من ف3 : الكتابة عن المزارات:من ج 1 :( البحث فى مصادر التاريخ الدينى : دراسة عملية ):
التعليق على ما ذكره ابن بطوطة فى رحلته لمصر المملوكية : ( 3 )

آحمد صبحي منصور في الثلاثاء 29 اكتوبر 2019


التعليق على ما ذكره ابن بطوطة فى رحلته لمصر المملوكية : ( 3 )

من ف3 : الكتابة عن المزارات:من ج 1 :( البحث فى مصادر التاريخ الدينى : دراسة عملية )

العادات الاجتماعية الدينية:

1 ـ نقل ابن بطوطة بعض العادات الاجتماعية التي ازدهرت بالتصوف في مصر المملوكية ، مثل الموالد حيث يتجمع الناس حول ما يعتقدون من أنه مكان ظاهر البركة في أيام معلومة من السنة . وذكر بعض العادات الدينية مثل تلاوة الأوراد ، وقد ذكر نص حزب البحر للشاذلي ، وذكر أن مدرسة تقي الدين في مدينة ( هو ) بالصعيد تقرأ أوراد الشاذلي وحزبه .

2 ـ وأورد ابن بطوطة اعتقاد المصريين في التفاؤل والتشاؤم والتنجيم أثناء حكايته لجد القاضي فخر الدين الريغي .

3 ـ والواقع أن المصادر التاريخية للعصر المملوكي تفيض باعتقادهم في التفاؤل والتشاؤم وجدوى التنجيم ، فقد كانوا ( يتفاءلون ) من أي شيء حتى من لفظ التشاؤم ، فقد تشاءموا من التلفظ به فأصبحت كلمة ( تفاؤل ) تعبر عندهم عن التفاؤل والتشاؤم معاً . ومن يقرأ تاريخ ابن إياس في أحداث أواخر القرن التاسع وأوائل العاشر يجده يكثر من استعمال لفظ تفاؤل , وحتى شاع بين الناس مفهوم جديد لعبارة ( أن البلاء موكل بالمنطق ) [1]فأصبح معناه أن الإنسان ينطق في حديثه بكلمة تفيد التشاؤم فيلحقه الضرر .

4 ـ وعمّ الإعتقاد بالمنجمين حتى أمر السلطان سنة 733 باعتقال المنجمين وضربهم ( لإفسادهم حال النساء ) [2]ولا تزال النساء حتى عصرنا هذا يعتقدن في المنجمين خصوصاً إذا كانوا من المشايخ أصحاب البخور والجان ، إذ أن التفاؤل والتشاؤم والتنجيم والسحر كلها مرتبطة بالتصوف ( راجع رسالة : أثر التصوف في مصر العصر المملوكي للمؤلف . مكتبة كلية اللغة بالقاهرة ) .

5 ـ واهتم ابن بطوطة برصد المعمار الصوفي الذي أقامه السلاطين والأمراء للصوفية من أربطة وخوانق وزوايا . فيذكر بناء الناصر محمد لخانقاه سرياقوس ويقول عن الأمراء ( وكل هؤلاء يتنافسون في أفعال الخيرات وبناء المساجد والزوايا ) . وذكر بعض الزوايا التي أقامها بعض الناس .

 وتحدث عن النشاط المعماري في القرافة فقال ( وهم يبنون في القرافة القباب الحسنة ، ويجعلون عليها الحيطان ، فتكون كالدور ويبنون بها البيوت ) ثم قال عن اهتمامهم بالقراءة والتعليم في القرافة ( ويرتبون القراء يقرءون ليلاً ونهاراً بالأصوات الحسان ومنهم من يبنى الزاوية والمدرسة إلى جانب التربة ) ويقول عن زيارتهم للأولياء في القرافة ( ويخرجون في كل ليلة جمعة إلى المبيت بها بأولادهم ونسائهم، ويطوفون على المزارات الشهيرة ، ويخرجون أيضاً للمبيت بها ليلة النصف من شعبان ، ويخرج أهل الأسواق بصنوف المآكل ) .

6 ـ وعدد ابن بطوطة أهم المزارات المشهورة في العصر مثل المشهد الحسيني والسيدة نفيسة والشافعي ومدافن الصحابة والسلف على نحو ما هو منسوب إليهم ، كما مر ذكره في نص تحفة الأحباب للسخاوي . وأثناء سيره على المدن المصرية كان يذكر المعمار الديني فيقول مثلاً عن منية ابن الخصيب ( بها المدارس والمشاهد والزوايا والمساجد ) .

7 ـ وذكر ابن بطوطة عادات الصوفية في الخوانق في الطعام واستقبال الضيف وصلاة الجمعة وتحدث عن المرتبات والتسهيلات التي يأخذونها من الطعام والكسوة والمرتب والنفقة الخاصة بالسكر والصابون والحمام ، وكله في نظير قيامهم بالصلوات الخمس والقراءة على (روح ) صاحب الخانقاه . وما أسهله من عمل .

8 ـ وواضح أن ابن بطوطة قام برحلته كما لو كان يزور أولياء مصر الصوفية وأضرحتهم، فكان إذا سمع بولي مشهور زاره في زاويته وبات عنده ( كما فعل مع المرشدي بعد أن سمع عنه بالإسكندرية ) وإذا عرف بضريح معروف حج إليه وتبرك به .

9 ـ  وكانت الزوايا هي الأماكن المفضلة لديه في ترحاله وإقامته منذ أن دخل الإسكندرية إلى أن ارتحل عن مصر . ففي الإسكندرية زار الصوفية فيها ،وذكر منهم  أبا عبد الله الفاسي وخليفة وبرهان الدين الأعرج ، وقد التقى بالأعرج وأقام في ضيافته ثلاثة أيام ، وروى كرامات لمن لقيهم من الصوفية ، واهتم بالشاذلية ومقرهم في الإسكندرية ، فقابل زعيمهم ياقوت الحبشي ، وأورد حزب البحر ، وكرامة حميثرا للشاذلي ، وحرص على زيارة ضريحه فيها ، ثم زار المرشدي في منية مرشد وأشاد به وهلل له , وهو في المحلة سمع بأولياء البرلس فارتحل إلى هناك , يقول عن قاضى المحلة ( وسمعت منه وقد جرى ذكر بعض الصالحين أن على مسيرة يوم من المحلة الكبيرة بلاد البرلس ونسترو وهى بلاد الصالحين ، وبها قبر الشيخ مرزوق صاحب المكاشفات ، فقصدت تلك البلاد ، ونزلت بزاوية الشيخ المذكور ) . وفى دمياط بات ليلته في زاوية الشيخ ابن قفل ، وزار زاوية القلندرية وروى كرامات الشيخ الساوي الزعيم الروحي للقلندرية , وسمع بزاوية ( ابن النعمان ) خارج دمياط فقصدها وتعرف بشيخها وبات عنده , ومر على الزوايا بمصر ( القاهرة ) وسجل ما اعتاده الصوفية مع الضيوف، أي أنه يصف عن مشاهدة وعيان ، وحين عزم على السفر للصعيد بات في ( رباط الآثار ) . وفى أسيوط نزل بزاوية الشيخ ابن الصباغ – حفيد ابن الصباغ الصوفي المشهور-  وفى أخميم نزل بزاوية الشيخ ابن عبد الظاهر . وفى ( هو ) نزل بمدرسة أو زاوية ابن السراج، وزار فيها الشريف أبا محمد الحسنى وروى كرامة له ، وفى قنا زار ضريح عبد الرحيم القنائى ، وفى قوص زار زاوية ابن الشيخ عبد الغفار القوصي الصوفي المشهور، وزار زاوية الأفرام وزاوية برهان الدين الأندلسي , وفى الأقصر زار زاوية وضريح أبي الحجاج الأقصري ، ومرّ على الزوايا بإسنا ، وزار الصوفية المشاهير بها ، وتبرك بمسجد القسطلاني بعيذاب .

10 ـ وذلك يعنى أن رحلة بطوطة في مصر إنما تسجل معالمها الأساسية التي لمسها ابن بطوطة، وتلك المعالم لم تخرج عن التصوف وآثاره ، فأشهر الذين قابلهم ابن بطوطة إما صوفية وإما علماء يدينون بالتصوف يقضون أمسياتهم في سرد حكايات الصالحين , والأمراء الذين سمع بهم يتنافسون في بناء الزوايا للصوفية ، والسلطان الذي وصل في عهده أقام للصوفية خانقاة سرياقوس , والجماهير الذين شهدهم رآهم يحجون للقرافة ويتبركون بها ، ويحولونها إلى ملهى وسوق تحمل إليه أنوع المآكل والمشارب , وعلى طول العمران المصري من الإسكندرية للصعيد كان ابن بطوطة يزور شيخاً حياً من الأولياء، أو عالماً معتقداً في التصوف وأوليائه، أو شيخاً مقبوراً في ضريح مقدس , والمكان المفضل الذي يبيت فيه ابن بطوطة هو الزوايا ومدارس الصوفية وبيوت العلماء المعتنقين للتصوف الراوين لكرامات أصحابه . تلك هي صورة مصر في رحلة ابن بطوطة وهى صورة لا تختلف عما أورده ابن جبير والعلوي من الرحالة المغاربة .

11 ـ فابن جبير ( 540- 614 هجرية ) وصل الإسكندرية آخر ذي القعدة سنة 578 في سلطنة صلاح الدين الأيوبي ، وطوّف بالبلاد ، فوصل القاهرة ثم دخل الصعيد إلى عيذاب ، حيث ركب البحر إلى جدة ، بعد أن أقام في مصر أقل من عام .

11 / 1 : وفى الإسكندرية وصف ابن جبير مواضع البركة في مسجد المنار وعد من مناقبها الخوانق فيها وعناية السلطان بها .

11 / 2 : وعن القاهرة يقول ( فأول ما نبدأ بذكره منها الآثار والمشاهد المباركة التي ببركتها يمسكها الله عز وجل ، فمن ذلك المشهد العظيم الشأن الذي بمدينة القاهرة حيث رأس الحسين .. وهو في تابوت فضة مدفون تحت الأرض .. ومن أعجب ما شاهدناه في دخولنا في هذا المسجد حجر موضوع في الجدار الذي يستقبله الداخل.. وشاهدنا ــ من استلام الناس للقبر المبارك وإحداقهم به وإنكبابهم عليه وتمسحهم بالكسوة التي عليه وطوافهم حوله مزدحمين داعين باكين متوسلين إلى الله سبحانه ببركة التربة المقدسة ومتضرعين ــ ما يذيب الأكباد ويصدّع الجماد، والأمر منه أعظم ، و الحال أهول . نفعنا الله ببركة ذلك المشهد الكريم ) . وواضح أن مشهد الحسين في عهد ابن جبير تحول إلى كعبة للقُصّاد في العصر الأيوبي فأضيف له حجر – كالحجر الأسود في الكعبة – حتى تتم مراسم الحج للحسين , والحسين بريء منهم.  وقد دفنت رأسه في البقيع كما يذكر البخاري في تاريخه ، وأقيم ذلك الضريح قبل رحلة ابن جبير بنحو ربع قرن  أي سنة 555هجرية .

11 / 3 : ويقول ابن جبير ( بتننا بالجبانة المعروفة بالقرافة ، وهى أيضاً إحدى عجائب الدنيا لما تحتوى عليه من مشاهد الأنبياء وأهل البيت والصحابة والتابعين والعلماء والزهاد والأولياء ذوي الكرامات الشهيرة والأنباء الغريبة . ) ، ثم ذكر ابن جبير المشاهد المشهورة في القرافة ، ثم قال ( وأسماء أصحاب هذه المشاهد المباركة إنما تلقيناها من التواريخ الثابتة عليها مع تواتر الأخبار بصحة ذلك والله أعلم بها ) أي أنه يشك في صحة نسبة بعضها لأصحابها , ويقول ( وعلى كل واحد منها بناء حفيل ، فهي بأسرها روضات بديعة الإتقان عجيبة البنيان ، قد وكل بها قومة ( موظفون ) يسكنون فيها ويحفظونها ، ومنظرها منظر عجيب، والجرايات ( المرتبات ) متصلة لقُوّامها كل شهر. ) ثم يذكر ابن جبير معالم القرافة والأضرحة المشهورة بالكرامات مثل مشهد الناطق ومشهد الصامت والعيناء , ثم يقول متعجباً عن اهتمام المصريين بالقرافة ( ومن العجب أن القرافة المذكورة كلها مساجد مبنية ومشاهد معمورة ، يأوي إليها الغرباء والعلماء والفقراء , والإجراء ( المرتبات ) على كل موضع منها متصل من قبل السلطان في كل شهر )[3].

12 ـ وعلى نفس النسق سار الرحالة المغربى الأخر – العلوي – في وصفه للقرافة ، وقد حرص مثل ابن بطوطة على الاهتمام بالأولياء الصوفية المغاربة ، فزار أضرحتهم بالقرافة وترجم لهم[4].

13 ـ  وهكذا اهتم الرحالة الوافدون لمصر بمزاراتها الصوفية أسوة بالمصريين الذين دارت حياتهم حول المزارات الصوفية في العصر المملوكي وما تلاه .

تنبيه :

بعون الله جل وعلا ستأتى فى الجزء الثالث إضافات جديدة فى تحليل ما كتبه ابن بطوطة عن مصر .



[1]
أمثلة من تاريخ ابن إياس عن التفاؤل والتشاؤم 1/ 2/ 275 , 421 ,521 ,422 , 115

[2] تاريخ ابن كثير 14/ 161

[3] رحلة ابن جبير دار الكتاب اللبناني 46 , 48 : 49 : 50 : 51

[4]رحلة العلوي : ابتداء من ورقة 42 . رقم المخطوط بدار الكتب 400 جغرافيا .

 

اجمالي القراءات 358

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4125
اجمالي القراءات : 36,739,467
تعليقات له : 4,461
تعليقات عليه : 13,159
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي