند الله لانها ساهمت في نشر الدين .. خليفة فاسق مثل هشام ينبش قبر زيد ويصلبة اربع سنوات قبل حرقة ،ثم يأتي العباسيون من بعدهم ينبشون قبور الاموين ويحرقون عظامها  ونسمي هذا الهبل انجازات !! لا أقول الا كما قال الشاعر الراحل نزار قباني في مرثيتة بلقيس .."إنني من كل تاريخي خجول هذي بلادٌ يقتلون بها الخيول"

 

2   تعليق بواسطة  سعيد علي     في   الإثنين 12 اكتوبر 2020

[92899]


النقد الموضوعي للرواية يضع الشخصيات التأريخية في حجمها الطبيعي.


صلاحيات خاصة:

حذف التعليق

تعديل التعليق


إزاحة القدسية عن الشخصية التاريخية و تحليل الفعل الذي قامت به وفق كتاب الله عز و جل يضعها في حجمها الطبيعي و لكن إسباغ القدسية عليها يغيب العقل و يجعل كل فعل قامت به محبوب و رائع و يقتدى به.

بداية الأحداث خلافات ( شخصية ) و ( معايرة و تنابذ بالألقاب ) و ( عنصرية قبلية ) و كل ذلك نهى عنه الحق جل و علا في قرآنه الكريم و النتيجة مازلنا إلى اليوم و بنفس الأسباب تدفع الشعوب نتيجة هذا الحمق الأصيل!!

 

3   تعليق بواسطة  آحمد صبحي منصور     في   الثلاثاء 13 اكتوبر 2020

[92900]


شكرا استاذ عمر على محمد ـ وشكرا استاذ سعيد على ، وأقول


صلاحيات خاصة:

حذف التعليق

تعديل التعليق

صلاحيات كاتب التعليق:

Top of Form

تعديل التعليق                     |                     

Bottom of Form


1 ـ الحقيقة التاريخية  هى نسبية وليست مطلقة. هى أخبار متضاربة ومختلفة و متداخلة ، وتطل من بينها ما يعتبره الباحث حقيقة تاريخية. وما يصل اليه الباحث يكون أيضا إجتهادا يقبل الخطأ والصواب

2
ـ الأزمة الكبرى حين يعتبر الناس هذا التاريخ دينا. وتلك أزمة الأديان الأرضية

 

 

 

 

 

 مسلسل الحُمق في ذرية (على بن أبى طالب ) : ثورة يحيى  بن زيد  

مقدمة :

شهد ( على زين العابدين ) مصرع أبيه الحسين ومعظم أهله في كربلاء ، ورأى قبلها كيف رفض أبوه نُصح الناصحين وتسبّب في مذبحة كان يمكن تفاديها . إتّعظ ( على زين العابدين ) بهذه المأساة ، وتفرّد بشخصية مختلفة عن جده وأبيه . ( زيد بن على زين العابدين ) سار على طريق جده الحسين ، رفض نُصح الناصحين وأعطى الفرصة لمن خدعه بالوعد ، وثار ولقى مصرعه . كان إبنه يحيى مرافقا له في ثورته ورأى جثته ، وشهد مواراته في قبر مجهول خشية أن يعثر عليه الأمويون ، ولكن عثر عليه الأمويون فصلبوا الجسد بدون رأس  .  لم يتّعظ يحيى بما شاهد . ما عدا الوالى يوسف بن عمر الثقفى فلم يتعرض الأمويون ليحيى ، تركوه يختبىء وكان يمكنهم العثور عليه ، ولكن مدُّوا له يد المُسالمة وأعطوه مالا ، وأن يقابل الخليفة ، لكنه راوغهم ، وانتهى أمره بالثورة ثم بالقتل. هذا يؤكد أنه سار بإخلاص على طريق الحُمق الذى سار فيه (على ) و ( الحسين وزيد بن على ) . ونعطى تفصيلا  عن ثورة يحيى عام 125  هجرية.

 أولا : المسرح الجغرافي :

كانت مأساة على والحسين وزيد في العراق . أما مأساة يحيى فكانت في خراسان شرق العراق. الإمبراطورية الأموية كانت تمتد من جنوب فرنسا غربا الى مقربة من الصين شرقا. العراق كان يُمثّل القسم الشرقى من الإمبراطورية . والى العراق للأمويين كان الأقوى مكانة ، إذ يتبعه شرق العراق أو مان كان يسمّى بالعراق العجمى ، يمتد من خراسان الى القرب من الصين . وقت ثورة يحيى بن زيد بن على بن الحسين كان الوالى على العراق هو نفسه يوسف بن عمر الثقفى الذى كان يماثل الحجاج بن يوسف الثقفى في جبروته وقسوته . وكان يتبعه والى خراسان واسمه ( نصر بن سيّار ) ، ولم يكن في غلظة يوسف بن عمر . وتقسمت خراسان الى ولايات صغيرة لكل منها حاضرتها أو المدينة الأساس فيها ، وعليها وال ، ومعه جنود من القبائل العربية التي تحكّم بهم الأمويون ، وقد توزعوا في هذه الإمبراطورية الشاسعة تحت قيادة الولاة العرب المحليين .

ثانيا : قبيل ثورة يحيى بن زيد

1 ـ هناك رواية تقول إن يحيى بعد مقتل أبيه زيد قال له رجل من قبيلة أسد  : ( " إن أهل خراسان لكم شيعة، والرأي أن تخرج إليها". قال:  " وكيف لي بذلك؟ " قال: " تتوارى حتى يسكن عنك الطلب ثم تخرج. " فواراه عنده ليلةً، ثم خاف ،  فأتى به عبد الملك بن بشر بن مروان ( ابن عم الخليفة ) فقال له: " إن قرابة زيد بك قريبة وحقه عليك واجب.". قال: " أجل ولقد كان العفو عنه أقرب للتقوى" . قال : " فقد قتل وهذا ابنه ( يحيى )غلام حدث لا ذنب له، فإن علم به يوسف ( بن عمر ) قتله، أفتجيره؟"  قال: " نعم" ، فأتاه به فأقام عنده، فلما سكن الطلب سار في نفر من الزيدية إلى خراسان. فغضب يوسف بن عمر بعد قتل زيد فقال: يا أهل العراق، إن يحيى ابن زيد ينتقل في حجال نسائكم كما كان يفعل أبوه، والله لو بدا لي لعرقت خصييه كما عرقت خصيي أبيه! ).

2 ـ وصل يحيى الى مدينة ( بلخ ) و إختفى فيها عند شخص من شيعته هو ( الحريش بن عمرو بن داود) . ظل مختفيا من مقتل أبيه الى ان مات الخليفة هشام بن عبد الملك عام 125 ، وتولى إبن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك . عرف يوسف بن عمر  والى العراق والشرق مكان يحيى ، فكتب الى واليه على خراسان ( نصر بن سيار ) يأمره بتسيير يحيى بن زيد اليه في العراق ، وأخبره إنه يختبىء عند الحريش بن عمرو ، وأن يأخذه ( أشد الأخذ ).

2 ـ كان والى ( بلخ ) من لدن ( نصر بن سيار) هو ( عقيل بن معقل العجلي ). بعث له ( نصر بن سيّار ) الى ( عقيل بن معقل العجلى ) أن (  يأخذ الحريش ولا يفارقه حتى تزهق نفسه أو يأتيه بيحيى بن زيد بن علي) . إستجوب الوالى ( عقيل العجلى ) ( الحريث ) فرفض الإفصاح عن مكان يحيى : ( فبعث إليه عقيل فسأله عنه فقال لا علم لي به ، فجلده ستمائة سوط ، فقال له الحريش : ( والله لو أنه كان تحت قدمي ما رفعتهما لك عنه ) ، وخشى ابن الحريش ( قريش ) أن يموت أبوه من السياط فقال لعقيل :( لا تقتل أبي وأنا أدلك عليه)  ( فأرسل معه فدله عليه، وهو في بيت في جوف بيت ، فأخذه ومعه إثنان من أصحابه ( يزيد بن عمر والفضل مولى عبد القيس ) صحباه من الكوفة ، فأتى به نصر بن سيار فحبسه،  وكتب إلى يوسف بن عمر يخبره،  فكتب يوسف بن عمر بذلك إلى الخليفة الوليد بن يزيد،  فكتب الخليفة الوليد الى نصر بن سيار يأمره أن يؤمّنه ، ويخلي سبيله وسبيل أصحابه.  فدعاه نصر بن سيار فأمره بتقوى الله وحذّره الفتنة، وأمره أن يلحق بالوليد بن يزيد وأمر له بألفي درهم وبغلين . ). هذه بادرة خير رائعة من الخليفة الأموى الجديد ، ولكن لم يستجب لها يحيى .

3 ـ لم يذهب يحيى الى دمشق ، بل في الطريق أقام بمدينة سرخس ، وكان واليها ( عبد الله بن قيس بن عباد ). خشى ( نصر بن سيّار ) من نوايا ( يحيى ) فكتب الى والى سرخس أن يطرده من سرخس.

4 ـ بعد طرده من سرخس أراد يحيى الإقامة في مدينة ( طوس ) رافضا السفر الى لقاء الخليفة في دمشق . كتب والى خراسان ( نصر بن سيار) إلى واليه في طوس ( الحسن بن زيد التميمي ) وكان رأس قبيلة بنى تميم فيها ــ كتب له أن يمنع يحيى من الإقامة في طوس ، فأرسل بعض الجنود يقودهم (سرحان بن فروخ بن مجاهد بن بلعاء العنبري ) ليرافقوه ويسلموه الى ( عمر بن زرارة ) والى مدينة ( ابرشهر ) .

5 ـ في اللقاء بين يحيى و( سرحان بن فروخ بن مجاهد بن بلعاء العنبري ) دار بينهما حديث عمّا أعطاه ( نصر بن سيّار ) الى يحيى ، وعبّر يحيى عن إستيائه ممّا أعطاه له ( نصر بن سيّار ) وأنه كان يطمع في المزيد . وقال يحيى إنه يتخوّف من الوالى ( يوسف بن عمر ) ، تلطّف به ( سرحان ) الى أن أوصله الى ( عمرو بن زرارة ) في مدينة ابرشهر . فأعطاه ( عمر بن زرارة ) والى ابرشهر ألف درهم . وساروا به الى المدينة التالية ( بيهق ).  6 ـ في الطريق تجمّع أنصار حول يحيى حوالى سبعين رجلا ، فأخذوا من بعض التجار دوابا بثمن مؤجل، بهذا إنكشفت نوايا يحيى ، فكتب ( عمرو بن زرارة ) والى ابرشهر إلى ( نصر بن سيار ) فكتب  ( نصر)  إلى ( عبد الله بن قيس )  وإلى ( الحسن بن زيد)  أن يمضيا إلى ( عمرو بن زرارة ) ليكون أميرا عليهم في جيش لحرب يحيى بن زيد .

ثالثا : المواجهة الحربية :

1 ـ وصل عدد الجيش عشرة آلاف ، بقيادة ( عمر بن زرارة ) لحرب يحيى بن زيد . كان عدد أصحاب يحيى سبعين رجلا فقط ، وقد هزموا الجيش الأموى وقتلوا ( وقتل عمرو بن زرارة ) ، وسلبوا جيشه .  

2 ـ استمر يحيى في طريقه و دخل مدينة هراة ، وواليها (مغلس بن زياد العامري ) ، (  فلم يعرض واحد منهما لصاحبه) . وسار يحيى من هراة ، فأرسل خلفه ( نصر بن سيّار ) جيشا يقوده ( سلم بن أحوز ) ، وكان يحيى قد وصل ولاية جوزجان ، وواليها ( حماد بن عمرو السغدي ) . وجهّز ( نصر بن سيّار ) مددا لجيش ( سلم بن أحوز ) يقوده  ( سورة بن محمد بن عزيز الكندي ) وكان على ميمنته و ( حماد بن عمرو السغدي ) على ميسرته . واقتتل الجيشان ، وأفنى الجيش الأموى أصحاب يحيى ، وصوّب ( عيسى بن سليمان العنزي ) سهما فأصاب جبهة يحيى فصرعه . مثلما حدث لأبيه زيد بن على من قبل . ومرّ ( سورة بن محمد بن عزيز الكندي ) بجثة ( يحيى بن زيد ) فأخذ رأسه ، وأخذ ( عيسى بن سليمان العنزي ) ملابس يحيى . وبلغ الخبر الخليفة الأموى الوليد بن يزيد فكتب الى الوالى ( يوسف بن عمر) يقول : ( إذا أتاك كتابي هذا فانظر عجل العراق فأحرقه ثم انسفه في اليم نسفا ) . يقصد جثة زيد بن على زين العابدين ، وكان جسده مصلوبا لا يزال ، تقول الرواية إن يوسف ابن خراش أنزل جسد زيد بن على زين العابدين من الجذع الذى كان مصلوبا عليه ، : ( وأحرقه بالنار ، ثم رضّه فجعله في قوصرة ، ثم جعله في سفينة ، ثم ذراه في الفرات . ).!! .

وأما يحيى فقد صلبوه بالجوزجان، فلم يزل مصلوباً حتى ظهر أبو مسلم الخرساني يقود الجيش العباسى في خراسان ، بعد أن أستولى عليها أنزله جثة يحيى وصلّى عليه ودفنه،  وامر بالنياحة عليه ، واخذ ابو مسلم ديوان بني أمية، وعرف منه أسماء من حضر قتل يحيى، فمن كان حياً قتله، ومن كان ميتاعاقب أهله .

أخيرا : جدير بالذكر ( أو غير جدير بالذكر ) :

1 ـ أن العباسيين بعد أن هزموا الأمويين عام 132 هجرية إنتقموا منهم شرّ إنتقام . مع انهم أولاد عمومة ، ينتمون الى ( عبد مناف ) .

2 ـ تقول الروايات عن عبد بن على قائد الجيش العباسى إنه أمر: ( بنبش قبور بني أمية بدمشق، فنبش قبر معاوية بن أبي سفيان، فلم يجدوا فيه إلا خيطاً مثل الهباء، ونبش قبر يزيد بن معاوية بن أبي سفيان فوجدوا فيه حطاماً كأنه الرماد، ونبش قبر عبد الملك فإنه وجد صحيحاً لم يبل منه إلا أرنبة أنفه، فضربه بالسياط وصلبه وحرقه وذراه في الريح.وتتبع بني امية من أولاد الخلفاء وغيرهم فأخذهم، ولم يفلت منهم إلا رضيع أو من هرب إلى الأندلس .. واستصفى كل شيء لهم من مال وغير ذلك .) (  وقتل سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس بالبصرة أيضاً جماعةً من بني أمية عليهم الثياب الموشية المرتفعة،  وأمر بهم فجُرُّوا بأرجلهم فألقوا على الطريق فأكلتهم الكلاب.فلما رأى بنو أمية ذلك اشتد خوفهم وتشتت شملهم واختفى من قدر على الاختفاء. ) . عبد الله بن على العباسى حاصر دمشق ودخلها : (  فقتل من أهلها خلقاً كثيراً وأباحها ثلاث ساعات..) ( حتى قيل‏:‏ إنه قتل بها في هذه المدة نحواً من خمسين ألفاً‏.  )  وقال محمد بن سليمان بن عبد الله النوفلي ‏:‏ ( كنت مع عبد الله بن علي أول ما دخل دمشق، دخلها بالسيف، وأباح القتل فيها ثلاث ساعات، وجعل جامعها سبعين يوماً إسطبلاً لدوابه وجماله.. ثم تتبع عبد الله بن علي بني أمية من أولاد الخلفاء وغيرهم، فقتل منهم في يوم واحد اثنين وتسعين ألفاً عند نهر بالرملة، وبسط عليهم الأنطاع ومد عليهم سماطاً فأكل وهم يختلجون تحته ..وأرسل امرأة هشام بن عبد الملك وهي‏:‏ عبدة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية صاحبة الخال، مع نفر من الخراسانية إلى البرية ماشية حافية حاسرة على وجهها وجسدها وثيابها ثم قتلوها‏. ثم أحرق ما وجد من عظم ميت منهم‏.!   ) .

3 ـ ذرية بعضها من بعض ..!!

 

 

الفصل الثانى :

 في العصر العباسى في خلافة أبى جعفر المنصور

مسلسل الحُمق في ذرية (على بن أبى طالب ) : ثورة محمد النفس الزكية عام  145 ( 1 )

 مقدمة

1 ـ في خلافة أبى جعفر المنصور شهد عام 145 ثورة محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم من ذرية الحسن بن على بن أبى طالب ، وانتهت الثورة بفشلهما وقتلهما .

2 ـ نعطى تحليلا وتفصيلا :

أولا :  صراع كهنوتى

   1 ـ خلافا للدولة الأموية التي لا ترفع شعارا دينيا كانت الدولة العباسية كهنوتية مؤسسة على النسب للنبى محمد  وما يترتب عليه ممّا أسموه ( ميراث محمد ) ، وهو التعبير الذى صاغه (على بن أبى طالب ) وزعم أن له الحق في الخلافة وثروات الفتوحات، والتي من أجلها دخل ( على ) في الفتنة الكبرى .

2 ـ الجديد هنا أنه تشاجر العباسيون والعلويون في هذه الثورة على ( ميراث محمد ) كل منهما يرى نفسه الأحق ، كما يظهر من الرسائل المتبادلة بين محمد النفس الزكية ( أمير المؤمنين الثائر ) وأبى جعفر المنصور ( أمير المؤمنين القائم في السُّلطة ). وهى خطابات ايدلوجية دينية .

2   : تقول الرواية : ( لما بلغ أبا جعفر المنصور ظهور محمد بن عبد الله المدينة كتب إليه : ( بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله . ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ) . ولك عليّ عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن تبت ورجعت من قبل أن أقدر عليك : أن أؤمنك وجميع ولدك وإخوتك وأهل بيتك ومن اتبعكم على دمائكم وأموالكم ، وأسوغك ما أصبت من دم ومال ،  وأعطيك ألف ألف درهم وما سألت من الحوائج ، وأنزلك من البلاد حيث شئت ، وأن أطلق من في حبسي من أهل بيتك ، وأن أؤمن كل من جاءك وبايعك واتبعك أو دخل معك في شيء من أمرك ، ثم لا أتبع أحدا منهم بشيء كان منه أبدا ، فإن أردت أن تتوثق لنفسك فوجه إلي من أحببت يأخذ لك من الأمان والعهد والميثاق ما تثق به.) وكتب على العنوان من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله ).

نلاحظ :

2 / 1 : أبو جعفر المنصور يصف نفسه بأمير المومنين ، و لا يجعل لغريمه ( محمد النفس الزكية ) سوى إسمه ( محمد بن عبد الله ).

2 / 2 : يبدأ خطابه بالتهديد بآية قرآنية يتهم بها غريمه  بما يُعرف بالحرابة وعقوبتها القاسية إن لم يتُب .

2 / 3 : بعد التهديد يعرض عليه الأمان ورشاوى مختلفة .

3 ـ  : فكتب إليه محمد بن عبد الله ( النفس الزكية ) :

( بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله المهدي محمد بن عبد الله إلى عبد الله بن محمد: ( طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلو عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) . وأنا أعرض عليك من الأمان مثل الذي عرضت عليّ ، فإن الحق حقنا ، وإنما ادعيتم هذا الأمر بنا ، وخرجتم له بشيعتنا ، وحظيتم بفضلنا ، وإن أبانا عليا كان الوصي وكان الإمام ، فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء ؟ ثم قد علمت أنه لم يطلب هذا الأمر أحد له مثل نسبنا وشرفنا وحالنا وشرف آبائنا . لسنا من أبناء اللعناء ولا الطرداء ولا الطلقاء ، وليس يمت أحد من بني هاشم بمثل الذي نمت به من القرابة والسابقة والفضل ، وإنا بنو أم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت عمرو في الجاهلية ، وبنو بنته فاطمة في الإسلام دونكم.  إن الله اختارنا واختار لنا ، فوالدنا من النبيين محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن السلف أولهم إسلاما علي ، ومن الأزواج أفضلهن خديجة الطاهرة ، وأول من صلى القبلة ، ومن البنات خيرهن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة ، ومن المولودين في الإسلام حسن وحسين سيدا شباب أهل الجنة ، وإن هاشما ولد عليا مرتين ، وإن عبد المطلب ولد حسنا مرتين ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولدني مرتين من قبل حسن وحسين ، وإني أوسط بني هاشم نسبا وأصرحهم أبا ، لم تعرق في العجم ، ولم تنازع فيّ أمهات الأولاد ، فما زال الله يختار لي الآباء والأمهات في الجاهلية والإسلام حتى اختار لي في النار، فأنا ابن أرفع الناس درجة في الجنة وأهونهم عذابا في النار ،وأنا ابن خير الأخيار وابن خير الأشرار ، وابن خير أهل الجنة وابن خير أهل النار. ولك الله عليّ : إن دخلت في طاعتي وأجبت دعوتي أن أؤمنك على نفسك ومالك وعلى كل أمر أحدثته إلا حدا من حدود الله أو حقا لمسلم أو معاهد ، فقد علمت ما يلزمك من ذلك . وأنا أولى بالأمر منك وأوفى بالعهد . لأنك أعطيتني من العهد والأمان ما أعطيته رجالا قبلي ، فأي الأمانات تعطيني  ؟ أمان ابن هبيرة  ؟ أم أمان عمك عبد الله بن علي ؟ أم أمان أبي مسلم ؟ . )

نلاحظ :

1 ـ محمد بن عبد الله يصف نفسه بالمهدى ويخاطب أبا جعفر المنصور باسمه المجرد ( عبد الله بن محمد )، أي لا يعترف بخلافته .

2 ـ ثم يبدأ بجعل ابى جعفر المنصور فرعونا ، مستشهدا بأوائل سورة القصص .

3 ـ يعرض عليه الأمان ، ثم يدخل مباشرة في تأكيد أنه له الحق دون العباسيين في الخلافة ، ويُسهب في ذلك مفتخرا بنسبه ، ويُعرّض بأن أم ابى جعفر المنصور كانت جارية مملوكة ،

4 ـ ثم يتندر بالأمان الذى عرضه عليه أبو جعفر المنصور ، لأن أبا جعفر المنصور إشتهر بنكث العهود والمواثيق ، أعطى عهودا لابن هبيرة وأبى مسلم الخراسانى وعمه عبد الله بن على ، ونكث بها.

ثانيا : صراع عسكرى :

1 ـ ليس مُهمّا من هو صاحب الحُجّة . الأهم هو صاحب القوة .

2 ـ كانت الحُجّة مع العلويين ، فابن عباس كان تابعا لابن عمه ( على ) ، ولم ينازع بنو العباس  ورثة على في طموحهم السياسى . وبدأت الكيسانية المنتمية لابن محمد بن على بن أبى طالب ( محمد بن الحنفية ) الدعوة السرية تحت شعار ( الرضى من آل محمد ) ، وليس معلوما رأس الدعوة ومكانه . ثم أدّت ظروف الى انتقالها سرّا الى العباسيين ، فأعطوها زخما لتنتشر أكثر في خراسان على أن صاحبها من ذرية ( على بن أبى طالب ) . وقت تغلغل الدعوة العباسية في خراسان عقد بنو هاشم مؤتمرا سرّيا قرّر البيعة بالخلافة لمحمد النفس الزكية ، وشارك فيه العباسيون أصحاب الدعوة السّرّية حتى لا ينكشف أمرهم ، وبايع  عبد الله بن محمد الذى أصبح إسمه فيما بعد ( أبو جعفر المنصور ) محمدا النفس الزكية بالخلافة . ثم كانت المفاجأة الكبرى بإقامة الخلافة العباسية على أنقاض الدولة الأموية عام 132 . ظل محمد النفس الزكية ساكنا الى أن توطّدت الدولة العباسية في خلافة أبى جعفر المنصور ثم  ــ في الوقت الضائع ــ أعلن ثورته في المدينة وبعث أخاه إبراهيم ليثور في العراق الى جانب أبى جعفر المنصور ، ليضيف حُمقا إضافيا الى المتوارث من أغلب بنى (على بن أبى طالب ).

3 ـ أي هي صُدفة تاريخية ( إنتقال الدعوة العلوية الكيسانية السرية الى العباسيين ) ، وبدونها لم يكن للعباسيين طموح لمنافسة بنى عمومتهم . وترتب على هذا الصُّدفة التاريخية تأسيس الدولة العباسية ، ولجأ محمد النفس الزكية للثورة بكل ما يملك من حُمق ، أهلك به نفسه والآخرين .

4 ـ مبايعة ( عبد الله بن محمد ) ( أبو جعفر المنصور ) لمحمد النفس الزكية كانت نقطة ضعف خطيرة في أحقية المنصور بالخلافة . واستغلها ضده خصومه الذين شايعوا محمدا النفس الزكية وأخلصوا له حتى بعد فشله وهزيمته ومقتله . منهم ( عثمان بن محمد بن خالد  ) ، جىء به أسيرا الى أبى جعفر المنصور فقال له : ( " يا عثمان أنت الخارج على أمير المؤمنين والمعين عليه  " ؟ قال : " بايعت أنا وأنت رجلا بمكة فوفيت ببيعتي وغدرت ببيعتك  " ... فأمر به فضربت عنقه .) . ورواية أخرى تقول إن أبا جعفر سأله : (  " أين المال الذي عندك ؟" قال : "  دفعته إلى أمير المؤمنين رحمه الله ." قال : " ومن أمير المؤمنين ؟ " قال : " محمد بن عبد الله. "  قال : " أبايعته ؟ " قال : " نعم كما بايعته أنت " .  قال : " يابن اللخناء " . قال: "  ذاك من قامت عنه الإماء " قال : " اضرب عنقه " ...فأخذ فضربت عنقه .) هنا يُضاف سبب الى تحقير أبى جعفر المنصور ـ في الثقافة العربية السائدة وقتها ـ وهى أن أبا جعفر المنصور كانت أُمُّه من الإماء .

5 ـ كان أبو جعفر المنصور يتحسّب لثورة محمد النفس الزكية ، وهو لا ينسى أنه بايعه من قبل بالخلافة ، أو بالتعبير السائد وقتها إن في عنقه بيعة لمحمد بن عبد الله ، وقد غدر به وبها. وحين تراخى محمد بن عبد الله في اعلان ثورته مكر به أبو جعفر المنصور يشجعه على اعلان ثورته قبل أن يستكمل الاستعداد. تقول الرواية : (  كان أبو جعفر يكتب إلى محمد عن ألسن قواده يدعونه إلى الظهور ويخبرونه أنهم معه. ) وانخدع محمد (  فكان يقول لو التقينا مال إليّ القواد كلهم  .) . ولما إنخدع محمد وأعلن ثورته مبكرا قال أبو جعفر المنصور مفتخرا : ( أنا أبو جعفر استخرجت الثعلب من حجره ).!

6 ـ هذا في الوقت الذى إستعد فيه أبو جعفر :

6 / 1 : إستوثق من جيشه وولاء قوّاده ، بل إستوثق من جهازه السّرّى الدعائى الذى يصنع له الأحاديث وينسبها للنبى تُبشّر بخلافة بنى العباس ، وكان زعيم هذا الجهاز الدعائى الأعمش ( سليمان بن مهران ـ 148 ) الرفيق السابق لأبى جعفر في مجالس العلم . تقول الرواية : ( كتب أبو جعفر إلى الأعمش كتابا على لسان محمد يدعو إلى نصرته فلما قرأه قال : " قد خبرناكم يا بني هاشم فإذا أنتم تحبون الثريد . " فلما رجع الرسول إلى أبي جعفر فأخبره قال : " أشهد أن هذا كلام الأعمش."). أي إختبر أبو جعفر ولاء الأعمش بكتاب مزور منسوب لمحمد بن عبد الله ، وفهم الأعمش اللعبة فتندّر على أبى جعفر المنصور.

6 / 2 : واستشار أبو جعفر المنصور أصحاب الخبرة في الحروب ، حتى من أعدائه السابقين :

6 / 2 / 1 : كان منهم عمُّه عبد الله بن على العباسى ، والذى إنقلب عليه وحاربه ، فأعطاه المنصور الأمان ثم غدر به وسجنه ( ثم فيما بعد قتله ) . أرسل أبو جعفر وفدا يستشيره في أمر محمد النفس الزكية ، فطلب عبد الله بن على اطلاق سراحه قائلا : "إن المحبوس محبوس الرأي فأخرجني حتى يخرج رأيي. "  فأرسل إليه أبو جعفر : " لو جاءني حتى يضرب بابي ما أخرجتك ، وأنا خير لك منه ، وهو ملك أهل بيتك. " ) فنصحه عبد الله بن على بأن يحاصر الكوفة لأنها شيعة العلويين ، ويمنع الدخول اليها والخروج منها ، ومن دخل أو خرج فليضربنّ عنقه ، وأن يستقدم جنوده من فارس وأن يستعين بأهل الشام ، لينضموا اليهم وأن يفرّق فيهم الأموال . 

6 / 2 / 2 :   وكان جعفر بن حنظلة البهراني من أتباع الأمويين وقد حارب مع مروان بن محمد ضد العباسيين ، ثم إعتزل وكان مشهورا بالخبرة الحربية . واستشاره أبو جعفر المنصور ، فقال له :  " قد ظهر محمد فما عندك  ؟ قال : " وأين ظهر ؟ " قال : " بالمدينة ؟. قال : " فاحمد الله . ظهر حيث لا مال ولا رجال ولا سلاح ولا كراع ، إبعث مولى لك تثق به فليسر حتى ينزل بوادي القرى فيمنعه ميرة الشأم فيموت مكانه جوعا ، ففعل . )

 6 / 3 : وزرع أبو جعفر المنصور المدينة بجواسيسه ينقلون له أخبار محمد النفس الزكية ، بحيث يكون أول من يعلم به إذا خرج ثائرا . وبمجرد أن أعلن ثورته أسرع أحدهم  فوصل ليلا الى قصر أبى جعفر المنصور بعد سفر إستغرق تسع ليال ، وصمّم على أن يرى أبا جعفر ، وأيقظوا الخليفة وجىء به اليه فأسرع الرجل يقول : ("  يا أمير المؤمنين خرج محمد بن عبد الله بالمدينة " ) واستجوبه الخليفة ، ثم حبسه ليتيقن صدقه. ولما تبين صدقه كافأه بألف درهم عن كل ليلة سارها . 

6 / 4 : وهناك جواسيس لأبى جعفر المنصور كانوا قريبين من محمد النفس الزكية ، منهم ابن القسرى الذى غدر بمحمد ثم لحق بأبى جعفر المنصور . والحديث في هذا يطول .

7 ـ  أي نحن هنا بين جانب يملك ( الحُجّة السياسية ) ومعها حُمق ، وجانب لا يملك ( الحُجّة السياسية ) ولكن معه المكر والدهاء والقوة والعتاد . أي هي قضية محسومة سلفا .  

 

 

مسلسل الحُمق في ذرية (على بن أبى طالب ) : ثورة محمد النفس الزكية عام  145 ( 2 )

ثالثا : محمد النفس الزكية يستولى على المدينة ومكة 

1 ـ نجحت خطة أبى جعفر المنصور فجعل غريمه يعلن الثورة قبل الاستعداد الكامل ، ولهذا بدأ محمد النفس الزكية  في المدينة الثورة قبل أخيه إبراهيم في البصرة . وبمجرد إعلان ثورته دعا أبو جعفر المنصور ولى العهد (عيسى بن موسى ) فقال له: ( قد ظهر محمد،  فسر إليه  ). أرسله لحرب محمد في المدينة ، وقال : ( لا أبالي أيهما قتل صاحبه ) ، ذلك ان أبا جعفر المنصور كان يريد عزل عيسى بن موسى عن ولاية العهد ليولى مكانه ابنه ( المهدى ) . وفعلا مازال بعيسى حتى اضطره للتنازل عن ولاية العهد للمهدى . وهذه قصة أخرى ، ولكن يتبيّن منها ( حذق ) أبى جعفر المنصور مقابل ( حمق ) محمد النفس الزكية .

2 ـ بادر أبوجعفر المنصور فاعتقل من إستطاع من أقارب محمد النفس الزكية من ذرية ( الحسن بن على بن أبى طالب )

إعلان الثورة في المدينة

1 ـ صعد محمد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال )  :أما بعد أيها الناس فإنه كان من أمر هذا الطاغية عدو الله أبي جعفر ما لم يخف عليكم من بنائه القبة الخضراء التي بناها معاندا لله في ملكه وتصغيرا للكعبة الحرام ، وإنما أخذ الله فرعون حين قال أنا ربكم الأعلى ، وإن أحق الناس بالقيام بهذا الدين أبناء المهاجرين الأولين والأنصار المواسين . اللهم إنهم قد أحلواحرامك وحرموا حلالك وآمنوا من أخفت وأخافوا من آمنت ، اللهم فأحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا . أيها الناس إني والله ما خرجت من بين أظهركم وأنتم عندي أهل قوة ولا شدة ولكني اخترتكم لنفسي ، والله ما جئت هذه وفي الأرض مصر يعبد الله فيه إلا وقد أخذ لي فيه البيعة ( .

2 ـ هذا خطاب دينى كهنوتى وليس سياسيا ، وهو يتهم فيه غريمه أبا جعفر المصور بالكفر . وليس في هذا جديد . الجديد والمؤلم أنه يجعل رب العزة مؤيدا لبيعته بالخلافة ، وهذا زعم كاذب ، فقد عارض محمدا النفس الزكية كثيرون حتى من أقرب اقاربه .

بوادر فشله

لم ينضم له الجميع .

1 ـ عندما أعلن ثورته كان والى المدينة لأبى جعفر المنصور هو رياح بن عثمان بن حيان المري . وقد هدّد كبار أهل المدينة بقطع أعناقهم لو مالوا الى محمدا ، وأعلن بعض أقارب محمد للوالى رياح إنهم على طاعة أبى جعفر المنصور.

2 ـ وظهر سريعا عزوف كثيرين عن محمد ورغبتهم عنه ، وقال له بعضهم : ( والله ما نجد في هذه الأمة أحدا أشأم عليها منك .! ما يمنعك أن تخرج وحدك ؟ ) .

3 ـ ولم يبايع لمحمد بعض كبار القوم منهم الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام وعبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام وأبو سلمة بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وخبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير.

4 ـ ودعا محمد ( إبن عمه ) إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن ابى طالب أن يبايعه ، فقال : " يا ابن أخي أنت والله مقتول فكيف أبايعك ؟ ". لم يكتف إسماعيل هذا برفض مبايعة محمد النفس الزكية بل نهى الناس عن بيعته ، فقتلته حمادة بنت معاوية من نسل جعفر بن أبى طالب . واتهم عبد الله ابن القتيل محمدا بالتحريض على قتل أبيه .

5 ـ  وعارض دعوة محمد ابن عمه عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي ، فأقسم محمد إن رآه ليقتلنّه ، فجىء به اليه ، فقال عيسى بن زيد لمحمد : " دعني أضرب عنقه ." ورفض محمد قتله . وهنا نرى محمدا سريع الغضب مترددا ولا يتسرّع في سفك الدماء.

6 ـ وبعضهم إنضم الى الثورة ثم غيّر رأيه وقال : " نفسى لا تطاوعنى على الخروج ."

7 ـ وبعث إلى محمد بن عبد العزيز يقول له : " إني كنت لأظنك ستنصرنا وتقيم معنا " ، فاعتذر إليه وقال : " أفعل " ) ثم هرب الى مكة .

رفض النصيحة

وبعضهم نصح محمدا أن يترك الحجاز الى بلد فيه وفرة مثل ( مصر ) فلم يسمع له . منهم :

  1 :أبو نافع بن ثابت ، الذى رفض مبايعة محمد مع إلحاح محمد عليه ، حتى لقد ترجاه أن يلبس السلاح يوهم الناس أنه معه ، فرفض . قال له محمد : ( : " يا أبا عبد الله لم أرك جئتنا؟"  قال  : " ليس فيّ ما تريد."  فألح عليه محمد حتى قال : "البس السلاح يتأسّ بك غيرك ." فقال : " أيها الرجل إني والله ما أراك في شيء،  خرجت في بلد ليس فيه مال ولا رجال ولا كراع ولا سلاح ، وما أنا بمهلك نفسي معك ولا معين على دمي ". قال :"  انصرف فلا شيء فيك بعد هذا . " 

   2 : وبعض من أطلقهم محمد من الحبس تحمّس في طاعته ، قال : ( لما ظهر محمد وأنا في حبس ابن حيان أطلقني، فلما سمعت دعوته التي دعا إليها على المنبر قلت : " هذه دعوة حق والله لأبلين الله فيها بلاء حسنا. "  فقلت : " يا أمير المؤمنين إنك قد خرجت في هذا البلد والله لو وُقف على نقب من أنقابه مات أهله جوعا وعطشا فانهض معي فإنما هي عشر حتى أضربه بمائه ألف سيف . " . انتهى أمر هذا الرجل بالتجسس على محمد ، وكتابة أخباره الى أبى جعفر المنصور. واكتشف محمد أمره فحبسه ، فظل في الحبس الى مقتل محمد ، واطلقه عيسى بن موسى . 

  3 : وتكررت النصيحة فتردد محمد بين البقاء في المدينة أو الخروج عنها ، استشار أصحابه عندما إقترب جيش عيسى بن موسى من المدينة ، تقول الرواية عن بعضهم : (  إنا لعند محمد ليلة وذلك عند دنو عيسى  من المدينة ، إذا قال محمد : " أشيروا علي في الخروج والمقام "...فاختلفوا، فأقبل عليّ فقال : "  أشر علي يا أبا جعفر"  قلت : " ألست تعلم أنك أقل بلاد الله فرسا وسلاحا وأضعفها رجالا ؟ " قال : "بلى " قلت : " تعلم أنك تقاتل أشد بلاد الله رجلا وأكثرها مالا وسلاحا  ؟  " قال : "  بلى " . قلت : "  فالرأي أن تسير بمن معك حتى تأتي مصر فوالله لا يردك رادُّ ، فتقاتل الرجل بمثل سلاحه وكراعه ورجاله وماله . " ورفض .

4 ـ كان إبن خضير من ذرية مصعب بن الزبير مخلصا لمحمد النفس الزكية ، تقول الرواية : ( وظل الى جانبه يناشده الله إلا مضى إلى البصرة أو غيرها ، ومحمد يقول: " والله لا تبتلون بي مرتين ولكن اذهب حيث شئت فأنت في حل" قال ابن خضير وأين المذهب عنك ؟".). وقاتل مع محمد حتى قُتل .

مما سبق نتعرف على بعض ملامح من حُمق محمد النفس الزكية ، فهو يرفض النصيحة ، ومع ذلك فهو متردد ، وليس فيه حزم غريمه أبى جعفر المنصور ، وليس فيه الجُرأة على سفك الدماء مثله.

إستيلاء محمد على المدينة

2 ـ بظهور محمد أسرع أهل المدينة في شراء الطعام حتى باع بعضهم حلي نسائه .

وهناك رواية مختصرة تقول : (خرج محمد في أول يوم من رجب سنة خمس وأربعين ومائة ، فبات بالمذاد هو وأصحابه ، ثم أقبل في الليل ، فدق السجن وبيت المال ، وأمر برياح وابن مسلم فحبسا معا في دار ابن هشام ). وروايات تفصيلية نفهم منها :

1 ـ  عرف رياح أن محمدا ذهب بأتباعه الى حى المذاد فأسرع اليه في جنده ، ولم يتواجها ، وتوجّه محمد الى السجن فأطلق من فيه من خصوم رياح فانضموا الى محمد . وحدثت مناوشات قتل فيها أصحاب محمد النفس الزكية رجلا سنديا كان يخدم في المسجد .

3 ـ كان رياح مع أصحابه في دار مروان ، وحاصره محمد ، واقتحم الدار ، وإعتقل رياحا وكبار أصحابه . وسيطر محمد على المدينة .

4 ـ وفى النهاية قتل ابن خضير الزبيرى رياحا . ولما رأى ابن خضير أن الجيش العباسى قد أفنى معظم جيش محمد النفس الزكية ترك ميدان المعركة وذهب فذبح رياحا وأخاه . تقول الرواية إنّه : ( استأذن محمدا في دخول المدينة فأذن له ، ولا يعلم ما يريد ، فدخل على رياح بن عثمان بن حيان المري وأخيه فذبحهما ، ثم رجع فأخبر محمدا ، ثم تقدم فقاتل حتى قتل من ساعته. ) وتقول رواية أخرى : (  ذبح ابن خضير رياحا ولم يجهز عليه ، فجعل يضرب برأسه الجدار حتى مات ، وقتل معه عباسا أخاه ، وكان مستقيم الطريقة فعاب الناس ذلك عليه. )

5 ـ وتقول الرواية : ( لما أخذ محمد المدينة استعمل عليها عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير ، وعلى قضائها عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله المخزومي ، وعلى الشرط أبا القلمس عثمان بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وعلى ديوان العطاء عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة،)  ويتضح أن هؤلاء من قريش ليس منهم أحد من أبناء الأنصار .

6 ـ ولأن أهل المدينة كانوا قد بايعوا أبا جعفر المنصور من قبل فقد إستفتوا فقيه المدينة ( مالك بن أنس ) في الخروج مع محمد ، وقالوا لمالك  : " إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر."  فقال : " إنما بايعتم مُكرهين وليس على كل مُكره يمين. "  فأسرع الناس إلى بيعة محمد . وفيما بعد تعرض مالك بن أنس لعقاب أبو جعفر المنصور.   

روايات استيلاء محمد على مكة

 1 ـ كان والى مكة للعباسيين هو السرى بن عبد الله من بنى العباس . أرسل محمد النفس الزكية جيشا الى مكة يقوده الحسن بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب ، ومعه العباس بن القاسم رجل من آل أبي لهب. فلم يشعر بهم السري بن عبد الله ( والى مكة ) حتى دنوا من مكة ، فخرج إليهم ، فقال له مولاه : " ما رأيك قد دنونا منهم ؟ " قال  : " انهزموا على بركة الله وموعدكم بئر ميمون ."  فانهزموا ، ودخلها الحسن بن معاوية بلا قتال .

2 ـ  وهناك رواية تقول إن الحسن قبل ان يذهب الى مكة استشار محمدا النفس الزكية فيما يفعله مع الوالى السّرّى إن إلتحم القتال . ( : أرأيت إن التحم القتال بيننا وبينهم ما ترى في السري ؟ " قال : "  يا حسن إن السري لم يزل مجتنبا لما كرهنا كارها للذي صنع أبو جعفر . إن ظفرت به فلا تقتله ، ولا تحركن له أهلا ، ولا تأخذن له متاعا،  وإن تنحى فلا تطلبن له أثرا . " ) 

3 ـ وهناك رواية أخرى مختلفة تصف قتالا جرى بين جيش محمد النفس الزكية وجيش العباسيين ، وانهزم جيش العباسيين ، وهرب السّرّى بن عبد الله ، ودخل الحسن مكة واليا عليها من طرف محمد النفس الزكية .

4 ـ وفيما بعد وعندما أشرف محمد النفس الزكية على الهزيمة أمام الجيش العباسى بقيادة عيسى بن موسى بعث الى واليه على مكة يستنجد به ، فجمع الحسن وابن القاسم جيشا واستخلف الحسن واليا على مكة من ذرية الأنصار . وعندما وصلا قديد وصلهما نبأ قتل محمد النفس الزكية ، فتفرق الجيش ، وهرب الحسن الى البصرة لينضم الى جيش إبراهيم أخ محمد النفس الزكية ، وظل مع إبراهيم الى مقتل إبراهيم . أما ابن القاسم فتأخّر في الهروب الى البصرة ، وفى الطريق اليها جاءه نبأ مقتل إبراهيم فرجع واختفى في المدينة. وظل مختفيا حتى أخذت لهم الأمان زوجة عيسى بن موسى ، وهى من ذرية عبد الله بن جعفر بن أبى طالب .  أي هي حرب عائلية بين بنى هاشم قتلوا فيها أنفسهم والآخرين.

5 ـ بعد إستيلائه على مكة بعث محمد النفس الزكية باثنين دُعاة له : ( القاسم بن إسحاق ) الى اليمن ، و( موسى بن عبد الله ) الى الشام . فقتلهما عملاء العباسيين قبل أن يصلا . بما يدل على أن جواسيس أبى جعفر المنصور تحيط بمحمد النفس الزكية.

 

 

مسلسل الحُمق في ذرية (على بن أبى طالب ) : ثورة محمد النفس الزكية عام  145 ( 3 )

 قبيل القضاء على ثورة محمد النفس الزكية

صفة الجيش العباسى

1 ـ قائد الجيش العباسى هو ولى العهد عيسى بن موسى كان عمره 43 عاما وقتها، وكان معه محمد ابن الخليفة أبى جعفر المنصور.

2 ـ تكوّن جيشه من أربعة آلاف جندي مع عدد من القواد الخراسانيين منهم داود بن كراز ، والقائد العربى حميد بن قحطبة الطائى ، ومعهم المال والخيل والبغال والسلاح والمؤن  .  

تحرك الجيش

1 ـ قبل وصول الجيش الى المدينة أقام كثير بن حصين العبدي معسكرا بخندق في ( فيد ) ، وانتظر مجىء عيسى بن موسى . 

2 ـ نزل عيسى بقصر سليمان بالجرف صبيحة اثنتي عشرة من رمضان سنة خمسة وأربعين ومائة يوم السبت ، فأقام يوم السبت ويوم الأحد ، وغدا يوم الاثنين حتى استوى على سلع ، فنظر إلى المدينة وإلى من دخلها وخرج منها ، وحاصر جوانبها كلها بالخيل والرجال ، إلا ناحية مسجد أبي الجراح ، وهو على بطحان ، فإنه تركه لخروج من هرب من أهل المدينة.

الإجراءات الأولى قبل المواجهة الحربية

1 ـ كان الخليفة أبو جعفر قد أمر عيسى بأن يكتب اليه أسماء من يأتيه من آل أبى طالب مفارقا محمدا النفس الزكية، ومن لا يأتيه منهم يصادر أمواله . 

2 ـ وهو في ( فيد ) أرسل عيسى بن موسى برسائل من أبى جعفر المنصور تحمل أموالا في أكياس حرير ، للكبار من أهل المدينة ليشترى ولاءهم ، ونجحت هذه الطريقة في إنفضاض كثيرين عن محمد ، وعرف محمد بهذا فحبس في القيود جماعة منهم وضربهم ، وظلوا في الحبس الى أن إنتصر عيسى بن موسى فأطلقهم .

إعطاء الأمان لمحمد ومن معه

تقول الروايات أن عيسى بن موسى عرض الأمان مرارا على محمد ومن معه :

1 ـ دعوة حملها القاسم بن الحسن بن زيد إبن عم محمد :(  لما قرب عيسى أرسل إلى محمد القاسم بن الحسن بن زيد يدعوه إلى الرجوع عما هو عليه ويخبره أن أمير المؤمنين قد آمنه وأهل بيته ، فقال محمد للقاسم : " والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقك .." )  

2 ـ  يقول أحدهم : ( قدمنا مع عيسى فدعا محمدا ثلاثا ، الجمعة والسبت والأحد )

3 ـ (  لما عسكر عيسى أقبل على دابة ، يمشي حواليه نحو من خمسمائة ، وبين يديه راية يُسار بها معه ،  فوقف على الثنية ونادى : " يا أهل المدينة، إن الله قد حرم دماء بعضنا على بعض ، فهلموا إلى الأمان ، فمن قام تحت رايتنا فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، ومن ألقى سلاحه فهو آمن  ، ومن خرج من المدينة فهو آمن،  خلوا بيننا وبين أصحابنا ، فإما لنا أو له . " .. فشتموه وأقذعوا له، وقالوا : يا إبن الشاة ، يا إبن كذا يا إبن كذا . فانصرف يومه ذاك وعاد من الغد ففعل مثل ذلك ،  فشتموه ، فلما كان اليوم الثالث أقبل بما لم أر مثله قط من الخيل والرجال والسلاح فوالله ما لبثنا أن ظهر علينا ونادى بالأمان فانصرف إلى معسكره. )

 4 ـ (  لما التقينا نادى عيسى بنفسه : " أيا محمد ، إن أمير المؤمنين أمرني ألا أقاتلك حتى أعرض عليك الأمان ،  فلك عليّ نفسك وأهلك وولدك وأصحابك ، وتُعطى من المال كذا وكذا ، ويقضى عنك دينك ، ويفعل بك ويفعل .."  فصاح محمد : إلهُ عن هذا ، فوالله لو علمت أنه لا يثنيني عنكم فزع ولا يقربني منكم طمع  .")

5 ـ كان في جيش عيسى عشرة من شيوخ بنى هاشم وبنى أبى طالب ، بعث بهم الى محمد  يحملون الأمان له . قال لهم : " انطلقوا إلى القوم فادعوهم وأعطوهم أمانا " .. يقول الراوى وهو واحد منهم : (  فخرجنا حتى جئنا سوق الحطابين ، فدعوناهم فسبونا ورشقونا بالنبل ، وقالوا : "هذا ابن رسول الله معنا ، ونحن معه." ،  فكلمهم القاسم بن الحسن بن زيد فقال : " وأنا ابن رسول الله وأكثر من ترون بنو رسول الله ، ونحن ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وحقن دمائكم والأمان لكم " ، فجعلوا يسبوننا ويرشقوننا بالنبل ، فقال القاسم لغلامه : " القط هذه النبل " فلقطها ، فأخذها قاسم بيده،  ثم دخل بها إلى عيسى . فقال : ..انظر ما صنعوا بنا " ) فأرسل عيسى بن حميد قحطبة في مائة  .. 

6 ـ ( وقف القاسم بن الحسن ورجل معه من آل أبي طالب على رأس ثنية الوداع ، فدعوا محمدا إلى الأمان ، فسبهما ، فرجعا ..)

7 ـ ردّا على عروض الأمان من عيسى أرسل محمد إلى عيسى برسالة تقول : " يا هذا إن لك برسول الله قرابة قريبة وإني أدعوك إلى كتاب الله وسنة نبيه والعمل بطاعته وأحذرك نقمته وعذابه، وإني والله ما أنا بمنصرف عن هذا الأمر حتى ألقى الله عليه ، فإياك أن يقتلك من يدعوك إلى الله فتكون شر قتيل أو تقتله فيكون أعظم لوزرك وأكثر لمأثمك " ، فأرسل هذه الرسالة مع إبراهيم بن جعفر فبلغه فقال : " ارجع إلى صاحبك فقل له : "ليس بيننا إلا القتال . " ) . محمد النفس الزكية لا يزال في حُمقه سادرا يخاطب غريمه خطابا كهنوتيا يجعل نفسه داعيا الى الله جل وعلا ، وهو يطلب الدنيا بسفك الدماء دون جدارة سياسية أو حربية .

8 ـ وحتى بعد هزيمة محمد عرض عليهم عيسى الأمان، تقول الرواية : ( وبعث عيسى بألوية، فوضع على باب أسماء بنت حسن بن عبد الله واحد وعلى باب العباس بن عبد الله بن الحارث آخر وعلى باب محمد بن عبد العزيز الزهري آخر وعلى باب عبيد الله بن محمد بن صفوان آخر وعلى باب دار أبي عمرو الغفاري آخرا . وصاح مناديه : " من دخل تحت لواء منها أو دخل دارا من هذه الدور فهو آمن ". )

تطورات المواجهة الحربية :

1 ـ حاصر عيسى المدينة ، وزّع قوّاده على أنقاب المدينة وأركانها ، وقاد هو فرقة للرماة بالنشاب والمقاليع . ( المجانيق ) ، واستمر ضربها ساعة .

2 ـ كان محمد قد حفر خندقا ، فشهد هذا الخندق عمليات عسكرية . فلم يكن مانعا من ضربات النشاب وأحجار المقاليع . أمرهم عيسى فطرحوا حقائب الإبل في الخندق فجازت الخيل ، فالتقوا عند مفاتح خشرم فاقتتلوا حتى كان العصر. وتقدم حميد بن قحطبة في مائة رجل بالنشاب واشتبكوا مع جنود محمد في قتال استمر من الصباح الى العصر.

3 ـ وتقول رواية ان القتال استمر ثلاثة أيام  ، وكان مع محمد نفر من بنى شجاع من قبيلة جهينة، قاتلوا بضراوة حتى قُتلوا . 

الطابور الخامس للعباسيين داخل المدينة

1 ـ انضمّ بنو ابى عمر من قبيلة غفار  ( سرّا ) الى العباسيين ، ففتحوا طريقا سريا لجيشهم فهاجموا جيش محمد من الخلف . 

2 ـ ( وأمرت أسماء بنت حسن بن عبيد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب ــ وكانت تحت عبد الله بن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ــ بخمار أسود ، فنُصب على منارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رأى ذلك أصحاب محمد تنادوا : " دُخلت المدينة . " ، وهربوا . ) هذه إمرأة من بنى العباس متزوجة من ابن عمها ، وقد رفعت علم بنى العباس على منارة المسجد ، فتوهّم أصحاب محمد ان جند العباسيين اقتحموا المدينة فهربوا .

3 ـ إتخذ العباسيون لهم شعارا هو اللون الأسود ، حزنا على من قتلهم الأمويون من ذرية أبناء عمومتهم  من ذرية (على ) ، وكان من يثور على العباسيين يرفع علما أبيض ، ويقال ( سوّد ) أي انضم للعباسيين ، و( بيّض ) أي ثار على العباسيين . من المضحك أن أصحاب محمد رفعوا الرايات البيضاء .!

حُمق محمد وتردده

1 ـ دعا أهل المدينة في خطاب دينى لقتال الجيش العباسى ، خطبهم فقال : ( إن عدو الله وعدوكم عيسى بن موسى قد نزل الأعوص ، وإن أحق الناس بالقيام بهذا الدين أبناء المهاجرين الأولين والأنصار المواسين ) .  الخطاب الدينى منه حُمق .

2 ـ ثم كان تردده وتناقضه مظهرا آخر من مظاهر الحُمق . ونعطى أمثلة :

2 / 1 : قال أحدهم وكان في جيش محمد : ( اجتمع مع محمد جمع لم أر مثله ولا أكثر منه ، إني لأحسب أنا قد كنا مائة ألف ، فلما قرب عيسى خطبنا فقال : " يأيها الناس إن هذا الرجل قد قرب منكم في عدد وعُدّة ، وقد حللتكم من بيعتي ، فمن أحب المقام فليقم ، ومن أحب الانصراف فلينصرف" ، فتسللوا حتى بقي في شرذمة ليست بالكثيرة ). أي هو الذى سمح لجنوده بأن يتركوه .

2 / 2 : تقول رواية أخرى : (  لما ظهر محمد جمع الناس وحشرهم وأخذ عليهم المناقب فلا يخرج أحد . فلما سمع بعيسى وحميد بن قحطبة قد أقبلا صعد المنبر فقال : " يأيها الناس إنا قد جمعناكم للقتال وأخذنا عليكم المناقب، وإن هذا العدو منكم قريب ، وهو في عدد كثير ، والنصر من الله والأمر بيده ، وإنه قد بدا لي أن آذن لكم وأفرج عنكم المناقب ، فمن أحب أن يقيم أقام ومن أحب أن يظعن ظعن. " ... فخرج عالم من الناس كنت فيهم .. ) . هنا نراه قد حبس الناس ، ثم سمح لهم بالرحيل ، فرحلوا . وهو يقول ( وإنه قد بدا لي ).!

2 / 3 :  ثم ( بدا له ) أن يُطارد الذين سمح لهم بالخروج من المدينة ، تقول الرواية : (  خرج ناس كثير من أهل المدينة بذراريهم وأهليهم إلى الأعراض والجبال ، فأمر محمد أبا القلمس فرد من قدر عليه منهم ، فأعجزه كثير منهم ، فتركهم ).  هذا التردد والتخبّط في القرارات يضيّع الثقة في القائد ( العلمانى ) فكيف بقائد يجعل نفسه متحدثا باسم الدين ؟ .

 

 

 

 

مسلسل الحُمق في ذرية (على بن أبى طالب ) : ثورة محمد النفس الزكية عام  145 ( 4 )

هزيمة محمد النفس الزكية وقطع رأسه  

الالتحام الحربى

1 ـ  حاصر جيش عيسى بن موسى المدينة ، في نفس الوقت الذى أمر فيه عيسى بسدّ الطريق لمكّة  حتى لا يهرب اليها محمد النفس الزكية في الهروب . تقول الرواية عن أحدهم : (  لما نزل عيسى طرف القدوم أرسل إلي نصف الليل ، فوجدته جالسا والشمع والأموال بين يديه ، فقال : " جاءتني العيون تخبرني أن هذا الرجل في ضعف ... وقد ظننت ألا مسلك له إلا إلى مكة ، فاضمم إليك خمسمائة رجل ، فامض بهم معاندا عن الطريق ، حتى تأتي الشجرة فتقيم بها . ") وخاف أهلها منه ومن جنوده ، فزعم لهم أنه محمد النفس الزكية ، واشترى منه مؤنا وشرابا ، واقام يحرس الطريق حتى قُتل محمد .  

2 ـ في المبارزات بين الفريقين برزت بطولات في جيش محمد النفس الزكية ،

2 / 1 : كان أشهرهم أبو القلمس . تقول عنه الروايات :

2 / 1 / 1 : (  لقي أبو القلمس محمد بن عثمان أخا أسد بن المرزبان بسوق الحطابين ، فاجتلدا بسيفيهما حتى تقطعا ، ثم تراجعا إلى مواقفهما ، فأخذ أخو أسد سيفا وأخذ أبو القلمس بأسقية فوضعها على قربوس سرجه وسترها بدرعه ، ثم تعاودا ، فلما تدانيا قام أبو القلمس في ركائبه ثم ضرب بها صدره فصرعه ، ونزل فاحتزّ رأسه ).

2 / 1 / 2 : ( كنا مع محمد ( النفس الزكية ) فبرز رجل من أهل المدينة مولى لآل الزبير يدعى القاسم بن وائل ، فدعا للبراز فبرز إليه رجل لم أر مثل كماله وعدته فلما رآه ابن وائل انصرف .. فوجدنا  ( أي غضبنا ) من ذلك وجدا شديدا،  فإنا لعلى ذلك إذ سمعت خشف رجل ورائي ، فالتفت ، فإذا أبو القلمس ، فسمعته يقول  : " لعن الله أمير السفهاء أن ترك مثل هذا اجترأ علينا . " ) وبارز أبو القلمس هذا الرجل وقتله . ورواية أخرى تقول : (  خرج القاسم بن وائل يومئذ من الخندق ، ثم دعا للبراز ، فبرز له هزارمرد ( الخراسانى ) فلما رآه القاسم هابه،  فرجع ، فبرز له أبو القلمس ...ثم ضربه على حبل عاتقه فقتله . ) 

2 / 1 / 3 : بعد مقتل محمد النفس الزكية إختفى أبو القلمس في منطقة الفرع ، وكان معه زوجته ( أم ولد له ) وعبد مملوك له. وانتهز العبد فرصة فشدخ رأس أبى القلمس بصخرة فقتله . ثم قال للزوجة  : " إني قد قتلت سيدك فهلمي أتزوجك "  قالت : " رويدا أتصنع لك " أي تتجمّل وتتزين له . ( فأمهلها ، فأتت السلطان فأخبرته، فأُخذ العبد ، فشُدخ رأسه .)

3 ـ وهناك بطل لم تذكر الرواية إسمه مع إنه قتل ثلاثة من جيش عيسى في المبارزة ، ولم يجرؤ جنود عيسى على مواجهته فرموه بالسهام فأوقعوه ثم تعاونوا على قتله . يقول الراوى : ( ...فإني لأنظر إليهم عند أحجار الزيت وأنا مشرف عليهم من الجبل ( جبل سلع ) إذ نظرت إلى رجل من أصحاب عيسى قد أقبل مستلئما في الحديد لا ترى منه إلا عيناه على فرس ، حتى فصل من صف أصحابه ، فوقف بين الصفين ، فدعا للبراز ، فخرج إليه رجل من أصحاب محمد عليه ، قباء أبيض وكمه بيضاء ، وهو راجل ، فكلمه مليا ، ظننت أنه استرجله ( أي طلب من الفارس أن يترجّل على قدميه )  لتستوي حالاهما ، فنظرت إلى الفارس ثنى رجله ، فنزل ، ثم التقيا ، فضربه صاحب محمد ضربة على خوذة حديد على رأسه ، فأقعده على استه وقيذا لا حراك به ، ثم انتزع الخوذة فضرب رأسه فقتله ،  ثم رجع فدخل في أصحابه.  فلم ينشب أن خرج من صف عيسى آخر ،  كأنه صاحبه ، فبرز له الرجل الأول ، فصنع به مثل ما صنع بصاحبه ، ثم عاد إلى صفه.  وبرز ثالث فدعاه فبرز له فقتله . فلما قتل الثالث ولّي يريد أصحابه فاعتوره أصحاب عيسى ، فرموه فأثبتوه ، وأسرع يريد أصحابه، فلم يبلغهم حتى خر صريعا ، فقتلوه دونهم )

4 ـ  إبن خضير

4 / 1 : من ذرية مصعب بن الزبير ، وكان مخلصا لمحمد النفس الزكية ، ولما رأى ابن خضير أن الجيش العباسى قد أفنى معظم جيش محمد النفس الزكية ترك ميدان المعركة وذهب فذبح والى المدينة رياحا وأخاه وهما في الحبس ، ثم عاد يقاتل مستميتا في القتال بجانب محمد النفس الزكية ، رافضا نداء عيسى بن موسى له بالأمان ، وقد كان عيسى لا يريد قتله . تقول الرواية عن احدهم : ( كنت بالثنية يوم قتل محمد بن عبد الله بن حسن ،  ومعه ابن خضير ... فجعل ابن قحطبة يدعو ابن خضير إلى الأمان ، ويشح به عن الموت ، وهو يشد على الناس بسيفه مترجلا ، فخالط الناس ( أي دخل في جيش العباسيين ) فضربه ضارب على إليته فخلعها ) أي ضربه من خلفه ( فرجع إلى أصحابه ، فشق ثوبا فعصبها إلى ظهره ، ثم عاد إلى القتال ، فضربه ضارب على حجاج عينه فأغمد السيف في عينه،  وخرّ ، فابتدره القوم ، فحزوا رأسه . ) , يقول الراوى بعدها ( فلما قتل ترجل محمد فقاتل على جيفته حتى قتل ) أي قاتل محمد النفس الزكية مترجلا ليمنعهم من قطع رأس ابن خضير ، وظل يقاتل حتى قتلوه .

4 / 2 : وعن جُثة ابن خضير ورأسه تقول الرواية عن أحدهم : ( أتينا برأس ابن خضير ، فوالله ما جعلنا نستطيع حمله ، لما كان به من الجراح ، والله لكأنه باذنجانة مفلقة وكنا نضم أعظمه ضما . )

4 / 3 : وفى صلب جسده مع الآخرين بعد قتل محمد النفس الزكية تقول الرواية : (  لمّا كان الغد من قتل محمد ، أذن عيسى في دفنه ، وأمر بأصحابه فصلبوا ما بين ثنية الوداع إلى دار عمر بن عبد العزيز ..فرأيتهم صفين ، ووكّل بخشبة ابن خضير من يحرسها ، فاحتمله قوم في الليل فواروه ، ولم يُقدر عليهم . واقام الآخرون مصلبين ثلاثا ،  ثم تأذى بهم الناس ، فأمر عيسى بهم فألقوا على المفرح من سلع ، وهي مقبرة اليهود ، فلم يزالوا هنالك ، ثم ألقوا في خندق بأصل ذباب . )

محمد النفس الزكية يقاتل بنفسه

1 ـ حين تأكدت هزيمته نصحه بعضهم بالهرب الى مكة وفيها واليه الحسن بن معاوية من ذرية جعفر بن أبى طالب . فرفض . تقول الرواية  عن عبد الله بن جعفر:  ( دنوت منه فقلت له : " بأبي أنت ، إنه والله مالك بما رأيت طاقة ، وما معك أحد يصدق القتال ، فاخرج الساعة حتى تلحق بالحسن بن معاوية بمكة ، فإن معه جُلّة أصحابك . "  فقال  : " يا أبا جعفر والله لو خرجت لقتل أهل المدينة ، والله لا أرجع حتى أقتل أو أُقتل ، وأنت مني في سعة ، فاذهب حيث شئت . " . ونصحته ربيحة بنت أبي شاكر القرشية ، فقالت له : " جُعلت فداك ، انج بنفسك " قال : " إذا لا يبقى بها ديك يصرخ. ")

2 ـ كانت سهام العباسيين تحصد أصحابه ، وقال لمن بقى من أصحابه: ( قد بايعتموني ولست بارحا حتى أقتل ، فمن أحب أن ينصرف فقد أذنت له . " ثم أقبل على ابن خضير فقال له: " قد أحرقت الديوان "؟ قال  : " نعم ، خفت أن يؤخذ الناس عليه"  قال : " أصبت "). أي أحرق السجلات التي فيها أسماء أصحابه وبياناتهم .

3 ـ ثم اغتسل وتحنط ( إستعدادا للموت ) وصلّى العصر ، وعرقب دابته ليقاتل راجلا ، وفعل مثله أصحابه ، وكسروا غُمُد سيوفهم ، والتحم في القتال ، وتبالغ بعض الروايات فتقول (    وترجل محمد ، فإني لأحسبه قتل بيده يومئذ سبعين رجلا .) وتقول رواية أخرى ( لقد هزمنا يومئذ أصحاب عيسى مرتين أو ثلاثا ولكنا لم نكن نعرف الهزيمة . ) 

4 ـ وفى معمعة القتال دعا محمد النفس الزكية للمبارزة حميدا بن قحطبة . تقول الرواية : ( نادى محمد يومئذ حميد بن قحطبة : " إن كنت فارسا وأنت تعتد ذاك على أهل خراسان فابرز لي فأنا محمد بن عبد الله : قال  : " قد عرفتك، وأنت الكريم ابن الكريم الشريف ابن الشريف. لا والله يا أبا عبد الله لا أبرز لك وبين يدي من هؤلاء الأغمار إنسان واحد ، فإذا فرغت منهم فسأبرز لك لعمري . " )

5 ـ و إتّهم عيسى بن موسى قائده ابن قحطبة بالتهاون في أمر محمد النفس الزكية ، تقول الرواية (  قال عيسى لحميد بن قحطبة عند العصر : " أراك قد أبطأت في أمر هذا الرجل فول حمزة بن مالك حربه" ) أي طلب منه أن يعتزل القيادة . وغضب ابن قحطبة فقال : " والله لو رمت أنت ذاك ما تركتك . أحين قتلت الرجال ووجدت ريح الفتح ؟. "  ثم جدّ  في القتال حتى قتل محمد ). وتقول رواية أخرى : ( اتهم عيسى حميد بن قحطبة يومئذ ، وكان على الخيل ، فقال : " يا حميد ما أراك تبالغ .! " قال : " أتتهمني ؟ فوالله لأضربن محمدا حين أراه بالسيف أو اقتل دونه. "... فمرّ به وهو مقتول ، فضربه بالسيف ليبرّ بيمينه . )، وهذه رواية تتعارض مع روايات أخرى في قتل محمد النفس الزكية .

مقتل محمد النفس الزكية

1 ـ باختصار تقول الرواية : (  كثروا محمدا ( أي تكاثروا عليه وكانوا أكثر منه عددا ) وألحوا في القتال ، حتى قتل محمد في النصف من شهر رمضان سنة خمسة وأربعين ومائة. وحُمل رأسه إلى عيسى بن موسى ، فدعا ابن أبي الكرام فأراه إياه فعرفه ، فسجد عيسى بن موسى ، ودخل المدينة وآمن الناس كلهم . وكان مكث محمد بن عبد الله من حين ظهر إلى أن قتل شهرين وسبعة عشر يوما .) وتقول رواية أخرى : ( قتل محمد بعد العصر يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان . )

2 ـ وهناك تفصيلات مختلفة في مقتله : 

2 / 1 : منها من يجعل قاتله حميد بن قحطبة :

2 / 1 / 1 : ( ودخل حميد بن قحطبة من زقاق أشجع على محمد فقتله ، وهو لا يشعر ، وأخذ رأسه فأتى به عيسى ، وقتل معه بشرا كثيرا )

2 / 1 / 2 : (  طعنه ابن قحطبة في صدره فصرعه ثم نزل فاحتز رأسه، فأتى به عيسى )

2 / 2 : ومنها ما لم يحدد له قاتلا :

2 / 2 / 1 : (  رأيت محمدا يومئذ باشر القتال بنفسه فأنظر إليه حين ضربه رجل بسيف دون شحمة أذنه اليمنى ، فبرك لركبتيه وتعاوروا عليه ، وصاح حميد بن قحطبة : " لا تقتلوه " ، فكفوا وجاء حميد فاحتزّ رأسه .! )

2 / 2 / 2 : ( برك محمد يومئذ لركبتيه وجعل يذب عن نفسه ويقول : " ويحكم أنا ابن نبيكم محرج مظلوم  ).

2 / 2 / 3 : (  رأيت محمدا يومئذ .... يهذ الناس بسيفه هذا ، ما يقاربه أحد إلا قتله، ومعه سيف لا والله ما يليق شيئا ، حتى رماه إنسان بسهم ، كأني أنظر إليه أحمر أزرق ، ثم دهمتنا الخيل ، فوقف إلى ناحية جدار ، فتحاماه الناس ، فوجد الموت فتحامل على سيفه فكسره .)

الروايات عن رأس محمد النفس الزكية

1 ـ أحدهم ( أبو كعب ) قال : ( حضرت عيسى حين قتل محمدا ، فوضع رأسه بين يديه ، فأقبل على أصحابه فقال : " ما تقولون في هذا ؟ "  فوقعوا فيه ، ( أي شتموه ) ..فأقبل عليهم قائد له فقال : " كذبتم والله وقلتم باطلا. ما على هذا قاتلناه ، ولكنه خالف أمير المؤمنين وشق عصا المسلمين ، وإن كان لصوّاما قوّاما . " فسكت القوم . ) 

2 ـ ( لما قتل محمد  ولحق عيسى بعسكره بالجرف ، فكان به ( أي أقام فيه ) حتى أصبح ، ثم بعث بالبشارة مع القاسم بن حسن بن زيد ، وبعث بالرأس مع ابن أبي الكرام ) (  حدثنا ابن أبي الكرام قال : بعثني عيسى برأس محمد وبعث معي مائة من الجند....  فجئنا حتى إذا أشرفنا على النجف كبّرنا.. فقال أبو جعفر ( المنصور ) للربيع ( الحاجب ) " ويحك ما هذا التكبير؟"  قال : " هذا ابن أبي الكرام جاء برأس محمد بن عبد الله . " قال : " ائذن له ولعشرة ممن معه " .. فأذن لي فوضعت الرأس بين يديه في ترس . " ).

3 ـ (  لما قُدم برأس محمد على أبي جعفر ( المنصور )  وهو بالكوفة، أمر به فطيف في طبق أبيض  .... فلما أمسى من يومه بعث به إلى الآفاق ) أي الى الولايات ..

أخيرا :

يا أهلا بالسّلف الصالح .!

 

مسلسل الحُمق في ذرية (على بن أبى طالب ) : فشل ثورة إبراهيم ومقتله عام 145

مقدمة :

1 ـ  في نفس السنة شارك إبراهيم أخاه محمدا النفس الزكية ثورته وحُمقه وخيبته ، وفى النهاية قتلوه وقطعوا رأسه وطافوا بها تماما كما فعلوا مع أخيه .

2 ـ حُمق إبراهيم كان أكبر من حُمق أخيه محمد لأن إبراهيم توفرت له من أسباب القوة ما لم يتوفر لأخيه بسبب الموقع في العراق حيث الوفرة من الرجال ومن المؤن والعتاد ، ومن حيث إقترابه من الكوفة عاصمة العباسيين وقتها ، وهى مليئة بالشيعة أعداء أبى جعفر المنصور ، وكان أبو جعفر وقتها في قليل من الجنود ، وأغلب جنوده قد بعثهم الى المدينة وغيرها . حُمق إبراهيم أضاع عليه إستغلال كل الفرص المُتاحة له ، فانهزم وفقد رأسه ، وطيف بها في الآفاق كما فعلوا برأس أخيه .

3 ـ ونعطى لمحة عن ثورة إبراهيم وفشله .

تحركاته الأولى في البصرة

1 ـ جاء للبصرة في مستهل رمضان سنة خمس وأربعين ومائة، بعثه أخوه إليها بعد ظهوره بالمدينة‏.‏  إختفى في دار الحارث بن عيسى، من بني ضبيعة ، وكان لا يراه أحد بالنهار، وتنقل في دور أخرى ، منها يحيى بن زياد بن حسان النبطي، و دار أبي فروة.

2 ـ أول من بايعه‏:‏ نميلة بن مرة، وعبد الله بن سفيان، وعبد الواحد بن زياد، وعمر بن سلمة الهجيمي، وعبيد الله بن يحيى بن حصين الرقاشي‏.‏ وجمعوا له الأنصار ( فبايعه كثيرون ، واستفحل أمره، تفاقم الخطب به. ) ( وكان ديوانه قد أحصى مائة ألف،)   

3 ـ وخرج إبراهيم ليلة الاثنين لغرة شهر رمضان من سنة خمس وأربعين ، فصار إلى مقبرة بني يشكر في بضعة عشر فارسًا ، فاستولى على دواب وأسلحة لوالى البصرة (سفيان بن معاوية ) ، وصلى بالناس الغداة بالمسجد الجامع ، وتحصن والى البصرة في الدار ، ثم طلب الأمان ، فأجيب له .وحبسه في القصر ، وقيده قيدًا خفيفًا‏.‏ ووجد ببيت المال ستمائة ألف، ففرّق على أصحابه لكل رجل خمسين . ووجه رجلًا إلى الأهواز فبايعوا له ، وهزم إبراهيم والى الأهواز ، وجاء مدد من العباسيين لنجدة والى البصرة من ستمائة رجل يقودهم جعفرً ومحمدًا ابني سليمان بن علي ، فهزمهما إبن المضاء بن جعفر في ثمانية عشر فارسًا وثلاثين راجلًا .   وصارت البصرة والأهواز وفارس في سلطان إبراهيم ،  وظل إبراهيم مقيمًا بالبصرة يبعث بالولاة في النواحي ويوجه الجيوش إلى البلدان ، حتى أتاه نعي أخيه محمد ، فأخبر الناس بذلك فازدادوا بصيرة في قتال أبي جعفر المنصور‏.‏

موقف المنصور

1 ـ كان في قلّة من الجنود . حين بلغه الخبر قال : (  والله ما أدري ما أصنع . ما في عسكري سوى ألفي رجل ، فرقت جندي مع المهدي، بالري ثلاثون ألفًا ، ومع محمد بن الأشعث بإفريقية أربعون ألفًا ، والباقون مع عيسى بن موسى‏.‏ والله لئن سلمت من هذا لا يفارق عسكري ثلاثون ألفًا‏.‏) ‏( ولم يبق مع المنصور سوى ألفي فارس‏.‏)

 2 ـ ثم أرسل يستدعى قواده وجنوده . ( كتب إلى عيسى‏:‏ إذا قرأت كتابي هذا فأقبل ودع ما أنت فيه‏.‏ فلم يلبث أن قدم فبعثه على الناس ، وكتب إلى سالم بن قتيبة فقدم عليه من الري فضمه إلى جعفر بن سليمان ، وكتب إلى المهدي يأمره بتوجيه خازم بن خزيمة إلى الأهواز فوجهه في أربعة آلاف من الجند .)  ( فوصلها وقاتل المغيرة، فرجع المغيرة إلى البصرة، واستباح خزيمة الأهواز ثلاثاً )(   واستباح خزيمة الأهواز ثلاثاً )

3 ـ وكان المنصور وقتها في حال بائس . تقول الروايات :

3 / 1 :( وتوالت على المنصور الفتوق من البصرة والأهواز وفارس وواسط والمدائن والسواد، وكان إلى جانب إبراهيم أهل الكوفة في مائة ألف مقاتل .)

3 / 2 :( وبقي المنصور على مصلاه خمسين يوماً ينام عليه، ويجلس عليه، وعليه جبة ملونة قد اتسخ جيبها لا غيرها ولا هجر المصلى، إلا أنه كان إذا ظهر للناس لبس السواد، فإذا فارقهم رجع إلى هيئته. وأهديت إليه امرأتان من المدينة، إحداهما فاطمة بنت محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، والأخرى أم الكريم ابنة عبد الله من ولد خالد بن أسيد، فلم ينظر إليهما، فقيل له: إنهما قد ساءت ظنونهما. فقال:" ليست هذه أيام نساء ولا سبيل إليهما حتى أنظر رأس إبراهيم لي أو رأسي له . " )

3 / 3 :( وكان قد أعد دواب وإبلًا فإن كانت الكرة عليه خرج للري‏.‏) أي أعد وسيلة للهرب لو انتصر إبراهيم .

4 ـ تحركات مُضادة لأبى جعفر المنصور:

4 / 1 : وقتها كان المنصور يؤسّس مدينة بغداد ، فتحوّل عن موقعها الى الكوفة التي كانت عاصمة له . وكان يبعث عملاءه يقتلون كل من يشتبهون به أن هواه مع إبراهيم .

4 / 2 : كانت الوفود تأتى الى البصرة لمناصرة إبراهيم ، فأرسل أبو جعفر المنصور كمائن تقتلهم في الطريق ، ثم يعلّق رءوسهم في الكوفة لإرهاب أهلها.

4 / 3 : إستدعى القائد حرب الراوندي، وكان مرابطاً بالجزيرة في ألفي فارس لقتال الخوارج ، فأقبل بمن معه ، وفى الطريق تقاتل مع أهل قرية من أتباع إبراهيم، فقتل منهم خمسمائة وأرسل برؤوسهم إلى المنصور‏. ‏فقال‏:‏ هذا أول الفتح‏.‏) 

4 / 4 : ( وكان يأمر بالنيران الكثيرة فتوقد ليلاً، فيحسب الناظر إليها أن ثمَّ جنداً كثيراً‏.‏)

  المواجهة الحربية

1 ـ رواية موجزة تقول : ( وكان قد أحصى ديوان إبراهيم من أهل البصرة مائة ألف، فالتقى عيسى وإبراهيم فاقتتلوا قتالًا شديدًا ، إلى أن جاء سهمٌ غائر لا يدرون من رمى به ، فوقع في حلق إبراهيم، فنحُّوه عن موضعه وقال‏:‏ أنزلوني‏.‏ فأنزلوه وهو يقول‏:‏" أردنا أمرًا وأراد الله غيره "، فأنزل وهو مثخن ، واجتمع عليه أصحابه يقاتلون دونه ،  فشدوا عليهم فخلصوا إليه، فجزُّوا رأسه ، فأتوا به عيسى ، فسجد ، وبعث به إلى أبي جعفر فقال‏:‏ والله لو كنت لهذا كارهًا ولكني ابتليت بك وابتليت بي‏.‏ فنصبه في السوق وكان قتله يوم الاثنين لخمس بقين من ذي القعدة سنة خمس وأربعين وكان يوم قتل ابن ثمان وأربعين سنة‏.‏ ومكث منذ خرج إلى أن قتل ثلاثة أشهر إلا خمسة أيام‏.‏ )

2 ـ روايات تفصيلية :

2 / 1 : ( وأقبل الجيشان فتصافوا في باخمرى،  وهي على ستة عشر فرسخاً من الكوفة، فاقتتلوا بها قتالاً شديداً ، فانهزم حميد بن قحطبة بمن معه من المقدمة، فجعل عيسى يناشدهم الله في الرجوع والكرة فلا يلوي عليه أحد، وثبت عيسى بن موسى في مائة رجل من أهله، فقيل له‏:‏ " لو تنحيت من مكانك هذا لئلا يحطمك جيش إبراهيم‏."، فقال‏:‏ " والله لا أزول منه حتى يفتح الله لي، أو أقتل هاهنا . " . ثم اجتلدوا هم وأصحاب إبراهيم فاقتتلوا قتالاً شديداً، وقتل من كلا الفريقين خلقٌ كثيرٌ، ثم انهزم أصحاب إبراهيم وثبت هو في خمسمائة‏. وقيل‏:‏ في أربعمائة‏. وقيل‏:‏ في تسعين رجلاً‏. ).

2 / 2 : ( فاقتتل الناس قتالاً شديداً وانهزم حميد بن قحطبة وانهزم الناس معه، فعرض لهم عيسى يناشدهم الله والطاعة فلا يلوون عليه. فأقبل حميد منهزماً، فقال له عيسى: " الله الله والطاعة!" فقال: " لا طاعة في الهزيمة!" ومرّ الناس فلم يبق مع عيسى إلا نفر يسير، فقيل له: " لو تنحيت عن مكانك حتى تؤوب إليك الناس فتكُرّ بهم. " فقال: " لا أزول عن مكاني هذا أبداً حتى أُقتل أو يفتح الله على يدي، والله لا ينظر أهل بيتي إلى وجهي أبداً وقد انهزمت عن عدوهم!" وجعل يقول لمن يمر به: " أقريء أهل بيتي السلام وقل لهم لم أجد فداً أفديكم به أعز من نفسي وقد بذلتها دونكم! " فبيناهم على ذلك لا يلوي أحد على أحد إذ أتى جعفر ومحمد ابنا سليمان ابن علي من ظهور أصحاب إبراهيم، ولا يشعر باقي أصحابه الذين يتبعون المنهزمين حتى نظر بعضهم فرأى القتال من ورائهم فعطفوا نحوه، ورجع أصحاب المنصور يتبعونهم، فكانت الهزيمة على أصحاب إبراهيم، فلولا جعفر ومحمد لتمت الهزيمة، وكان من صنع الله للمنصور أن أصحابه لقيهم نهر في طريقهم فلم يقدروا على الوثوب ولم يجدوا مخاضة، فعادوا بأجمعهم، وكان أصحاب إبراهيم قد مخروا الماء ليكون قتالهم من وجه واحد، فلما انهزموا منعهم الماء من الفرار، وثبت إبراهيم في نفر من أصحابه يبلغون ستمائة، وقيل أربعمائة، وقاتلهم حميد وجعل يرسل بالرؤوس إلى عيسى، وجاء إبراهيم سهمٌ عائر فوقع في حلقه فنحره، فتنحى عن موقفه وقال: أنزلوني، فأنزلوه عن مركبه  ....واجتمع عليه أصحابه وخاصته يحمونه ويقاتلون دونه، فقال حميد بن قحطبة لأصحابه: " شُدُّوا على تلك الجماعة حتى تزيلوهم عن موضعهم وتعلموا ما اجتمعوا عليه. "؛ فشدوا عليهم فقاتلوهم أشد قتال حتى أفرجوهم عن إبراهيم ، ووصلوا إليه وحزُّوا رأسه  ، فأتوا به عيسى، فأراه ابن أبي الكزام الجعفري فقال:" نعم هذا رأسه ". فنزل عيسى إلى الأرض فسجد وبعث برأسه إلى المنصور. ) ( وكان قتله يوم الأثنين لخمس ليالٍ بقين من ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومائة، وكان عمره ثمانياً وأربعين سنة، ومكث منذ خرج إلى أن قتل ثلاثة أشهر إلا خمسة أيام.قال أبو نعيم الفضل بن دكين‏:‏ كان مقتل إبراهيم في يوم الخميس لخمس بقين من ذي الحجة من هذه السنة‏.)‏

رأس إبراهيم

العثور على جثة إبراهيم : تقول رواية:( استظهر عيسى بن موسى وأصحابه، وقتل إبراهيم في جملة من قتل ، واختلط رأسه مع رؤوس أصحابه، فجعل حميد يأتي بالرؤوس إلى عيسى بن موسى حتى عرفوا رأس إبراهيم فبعثوه مع البشير إلى المنصور . )

الروايات المختلفة عن موقف المنصور من رأس إبراهيم  :

1 ـ ( ولما جيء بالرأس تمثل المنصور ببيت معقر بن أوس بن حمار البارقي‏:‏

فألقت عصاها واستقر بها النوى * كما قرَّ عيناً بالإياب المسافر )

2 ـ (  وحُمل رأس إبراهيم إلى المنصور فوضع بين يديه، فلما رآه بكى حتى خرجت دموعه على خد إبراهيم ثم قال: أما والله إني كنت لهذا كارهاً! ولكنك ابتليت بي وابتليت بك! ثم أمر بالرأس فنصب بالسوق‏.)

  الروايات عن موقف أصحاب المنصور من رأس إبراهيم :

1 ـ ( ثم جلس ( المنصور ) مجلساً عاماً وأذن للناس. فكان الداخل يدخل فيتناول إبراهيم ويسيء القول فيه ويذكر فيه القبيح التماساً لرضاء المنصور، والمنصور ممسك متغير لونه، حتى دخل جعفر بن حنظلة الدارمي فوقف فسلم ثم قال: "أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمك، وغفر له ما فرط فيه من حقك! " ، فأسفر لون المنصور وأقبل عليه وقال: يا أبا خالد مرحباً ها هنا! فعلم الناس أن ذلك يرضيه، فقاتلوا مثل قوله )

2 ـ ( وقيل: لما وضع الرأس بصق في وجهه رجل من الحرس، فأمر به المنصور فضرب بالعمد فهشمت أنفه ووجهه، وضرب حتى خمد، وأمر به فجروا رجله فألقوه خارج الباب .)

أخيرا : حُمق إبراهيم

 تجلى حُمق إبراهيم في تردده ورفضه النصائح . ونعطى أمثلة :

1 ـ  أضاع فرصة هائلة ؛ كان لديه مائة ألف مقاتل ، كان يستطيع أن يهزم بهم المنصور وقت أن كان في جنود قليلين ، : نصحه بعضهم فقال : "‏ إنك قد اقتربت من المنصور فلو أنك سرت إليه بطائفة من جيشك لأخذت بقفاه فإنه ليس عنده من الجيوش ما يردون عنه‏." رفض  .

2 ـ نصحه بعضهم أن يهاجم عيسى ليلا وفجأة ، فرفض قائلا : " أكره البيات إلا بعد الإنذار."

3 ـ رفض نصيحة بأن يجعل جيشه مقسما الى ( كراديس ) ، تقول الرواية : ( ثم إنهم تصافوا، فصف إبراهيم أصحابه صفاً واحداً، فأشار عليه بعض أصحابه بأن يجعلهم كراديس، فإذا انهزم كردوس ثبت كردوس، فإن الصف إذا انهزم بعضه تداعى سائره. فقال الباقون: لا نصُفُّ إلا صفّ أهل الإسلام، يعني قول الله ( إنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ في سَبِيِلِهِ صَفّاً ) الصف 4 ). أخذ إبراهيم برأيهم ، ونسى قول الله جل وعلا  : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمْ الأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16 ) الأنفال )

4 ـ  عندما هزموا جيش المنصور في البداية منع إبراهيم جنوده من تعقبهم ، تقول الرواية : ( كان سبب انهزام أصحابه أنهم لما هزموا أصحاب المنصور وتبعوهم ونادى منادي إبراهيم: ألا لا تتبعوا مدبراً! فرجعوا، فلما رآهم أصحاب المنصور راجعين ظنوهم منهزمين فعطفوا في آثارهم، وكانت الهزيمة. ).

 

الخاتمة

أولا :

1 ـ تخيّل قرية ما يعيش سكانها في هدوء لا يسمع بهم أحد . ثم ظهرت فيها عصابة ، إشتهرت العصابة ، وارتبط إسم القرية بهذه العصابة . لا أحد يعرف أهل القرية الطيبين ، ولكن المجرمين هم الذين ترددت شهرتهم في الإعلام . وفيما بعدُ لن يتذكر الناس من هذه القرية سوى أسماء مجرميها ، أما الأهالى فلن يعرفهم أحد . ولو جاء مؤرخ فلن يسجل إلا ما هو مذكور في الصحف وما تواتر على ألسنة الناس ، أي لن يذكر من هذه القرية سوى مجرميها . لهذا نقول إن التاريخ ينام في أحضان الطغاة .

 في ألمانيا في أربعينيات القرن الماضى كان فيها الملايين من غير النازيين ، لم يذكرهم التاريخ لأنه إنشغل بهتلر وأتباعه ، وهكذا في نفس الحال في كل زمان ومكان . ربما تغيّر الأمر بعض الشىء بظهور السوشيال ميديا التي أتاحت حيّزا للناس العاديين أن يعبروا عن أنفسهم وأحوالهم وآرائهم . لكن تظل الحقيقة سافرة : إن التاريخ لا يهتم إلا بأكابر المجرمين من المستبدين ورجال الدين ، الذين يصلون للحكم وبالفساد ، وبهم يعُمُّ الفساد .

2 ـ ينطبق هذا على تاريخ المسلمين ، فهو يدور حول أكابر المجرمين من الخلفاء والسلاطين وأعوانهم من رجال الدين . أما المستضعفون فلا يهتم بهم التاريخ إلا بالأوصاف ، أو عندما يتعرضون لكارثة ، يذكرهم بدون أسماء ، في سياق خبر فعله أحد كبار المجرمين المذكور بالاسم والوصف والوظيفة .

3 ـ يظهر هذا واضحا في التناقض بين القصص القرآنى عن عصر النبى محمد عليه السلام ، والتاريخ المكتوب عن الصحابة بعده . لقد ذكر رب العزة جل وعلا في سورة التوبة  السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار : ( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) ، وذكر في سورة الأحزاب الصحابة الذين صدقوا الله جل وعلا ما وعدهم: (  وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً (22) مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23) ، والصحابة في سورة الحشر الذين هاجروا تاركين أموالهم وديارهم إبتغاء مرضاة الرحمن جل وعلا فأصبحوا فقراء في المدينة : ( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ (8)). القصص القرآنى لا يهتم بذكر الأسماء لأنه ليس تاريخا ، هو قصص للعبرة والهداية . التأريخ للمسلمين تم تدوينه بعد عقود من الروايات الشفوية ، صنع أحداثا لا أصل لها ، واشخاصا لا أصل لهم ، وإختلف مع ما ذكره رب العزة جل وعلا في تصوير شخصية النبى محمد الذى أرسله الله جل وعلا بالقرآن الكريم رحمة للعالمين .

هذه كلها خطايا هائلة . ولكن يهمنا منها في موضوعنا أن هذا التاريخ وقع في نفس الخطأ ، أي أهمل تماما الصحابة السابقين بالعمل الصالح ، وركّز على أكابر المجرمين الذين قاموا بالفتوحات ، وغيّروا موازين القوى في عصرهم ، وكوّنوا امبراطورية تحت شعار الإسلام ، وهى ضد الإسلام . جعلهم التاريخ آلهة ، وأطلق عليهم لقب ( الخلفاء الراشدين )، تمييزا لهم عمّن جاء بعدهم من الخلفاء الأمويين والعباسيين والفاطميين والعثمانيين .

4 ـ مع هذا نجد العُذر للتاريخ والمؤرخين ، فقد كتبوا التاريخ بأثر رجعى ، كتبوه بعد عقود من الروايات الشفهية ، وفى ظل عصور الخلافة التي تستمد شرعيتها السياسية والدينية من الخلفاء الأوائل مؤسسى الإمبراطورية العربية ، ولأنهم ــ وهذا هو الأهم ـ لم يعثروا على أي أخبار عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار . لماذا ؟ لأن السابقين حافظوا على التقوى حتى موتهم فاستحقوا الجنة . أي رفضوا المشاركة في الفتوحات ، ورفضوا التصارع على حُطام الدنيا ورفضوا إستخدام إسم الإسلام العظيم في الاعتداء على أقوام لم يبدأوا العرب بالاعتداء ، ورفضوا إحتلال بلاد الغير وسلب أموالهم وإسترقاق نسائهم وذراريهم باسم الإسلام ظلما وعدوانا . هؤلاء السابقون رأوا في كل ذلك تناقضا مع ما عاشوا عليه في صُحبتهم للنبى محمد عليه السلام ، لذا آثروا الابتعاد عن المشهد والانسحاب من مسرح الأحداث ، فجاء التاريخ فلم يجد سوى أكابر المجرمين . 

ثانيا :

1 ـ هذا يذكّرنا بقوله جل وعلا :

1 / 1 :  ( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) القصص) . فالذين لا يريدون عُلُوّا في الأرض ولا فسادا هم المتقون أصحاب الجنة في الدار الآخرة . أما الذين يريدون العُلُوّ فوق رءوس الناس فلا يمكن أن يصلوا لهذا إلا بالفساد وسفك الدماء والإرهاب ، ولا يمكن أن يحتفظوا بالعلو إلا بالفساد وسفك الدماء والإرهاب .

1 / 2 : ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (67) وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً (71) وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (74) الفرقان ) .

1 / 2 / 1 : يتّضح من الآيات الكريمة أن عباد الرحمن هم المتقون أصحاب الجنة . يستحيل أن يكون منهم أولئك الذين يريدون عُلُوّا في الأرض وفسادا . على النقيض من ( عباد الرحمن ) تجد ( شياطين الإنس ، من أكابر المجرمين من المستبدين ورجال الدين . هل تتصوّر أحدهم يمشى على الأرض هونا وإذا خاطبه الجاهلون قال سلاما ؟ هل تتصورهم يبيتون لربهم سُجّدا وقياما ؟ هل تتخيلهم يخشون عذاب الآخرة ؟ هل تتصورهم لا يقعون في خطايا الكفر والقتل والزنا ؟

1 / 2 / 2 :  تاريخ الخلفاء والسلاطين والحكام المستبدين كان ــ ولا يزال ـ مسلسلا من سفك الدماء والتعذيب والظلم  والقهر والبهتان ، ويعينهم عليه أتباعهم من رجال الدين ، وهما معا  ( أكابر المجرمين ) ، وهما معا ( الأبطال في التاريخ )، وهم حاليا نجوم المجتمعات التي تتناثر أخبارهم في الصحف والمجلات والقنوات  . 

ثالثا :

1 ـ أكابر المجرمين من السلاطين أنواع ، منهم :العلمانى الذى لا يؤسّس سلطانه على زعم دينى . قد يلجأ أحيانا الى مسوغات دينية هامشية ، لكن تظلُ قوته في مهارته السياسية وفى إمتلاكه أدوات القوة. هذا لو فشل في الوصول الى الحكم أو في الاحتفاظ به فهو فاشل ، ولكن لا يصحُّ وصفه بالحُمق .

2 ـ المستحق للوصف بالحمق هو الذى يرى نفسه متميزا عن الآخرين بسبب دينى ، ويرى هذا كافيا للوصول للحكم أو الاحتفاظ به . بسبب هذا التميّز ـ الذى يؤمن ـ به تراه لا يأخذ بأسباب القوة ، ولا بألاعيب السياسة ، وبهذا الحمق يخسر وينهزم ويفقد حياته .

3 ـ الشيء الغريب هو توارث هذا الحُمق في (على ) والطامحين للحكم من ذريته . (على ) كان يرى نفسه متميزا عن زملائه خلفاء الفتوحات بأنه الوحيد صاحب ( تراث محمد )، أي الذى ينبغي أن يكون الوارث سياسيا بالخلافة والوارث ماليا في غنائم الفتوحات . وعلى سُنّته سار الحسين ثم زيد بن على بن الحسين ثم يحيى بن زيد ، ثم محمد النفس الزكية وأخوه إبراهيم .

4 ـ لو كان (على ) من السابقين عملا وإخلاصا ما عرفه أحد . ولكنه دخل في صراع دنيوى ، يسفك الدماء في الفتنة الكبرى ، وبدون أن يتّخذ للأمر عُدّته كما فعل غريمه معاوية ، بل بلغ (على ) في حمقه أنه هو الذى أعان معاوية على نفسه بسوء سياسته ، والتفصيل في كتابنا ( المسكوت عنه من تاريخ الخلفاء الراشدين .  وسلك بعض ذريته مسلكه   في الصراع على السلطة بنفس الحُمق .

4 ـ، هم ذرية حمقاء بعضها من بعض .

5 ـ  والأحمق منهم من يؤلههم ويتخذهم أربابا من دون الله جل وعلا .

 

 

 

 

فتوى متعلقة بالموضوع

عن ابنى والحسين .؟

الثلاثاء 03 نوفمبر 2020

نص السؤال :

هذا ما كتبته أنت عن إبنك "فى شجاعة نادرة تتفق مع تاريخه النضالى المشرّف قرر شريف منصور الرجوع الى مصر ليكون مع رفاقه النشطاء (المتهمين) بالدعوة للديمقراطية فى قضية التمويل الأجنبى" https://www.ahl-alquran.com/arabic/show_news.php?main_id=24342 ما قام به إبنك في رأيك إنه شجاعه نادره تستحق المدح لكن لما كتبت عن علي بن أبي طالب والثائرين من ذريته وصفتهم بإنهم كانوا حمقى. إبنك شجاع لكن الحسين أحمق .. إبنك الذي جلس في طائره ودخل السجن بباسبور أمريكي وربما زجاجه مياه وتليفون في يده شجاع لكن زيد بن علي زين العابدين أحمق وما رأيك في من قال بإن ثورة زيد بن علي زين العابدين قد مهدت لسقوط الدولة الأمويه أي إن جهاده كان له ثمره ولو بعد حين أما ما تراه بأن علي زين العابدين قد كان مسالما لإنه لم يشترك في موقعة الحره أو لإنه أوى نساء الحاكم المطرود من المدينه أو لإنه نهى أسرته عن الإنتقام من شخص موقوف ليضربه الناس فهذا تحليل معيب لأن زين العابدين كان للتو قد أفرج عنه يذيد وعفاه من القتل وعفى قريباته من السبي فالطبيعي ألا يلتفت فورا بعد أن يخرج من القصر ويطعن فورا ويقاتل , وكونه أوى نساء غير مقاتلات فهذا من الشرف وأخلاق الإسلام وكل إنسان مسؤول فقط عن أفعاله هو لا عن أفعال فرد أخر من أسرته فنساء الحاكم الظالم لا ذنب لهن في أفعال الحاكم , والصفح عن شخص كان ذو قوه ثم أصبح مذلولا لا حول له ولا قوه لا هو مجرد موقف أخلاقي وإيماني مع شخص إنقلبت به الدنيا ولا يعني ذلك إنكار مبدأ الثوره على الحاكم الظالم .. والدليل على ذلك إن تحت إشراف زين العابدين وتحت تربيته قد إمتلأت نفس إبنه بكراهية الحكام الظلمه لأن في نفس الروايه التي نقلتها يقول الإبن إن اليوم الذي تم فيه توقيف الحاكم ليضربه الناس هو اليوم الذي كانوا يطلبونه وأيضا تحت إشراف زين العابدين وتحت تربيته تكونت نفسيه إبنه زيد الذي ثار نيابه عن آل محمد وعن آل علي بن أبي طالب ضد بني أميه

:

آحمد صبحي منصور

 

أولا

ابنى الشريف منصور يجاهد سلميا فى سبيل الديمقراطية وحقوق الانسان وهو حاليا المسئول عن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فى اللجنة الدولية لحماية الصحفيين. إبنى لم يحمل سلاحا . وعندما وضعوا رفاقه فى السجن باتهامات مزورة صمم على ان يكون معهم ، وحذرته منظمة فريدوم هاوس التى كان يعمل بها وقتها فقدم لهم استقالته ، وعاد ليدخل السجن مع رفاقه ، وبعد الافراج عنه ظل ممنوعا من العودة الى أمريكا ، ثم عاد بعد حكم قضائى . وبالمناسبة لم يكن معه وقتها جواز سفر أمريكى.  . 

ثانيا

الحُمق أن تدخل فى صراع حربى فى سبيل حُطام الدنيا ، ويتم خداعك مرات ، وترفض نصيحة الناصحين ، وأكبر الحُمق ان تعتقد أن لك حقا سياسيا لمجرد القرابة للنبى محمد عليه السلام.    

ثالثا

سيظل الشيعة فى تخلّف طالما يعبدون آلهة حمقى .. ربما لو عبدوا معاوية لكانوا أكثر إحتراما.!!

اجمالي القراءات 805

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (2)
1   تعليق بواسطة   عمر على محمد     في   الخميس ٠٥ - نوفمبر - ٢٠٢٠ ١٢:٠٠ صباحاً
[92947]



السلام عليكم



ربنا يبارك لنا فيك يا دكتور احمد ..



فاتني الكثير اتمنى اكمال قراءة الكتاب في عطلة نهاية هذا الاسبوع



نأسف على التقصير والتواجد



دمت لنا بخير وسلامة وحفظ الله



2   تعليق بواسطة   آحمد صبحي منصور     في   الجمعة ٠٦ - نوفمبر - ٢٠٢٠ ١٢:٠٠ صباحاً
[92949]

شكرا استاذ عمر على محمد ـ وأقول


أكرمك الله جل وعلا . 

نسعد بحضورك فى موقعك أهل القرآن .

أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4535
اجمالي القراءات : 43,890,227
تعليقات له : 4,744
تعليقات عليه : 13,699
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي