نقد كتاب مستقبل الثقافة فى مصر لطه حسين

رضا البطاوى البطاوى في السبت 08 اغسطس 2020


نقد كتاب مستقبل الثقافة فى مصر لطه حسين
سبق وأن كتبت كتابا بنفس العنوان منذ أكثر من خمسة وعشرين سنة وللأسف فإن أصله الورقى ضاع ويبدو أننى لم أسجله على الحاسوب لأنى لم أجده فى الحواسب التى عملت عليها ولا فى الاسطوانات التى كنت أحفظ الملفات عليها
ومن أسوأ الأمور عندى أن أعيد كتابة شىء سبق وأن قمت به وقد ضاعت منى العديد من الكتب التى كتبتها منها منهارواية حكاية اسمها الغار وكتاب عن الكيمياء وكتاب عن علم الجريمة الإسلامى وربما كانت هناك كتب أخرى لا أتذكرها


بالقطع الكتاب التالى قد لا يشبه الكتاب القديم سوى فى المضمون وهو :
أن طه حسين يخترع دينا جديدا اسمه الشخصية المصرية أو ما يسميه البعض القومية المصرية
كما اخترع مقولة المتوسطية نسبة للبحر المتوسط أو بحر الروم وكأن مجرد التواجد على شواطىء بحر يجعل الشواطىء تنشى ثقافة واحدة ولا ندرى عن أى ثقافة متوسطية تحدث رغم الخلافات الواسعة فى الأديان واللغات والعادات والتقاليد كما يقول علماء الاجتماع بين دول البحر المتوسط بحيث لا نجد ما يسمى ثقافة مشتركة بين دول البحر المتوسط فمثلا نجد عادة الخمور على الشاطىء الشمالى ولا نجدها فى الشاطىء الجنوبى ومع هذا فخمور إيطاليا تختلف عن خمور فرنسا عن خمور أسبانيا عن خمور اليونان ومثلا نجد عادة الجلابيب فى الشاطىء الجنوبى ولا نجدها فى الشاطىء الشمالى ومع هذا يختلف الجلباب المصرى عن التونسى عن المغربى عن الليبى ومثلا الزواج فى الشاطىء الشمالى يتم فى الكنائس والبيع وفى الشاطىء الجنوبى الزواج يكون فى البيوت أو أمامها ومع هذا نجد فى الأعراس رقصات إيطاليا مخالفة للرقصات فى فرنسا مخالفة لما فى أسبانيا وكذلك الشاطىء الجنوبى يختلف فيه ما يتم فى الأعراس بين القرية والقرية داخل القطر الواحد فضلا عن الاختلاف بين الأقطار
ومما ينبغى قوله :
أن طه حسين سواء كان عميلا لفرنسا أم لا فالرجل ككل واحد ذهب للخارج وتزوج كافرة نصرانية أو غيرها كفر بدينه حتى وإن قالت المذاهب أنه يجوز زواج الكتابيات
طه تزوج ابنة قسيس والمثير أن كثير ممن ذهبوا للبعثات أو للغرب فى ذلك الزمان عادوا بزوجات كافرات والمثير أن فرنسا ما زالت تتبع هذا الأسلوب فى البلاد التى احتلتها فى أفريقيا فمعظم زوجات رؤساء دول وسط وغرب أفريقيا كافرات نصرانيات سواء كن يحملن الجنسية الفرنسية أو غيرها وبالقطع لا يخرج الكتاب والقادة العسكريين فى تلك البلاد عن تلك العادة والتى يبدو أن المخابرات الفرنسية تديرها
والغريب أن طه حسين لم يكتف بزوجة نصرانية وإنما كان أمين سره وهو كاتبه نصرانيا وهو فريد شحاته وظل مديرا لمكتبه وكاتبا لمقالاته وملازما له فى كل تحركاته
وقيل أن الرجل تنصر فى فرنسا وأقيمت الطقوس هناك لتعميده وبالقطع الله أعلم ولكن المعروف من كتابات طه حسين أنها وإن كانت تبدو فى ظاهرها مع الإسلام فهى غالبا ضد الإسلام فكما يقولون تدس السم فى العسل
ومن الغريب أن هناك شىء تكرر فى العديد من كتب طه حسين وهو تعبير العهد الجديد وقد جاء فى كتاب مستقبل الثقافة فى قوله :
" وقد شعرت كما شعر غيرى من المصريين وكما شعر الشباب من المصريين خاصة وإن باعدت السن بينى وبينهم بأن مصر تبدأ عهدا جديدا من حياتها إن كسبت فيه بعض الحقوق فإن عليها أن تنهض فيه بواجبات خطيرة وتبعات ثقال "ص11
والملاحظ أن تعبير العهد الجديد يقال فى أيام الملكية وتكرر فى أيام الجمهورية فى ميثاق ما يسمى الثورة وغيرها من الكتب التى كانت تصدر عن مجلس الثورة وما تلاه من تنظيمات والآن لتناول ما ورد فى الكتاب:
-قال قال طه:
"الموضوع الذى أريد أن أدير هذا الحديث هو مستقبل الثقافة فى مصر التى ردت إليها الحرية بإحياء الدستور وأعيدت إليها الكرامة بتحقيق الاستقلال فنحن نعيش فى عصر من أخص ما يوصف به أن الحرية والاستقلال فيه ليسا غاية تقصد إليها الشعوب وتسعى إليها الأمم وإنما هما وسيلة إلى أغراض أرقى منهما وأبقى وأشمل فائدة وأعم نفعا"ص15
الخطأ هنا أن الحرية ردت لمصر بإحياء الدستور والكرامة ردت بتحقيق الاستقلال وهو كلام لا أساس له فالدستور دستور 1923 كان مجرد حبر على ورق فلم يكن يحكم البلد رئيس الوزراء فقد ظلت البلد أسيرة أهواء الملوك فؤاد وفاروق ومعهم الانجليز يغيرون الوزارات ويحلون مجالس النواب والشيوخ ويعقدون المعاهدات رغما عن الشعب ويوقفون الدستور
وأما الاستقلال فقد كان استقلالا صوريا فالإنجليز بقوا فى البلاد وثكناتهم كانت فيها ولم يرحلوا من الداخل إلا بعد معاهدة1936 ولكنهم رحلوا لمنطقة القناة ومع هذا عادوا بموجب المعاهدة لكل مصر فى الحرب العالمية الثانية والتى أدخلوا مصر فيها الحرب دون أن يكون لها ناقة ولا جمل
كلام طه يبدو أنه ضحك على القراء فما زلنا حتى لحظة كتابة هذا بعد قرن أو اقل محتلين ولكن بطريقة أخرى وهى أن حكام البلاد عملاء لمن كان الملوك عملاء لهم ولكن بدون عسكر أجانب لأن العسكر المحلى وهى جيوش البلد قيادتهم تدين بالولاء للخارج
-قال قال طه"وقد كانت شعوب كثيرة من الناس فى أقطار كثيرة من الأرض تعيش حرة مستقلة فلم تغن عنها الحرية شيئا ولم يجد عليها الاستقلال نفعا ولم تعصمها الحرية والاستقلال من أن تعتدى عليها شعوب أخرى تستمتع بالحرية والاستقلال ولكنها لا تكتفى بهما ولا تراهما غايتها القصوى وإنما تضيف إليهما شيئا أخرى أو أشياء أخرى تضيف إليهما الحضارة التى تقوم على الثقافة والعلم والقوة التى تنشأ عن الثقافة والعلم والثروة التى تنتجها الثقافة والعلم ولولا أن مصر قصرت طائعة أو مكرهة فى ذات العلم والثقافة لما فقدت حريتها ولما أضاعت استقلالها ولما احتاجت إلى هذا الجهاد العنيف الشريف لتسترد الحرية وتستعيد الاستقلال "ص15
الخطأ الأول هو أن الحرية والاستقلال غايات ولكنها ليست الغايات القصوى وهو ما يناقض كونهما ليسا غايات إطلاقا وإنما وسائل فى قوله :
" فنحن نعيش فى عصر من أخص ما يوصف به أن الحرية والاستقلال فيه ليسا غاية تقصد إليها الشعوب وتسعى إليها الأمم وإنما هما وسيلة إلى أغراض أرقى منهما وأبقى وأشمل فائدة وأعم نفعا"ص15
الخطأ الثانى أن سبب فقدان الحرية هو التقصير فى الثقافة والعلم والقوة وهو كلام خاطىء حسب التاريخ المعروف ففرنسا إمام طه حسين رغم ثقافتها وعلمها وقوتها سقطت تحت أقدام الرايخ الألمانى الذى احتلها وأفقدها حريتها وبغداد عاصمة الخلافة العباسية سقطت رغم مكتباتها وعلمائها تحت أقدام جحافل المغول وغرناطة وقرطبة وغيرهم من مدن الأندلس سقطت رغم كثرة المثقفين والعلماء والشعراء تحت أقدام النصارى الهمج الجهلة
الدول لا تسقط ولا تحتل بسبب قوة الثقافة والعلم وحتى قوة السلاح والجيوش وإنما بسبب وهن الإرادة عند الشعب خاصة الجيش وهناك مثال يضرب فى مصر الحديثة وإن لم تكن هذه مصرالحقيقية وهو انتصار أهالى رشيد على حملة فريزر الانجليزية فلم يكن أهالى رشيد مثقفين ولا علماء إلا قلة نادرة منهم ولم يكن معهم أسلحة ولا جيش ولكن قوة الإرادة جعلتهم يفكرون وينتصرون بأسلحة بسيطة أمام المدافع والبنادق والسيوف
-قال قال طه:
"وأخاف أن نقصر فى ذات أنفسنا وعلينا من الأوربيين عامة ومن أصدقائنا الانجليز خاصة رقباء يحصون علينا الكبيرة والصغيرة ويحاسبوننا على اليسير والعظيم ولعلهم أن يكبروا من أغلاطنا ما نراه صغيرا وأن يعظموا من تقصيرنا ما نراه هينا وأن يقولوا طالبوا بالاستقلال وأتعبوا أنفسهم وأتعبوا الناس فى المطالبة به حتى إذا انتهوا إليه لم يذوقوه ولم يسيغوه ولم يعرفوا كيف ينتفعون به أخشى هذا كله "ص16
نلاحظ التناقض وهو وصف الإنجليز بالأصدقاء ومع هذا فهؤلاء الأصدقاء يتصيدون لنا الأخطاء ويشمتوا فينا ويحاسبوننا على الكل وهذه صفات العدو وليس صفات الصديق
-قال قال طه:
"وأريد كما يريد كل مصرى مثقف يحب وطنه ويحرص على كرامته وحسن رأى الناس فيه أن تكون حياتنا الحديثة ملائمة لمجدنا القديم وأن يكون نشاطنا الحديث محققا لرأينا فى أنفسنا حين كنا نطالب بالاستقلال ومحققا لرأى الأمم المتحضرة فينا حين رضيت لنا عن هذا الاستقلال وحين أظهرت لنال ما أظهرت من الترحيب وحسن اللقاء فى جنيف "ص16
أضحكنى طه حسين بقوله أن رأى الأمم المتحضرة فينا كان رأيا حسنا حين رضيت لنا عن هذا الاستقلال فالأمم الكافرة لا تقول فينا حسنا وإن تحضرت وهى لا ترضى لنا استقلالا ولو قالته باللسان فالأمم الكافرة أقرت بهذا الاستقلال الصورى لأنها رأت أن هناك فائدة لها منه فبدلا من المظاهرات والقتل والجرح وتخريب المؤسسات والمنافع وزيادة الكراهية بسبب الثورات رأت أن تنتفع بكل المنافع وهى بعيدة عن أنظار الشعب لا تواجه مظاهرات ولا تواجه حربا وأوكلت هذه الحرب لبعض من الشعب وهو وزارة الداخلية والجيش ليكون لباقى الشعب عدو
لقد حمى الإنجليز جنودهم وحافظوا على مصالحهم الاقتصادية فى البلاد بهذا الاستقلال الصورى ولا أدرى أى ترحيب ناله الوفد المصرى الذى رد عدة مرات خائبا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى إنهم لا يرحبون بنا وإنما يضحكون علينا بالابتسامات والمصافحة وفى النهاية حققوا أغراضهم دون أن تسيل دماءهم ودون أن تتأثر مصالحهم الاقتصادية
ولا ندرى عن أى مجد قديم يتحدث طه حسين فإن كان يظن المجد الفرعونى المزعوم فالرجل واهم فنصف الأسر التى حكمت البلاد حسب التاريخ المعروف وليس الحقيقى لم تكن أسرا مصرية فهناك أسر فلسطينية أو كنعانية وهناك أسر ليبية وهناك أسر حبشية وسودانية وأسر نوبية يعنى لم يكن هناك مجد فنحن كما هو التاريخ المعروف بلد محتل باستمرار وحتى المجد العربى المزعوم لم يكن عربيا ولا ينتمى حتى للبلاد الشرقية التى يظن طه أنها البلاد التى كان لنا علاقة بها وهى فلسطين والشام والعراق متجاهلا حتى الحجاز فابن طولون وابن طغج كانوا أتراكا وفرسا وحتى بنى أيوب كانوا كردا وأما الدولة المملوكية فكانوا شركس وأتراك وشيشان وغيرهم ممن كانوا يسكن فى بلاد ما وراء النهرين أو بحر الخزر وحتى العثمانيين كانوا أتراكا من نفس المنطقة
-قال قال طه:
"نعم وأريد كما يريد كل مثقف مصرى محب لوطنه حريص على كرامته ألا نلقى الأوربى فنشعر بأن بيننا وبينه من الفروق ما يبيح له الاستعلاء علينا والاستخفاف بنا وما يضطرنا إلى أن نزدرى أنفسنا ونعترف بأنه لا يظلمنا فيما يظهر من الاستطالة والاستعلاء" ص16
يصر طه حسين فى الفقرة وسابقتها على المصرية وحب الوطن وهو كلام لا أساس له فلا يوجد شىء اسمه المصرية سوى الانتماء لاسم بلد تسمى مصر وما هى بمصر حقا فهى مجرد لفظ ينطق ولكن لا وجود لما يسمى بالقومية المصرية ولا بالشخصية المصرية فهى ألفاظ يضحك به الحكام وإعلامهم على الناس حتى يقيموا على الذل الذى هم فيه ويرضوا بالقليل فى حب شىء لا وجود له سوى الوجود اللفظى ويتركوا للحكام ومن معهم خيرات البلاد والفساد فيها
-قال "ولكن المسألة الخطيرة حقا والتى لابد من أن نجليها لنفسنا تجلية تزيل عنها كل شك وتعصمها من كل لبس وتبرئها من كل ريب هى أن نعرف أمصر من الشرق أم مصر من الغرب وأنا لا أريد بالطبع الشرق الجغرافى والغرب الجغرافى وإنما أريد الشرق الثقافى والغرب الثقافى فقد يظهر أن فى الأرض نوعين من الثقافة يختلفان أشد الاختلاف ويتصل بينهما صراع بغيض ولا يلقى كل منهما صاحبه إلا محاربا أو متهيئا للحرب أحد هذين النوعين هذا الذى نجده فى أوربا منذ العصور القديمة والآخر هذا الذى نجده فى أقصى الشرق منذ العصور القديمة "ص18
مقولة الشرق الثقافى والغرب الثقافى مقولة مضحكة خاصة أنها ليست موجودة منذ العصور القديمة ولا ندرى عن أى عصور يتكلم طه حسين فطبقا للتاريخ المعروف الشرق والغرب كان فيهما معا الأديان الوثنية أديان الفايكنج والوندال فى أوربا والهندوس والبوذيين وكان فيهما الأديان الأخرى وما زالت الأديان موجودة فى القسمين وكتب الشرق انتقلت للغرب وكتب الغرب انتقلت للشرق
يعتبر طه حسين الإغريق شعبا غربيا وثقافة غربية رغم أن التاريخ اليونانى المعروف يثبت أن الشعب المؤسس كان عربيا وأن أبيهم قدموس عربى كما أن الكثير من آلهة الإغريق كان منقولا من الهند وفارس وحتى اللباس الاغريقى للنساء يبدو وكأنه منقول عن الهندوس واعترف فلاسفة اليونان بتعلمهم من فلاسفة الهند فى كتبهم وحتى النظريات كمادة الخلق نجد تشابها غريبا بين أقوال من فى الشرق ومن فى الغرب
كما أن العادات والتقاليد كانت متشابهة بين القدامى فالرعاة هنا كما كان الرعاة هناك يلبسون الفرو ويعتمدون على الأحصنة والكلاب
وبالقطع لا يوجد ما يسمى ثقافة شرقية أو ثقافة غربية بل ثقافة مشتركة خاصة فى الضروريات المادية وثقافة محلية سببها الأديان
-قال قال طه حسين:
"ويخيل إلى أن أيسر الوسائل إلى توضيح هذه المسألة وتجليتها إنما هو الرجوع إلى تاريخ العقل المصرى منذ أقدم عصوره ثم مسايرة هذا العقل فى تاريخه الطويل الشاق الملتوى إلى الآن وأول ما نلاحظه فى تاريخ الحياة المصرية أننا لا نعرف أن قد كان بينها وبين الشرق البعيد صلات مستمرة منظمة من شأنها أن تؤثر فى تفكيرها أو فى سياستها أو فى نظمها الاقتصادية " ص19
طه حسين هنا يتكلم كلاما خاطئا فلا يوجد ما يسمى العقل المصرى ولا العقل الفرنسى ولا العقل الانجليزى ولا الشامى ولا غير ذلك فالعقل هو العقل لا ينسب لبلد ولا لعنصر ولا لشىء فالله عندما يقول للناس أفلا تعقلون يقصد كل الناس فالعقل واحد فى الناس ولكن الفارق هو أن البعض يقرر استخدامه والبعض الأخر وهو الكثرة تستخدم الشهوات
ونلاحظ الجهل التاريخى لطه حسين فالرجل يقول بعدم وجود صلات بيننا وبين الشرق البعيد وكأن التاريخ كله معروف وكأن الرومان والإغريق وحتى العرب فيما يسمى بعهود الدول كالأموية والعباسية والمملوكية لم يستخدموا المرتزقة أو المتطوعة فى جيوشهم من الهند والفرس والترك والسودان وغيرهم وكأن الدول التى حكمت مصر المزعومة كالطولونية والإخشيدية كان حكامها من مصر وليسوا تركا وفرسا وكأن الدولة المملوكية لم يكن لها وجود وكأن المماليك وحتى اليوم بقاياهم موجودة فى البلد المنكوبة ليسوا من وسط آسيا
وكأن المجد البحرى لما يسمى بأسطول مصر لم يذهب للهند والصين مع أنه دار حول أفريقيا فى عهد نخاو وهو من أسرة فرعونية مزعومة
-قال "وما أظن أن الصلة بين المصريين القدماء والبلاد الشرقية تجاوزت هذا الشرق القريب الذى نسميه فلسطين والشام والعراق أى هذا الشرق الذى يقع فى حوض البحر الأبيض المتوسط " ص19
نفس الخطأ السابق وهو كلام المخرفين ولو صدقنا حكايا التاريخ كغزو الاسكندر للهند فمعنى هذا أن البطالمة فى مصر كانوا على علاقة بالهند فى فترة حكمهم لمصر لأنهم ذهبوا إليها وعرفوا ما بها ومن ثم فحتى لو خرجوا منها عسكريا فإنهم لابد أن يتاجروا معهم
ولو صدقنا حكايا التاريخ وغزو قمبيز الفارسى لمصر فسنعرف أن هناك صلات بين الفرس ومصر المزعومة حاليا
-قال "والتلاميذ يتعلمون فى المدارس أن مصر عرفت اليونان منذ عهد بعيد جدا وأن المستعمرات اليونانية قد أقرها الفراعنة فى مصر قبل الألف الأولى قبل المسيح والتلاميذ يتعلمون فى المدارس أيضا أن أمة شرقية بعيدة عن مصر بعض الشىء أغارت عليها وأزالت سلطانها فى أخر القرن السادس قبل المسيح وهى الأمة الفارسية فلم تذعن مصر لهذا السلطان الأجنبى إلا كارهة وظلت تقاومه أشد المقاومة وأعنفها مستعينة على ذلك بمتطوعة اليونان حينا وبمحالفة المدن اليونانية حينا أخر حتى كان عهد الاسكندرومعنى هذا كله واضح جدا وهو أن العقل المصرى لم يتصل بعقل الشرق الأقصى اتصالا ذا خطر ولم يعش عيشة سلم وتعاون مع العقل الفارسى وإنما عاش معه عيشة حرب وخصام"ص20
الرجل هنا يتحدث عن الاغريق أو اليونان وكأنهم لم يكونوا محتلين وكأن من فى البلد لم يقاومهم وهو يناقض كلامه عن مقاومة أهل البلد للإغريق وهم المقدونيين فى قوله :
"وكانت مصر من أسبق الدول الإسلامية إلى إرجاع شخصيتها القديمة التى لم تنسها فى يوم من الأيام فالتاريخ يحدثنا بأنها قاومت الفرس أشد المقاومة وبأنها لم تطمئن إلى المقدونيين حتى فنوا فيه وأصبحوا من أبناءها واتخذوا من تقاليدها وسننها لهم تقاليد وسننا"ص23
-قال " إن العقل المصرى منذ عصوره الأولى عقل إن تأثر بشىء فإنما يتأثر بالبحر الأبيض المتوسط وإن تبادل المنافع على اختلافها فإنما يتبادلها مع شعوب البحر الأبيض المتوسط "ص20
طه حسين يصر فى كتابه على مقولة العقل المصرى وهى مقولة لا وجود لها فلا يمكن اعتبار أن كل من يسكنون هذا البلد عقولهم واحدة أو شخصيتهم واحدة فمعيشة البدوى السيناوى غير معيشة البدوى السيوى ومعيشة النوبى غير معيشة الصعيدى غير معيشة البحراوى غير معيشة من يعيش على السواحل فالعادات والتقاليد ليست واحدة والأطعمة مختلفة والألبسة مختلفة وحتى طرق التحاكم فى المشاكل مختلفة وحتى الطب المستعمل مختلف وطرق الزواج وكيفية الاحتفال به وكذلك الأمر فى الموت
عقل واحد يعنى أمور متحدة وليس اختلافا بينا فى الكثير من الأمور فحتى الصلاة عند المسلمين فيها اختلاف فهناك الشافعى والحنبلى والحنفى والمالكى كل واحد يصلى حسب مذهبه
وأما حكاية التأثر والتأثير بشعوب البحر المتوسط فقط فهى مقولة تنافى مثلا أن الإسلام لم يأت من منطقة البحر المتوسط ومع هذا اتخذه معظم أهل البلد دينا لهم ومثلا هجرات القبائل العربية للبلد لم يكن تأثيرا متوسطيا ومثلا الوجود المملوكى فى مصر لم يكن متوسطيا
_"وهناك شىء أخر ليس أقل من هذا يسرا ولا وضوحا وهو أن تبادل المنافع بين العقل المصرى والعقل اليونانى فى العصور القديمة قد كان شيئا يشرف به اليونان ويتمدحون به فيما يقولون من شعر وفيما يكتبون من نثر فمصر مذكورة أحسن الذكر فى شعر القصاصين اليونانيين وهى مذكورة أحسن الذكر فى شعر الممثلين اليونانيين ثم هى مذكورة أحسن الذكر عند هيردوت وممن جاء بعده من الكتاب والفلاسفة "ص21
يضحكنا طه حسين عندما يقول بتبادل المنافع بين مصر واليونان فالتاريخ المعروف يقول أن اليونان تعلموا فى مصر ولا يقول العكس ويقول أن اليونان أو المقدونيين أو الإغريق احتلوا مصر وتمتعوا بخيراتها دون الشعب ولم تحتل مصر اليونان فأين هو تبادل المنافع وكل المنافع كانت ذاهبة فى طريق واحد من مصر لليونان ولا وجود لمنافع لمصر من اليونان ؟
وأما حكاية مدح مصر عند اليونانيين فكلام للضحك على الناس فما يفيدنا المدح ؟
الغريب أن التاريخ المعروف لمصر الفرعونية المزعومة كتبه المحتل اليونانى كتبه مانيتون السمنودى فى عهد بطليموس الثانى
يعنى من الأخر ليس تاريخا بأيدى أهل البلد ولكنه تاريخ بيد المحتلين فماذا نتوقع أن يكتبه المحتل سوى أن يكون قد كتب كذبا أو كتب ما يشوه أهل البلد هل نتوقع من عدو أن يكون عادلا معنا مع أنه عدو وثنى ؟
-قال "هذه الأمم التى كانت كمصر مهدا للحضارة فى حوض البحر الأبيض المتوسط وكما أن اليونان يعرفون الفضل لمصر فى تكوين حضارتهم فهم يعرفون الفضل للكلدانيين وغيرهم من الشعوب الآسيوية التى تأثرت بالبحر المتوسط " ص21
يخلط طه حسين هنا فى التاريخ فيزعم أن اليونان يدينون لمصر بالفضل فى تكوين حضارتهم والمعروف فى التاريخ الحالى أن حضارتهم نشأت على يد العرب الفينقيين وعلى رأسهم قدموس ورفاقه والدليل هو أن هناك العديد من المدن فى اليونان تعود أسماءها للغة العربية وهو ما فصله العقاد فى كتابه الثقافة العربية اسبق من الثقافة اليونانية والعبرانية
كما يخلط الرجل بين الفينقيين والكلدانيين فالفينقيين هم من أنشأوا الحضارة فى اليونان طبقا للتاريخ المكتوب حاليا وليس الكلدان
-قال "وكان من أشد الشعوب تأثرا بهذا العقل المصرى أولا وتأثيرا فيه بعد ذلك العقل اليونانى "ص22
ما زال طه حسين مصرا على مقولة العقل الجغرافى المصرى واليونانى وهو ما لا وجود له وما زال مصرا على مقولة التأثر والتأثير المتبادل بين العقلين وهو كلام يكذبه التاريخ المعروف فلا يوجد فيلسوف مصرى معروف فى العالم بينما الفلاسفة المشهورين كثير منهم يونان وحتى الأطباء المشهورين فى كتب التاريخ معظمهم يونان أبقراط وجالينوس بينما لا ذكر لأحد من أهل مصر سوى أمحوتب وحتى الجغرافيين وكتاب التاريخ لا نكاد نسمع أو نقرأ عن واحد من المصريين القدماء سوى أمحوتب بينما الجغرافيين والتاريخيين اليونانيين يملأ ذكرهم العالم
بالقطع ليس هذا معناه أن هذه البلد لم يكن بها أحد من العلماء ولكن التاريخ المعروف الذى يعتمد عليه طه لا يذكر لنا سوى أشياء نادرة عن علماء البلد
-قال "فإذا لم يكن بد من أن نلتمس أسرة للعقل المصرى نقره فيها فهى أسرة الشعوب التى عاشت حول بحر الروم وقد كان العقل المصرى أكبر العقول التى نشأت فى هذه الرقعة من الأرض سنا وأبلغها أثرا " ص22
ما زال طه مصر على مقولته بالمتوسطية أو كما سماها هنا بحر الروم وما زال مصرا على الفخر بالعقل المصرى الذى يراه الأكبر والأكثر تأثيرا فى المنطقة وهو كلام بلا دليل فلا المصريون المزعومين غزوا بلاد المنطقة إلا منطقة الشام بينما تعرضوا للغزو من معظم بلاد هذا البحر تقريبا فالليبيين احتلوها فى التاريخ القديم وكذلك المغاربة فى عهد الدولة الفاطمية واليونان والرومان والفرنسيس وهو كلام يعنى شىء واحد عند محللى التاريخ وهو أن الغالبين هم من يؤثرون غالبا فى المهزومين وهى مقولة صادقة فالآلهة تغيرت عند المصريين حسب نوع المحتل فدخلت آلهة الإغريق واليونان مصر وغير القوم دينهم تبعا لها وحتى عندما غير الرومان دينهم غير المصريون المزعومون دينهم للمسيحية وإن اختلفوا فى المذهب
دعنا نتساءل هل نجد آثارا للفراعنة فى بلاد المنطقة غير الشام والنوبة ؟
لا يوجد شىء بينما الآثار اليونانية والرومانية تملأ مصر
ولو كان العقل المصرى المزعوم هو الأكبر تأثيرا لكان القوم قد غزوا بلاد المنطقة كلها ولم يتعرضوا للغزو
-قال "ومهما أنس فلن أنسى مواقف الحيرة والعجز عن الفهم التى كنت أقفها منذ أعوام أمام جماعة كانت تقوم فى مصر وكانت تسمى نفسها جماعة الرابطة الشرقية وكانت تذهب فى سيرتها وتفكيرها هذا المذهب الغريب مؤثرة التضامن مع أهل الشرق الأقصى على التضامن مع أهل الغرب الأدنى وأنا أفهم فى وضوح بل فى بداهة العلاقة بيننا وبين الشرق الأدنى لا لاتحاد اللغة والدين فحسب بل للجوار الجغرافى وتقارب النشأة والتطور التاريخى فأما أن نتجاوز هذا الشرق القريب على ما وراءه فلا أفهم أن يقوم الأمر فيه على الوحدة العقلية أو على التقارب التاريخى "ص22
يبدو طه حسين هنا أبلها فالرجل لم يفهم جماعة الرابطة الشرقية وسر ارتباطها بالشرق البعيد بدلا من شعوب الغرب الأدنى فالرجل فضل الارتباط بمن احتلوا بلده والبلاد المجاورة بدلا من الارتباط ببلاد يجمعها وبلده شىء واحد وهو التخلص من الاحتلال الغربى الذى اكتوى الكل بناره وسواء قصد مؤسسو الجماعة وكلهم ينتمون للإسلام تخليص بلاد الإسلام من المحتلين أو قصدوا بلاد المسلمين وغيرهم فى الشرق فالجامع هو الخلاص من المحتل الغربى الذى كان يحتل كل تلك البلاد وهو فرنسا وانجلترا
-قال "ومن المحقق أن تطور الحياة الإنسانية قد قضى منذ عهد بعيد بأن وحدة الدين ووحدة اللغة لا تصلحان أساسا للوحدة السياسية ولا قوما لتكوين الدول فالمسلمون أنفسهم منذ عهد بعيد قد عدلوا عن اتخاذ الوحدة الدينية واللغوية أساسا للملك وقوما للدولة وليس المهم أن يكون هذا حسنا أو قبيحا وإنما المهم أن يكون حقيقة واقعة وما أظن أحدا يجادل فى أن المسلمين قد أقاموا سياستهم على المنافع العملية " ص23
الرجل هنا يدافع عن الكفر وهو كفر المسلمين بدينهم حيث تخلوا عن وحدة الحكم أى وحدة حكم الإسلام مقابل إقامة سياستهم على المنافع العملية ولا يسع مسلم واحد أن يقول بتلك المقولة إلا وقد كفر لأنه بذلك يتخلى عن حكم الله ومن يترك الحكم بما أنزل الله فقد كفر كما قال تعالى بسورة المائدة " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون "
وقال :
" ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون"
وقال :
" ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون"
وحكاية إقامة الدول على المنافع العملية هى مقولة خاطئة وهمية لخداع الناس فكل دستور أو مجموعة قوانين يلتزم بها مجموعة من الناس فى منطقة هى دين سواء سموه دين أو دستور أو مذهب أو غير ذلك
-قال "فلم يأت القرن الرابع للهجرة حتى قام العالم الإسلامى مقام الدولة الإسلامية وحتى ظهرت القوميات وانتشرت فى البلاد الإسلامية كلها دول كثيرة يقوم بعضها على المنافع الاقتصادية والوحدات الجغرافية ويقوم بعضها الأخر على ألوان أخرى من المنافع"ص23
لا يمكن تسمية أى بلد بالبلد الإسلامى كما يقول طه فى هذه الفقرة والفقرة القادمة ما لم يحكم بحكم الله وهو الإسلام ومن ثم فلا وجود للعالم الإسلامى ولا للبلاد الإسلامية فطالما تحكم بغير ما أنزل الله فكلها بلاد كافرة وإن كان الكثير من أهلها يدينون بالإسلام حقا أو وهما
-قال "وكانت مصر من أسبق الدول الإسلامية إلى ارجاع شخصيتها القديمة التى لم تنسها فى يوم من الأيام فالتاريخ يحدثنا بأنها قاومت الفرس أشد المقاومة وبأنها لم تطمئن إلى المقدونيين حتى فنوا فيه وأصبحوا من أبناءها واتخذوا من تقاليدها وسننها لهم تقاليد وسننا والتاريخ يحدثنا كذلك بأنها قد خضعت لسلطان الامبراطورية الرومانية الغربية والشرقية على كره مستمر ومقاومة متصلة فاضطر القياصرة على أخذها بالعنف وإخضاعها للحكم العرفى والتاريخ يحدثنا كذلك بأن رضاها عن السلطان العربى بعد الفتح لم يبرأ من السخط ولم يخلص من المقاومة والثورة وبأنها لم تهدأ ولم تطمئن إلا حين أخذت تسترد شخصيتها المستقلة ظل بن طولون وفى ظل الدولة المختلفة التى قامت بعده"ص23
الخطأ الأول وجود شخصية لمصر أى تقاليد وسنن واحدة وهو كلام لا وجود له قديما أو حديثا فالتقاليد مثلا فى المجتمع البدوى تختلف باختلاف المكان فبدوى سيناء يختلف عن بدوى سيوة فمثلا اللباس ليس واحدا فبدو سيناء يرتدون العقال وبدو سيوة يرتدون الطواقى وبدو سيناء يلبسون الجلابيب الطويلة بينما بدو سيوة وما حولها يرتدون جلباب قصير وبنطال والرقصات هنا غير الرقصات هناك ومثلا تختلف تقاليد الصعيد عن تقليد البحيرة بل إن التقاليد تختلف بين قرية وقرية فى الصعيد أو فى الدلتا فمثلا فى قرى لا يتم توريث البنات الأرض وفى قرى أخرى يتم توريثهم وفى قرى لا تعمل النساء خارج البيت وفى قرى تعمل
وتقاليد الزواج والموت تختلف ما بين منطقة وأخرى بل تغيرت التقاليد من عصر لعصر داخل البلد الواحد فمثلا كان الزواج عن طريق الخاطبة أو عن طريق الأقارب عند ولادة الأولاد منذ عدة قرون بينما هذا التقليد اندثر حاليا وأصبح الزواج بالتعارف بين الرجل والمرأة مباشرة أو عن طريق تعريفهم ببعض عن طريق الأصحاب والأقارب
إذا حكاية تقاليد وسنن واحدة هى ضرب من الخيال فالبلد الواحد تتغير تقاليده لأسباب ما قد تكون تقنية أو تكون بسبب تغيرات ثقافية
"فالمسلمون إذا قد فطنوا منذ عهد بعيد إلى أصل من أصول الحياة الحديثة وهو أن السياسة شىء والدين شىء أخر وان نظام الحكم وتكوين الدول إنما يقومان على المنافع العملية قبل أن يقوم على أى شىء أخر وهذا التصور هو الذى تقوم عليه الحياة الحديثة فى أوربا فقد تخففت أوربا من أعباء القرون الوسيط وأقامت سياستها على المنافع الزمنية لا على الوحدة المسيحية ولا على تقارب اللغات والأجناس "ص24
هنا يخلع طه نفسه من ربقة الإسلام عندما يقر بكون السياسة شىء والدين شىء أخر وهى مقولة العلمانية الوهمية فلا يوجد انفصال فالسياسة أيا كانت هى دين فالسياسة مجموعة أحكام يلتزم بها مجموعة من الناس وهو نفسه تعريف الدين ومن ثم فالمقولة وهمية ولكن لها أساس فى الديانة النصرانية التى أقرت بانفصال سلطة الكنيسة عن سلطة العلمانيين وهم من خارج الكنيسة فى بعض النصوص ولكنها فى نصوص أخرى نفت ذلك وجعلت كل السلطة للكنيسة وهو ما يسمى نص الربط والحل وهو قولهم:
" اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاءِ" سفر متى 18-قال 18
وأما مقولته عن تخفف أوربا وقيام حياتها على المنافع الزمنية فهو وهم تبيعه لشعوب الأرض وإلا ماذا يسمى التبشير بالنصرانية من قبل دول أوربا فى البلاد المحتلة ؟وبماذا يسمى إجبار الدول المحتلة على تسمية الناس بأسماء نصرانية خاصة فى دول أفريقيا وبماذا يسمى إصرار دول الاحتلال على تنظيم التعليم فى البلاد المحتلة بحيث ينتج منه أشخاص يتعرفون على النصرانية أكثر مما يتعرفون على ديانة أصحاب البلاد بما يسمى تعيين قس مشرفا على وزارة المعارف فى مصر هو دنلوب؟

-قال "فنلاحظ مرة أخرى أن العقل المصرى القديم لم يتأثر بالشرق الأقصى ولا بالشرق البعيد قليلا ولا كثيرا وإنما نشأ مصريا ثم أثر فينا حوله وتأثر به وأما الأوربيون فهم كالمصريين يقررون هذه الأوليات فى كتبهم ويعلمونها فى مدارسهم ويبذلون الجهود الخصبة الشاقة فى تحقيق الصلات بين المصريين وليس من المهم أو النافع الآن أن نبحث عن مصدر هذا التعنت الأوربى الذى يرجع إلى السياسة وإلى المنافع قبل كل شىء وإنما المهم أن نمضى فى هذه الملاحظة التاريخية حتى يثبت لنا فى وضوح وجلاء أن من السخف الذى ليس بعده سخف اعتبار مصر جزءا من الشرق واعتبار العقلية المصرية عقلية شرقية كعقلية الهند والصين "ص24
ما زال طه حسين مصرا على مقولة المصرية وأن العقل المصرى نشأ مصريا خالصا وهى مقولة يكذبها دين طه سواء الإسلام أو النصرانية فمصر كانت خالية من السكان ككل بلاد العالم وهاجر لها بعض أولاد آدم(ص) وسكنوها من أم القرى مكة فكيف يكون العقل مصريا خالصا إذا كان السكان الأوائل لم يكونوا يسكنون فيها وإنما كانت خالية ؟
كما قلنا لا يوجد عقل مصرى ولا عقل أوربى ولا عقل هندى ولا صينى ولا غير ذلك فالأرض لا تنتج عقولا فالعقل واحد فى الكل ولكن الإرادة الإنسانية هى من تقرر استخدام العقل أو استخدام الشهوات
-قال "كان العقل المصرى إذا إلى أيام الإسكندر مؤثرا فى العقل اليونانى متأثرا به مشاركا له فى كثير من خصاله إن لم يشاركه فى خصاله كلها .... وأصبحت مصر دولة يونانية أو كاليونانية...ومن المحقق أن الثقافة اليونانية على اختلاف فروعها وألوانها قد لجأت إلى مصر فوجدت فيها ملجأ أمينا وحصنا حصينا وظفرت فيها من النمو والانتشار بما لم تظفر بمثله حين كانت مستقرة فى أثينا أو فى غيرها من المدن اليونانية الأوربية أو الأسيوية "ص25
نلاحظ التناقض بين كون العقل المصرى هنا عقلا يونانيا وبين كون العقل المصرى مصرى خالص فى قوله :
"-قال "فنلاحظ مرة أخرى أن العقل المصرى القديم لم يتأثر بالشرق الأقصى ولا بالشرق البعيد قليلا ولا كثيرا وإنما نشأ مصريا ثم أثر فيما حوله وتأثر به"ص24
والسؤال كيف يكون العقل المصرى عقلا يونانيا تاما ويكون مصريا ؟
والمقولة بكون العقل المصرى أصبح يونانيا تناقض كون العقل المصرى هو الأكبر فى دول البحر المزعومة فى قوله :
-قال "فإذا لم يكن بد من أن نلتمس أسرة للعقل المصرى نقره فيها فهى أسرة الشعوب التى عاشت حول بحر الروم وقد كان العقل المصرى أكبر العقول التى نشأت فى هذه الرقعة من الأرض سنا وأبلغها أثرا " ص22
فالأكبر لا يندمج فيمن هو أصغر ويتخلى عن كبره وإنما الأصغر هو من يتخلى عن نفسه ويندمج فى الأكبر
-قال "وجاء الإسلام وانتشر فى أقطار الأرض وتلقته مصر لقاء حسنا وأسرعت إليه إسراعا شديدا فاتخذته لها دينا و واتخذت لغته العربية لها لغة فهل أخرجها ذلك عن عقليتها الأولى وهل جعلها أمة شرقية بالمعنى الذى يفهم من هذه الكلمة كلا لأن المسيحية التى ظهرت فى الشرق قد غمرت أوربا واستأثرت بها دون غيرها من الأديان فلم تصبح أوربا شرقية ولم تتغير طبيعة العقل الأوربى وإذا كان فلاسفة أوربا وقادة الرأى الحديث فيها يعدون المسيحية عنصرا من عناصر العقل الأوربى فلست أدرى ما الذى يفرق بين المسيحية والإسلام وكلاهما قد ظهر فى الشرق الجغرافى وكلاهما نبع من منبع كريم واحد وهبط به الوحى من لدن إله واحد يؤمن به الشرقيون والغربيون على السواء" ص26
الخطأ أن تغيير الدين لم يغير عقلية مصر وكذلك عقلية أوربا وهو كلام خاطىء فلو كان العقل المصرى – وبالقطع ليس العقل الحق-قال ثابتا فلماذا يغير دينه ؟
إن الثابت لا يغير شىء فيه فلو كان هذا العقل المصرى المزعوم لا يتغير فيه شىء فالسؤال لماذا غير أديانه من وثنية إلى نصرانية إلى إسلام فضلا عن ديانات أخرى ؟
والخطأ الأخر أن المسيحية والإسلام كلاهما نبع من منبع كريم واحد وهبط به الوحى من لدن إله واحد يؤمن به الشرقيون والغربيون على السواء
فالله لم يرسل وحى بالمسيحية فالدين عند الله واحد من لدن آدم (ص) وحتى يوم القيامة وهو الإسلام كما قال تعالى :
"إن الدين عند الله الإسلام"
والخطأ الأخر أن إله واحد يؤمن به الشرقيون والغربيون على السواء وهو كلام ينافى الحقيقة فالله ليس واحد فى الدينين فالله واحد فى الإسلام وشركة آلهة فى المسيحية ولا ندرى كيف يقول بتلك المقولة ؟
-قال "إذا صح أن المسيحية لم تمسخ العقل الأوربى ولم تخرجه عن يونانيته الموروثة ولم تجرده من خصائصه التى جاءته من إقليم البحر الأبيض المتوسط فيجب أن يصح أن الإسلام لم يغير العقل المصرى أو لم يغير عقل الشعوب التى اعتنقته والتى كانت متأثرة بهذا البحر الأبيض المتوسط بل يجب أن نذهب على أبعد من هذا فنقول مطمئنين أن انتشار الإسلام فى الشرق البعيد وفى الشرق الأوسط فقد مد سلطان العقل اليونانى وبسطه على بلاد لم يكن قد زارها إلا لماما ولم يستطع أن يستقر فيها استقرارا متصلا إلا بعد أن استقر فيها الإسلام "ص26
نفس الخطأ السابق وهو أن تغيير الدين لم يغير عقلية مصر وكذلك عقلية أوربا وهو كلام خاطىء فلو كان العقل المصرى – وبالقطع ليس العقل الحق-قال ثابتا فلماذا يغير دينه ؟
والخطأ أن انتشار الإسلام فى الشرق البعيد وفى الشرق الأوسط قد مد سلطان العقل اليونانى وبسطه على بلاد لم يكن قد زارها إلا لماما
الرجل هنا يخرف فالإسلام والفلسفة اليونانية لا يتفقان فى الغالب فكيف ينشر دين ما يضاده ويعاديه؟
فلسفة تقوم على الوثنية غالبا وبلاد لم تتحد إلا نادرا ومع هذا يسميها الرجل بالعقل اليونانى مع أنه لم تكن هناك طبقا للتاريخ المعروف وحدة سياسية لها ولا وحدة فلسفية لأن الاختلافات كانت بينهم واسعة
-قال "وأغرب من هذا أن بين الإسلام والمسيحية تشابها فى التاريخ عظيما فقد اتصلت المسيحية بالفلسفة اليونانية قبل ظهور الإسلام فأثرت فيها وتاثرت بها وتنصرت الفلسفة وتفلسفت النصرانية ثم اتصل الإسلام بهذه الفلسفة اليونانية فاثر فيها وتأثر بها وأسلمت الفلسفة اليونانية وتفلسف الإسلام وتاريخ الديانتين واحد بالقياس إلى هذه الظاهرة فما بال اتصال المسيحية بالفلسفة بجعلها مقوما من مقومات العقل الأوربى وما بال اتصال الإسلام بهذه الفلسفة نفسها لا يجعله مقوما من مقومات هذا العقل "ص27
-قال "جوهر الإسلام ومصدره هما جوهر المسيحية ومصدرها واتصال الإسلام بالفلسفة اليونانية هو اتصال المسيحية بالفلسفة اليونانية فمن أين يأتى التفريق بين ما لهاتين الديانتين من الأثر فى تكوين العقل الذى ورثته الإنسانية عن شعوب الشرق القريب وعن اليونان "ص27
نلاحظ الجنون الذى يقوله طه وهو انطباق جوهر ومصدر الإسلام والمسيحية وهو كلام يرفضه أى إنسان فلو كانا واحد المصدر والجوهر ففيما الخلاف ؟ ولماذا كانت التسميتين لشىء واحد؟
ويكرر نفس الخطأ وهو تأثير الفلسفة اليونانية فى الإسلام وهو كلام جنونى فالإسلام شىء ومن يتسمون بالمسلمين شىء أخر فالإسلام ثابت لا يتغير فالوحى المنزل لا يضاف له شىء ولا ينقص منه شىء كما قال تعالى "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"
-قال "ومعنى ذلك عندى وعند بيرين فيما أظن أن قوام الحياة العقلية فى أوربا إنما هو إتصالها بالشرق عن طريق البحر الأبيض المتوسط فما بال هذا البحر ينشىء فى الغرب عقلا متفوقا ويترك الشرق بلا عقل أو ينشىء فيه عقلا منحطا ضعيفا؟ وما بال العقل الذى ينشئه البحر نفسه على ساحله الشرقى وما بال الفلسفة اليونانية التى نشأت على الساحل الشرقى لبحر الروم فى العصور القديمة وفى القرون الوسطى لا تؤثر فى عقول أصحابها شيئا فإذا أرسلوها إلى غرب هذا البحر خلقت أهل هذا الغرب خلقا جديدا"ص28
نلاحظ التناقض فى كون مصدر التفوق هو البحر" فما بال هذا البحر ينشىء فى الغرب عقلا متفوقا" وبين كون مصدر التفوق هو الفلسفة اليونانية " وما بال الفلسفة اليونانية التى نشأت على الساحل الشرقى لبحر الروم فى العصور القديمة وفى القرون الوسطى لا تؤثر فى عقول أصحابها شيئا فإذا أرسلوها إلى غرب هذا البحر خلقت أهل هذا الغرب خلقا جديدا"
والكلام فى الفقرة عن الضعف أو عن العقل يتناقض مع الكلام فى فقرة سابقة عن التفوق الإسلامى الذى نشر الفلسفة اليونانية فى الشرق البعيد وهو "
" فنقول مطمئنين أن انتشار الإسلام فى الشرق البعيد وفى الشرق الأوسط فقد مد سلطان العقل اليونانى وبسطه على بلاد لم يكن قد زارها إلا لماما ولم يستطع أن يستقر فيها استقرارا متصلا إلا بعد أن استقر فيها الإسلام "ص26
كما يتناقض مع كلامه عن كون العقل المصرى هو العقل الأكبر بين دول البحر فهنا مصر ومن جاورها أصبحت بلا عقل أو ضعيفة العقل
-قال "وإنما كانت مصر دائما جزءا من أوربا فى كل ما يتصل بالحياة العقلية والثقافية على اختلاف فروعها وألوانها "ص28
كون مصر جزء من أوربا يتناقض مع كونها جزء من البحر المتوسط فى قوله :
-قال "فإذا لم يكن بد من أن نلتمس أسرة للعقل المصرى نقره فيها فهى أسرة الشعوب التى عاشت حول بحر الروم وقد كان العقل المصرى أكبر العقول التى نشأت فى هذه الرقعة من الأرض سنا وأبلغها أثرا " ص22
وأوربا بالقطع الجزء الجنوبى منها هو المشترك مع البحر المتوسط بينما بقيتها بعيدة وجعله أوربا قطعة واحدة هو ضرب من الجنون فأوربا ككل العالم جملة من المتناقضات فى الأديان واللغات والعادات والتقاليد بحيث لا نكاد نجد بلدين منها متطابقان فى كل شىء
والسؤال الذى يجب طرحه :
كيف كانت أوربا عندما كانت مصر متقدمة وهى متأخرة ؟
كيف يكون السابق المتقدم جزء من الكل المتخلف ؟
سؤال لأمثال طه ممن يعتنقون نفس المقولة
وهذه الفقرة وهو كوننا جزء من أوربا تناقض كلامه عن كوننا أساتذتهم فى العصور القديمة والوسطى فى قوله:
"-قال " كيف بنا ونحن نشارك الأوربيين فى هذا كله ولم يكن اليابانيين وبينهم شركة فى شىء منه قليل أو كثير فإذا اليابانيون قد زاحموا الأوربيون حتى زحموهم وإذا نحن ما نزال متخلفين ومنا من يجادل فى أن من الحق أو من الباطل وفى أن من الخير أو من الشر وفى أن من النفع أو من الضر أن نأخذ بحظنا من تراثنا القديم أستغفر الله بل كنا لهم أساتذة فى العصور الوسطى وفى العصر القديم "ص36
-قال "وهذا البلد هو مصر التى آوت الإسلام وعلومه وحضارته وتراثه المجيد فحفظتها كنزا مدخرا حتى إذا أتيحت لها الفرصة أخذت ترد هذا الكنز إلى الشرق والغرب جميعا فما بال قوم ينكرون على مصر حقها فى أن تفاخر بأنها حمت العقل الإنسانى مرتين حمته حين آوت فلسفة اليونان وحضارته أكثر من عشرة قرون وحمته حين آوت الحضارة الإسلامية وحمتها إلى هذا العصر الحديث "ص29
ما زال طه حسين يخرف فيجعل لمصر التى لا يعرفها هو ولا غيره تعريفا صحيحا فضل على دين الله فمصر هى التى آوت أى حمت الإسلام وهو كلام يكذب قوله تعالى :
"إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له حافظون "
كما نلاحظ التخريف التاريخى فى حماية مصر فلسفة اليونان فمكتبة الاسكندرية احترقت فى عهد البطالمة ومن بعدهم والمسيحية فى عهد الرومان قضت على فلسفة اليونان فى مصر حيث تم حرق وقتل الفلاسفة وكذلك كتب الفلسفة فأين هى الحماية المزعومة للفلسفة اليونانية ؟
حركة ترجمة الكتب الفلسفية فيما يسمى بالدولة الأموية والعباسية لم تشارك فيها مصر إلا نادرا فمن قام بهذا الدور هم مسيحيو ويهود العراق والشام وانضم لهم فيما بعد بعض المسلمين
-قال "حياتنا المادية أوربية خالصة فى الطبقات الراقية وهى فى الطبقات الأخرى تختلف قربا وبعدا من الحياة الأوربية باختلاف قدرة الأفراد والجماعات من الثروة وسعة اليد ومعنى هذا أن المثل الأعلى للمصرى فى حياته المادية إنما هو المثل الأعلى الأوربى فى حياته المادية...ولكننا ماضون فيه على كل حال وليس فى الأرض قوة تستطيع أن تردنا عن أن نستمتع بالحياة على النحو الذى يستمتع بها عليه الأوربيون "ص31
الخطأ كون حياتنا المادية أوربية خالصة فى الطبقات الراقية وهو كلام يخالف أن طبقاتنا الراقية ما زال الحريم التركى موجود فيها وما زالت المطابخ والآكلات والأزياء فيها شرقية غالبا وما زال البعض منهم يقيمون بيوتهم وقصورهم على الطرز العربية والتركية
ما طرأ هو استخدام الآلات والأثاث فى بعض الأمور
-قال "وأين المصرى الذى يرضى بأن ترجع مصر عن هذه الخطوات التى خطتها فى سبيل النظام الديمقراطى ؟ وأين المصرى الذى يطمئن على أن تعود مصر على نظام للحكم يقوم على غير الحياة الدستورية النيابية "ص33
والسؤال من ألغى النظام الديمقراطى ودستور 1923 أليس بعض المصريين وللأسف هم من أصدقاء طه أو من المثقفين ؟
الديمقراطية التى يتشدق بها طه حسين هل أتت بأحد من الفقراء لمجلس النواب أو الشيوخ ؟
بالقطع حوادث نادرة جدا فكل الأعضاء باشوات وبكوات من الأغنياء وهو ما يعنى أن النظام لم يتغير فالنخبة هى نفسها النخبة الغنية أضيف لها بعض البهار الذى انجرف للعمالة أو للترف
أليس غريبا أن يصبح سعد زغلول نسيبا لواحد من كبار المناصرين للاحتلال وهو كان يقاوم الاحتلال ؟
إنها نفس الدائرة التى ينجرف لها الكثيرون حتى الآن ممن يقاومون ظلم النظام ثم تخفت أصواتهم ومن ظل فى المقاومة قتل أو سجن أو أصبح مجرما
-قال " كيف بنا ونحن نشارك الأوربيين فى هذا كله ولم يكن اليابانيين وبينهم شركة فى شىء منه قليل أو كثير فإذا اليابانيون قد زاحموا الأوربيون حتى زحموهم وإذا نحن ما نزال متخلفين ومنا من يجادل فى أن من الحق أو من الباطل وفى أن من الخير أو من الشر وفى أن من النفع أو من الضر أن نأخذ بحظنا من تراثنا القديم أستغفر الله بل كنا لهم أساتذة فى العصور الوسطى وفى العصر القديم "ص36
كرر طه حسين كلامه عن اليابانيين عدة مرات فى الكتاب وهو يظن أن اليابان خلعت ثوبها وأصبحت أوربية كأوربا وهو كلام يناقض الواقع فاليابانيون كما هم على أديانهم وكما هم على عاداتهم وتقاليدهم وما تغير هو شىء واحد هو أنهم اهتموا بالتقنية وبرعوا فيها لأن لدى حكامهم رغبة فى أن تكون دولتهم امبراطورية حربية كفرنسا وانجلترا تحتل بلاد العالم وأما بلادنا فحكامها لا يريدون سوى البقاء فى الكراسى بواسطة المحتلين لأن بعض آباءهم حسب التاريخ المعروف حاول أن يتخلص من نفوذ الاحتلال أو نفوذ أوربا فكانت النتيجة خلعه من على الكرسى كإسماعيل أو تم تحجيمه كمحمد على
-قال " ولكن السبيل إلى ذلك ليست فى الكلام يرسل إرسالا ولا فى المظاهر الكاذبة والأوضاع الملفقة وإنما هى واضحة بينة مستقيمة ليس فيها عوج ولا التواء وهى واحدة فذة ليس لها تعدد وهى أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادا ولنكون لهم شركاء فى الحضارة خيرها وشرها حلوها ومرها وما يحب منها وما يكره وما يحمد منها وما يعاب" ص39
طه حسين يعلنها صراحة أن علينا أن نكون كأوربا فى كل شىء محبوب أو مكروه محمود أو معيب وهى دعوة صريحة للكفر فهو يدعونا للفاحشة المكروهة والمعيبة
ومع هذا فطه هنا يقول كلام لا يعقله فأوربا التى يتحدث عنها خليط متناقض فى كل شىء فمثلا فى أنظمة الحكم منها النظام الملكى الملك فيه هو الحاكم المطلق كما كان فى بلجيكا ومنها النظام الملكى حيث يملك الملك ولا يحكم كبريطانيا ومنها الجمهورى والجمهورى منها النظام الرئاسى كالنظام الفرنسى ومنها النظام النيابى حيث يحكم رئيس الوزراء كألمانيا ومنها النظام الكنسى حيث البابا هو رئيس الجمهورية ومنها النظام الحزبى حيث تتصارع الأحزاب فى الانتخابات النيابية والرئاسية ومنها النظام ذو الحزب الواحد كروسيا السوفيتية وفى الاقتصاد نجد نظاما رأسماليا ونجد نظاما شيوعيا ونجد نظام وسط وفى الدساتير نجد لبعضها دستورا مكتوبا كفرنسا ولبعضها دستورا ليس مكتوبا كبريطانيا
بالقطع لو قعدنا نتكلم عن الخلافات بين أوربا فسنجد مئات أو آلاف الاختلافات والسؤال
أى واحدة نتبع يا طه أنت وأمثالك ؟
ومع ذلك يهدم طه كلامه هنا بضرورة الاندماج فى أوربا وأن نكون مثلهم فى كل شىء وهو ما يضيع شخصيتنا ومع هذا يبين أن الشخصية لا تضيع بكلامه عن ضرورة الحفاظ على الشخصية المصرية كما حافظ اليابانيون على شخصيتهم وهو قولهم:
" كلا ليس على الشخصية المصرية خطر من الحضارة الحديثة كما لم يكن على الشخصية اليابانية خطر من الحضارة الحديثة ولست أدرى لم تضيع شخصية المصريين إذا ساروا سيرة الأوربيين ولا تضيع شخصية اليابانيين مع أن لمصر من المجد والسابقة ما ليس لليابان مثله؟ص50
-قال "فلم يتحرج العرب المسلمون من أن يأخذوا بأسباب الحضارة الفارسية واليونانية كما أخذ بها الفرس والروم الذين لم يكونوا مسلمين فى ذلك الوقت لم يتحرجوا من ذلك ولم يرفضوه وليس من شك فى أنهم جنوا من ذلك بعض الشر فساءت الأخلاق والسير فى بعض الجهات وفسدت العقائد ودخائل النفوس فى بعضها الآخر ولكن شيئا من ذلك لم يرد المسلمين عن الأخذ بأسباب الحضارة الفارسية واليونانية لأنهم جنوا من ذلك ثمرات حلوة لا تزال الإنسانية تستمتع بها إلى الآن فهم قد صاغوا من هاتين الحضارتين ومن تراثهم القديم هذه الحضارة الإسلامية الرائعة التى أزهرت أيام بنو أمية وبنى العباس والتى يحرص المحافظون منا عليها أشد الحرص وهذه الحضارة الإسلامية الرائعة لم يأت بها المسلمون من بلاد العرب وإنما أتوا ببعضها من هذه البلاد وببعضها الآخر من مجوس الفرس وببعضها الآخر من نصارى الروم"ص45
طه حسين ينسب الحضارة الإسلامية لغير الإسلام فلها ثلاث مصادر الحضارة الفارسية والحضارة اليونانية والتراث القديم لبلاد العرب وهو كلام ليس لصاحبه عقل فكيف تكون إسلامية وليس الإسلام مصدر لها أو حتى لجزء منها ؟
ومن ثم فالإسلام عنده هنا ليس من عند الله وإنما هو اختراع بشرى مشترك وكتب التاريخ المعروفة تخبرنا أن لا الفرس ولا الروم ولا حتى العرب كان لديهم حضارة تقنية متقدمة فالتقنية هى أساس الحضارة عند الناس فالكل كان يعيش فى ظلم وتخلف فى ظل المجوسية وظلم الرومان المسيحيين فأدوات الحرب كانت سيوفا ورماحا وسهاما وخيولا ومنجنيق ونفط وكانت لدى الكل تقريبا
والخطأ هو أن المسلمين أخذوا بأسباب تلك الحضارات ولا نعرف مسلما يأخذ بأسباب يحرمها دينه وإنما هو يأخذ ما أباحه الله
-قال " ولست أدرى أمخطىء أنا أم مصيب ولكنى أوثر إذا أردت أن أسعى إليه جهرة وفى وضح النهار لا أن أسعى إليه سرا وفى ظلمة الليل "ص48
بعد كل هذا اللت والعجن فى كتاب تبلغ صفحاته الثلاثمائة ولكن الخمسين الأولى منه هى المهمة وهى التى فيها معظم الأخطاء نجد الرجل يقول أن كلامه السابق كله لا يعرف صحته من بطلانه ونجد أن الرجل مصر على نشر لته وعجنه للناس مع أنه جاهل بصحته أو بطلانه
هل هذه المقولة هى للتخلص من دعواته للكفر حتى إذا وقف بين يدى قاضى يتملص مما قاله ؟
بالقطع الله أعلم ولكن ما أراه هو أن الرجل كان محميا من فرنسا ومن غيرها
-قال " كلا ليس على الشخصية المصرية خطر من الحضارة الحديثة كما لم يكن على الشخصية اليابانية خطر من الحضارة الحديثة ولست أدرى لم تضيع شخصية المصريين إذا ساروا سيرة الأوربيين ولا تضيع شخصية اليابانيين مع أن لمصر من المجد والسابقة ما ليس لليابان مثله؟ص50
ما زال طه مصرا على مقولة الشخصية المصرية التى قلنا مرارا وتكرارا أنه لا وجود لها فهذه القطعة الأرضية تحوى شخصيات متعددة لأن التقاليد والسنن تختلف من بلد لبلد فيها ومن منطقة لأخرى
-قال " من الحق أن الحضارة الأوربية مادية المظاهر وقد نجحت من هذه الناحية نجاحا باهرا فوفقت على العلم الحديث ....ولكن من أجهل الجهل واخطأ الخطأ أن يقال إن هذه الحضارة المادية قد صدرت عن المادة الخالصة إنها نتيجة العقل إنها نتيجة الخيال إنها نتيجة الروح إنها نتيجة الروح الخصب المنتج نتيجة الروح الحى الذى يتصل بالعقل فيغذوه وينميه ويدفعه إلى التفكير ثم على الإنتاج ثم على استغلال الإنتاج نتيجة هذا الروح العاكف على نفسه الفارغ لها الفانى فيها الذى تفسده الأثرة عليه أمره فلا ينفع ولا ينتفع ولا يفيد ولا يستفيد "ص51
نجد طه هنا يناقض نفسه فى مصدر الحضارة الأوربية فهى نتيجة العقل مرة ونتيجة الخيال مرة ونتيجة الروح وهى ليست روحا واحدة بل أرواح متعددة أو نتيجتهم معا ومع هذا يقول أنها صدرت عن شرقنا القريب فى قوله:
"فشرقنا القريب كما رأيت هو مهد هذا العقل الذى يزدهى ويزدهر فى أوربا وهو مصدر هذه الحضارة الأوربية التى نريد أن نأخذ بأسبابها "ص52
-قال "وقد سمعت منذ عهد بعيد صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر يتحدث إلى المسلمين عن طريق الراديو فى موسم من المواسم الدينية فيعلن أن محور القومية يجب أن يكون القبلة المطهرة وهذا صحيح حين يتحدث شيخ من شيوخ المسلمين إلى المسلمين ولكن الشباب الأزهريين يجب أن يتعلموا فى طفولتهم وشبابهم أن هناك محورا أخر للقومية لا يناقض المحور الذى ذكره الشيخ الأكبر وهو محور الوطنين التى تحصرها الحدود الجغرافية الضيقة لأرض الوطن ولست أرى بأسا على الشيخ الأكبر ولا على زملائه من أن يتصوروا القومية الإسلامية كما تصورها المسلمون منذ أقدم العصور إلى هذه الأيام ولكن هناك صورا جديدة للقومية والوطنية قد نشأت فى هذا العصر الحديث "ص64
الخطأ أن محور الوطنية لا يناقض محور الإسلام وهو محور القبلة فالمسلم عندما يكون فى بلد كافر لا يحق له أن يحارب المسلمين فى دولتهم لأن وطنيته المزعومة ساعتها تناقض أحكام دينه والوطنية المزعومة نجعل تجنيده فى جيش بلده الكافر واجب ولكن الإسلام يحرم عليه الانضمام لذلك الجيش وإلا كان كافرا بدينه
وتناول طه حكاية الثقافة المصرية فبين أنها موجودة وجودا ضعيفا بقوله :
"أتوجد ثقافة مصرية؟ وما عسى أن تكون؟ فأما أنا فأجيب على هذه المسألة بأن الثقافة المصرية مهما تكن ضعيفة ومهما تكن ناقصة ومهما تكن محتاجة إلى التقوية والتنمية والإصلاح فهى موجودة ما فى ذلك وما ينبغى أن يكون فى ذلك شك "ص293
ومع قوله بكونها ضعيفة ناقض نفسه فجعلها متميزة متفردة بقوله :
"هى موجودة متميزة فى خصالها وأوصافها التى تنفرد بها عن غيرها من الثقافات "ص293
وقد عدد طه صفاتها وهى :
"وأول هذه الصفات المميزة لثقافتنا المصرية أنها تقوم على وحدتنا الوطنية وتتصل اتصالا قويا بنفوسنا المصرية الحديثة كما تتصل بنفوسنا المصرية القديم أيضا تتصل بوجودها المصرى فى حاضره ومستقبله ومن حيث لأنها تصور آمالنا ومثلنا العليا فى الحياة فهى تتصل بمستقبلنا أيضا بل هى تدفعنا إلى هذا المستقبل دفعا ولك أن تنظر فى أى لون من ألوان العلم والأدب والفن التى تدرس فى مصر التى ينتج فيها العلماء والأدباء والفنانون المصريون فسترى أنها مطبوعة بالطابع المصرى سترى فيها هذا الذوق المصرى الذى ليس هو ابتساما خالصا ولا عبوسا خالصا ولكنه شىء فيما بين ذلك فيه كثير من الابتهاج وفيه قليل من البؤس...سترى فيها الاعتدال المصرى الذى يشتق من اعتدال الجو المصرى ....... ثم ستراها قد اتخذت اللغة العربية المصرية لها أداة مرنة أنيقة رشيقة........ ولا تقل إن اللغة العربية مشتركة بين مصر وغيرها من البلاد العربية فهذا حق ولكن لمصر مذهبها الخاص فى التعبير كما أن لها مذهبها الخاص فى التفكير والبلاد الأخرى تتأثر مصر ولعلها تتنافس فى تأثر مصر فى تفكيرها وتعبيرها ص293
هنا عناصر أو ًصفات الثقافة المصرية هى :
الوحدة الوطنية والنفوس المصرية القديمة والذوق المصرى والاعتدال المصرى واللغة العربية وهو ما يناقض كونها التراث المصرى القديم والتراث العربى والحياة الأوربية الحديثة فى قوله :
"وإذا أردت أن تحلل الثقافة المصرية إلى عناصرها الأولى فهذه العناصر بينة واضحة هى التراث المصرى الفنى القديم وهى التراث العربى الإسلامى وهى ما تكسبه كل يوم من من خير ما أثمرت الحياة الأوربية الحديثة هى هذه العناصر المختلفة المتناقضة فيما بينها أشد الاختلاف والتناقض تلتقى فى مصر فيصفى بعضها بعضا ويهذب بعضها ببعضا"ص
ينتهى هنا الكلام الخاطىء الذى صدعنا به طه حسين ويبدأ الكتاب بداية أخرى غالبها فى إصلاح التعليم وهو الجزء الأكبر من الكتاب وللرجل فيه حسنات كدعوته لإلغاء تدريس اللغات الأجنبية فى المراحل الأولى من التعليم فى قوله:
"-قال " أما نحن فجوابنا فى ذلك قاطع صريح وهو أن اللغة الأجنبية لا ينبغى أن تدرس فى هذا القسم من التعليم العام لا فى السنة الأولى ولا فى الثانية ولا فى الثالثة ولا فى الرابعة وإنما يجب أن يخلص هذا القسم من أقسام التعليم العام كما خلص التعليم الأولى للثقافة الوطنية الخالصة"ص151
وكدعوته لتنويع اللغات الأجنبية التى ينبغى تدريسها فيما بعد فى المراحل الأخرى وله فيها سيئات وهذا الجزء يعرض فيها طه حسين مشاكل المعلمين والتعليم وهى مشاكل ما زالت قائمة حتى الآن مثل ضعف مرتبات المعلمين ومثل النزاع بين وزارتى التعليم فيمن يعد المعلم للتعليم قبل الجامعى ومثل عدم تبعية جهات التعليم لجهة واحدة حيث يوجد تعليم مدنى وتعليم دينى وتعليم عام وتعليم خاص كما يعرض لمشكلة أساتذة الجامعة
ومع هذا لم يسلم الرجل فى هذا الجزء من التناقض فمثلا يطالب بكون التعليم خاضع لجهة واحدة تضع المناهج والبرامج بحيث يكون التعليم واحدا لكل من فى الوطن فى قوله:
"والدولة وحدها هى التى تستطيع أن تضع المناهج والبرامج لهذا التعليم وأن تقوم على تنفيذ هذه المناهج والبرامج وأن تلاحظ ذلك ملاحظة متصلة دقيقة حتى لا ينحرف التعليم عن الطريق التى رسمت له وحتى لا ينتهى إلى غرض مباين للغرض الذى أنشىء من أجله "ص54
ومع هذا يعود فيبيح وجود التعليم الأجنبى فى مصر بقوله:
" ولست أدعو إلى إغلاق المدارس والمعاهد الأجنبية بل أنا بعيد عن ذلك كل البعد نافر منه أشد النفور "ص57
ويطالب بالرقابة عليه فيقول:
"ومن الأوليات ان من حقنا ومن الحق علينا أن نثبت بالملاحظة والتفتيش أن المدارس الأجنبية لا تنحرف بالتلاميذ عن دين آباءهم ولا تتخذهم موضوعا للدعوة والتبشير"ص59
ويعود فيحرمه لكونه مخالف للسيادة الوطنية فيقول:
"ويجب أن يفهم الأجانب والمصريون جميعا أن قيام المدارس الأجنبية فى أرض البلاد المستقلة مخالف لطبيعة السيادة الوطنية "ص59
ومع هذا يعود فيهدم المقولة فيبيح التعليم الأجنبى والخاص الوطنى فيقول :
"أنا بعيد كل البعد عن هذا لأنى أعلم أن الدولة التى تبيح لأجانب أن يقيموا المدارس فى أرضها لا تستطيع أن تحظر ذلك على أبناء الوطن ثم لأنى من أشد الناس حرصا على تشجيع الجهود الخاصة التى يبذلها الأفراد والجماعات لا فى سبيل التعليم وحده بل فى سبيل المرافق العامة كلها"ص60
ومع كلامه السابق فى وحدة التعليم يعود فيبقى على التعليم الأزهرى كما هو فيقول :
"وأنا بعيد كل البعد عن أن أدعو على المساس بجوهر التعليم الدينى فى الأزهر وما يتصل به من المعاهد المنبثة فى الإقليم فقد قدمت أن الدين مقوم من مقومات الشخصية الوطنية وأنا مؤمن بهذا فيما بينى وبين نفسى اشد الإيمان"ص61
ويعيد طه حسين سبب فساد التعليم للإنجليز فيقول :
"فهناك التعليم الرسمى المدنى الذى تنشئه الدولة وتقوم عليه وقد كان على الآن متواضعا هين الأمر يقصد به على أغراض متواضعة هينة وقد رسم الإنجليز له طريقة محدودة ضيقة فأفسدوه وأفسدوا نتائجه وآثاره أشد إفساد ونحن نبذل منذ أعوام جهودا مختلطة مضطربة لإصلاح ما أفسد الإنجليز فلا نكاد نوفق فى بعض الأمر حتى تعدو العاديات فتردما على الإخفاق والخذلان "ص54
تم

اجمالي القراءات 380

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2008-08-18
مقالات منشورة : 1488
اجمالي القراءات : 14,485,053
تعليقات له : 283
تعليقات عليه : 502
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt