الفتنة ( الباب الأول ):
الفتنة ( الباب الأول )

أسامة قفيشة في الأربعاء 30 يناير 2019


الفتنة ( الباب الأول )

في البداية الفتنة بشكلٍ عام هي مكرٌ و تدبير و خديعة من أجل هدفٍ ما .

و بشكلٍ خاص ففتنة الخالق جل وعلا هي مكرٌ و تدبير و حكمة , أما فتنة الخلق فهي مكرٌ و خديعة .

هذا التعريف لم أجده عند المعرفيين , و هو استنتاج خاص و تعريف جديد بعد التعمق في لفظ الفتنة في كتاب الله جل وعلا ,

تحدثت في مقالٍ سابق و قلت بان الفتنة هي من سنن الخالق جل وعلا في هذا الكون , و هي لاستكمال عناصر الاختبار و الامتحان , و الفتنة نوعان , الأولى فتنة الخالق جل وعلا للخلق , و الثانية فتنة المخلوق للمخلوق ,

و فتنة الخالق حتمية لا مفر منها , و تختص في جوانب الخير و بما أنعمه الله جل وعلا على مخلوقاته , لذا ففيها مكرٌ و تدبير و حكمة و تخلوا من الخديعة .

و فتنة الخلائق ليست حتمية , و تختص في جوانب الشر و بما يسعون له من شرور , علماً بان الخلائق قد تستغل فتنة الله جل وعلا التي تختص بجوانب الخير و يحولونها إلى فتنةً بين أنفسهم , فيحولون تلك النعمة إلى نقمه و الخير إلى شر , لذا ففيها مكرٌ و خديعة و تخلو من التدبير و الحكمة .

إذا فنحن خاضعين لفتنتين متداخلتان معاً ابتلاءً و اختبار , و كلاهما مكرٌ فيه تدبير و مكرٌ فيه خديعة ,

فتنة الخالق بالخير ( الرزق و المصائب ) , و فتنة الخلائق في الشر ( الاعتداء و التعدي ) , و يقول جل وعلا في الجمع بين هاتان الفتنتان ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة والينا ترجعون ) فالشر هنا هو فتنة الخلائق و الخير هو فتنة الخالق , و كلاهما من أجل الابتلاء و الاختبار .   

في هذا المقال سننظر في الباب الأول من تلك الفتنة و هي فتنة ٌ الله جل وعلا :

هي حتمية و تأتي في جوانب الخير و النعم , و هي مكرٌ و تدبيرٌ من أجل هدفٍ ما , و هذا الهدف هو لاستكمال عناصر الاختبار .

ففي حتميتها يقول جل وعلا ( احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا امنا وهم لا يفتنون ) ,

و في غايتها و هدفها يقول سبحانه( ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) .

و جوانبها في الخير و النعم , و هي جوانب لا تعد و لا تحصى , و هنا نستذكر أهم تلك الجوانب ( المال و الأهل و الصحة و العلم و الجمال و القوة و الأمن و الإيمان ) , و تلك الجوانب لها تفرعات أيضاً فعلى سبيل المثال فالمال يتفرع عنه الممتلكات و الأملاك و حتى الطعام و الشراب , و الأهل يتفرع عنه الأبناء و الأزواج و الآباء و .... الخ , و الصحة يتفرع عنها العقل و البصر و السمع و الحركة و الذكاء ... الخ , و العلم يتفرع عنه المعرفة و الثقافة و الحضارة و سائر العلوم , و الجمال يشمل جمال كل الأشياء بما فيها الجمال المادي و المعنوي , و القوة يتفرع عنها قوة المنصب و المكانة و القوة الشخصية و البدنية و الفكرية و ... الخ , و هكذا ,

هنا نلاحظ بان جميع تلك الجوانب هي أمور حتمية , يبتلى و يختبر فيها المخلوق , و لا سبيل لهذا المخلوق منها أو من بعضها , و هي خاضعة للزيادة و النقصان , أي قد تُمتلك و قد لا تُمتلك فيفقدها المخلوق , و ما يُمتلك منها فهو الرزق , و ما لا يُمتلك منها أو ما يفقده المخلوق فهو المصائب .

لا تعتبر المصائب شراً أو من الشرور مهما بلغ حجم و ألم تلك المصيبة , فهي أمر الله جل وعلا و حكمته لأنها من الأمور الحتمية التي يقف عندها المخلوق عاجزا لا يستطيع صدها , و هي فتنة الله جل وعلا من اجل الاختبار , و هي من سننه سبحانه و تعالى , فعلى سبيل المثال فالمرض و الموت من إحدى تلك المصائب , و هذا ليس شراً بل هو مصابٌ و خسرانٌ للنعمة و الخير , تصيب  ما رزقنا الله جل و علا من عنده ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) ( و عسى أن تكرهوا شيئاً و هو خير لكم ) ,

ففتنة الله جل وعلا تقتصر على الخير بمنحه لهذا الخير أو بسلبه , فهي فتنة ذات حدّين , و لا شر فيها أبداً , فحدّها الأول يتمثل في منح بعض هذا الخير ( و هو ما يعرف بالرزق و هو الفضل أو النفع ) , و حدّها الثاني يتمثل في سلب بعض هذا الخير ( و هو ما يعرف بالمصائب و هو الضرر أو السوء  ) .  

ففقدان تلك النعم أو زوالها و نزول المصائب أو الكوارث هو في حد ذاته ضرر و بؤس و سوء و ألم يلم بنا , و لكنه ليس شراً فيقول سبحانه ( وان يمسسك الله بضر فلا كاشف له الا هو وان يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير ) ( وما مسني السوء ) , بل فيه تأكيد على قدرته و إرادته و حكمته و تدبيره جل وعلا , ( فاخذناهم بالباساء والضراء لعلهم يتضرعون ) ( واذا مس الانسان الضر ) ( ان اراد بكم ضرا او اراد بكم نفعا ) ,

ففتنة الله جل وعلا بحدّيها سواء في الأرزاق أو في المصائب هدفها سامي و غايتها نبيلة و فيها الخير و هي من أجل الخير( لعلهم يرجعون ) ( لعلهم يتقون ) ( لعلهم يتضرعون ) ( لعلهم يتذكرون ) ( لعلهم يفقهون ) ( لعلهم يذكرون ) ( لعلهم ينتهون ) ( لعلهم يحذرون ) ( لعلهم يشكرون ) ( لعلهم يهتدون ) ( لعلهم يتفكرون ) .

أما الشر فهو من صنيع المخلوق , و هو ما يعرف بالاعتداء و التعدي , و الشر أيضاً من صنيع المخلوق حين يستغل فتنة الله جل وعلا بحرفه لتلك النِعم و تحويلها إلى نِقم , و بحرفه لهذا الخير و تحويله إلى شر و هذا أيضاً اعتداء و تعدي .

نحن و أمام فتنة الله جل وعلا نقف عاجزين أمام مكره و تدبيره سبحانه و تعالى , فإن كانت فتنته في الرزق و الفضل وجب الشكر و الحمد , و إن كانت فتنته في المصائب و الضرر وجب الصبر و الاحتساب و التحمل . 

اجمالي القراءات 412

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (2)
1   تعليق بواسطة   سعيد علي     في   الخميس 31 يناير 2019
[90274]

بين الإحسان و الاحتساب


رائع أستاذ أسامة حفظكم الله جل و علا و زادكم من نعمة التدبر و كفى بها من نعمة عظيمة فما أجمل التدبر في كتابه عز و جل . الفتنة عندما تأتي من الحق جل و علا فعلينا كما تفضلت الحمد و الشكر و الفاطن من يحمد الله و يشكره و يعمل على تأدية حق هذه النعمة التي هي في الأصل فتنة و حقها هي بعد الحمد و الشكر هو الإحسان و الإحسان باب كبير و في ذلك فليتنافس المتنافسون و إذا كانت الفتنة – سلبية – أكانت مرض أو تقدير في الرزق فعلى الفاطن أن يحتسب و يصبر كما تفضلت حضرتك و يكفي قول الحق جل و علا : ( إن الله مع الصابرين ) ، ( و الله يحب الصابرين ) ، ( و بشر الصابرين ) .

الحياة كلها فتنة و الإنسان لا يملك الغيبيات الأربع ( الميلاد – الموت – أفراحه – أحزانه ) و في مسيرة حياته منذ ولادته و مرحلة طفولته و بلوغه و شبابه و كهولته و شيخوخته يتعرض إلى سيل من الفتن و هنا يأتي عاملي الإحسان و الاحتساب فهنيئا لمن أدى حق النعمة بالإحسان لنفسه و أهله و المقربين منه و محيطة الاجتماعي و هنيئا لمن احتسب بالصبر و الأخذ بالأسباب .

حفظكم الله جل و علا و جّملنا ربنا جل و علا بالإحسان و الاحتساب و لا يضيع عملا عند من جعل ( الفتنة ) اختبارا و امتحانا و كلا من عند الله جل و علا و هو العليم بالمحسن و ما أجمل قوله جل و علا : ( و سنزيد المحسنين ) ، ( إن الله يحب المحسنين ) ، ( إن رحمة الله قريب من المحسنين ) . و ما أجمل قوله سبحانه الجامع لتعقيبي المتواضع هذا : ( و اصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) .

 



2   تعليق بواسطة   أسامة قفيشة     في   الخميس 31 يناير 2019
[90277]

شكراً جزيلاً لك أخي الكريم سعيد علي


بارك الله فيك أخي و حفظك و عائلتك من كل سوء ,



أدعوه جل وعلا لنا و لكم بأن يثبتنا و يحفظنا بان نمر في هذه الدنيا بسلامٍ و إيمان , و أن يثبتنا على الحق لليوم الذي نلقاه , و بأن لا نفتن بهذه الدنيا ( دنيا الاختبار ) ,



و يجعلنا من الصابرين المحسنين في السراء و الضراء و على الدوام .  



أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2014-04-09
مقالات منشورة : 174
اجمالي القراءات : 578,528
تعليقات له : 199
تعليقات عليه : 402
بلد الميلاد : فلسطين
بلد الاقامة : فلسطين