محنة ابن المسلمة (رئيس الرؤساء في خلافة القائم العباسى ) في أواخر عام 450

آحمد صبحي منصور في الأربعاء 07 اكتوبر 2020


 محنة ابن المسلمة (رئيس الرؤساء في خلافة القائم العباسى ) في أواخر عام 450

مقدمة

1 ـ دنيا المستبدين في صراع حول السُّلطة ، للبقاء فيها أو الوصول اليها ، وفى هذا الصراع تدور بهم الساقية صعودا وهبوطا . كان هذا في الماضى وهو في الحاضر وسيظل في المستقبل . النجاة منه بنظام حكم ديمقراطى يكون فيه الشعب هو الذى يختار من يخدمه ، ، ويكون فيه تداول سلمى منظّم للسلطة ، يتنافس فيه مرشحون يختار من بينهم الشعب أصلح من يخدمه ، ويتعرض للمساءلة ، حيث لا أحد فوق القانون ، والحكومة هي التي تخشى الشعب وليس الشعب الذى يخشى الحكومة .

2 ـ عن عواقب الاستبداد وتنازع المستبدين نعطى مثلا من بغداد في التاريخ العباسى في خلافة القائم ، وتابعه ابن المسلمة الذى أطلق عليه الخليفة القائم لقبا تشريفيا هو ( رئيس الرؤساء ). تعرض القائم لمحنة هائلة وتعرض أتباعه معه لنفس المحنة ، وأهمهم ابن المسلمة .

3 ـ نعطى بضع تفصيل للعظة والاعتبار لعلّ وعسى .!.

أولا : محنة الخليفة القائم :

1 ـ في يوم الخميس 22 محرم سنة 448هـ تم عقد زواج الخليفة العباسي القائم بأمر الله علي الحسناء خديجة بنت أخي السلطان طغرلبك المتحكم في الخلافة العباسية ، وكان الصداق مائة ألف دينار ، وتم الزفاف  في شهر شعبان ، وقد أهداها الخليفة عباءة منسوجة بالذهب وتاجا مرصعا بالجواهر ، ومائة ثوب حرير مرصعة بالذهب وطاسة كانت تحفة بديعة الصنع ، قد صنعوها من الذهب ورصعوها بالياقوت والفيروز والجواهر ، وبالإضافة إلي تلك الهدايا العينية أعطاها الخليفة ضيعة هائلة علي نهر دجلة يبلغ إيرادها السنوي اثني عشر ألف دينار . وفي نفس الوقت كان الفقراء يموتون من الجوع خارج قصور الخلافة وقد ارتفع ثمن المحاصيل إلي أرقام مفزعة وصل أردب القمح إلي 90 دينارا بعد 20 فقط ، وتحول أغلب الناس لقطع الطريق بسبب الجوع فاضطر الفلاحون لبيع محاصيلهم بأبخس الأسعار لمن يستطيع حمايتها وازداد ارتفاع الأسعار حتى وصل ثمن حفنة الأرز إلي دينار وانتشر الموت بين الفقراء فكان يموت منهم كل يوم ألف إنسان ، ولم يعد أحد قادرا علي دفنهم ، فاضطر الخليفة والسلطان طغرلبك إلي تكفين 18 ألف إنسان خشية أن يفسد الهواء من رائحة الجثث ، فتصل رائحتها للقصور المعطرة الفارهة . وارتفع الوباء والمجاعة سنة 450 هـ وظلت الدوائر الحاكمة علي جبروتها وغرورها، فأخذ الجنود يعتدون علي الناس في الطرقات والبيوت ، وصاروا يخطفون العمائم من فوق الرءوس،  وتفرغ الوزراء السنيّون لاضطهاد خصومهم من الشيعة وأهل الذمة ، وكان الخليفة غارقا في شهر العسل لا يزال ، ولكنه أحس بالقلق حين ارتحل السلطان طغرلبك عن بغداد إلي الشرق ليحارب أخاه ، فلما خلت بغداد من العساكر أصبح الخليفة وحيدا في مواجهة الجماهير ، وانتهز الفرصة العدو الأكبر للخليفة وهو البساسيري فدخل بغداد يوم الأحد 8 ذي القعدة سنة 450 هـ وانضم إليه العوام وقطاع الطرق أو العيارون والشيعة ،  وقد أعلن البساسيري انضمامه للفاطميين وخليفتهم المستنصر في القاهرة ، وأعلن الدعوة الفاطمية في بغداد . وانهزم الخليفة العباسي ودخل الجوعي قصوره ينهبونها ، وخرج الخليفة ومعه الملأ وكبار قومه وحوله جواريه حاسرات شعورهن وهو يرفع المصحف يستجير بالقائد العربي قريش الذي تحالف مع البساسيري، وركع الخليفة أمام قريش يرجوه ألا يسلمه إلي البساسيري ويقول له " الله الله في نفسي ، فمتي أسلمتني أهلكتني وضيعتني وما ذلك معروف في العرب " !! وحملوا الخليفة علي جمل إلي الأنبار ثم إلي بلدة اسمها الحديثة ثم حيث أقام مسجونا مدة عام وفيها عرف التضرع لله تعالي ، فأرسل استغاثة لله تعالي أوصلها بدوي إلي الكعبة ، يقول فيها : " إلي الله العظيم من عبده المسكين ، اللهم إنك العالم بالسرائر والمحيط بمكنونات السرائر ، اللهم إنك غني بعلمك وإطلاعك علي أمور خلقك عن إعلامي بما أنا فيه ... ". وكانت أم الخليفة  قد هربت وقاست الجوع والفقر فاضطرها الجوع لأن تكتب للبساسيري رسالة تشرح له فيها ما لحقها من الأذى والفقر، ووصلت الرسالة إلي البساسيري في محر م 451 هـ فاستحضرها وكانت في التسعين من عمرها وأكرمها .. وقد ماتت سنة 452هـ ..

2 ـ هذا عن الخليفة . فماذا عن خادمه : ابن المسلمة رئيس الرؤساء .

ثانيا : رئيس الرؤساء أبو القاسم بن المسلمة

1 ـ هو :علي بن الحسن بن أحمد بن محمد بن عمر. بدأ يتأهّل للمناصب بسماع الحديث لأن الحديث كان هو الدين المسيطر ، ثم تعيّن شاهدا في المحاكم ، ثم جعله الخليفة القائم كاتبا له ، وزادت حظوته عند الخليفة فجعله وزيرا ، وأطلق عليه ألقابا منها :رئيس الرؤساء، شرف الوزراء، جمال الوزراء. ولكنه اشتهر بلقب رئيس الرؤساء . وظل وزيرا ثنتي عشرة سنة وشهراً، ثم قتله البساسيري ، وله من العمر ثنتان وخمسون سنة وخمسة أشهر‏.‏

ثالثا : البساسيرى  ‏

1 ـ علا نفوذ القائد التركى  البساسيرى ( أرسلان التركى ) في خلافة القائم بأمر الله العباسى ، وسيطر على الخليفة ، وصار يدعى له على المنابر ، وكان ابن المسلمة خصما له ، ينتقده ويبث الرعب في قلب الخليفة منه ، وخشى الخليفة القائم من البساسيرى فاستقدم طغرل بك ، فانضم البساسيرى الى الفاطميين وبعث له الخليفة الفاطمى المستنصر بالأموال  واستمال البساسيرى له الأمير ( ينال ) اخ طغرل بك ، فانشغل طغرل بك بمواجهة أخيه ،  فساعد هذا البساسيرى على دخول بغداد عام 450 ودعا على المنير بجامع المنصور للخليفة المستنصر  بالاذان الشيعي : ( حى على خير العمل ).

2 ـ واستمر القتال بين البساسيرى وجنود الخليفة القائم شهرا ، وانهزم الخليفة القائم وقبض البساسيرى عليه في شهر ذي الحجة 450 .  ثم انتصر طغرل بك على أخيه ( ينال ) وقتله، وتفرّغ طغرل بك للبساسيرى ، وجهز جيشا انتصر به على البساسيرى وقتله، وطافوا برأسه في الشوارع . وأرجع طغرل بك الخليفة الى قصره  في 25 ذي القعدة عام 451 .

رابعا : ابن المسلمة بين أيام العزّ وأيام المحنة والذُّل

1 ـ في أيام عزّه كان له دور في الأحداث الهامة : في زواج الخليفة القائم بخديجة بنت السلطان طغرل بك ، كان ضمن الشهود والحضور قاضي القضاة الدامغاني والماوردي، ورئيس الرؤساء ابن المسلمة‏. ثم كان ابن المسلمة رسولا من الخليفة الى طغرل بك ليصحب العروس الى العريس في قصر الخليفة.

2 ـ في عام 450 إقترب البساسيرى من بغداد ، ولم يكن فيها الكثير من الجنود فقيل  للناس‏:‏ ( من أراد الرحيل من بغداد فليذهب حيث شاء‏ ). ( فانزعج الناس وبكى الرجال والنساء والأطفال، وعبر كثير من الناس إلى الجانب الغربي. )،  ونصح ابن المسلمة الخليفة أن يرتحل من بغداد ، فرفض . وقام ابن المسلمة بتسليح العوام السنيين ، وفى يوم الأحد الثامن من ذي القعدة  عام 450 دخل البساسيري  ومعه رايات الفاطميين وعلى رأسه أعلام مكتوب عليها اسم المستنصر بالله أبو تميم معد أمير المؤمنين، فتلقاه الشيعة في حىّ  الكرخ بالترحيب ، وضمّ البساسيري اليه قُطّاع الطرق المعروفين بلقب العيارين وأطمعهم في نهب دار الخلافة. وقام الشيعة بنهب بيوت أهل السنة بباب البصرة‏. وكانت المجاعة وقتها تلتهم الفقراء في بغداد .  لذا نهبوا دار قاضي القضاة الدامغاني، وبيعت للعطارين المنهوبات من السجلات والكتب، ونهبوا بيوت أتباع الخليفة، وحوصرت دار الخلافة، فدافع الوزير أبو ابن المسلمة عنها بمن معه من المستخدمين فانهزم . ونهبت العامة دار الخلافة، فأخذوا ما لا يحصى من الجواهر والنفائس، والديباج والذهب والفضة، والثياب والأثاث والدواب، وغير ذلك . ( وانتقم البساسيري من أعيان أهل بغداد انتقاماً عظيماً، وغرق خلقاً ممن كان يعاديه، وبسط على آخرين الأرزاق ممن كان يحبه ويواليه، وأظهر العدل‏.) .

3 ـ وجىء بابن المسلمة للبساسيرى (  فوبخه توبيخاً مفضحاً، ولامه لوماً شديداً، ثم ضربه ضرباً مبرحاً، واعتقله مهاناً عنده. ). ( ولما كان يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ذي الحجة أحضر إلى بين يديه الوزير ابن المسلمة الملقب رئيس الرؤساء، وعليه جبة صوف، وطرطور من لبد أحمر، وفي رقبته مخنقة من جلود كالتعاويذ، فأركب جملاً أحمر وطيف به في البلد، وخلفه من يصفعه بقطعة جلد، وحين اجتاز بالكرخ ( حىّ الشيعة )  نثروا عليه خلقان المداسات، وبصقوا في وجهه ولعنوه وسبوه، وأوقف بإزاء دار الخلافة وهو في ذلك يتلو قوله تعالى‏:‏ ‏(  ‏قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ). ثم لما فرغوا من التطواف به جيء به إلى المعسكر فألبس جلد ثور بقرنيه، وعلق بكلوب في شدقيه، ورفع إلى الخشبة، فجعل يضطرب إلى آخر النهار، فمات. ) .

أحسن الحديث

قال جل وعلا : ( أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126)  التوبة ).

ودائما : صدق الله العظيم.!

اجمالي القراءات 636

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4468
اجمالي القراءات : 43,109,272
تعليقات له : 4,719
تعليقات عليه : 13,653
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي