سيناريو الهلاك بعد مذبحة نيوزلندة : ( 2 ) : السفاح الداعية المقاتل وظروفه الملائمة

آحمد صبحي منصور في الإثنين 18 مارس 2019


سيناريو الهلاك بعد مذبحة نيوزلندة : ( 2 ) : السفاح الداعية المقاتل وظروفه الملائمة  

فى مجال الحرب الدينية ( أو ما يسمى بالارهاب ) هناك داعية فقط مثل القرضاوى والبابا إربان الثانى ، وهناك قائد مقاتل فى الميدان مثل ابن لادن والزرقاوى ، ثم الأخطر ، وهو الذى يجمع بين الدعوة والقتال مثل ابن عبد الوهاب وبطرس الناسك . الى هذا الصنف الأخطر ينتمى سفاح استراليا منفذ مذبحة المسجدين فى نيوزلنده. 

ونعرض للفوارق بين سفاح  نيوزلنده وأمثاله :

أولا :

1 ـ بطرس الناسك طاف بأوربا على حمار يدعو لقيام حملة صليبية لتخليص القدس . ووجد ترحيبا شعبيا فقاد حملة الشعوب ثم شارك فى حملة الأمراء والملوك الصليبية.

2 ـ كانت الظروف مهيأة للخروج الأوربى للحملات الصليبية لأنها كانت الحل لمشاكل إجتماعية وسياسية فى أوربا وقتها.

3 ـ وقد اسهب الباحثون فى شرح هذه الظروف التى شجعت الحملات الصليبية ، ولكن أغفلوا عاملا هاما هو دخول أوربا فى تكاثف سكانى أصبح الحل له هو الخروج الى مناطق أخرى بالغزو . وربما كانت عبارة البابا أوربان الثانى تشير الى هذا ، إذ أنه فى حثه أوربا على الخروج بحملات صليبية وصف الشرق الأوسط بالبلاد التى تفيض لبنا وعسلا . ضاقت موارد أوربا أمام التكاثف السكانى فأصبح الحل فى الغزو ، ثم إضفاء الطابع الدينى عليه.

4 ـ من المضحك أنه نفس المعنى الذى قاله خالد بن الوليد وهو يشجع جنوده كما جاء فى رواية الطبرى : ( وقام خالد في الناس خطيبا يرغبهم في بلاد العجم ويزهدهم في بلاد العرب ، وقال : ألا ترون إلى الطعام كرفغ التراب ؟!. وبالله لو لم يلزمنا الجهاد في الله والدعاء إلى الله عز وجل ولم يكن إلا المعاش لكان الرأي أن نقارع على هذا الريف حتى نكون أولى به ونولي الجوع والإقلال من تولاه ممن اثاقل عما أنتم عليه . وسار خالد في الفلاحين بسيرته ، فلم يقتلهم وسبى ذراري المقاتلة ومن أعانهم ودعا أهل الأرض إلى الجزاء ( الجزية ) والذمة فتراجعوا.).

ثانيا :

1 ـ كان سكان أوربا وقتها فى إنكماش بينما كان العرب يمرون بفترة تكاثف سكانى فإنساحوا فى غزو للشرق والغرب. كان معروفا فى كتب الأدب والتاريخ كثرة السكان العرب بحيث أمدوا الغزوات والمعارك بالمزيد من المقاتلين من حدود الصين الى جنوب فرنسا.  ثم تراجع العرب فى عدد السكان بدءا من  العصر العباسى الثانى مقارنة بغيرهم . بينما أخذت أوربا فى الانتعاش السكانى رويدا .

2  ـ فى عام 1997 أرسلت الى الأهرام مقالا بعنوان ( الأقليات الإسلامية في الغرب قنبلة موقوتة متى ستنفجر ؟) . لم ينشره ( الأهرام ) قلت فيه ( وهناك عامل خفي ولكنه شديد التأثير فى موضوعنا ، وهو تفاوت مستوى التكاتف السكاني بين المسلمين والغرب  وتأثيره على العلاقات بينهما وامتداد ذلك التأثير إلى الجاليات الإسلامية في الغرب ، وهو موضوع  طويل نعطى لمحة عنه . فهناك معادلة تحكم الصراع أو العلاقة بين المسلمين والعرب وبين الغرب الأوربي ، موجزها التفاوت بين عدد السكان لدى الجانبين وتأثيره على العلاقات بينهما ، فإذا تكاثف عدد السكان عند العرب والمسلمين يكون هناك في نفس الوقت انخفاض فى السكان لدى الأوروبيين، وإذا تكاثف عدد سكان أوروبا يكون هناك فى نفس الوقت انخفاض لدى السكان  العرب والمسلمين .ويتأثر مجرى الصراع  بين الجانبين بهذا التفاوت ، فعندما يتكاثف السكان لدى جانب فانه يميل على الجانب الآخر الأقل سكانا بالحرب إذا كان قويا أو بالهجرة إذا كان ضعيفا . ومن هنا  نفهم ارتباط الفتوحات الإسلامية بالتكاثف السكاني لدى العرب في الوقت الذي كانت تعانى فيه أوربا من انكماش عدد السكان ، ثم جاء حين من الدهر تراجع فيه عدد السكان المسلمون  فى الوقت الذي تكاثف فيه السكان  الأوربيون، وفيها حدثت حركات الاستعمار والامتداد الأوربي في العالم . والآن دخل الغرب في دور التناقص السريع سكانيا ودخل المسلمون فى طور التكاثف السكاني . ولأن المسلمين هم الأضعف فلم يعد أمامهم إلا الهجرة والاحتلال السلمي لبلاد الغرب تحت لافتة دينية هي لافتة الفتوحات التي حدثت في القرن السابع الميلادي  . وتقوم بهذا الفتح السلمي طلائع تعدها مراكز دينية أيدلوجية تنشر الكراهية والتعصب باسم الإسلام ، وذلك امتداد للصراع المتبادل منذ القرون الوسطي وثقافتها.. ) . مهم جدا إسترجاع ما قلناه عام 1997 .

3 ـ ونضيف اليه على سبيل التأكيد أنه فى الفترة الأولى للكشوف الجغرافية والتى كانت تحمل الصليب وتزعمها الأسبان والبرتغاليون المتعصبون للمسيحية أبادوا الملايين . خفّ الوضع بعدها تدريجيا ، ولكن حافظ الرجل الأبيض على مكتشفاته الجغرافية له وحده ، من كندا الى استراليا ونيوزلنده ، ولأن إستغلال هذه المساحات الواسعة فوق طاقته فقد إستورد العبيد ، وسمح ــ على مضض ــ بهجرات مقيدة من الأجناس الأخرى. لو كانت استراليا مفتوحة لاستعمرها مئات الملايين من آسيا .

4 ـ الآن فالقلق يسيطر على الرجل الأبيض وهو يرى إنخفاض المواليد لديه وإرتفاعها لدى جيرانه ( المسلمين ). هو لا يأبه بالبلايين التى تعيش فى الهند والصين واليابان وجنوب شرق آسيا من غير المسلمين ، ولكنه بسبب الجذور التاريخية يقلق من بضع مئات الملايين من العرب والمسلمين الذين يعيشون على تخوم أوربا . وهو يعلم أن المسلمين فى ضعفهم لا يستطيعون غزو الغرب حربيا كما فعل الخلفاء الأوائل ، ولكن سيهاجرون الى الغرب. وهذه الهجرة قد يتسامح معها البيض غير المتعصبين على أمل أن يتأقلم المسلمون المهاجرون مع مجتمعات الغرب ويندمجوا فيه ويزيدوا من التنوع العرقى والثقافى والذى يعتبرونه مصدر قوة .

5 ـ ولكن يعتبرالمتعصبون البيض هذه الهجرات نوعا من الغزو لبلادهم. ولديهم دواع للقلق ، من دخولهم سكانيا فى مرحلة التناقص والانكماش السكانى مما يجعل المستقبل فى نظرهم قاتما ، وتغلغل الايدلوجية الوهابية لدى المسلمين فى الغرب من خلال المساجد والمراكز (الاسلامية ) والتى تحول دون إندماجهم فى مجتمعات الغرب ، والتى تقيم مظاهرات لتطبيق الشريعة الوهابية فى شوارع الغرب ، وتسىء إستخدام حرية التعبير وحرية الحركة فى نشر ايدلوجيتها . ثم هم يرون الوهابية ومن الآن تقوم بتجنيد المهاجرين المقيمين وتتسلل حتى بين اللاجئين السوريين وترتكب عمليات ارهابية ، وبهذا تتوالى الحركات الارهابية الوهابية فى الغرب. لذا يرون المستقبل يعنى تحولهم ( فى بلادهم ) الى أقلية وتحول العرب والمسلمين المهاجرين وذراريهم الى أغلبية تؤمن بدين داعش الوهابى .!.

6 ـ هذا السفاح يكفيه هذا القلق من هجرات العرب والمسلمين والذى تحول الى هاجس قوى ومفزع لقطاع عريض من المحافظين والمتعصبين والعنصريين. وهذا السفاح يركز على قتال الأقليات العربية والمسلمة بأطفالها ونسائها ليس فقط لأنه يراهم غزوا ولكن أيضا للثأر مما فعله الخلفاء العرب والأتراك من قبل.

ثالثا:

1 ـ هذا السفاح الاسترالى ليس محتاجا لأن يركب حمارا ويطوف به كما فعل بطرس الناسك . يكفيه الانترنت . ولفتت وسائل الإعلام الانتباه إلى حقيقة أن القاتل ( برينتون تارانت بدأ التحضير لعملياته والتحدث عنها على الإنترنت قبل عامين من القيام بتنفيذ العملية وبثها مباشرة على موقع فيسبوك، وأن المساحات التي أعطيت له على الإنترنت لعبت دورًا كبيرًا في تخطيطه لجريمته فالقاتل أعلن عن نيته ارتكاب عمل إرهابي - تقول وسائل الإعلام- وذلك على منتدى عبر الإنترنت اسمه "شان8 " وهو معروف بترحيبه بالعنصريين ومثلي الجنس وكارهي الإسلام. واستخدم بيان القاتل لغة مصممة للإنترنت، وخصوصا لهذه المواقع بهدف تشجيع المشاهدين والذين يحملون نفس الفكر على دراسة واستلهام أفكاره بغرض نشر هذه المفاهيم على مستوى واسع. وبث مرتكب المجزرة فيديو مباشر على فيسبوك ونشره على منصات أخرى، لكن مركز الفيديو كان على ما يبدو موقع "شان 8.)"

2 ـ هذا السفاح على خلاف بطرس الناسك لا يطمع فى أن تهب حكومات الغرب الى ارسال حملات صليبية الى الشرق المسلم وتركيا ، فقد إنتهى عصر الاستعمار العسكرى والفتوحات وحلّ محله إستعمار أكثر تهذيبا ومكرا ، يعتمد فقط على الدور الذى يقوم به المستبد الشرقى فى نهب وإذلال شعبه ، هذا المستبد لا يأمن لشعبه فيترامى بين أقدام الغرب ، منه يشترى السلاح واليه يودع آلاف البلايين التى يسرقها من شعبه . ومستحيل على المستبد وذريته أن يستعيد جزءا من الأموال التى هربها . لا يستطيع ذلك فى سطوته ( حاول الملك عبد الله السعودى إسترداد بعض الأموال فى أمريكا فرفضوا ، وسمحوا له بأن ينفق منها مقدار معينا داخل أمريكا ، فأضطر لارسال بعثات للدراسة فى أمريكا) . لا يستطيع بعد عزله أن يسترد منها شيئا ، وإسألوا حسنى مبارك والطامعين فى إسترداد ثورته. ولا يستطيع ورثته إستعادة شىء منها وإسألوا ورثة القذافى صاحب أكبر مال تم تهريبه . أموال العرب تأتى طوعا الى الغرب فلماذا الاستعمار ووجع القلب ؟ لم يعد الغرب محتاجا لأن يرسل جنودا ويتكلف خسائر فى الأموال والقتلى. أدركت هذا أوربا فى منتصف القرن الماضى ، وبدأت أمريكا تفهم هذا مؤخرا ، فالعادة أن المتعصبين من قادة الأمريكان يفهمون الأمر جيدا ولكن بعد ربع قرن على الأقل . لهذا أخذوا أخيرا ينسحبون من أفغانستان والعراق وسوريا .

3 ـ أى إن السفاح إياه لا يطمع فى أن تستجيب له الحكومات بحرب صليبية ، لذا ولى وجهه نحو الأفراد العاديين ممن هم على شاكلته . واستخدم الانترنت للتجنيد ،مقلدا داعش والوهابيين.

رابعا :

1 ـ ظهر السفاح الاسترالى رد فعل لارهاب داعش وما قبل داعش . بدأ بتثقيف نفسه تاريخيا مع انه لم يدخل الجامعة . ومع أنه مدرب جمباز متوسط الدخل إلا إنه قام برحلات ( إستكشافية ) زار فيها تركيا واسرائيل ( فلسطين ) ومصر والبلقان واليونان وباكستان ، ليتعرف على الأماكن التى دار فيها الصدام بين أسلافه والعرب والأتراك . ثم أرتكب جريمته مؤمنا بما يفعل ، وقام بتصويرها ليقوم بتجنيد العشرات وليصبح رائدا يجمع بين الدعوة والقتال .

2 ـ  وواضح أنه لقى أنصارا ساعدوه على السفر والسياحة فى الأماكن المختارة بعناية ، ثم ساعدوه فى التسليح. وقال مفوض الشرطة إن منفذ هجوم المسجدين تصرف منفردا لكن ربما تلقى دعما، مؤكدا أن جانبا من التحقيقات يركز على إمكانية وجود أشخاص ساعدوا منفذ الهجوم . وتساءل كثيرون عن كيفية حصول منفذ مذبحة المسجدين على رخصة حمل سلاح نيوزيلندية، والطريقة التي توصل بها إلى أسلحة معدلة بطريقة غير شرعية.

3 ـ وذكرت وسائل الاعلام أن السفاح ابتسم فى قاعة المحكمة ، ولم يتكلم، لكنه أشار بيده بإشارة ترمز لمجموعات تفوق العرق الأبيض في جميع أنحاء العالم. ولم يتقدّم بطلب للإفراج عنه بكفالة، وسيظلّ في السجن حتّى مثوله مجدّداً أمام المحكمة في 5 أبريل القادم . أى إنه يريد ان يحول ساحة المحكمة الى مؤتمر دعائى له. خصوصا وقد ذكرت وسائل إعلام محلية اليوم الاثنين أن ( تارانت البالغ 28 عاما ) يعتزم تمثيل نفسه أمام المحكمة. ( وأثارت هذه الخطوة مخاوف من أن يستخدم تارانت محاكمته منصة لبث معتقداته العنصرية المتعلقة بتفوق العرق الأبيض، على غرار الإرهابي اليميني النرويجي ندرس بريفيك الذي قتل 77 شخصًا عام 2011.). أى هى عملية دعائية دعوية تستهدف شحن وشحذ الأنصار من البيض المتعصبين .

4 ـ وسرعان ما أنطق الكثيرين ممّن فى قلوبهم مرض . وهناك الملايين الذين يشاركونه الرأى ولكن يكتمونه نفاقا أو خوفا من التنديد . وحتى الآن فقد ظهر على اليوتوب مدير جامعة أمريكية فى جمع حاشد يدعو لقتل المسلمين وتقديم دورات مجانية لذلك . هذا عدا كتابات صحفية تحاول تجميل وجه السفاح . وبدأ مبكرا الانتقال من الدعوة الى التطبيق بالقوة وبدء عمليات ارهابية .

5 ـ  وبدأ إستقطاب جديد فى حرب عالمية دينية جديدة فى عصرنا . دخلت داعش العربية على الخط ، وبدأت حركات إرهابية من دواعش الغرب...

وفى هذا تمهيد لعمليات ارهابية متبادلة.!! ندعو الله جل وعلا ألّا تحدث . 

اجمالي القراءات 1485

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   السبت 23 مارس 2019
[90641]

هذه المعارك المتبادلة بين فريقي الأرهاب تحولت من معارك مؤقتة إلى حرب


هذه المعارك المتبادلة بين فريقي الأرهاب تحولت إلى حرب وقد تحولت بفعل الفكر الديني البشر إلى هذا المنحدر الخطير ،كانت بدايته في من جانب المسلمين وإلباس الأطماع البشرية ثوبا دينيا  لتبرير الأطماع  والغزو ، وحدث الرد  وبنفس الشكل والجوهر(طمع قد تم إلباسه ثوب ديني ) في الحروب الصليبية وتتوالى المعرك في الحرب القائمة على فكر ديني متطرف يبطن الكراهية المقدسة وللأسف  الضحايا في كلا الفريقيين من الأبرياء العزل .. وتلقى  هذه الكراهية المقدسة رواجا واستحسانا يزيد يوما بعد يوم وهذا بفضل التشويه الفكري سريع الانتشار (بفضل الانترنت ) ..لكن ما الحل يا دكتور ؟ هل من طريقة تقلل حجم هذا الفساد ؟ شكرا لكم ودمتم بكل الخير  



أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4069
اجمالي القراءات : 35,884,946
تعليقات له : 4,424
تعليقات عليه : 13,109
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي