الدولة الفرعونية العميقة ( فى التعذيب )

آحمد صبحي منصور في الخميس 05 يوليو 2018


الدولة الفرعونية العميقة ( فى التعذيب )

أولا : دلائل اتساع العمران المصرى فى عصر فرعون موسى

1 ـ قال جل وعلا : ( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137) الاعراف ) . رب العزة جل وعلا يصف الوطن المصرى الذى ورثه بنو اسرائيل بأنه ( مشارق الأرض ومغاربها ) . وهى مشمولة بالبركة بما فيها من خير . ثم تنتشر ما كان يصنعه فرعون وما كان يقيمه من مبانى معروشة .

2 ـ تتردد كلمة ( الأرض ) وصفا ودليلا على مصر بما يعنى أنها كانت ـ وحدها ـ التى تمثل الكوكب الأرضى ، وبسبب ملكية فرعون وقومه لهذه ( الأرض ) فقد علوا وإستكبروا . وهذا ما تكرر كثيرا فى قصص موسى وفرعون. وفى داخل هذه الأرض ( مدن ) و ( مدائن ) .

3 ـ لأن مصر كانت ( الأرض ) فلم يأت فى القرآن الكريم وصف مصر بمصطلح ( القرية ). أى هى أكبر من أن تكون قرية . و( القرية ) فى المصطلح القرآنى تعنى المجتمع أو الدولة ، وتكون ( المدينة ) جزءا من هذه ( القرية) ، وربما عاصمة لها.ونتعرف على هذا من قصة القرية التى جاءها ثلاثة من الرسل ، قال جل وعلا:(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) يس) وجاء رجل من (أقصى المدينة) يعظ قومه : (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) يس). واضح هنا أن ( المدينة ) جزء من القرية أو المجتمع أو الدولة .

4 ـ  مدائن مصر  : كلمة ( مدائن ) لم تأت وصفا إلا للمدن المصرية . وهذا يعنى أن المدن المصرية كانت كبيرة ومتسعة ومكتظة بالسكان. قال جل وعلا: ( قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ )( 111 ) الاعراف )( قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) الشعراء )( فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) الشعراء ).

5 ـ وصف المدينة المصرية بما يشير الى إتساعها ، قال جل وعلا : ( وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) القصص ). جاء رجل من ( أقصى المدينة ). أى من أطرافها . هى مدينة واسعة . ومن دليل إتساعها أيضا تنوع سكانها ، منهم الاسرائيليون وبقية الطوائف والملأ الفرعونى ، نفهم هذا من قوله جل وعلا : ( وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) القصص)،( فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ )(18) القصص)

6 ـ ولأنها مدينة آهلة بالسكان فقد تملّك فرعون الغضب من السحرة حين آمنوا بالله جل وعلا ، إذ خاف من ردّ الفعل عند سكان المدينة، لذا قال للسحرة متصورا أنها مكيدة : ( قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123 ) الاعراف )

7 ـ  وقال جل وعلا : (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (51) الزخرف ). إفتخر فرعون بالأنهار التى تجرى من تحته . ربما كان بعضها شقتها الدولة المصرية ، بدليل إفتخار فرعون بملكيته لتلك الأنهار التى تجرى من تحته ـ أى بأمره وتوجيهه . دلتا النيل كانت فى مصر الفرعونية بعدة فروع ، ومنها ما يخترق شبه جزيرة سيناء ، ومنها ما يخترق الصحراء الغربية . ونتج عنها فى سيناء ما يعرف بسهل الطينة والخزان الجوفى فى الصحراء الغربية . وحتى العصر العباسى الأول كان الساحل الشمالى من الاسكندرية الى ليبيا معمورا ومزروعا . فلما قام الخليفة المتوكل العباسى بطرد العرب من الجندية إحترف معظمهم قطع الطريق ، وقاموا بتخريب الأطراف الشرقية والغربية فى مصر ، فإنطمرت تلك الفروع النيلية . وفى عصر السلطان قايتباى كان الأعراب يهاجمون منطقة البحيرة بل وتصل إغاراتهم الى القاهرة . فى عصر فرعون موسى كانت قبضته راسخة وكانت دولته العميقة تتحكم فى كل العمران المصرى.

ثانيا : مظاهر تحكم الدولة الفرعونية فى كل هذا العمران المصرى :

1 ـ إستدعاء السحرة من كل المدن والعمران المصرى وتجميعهم وحشدهم فى موعد محدد لإقامة مباراة بينهم وبين موسى

1 / 1 : إتفق فرعون مع موسى على موعد ومكان المباراة : (  فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَاناً سُوًى (58) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59 ) طه ) حدّد موسى الموعد بعيد من الأعياد حيث يتجمع الناس . وقوله ( وأن يحشر الناس ضحى ) يعنى أن موسى يفهم طريقة الدولة العميقة فى حشر وحشد الجماهير .  

1 / 2 : عن إستدعاء كل السحرة من شتى العمران المصرى نقرأ:

1 / 2 / 1 : (  قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112) الأعراف ) وفى الموعد المحدد حضروا وقابلوا الفرعون: ( وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ (114) الاعراف )

1 / 2 / 2 :  ( قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) الشعراء ) أى تم تجميع السحرة من كل أقاليم مصر وقتها وتسفيرهم الى العاصمة ليكونوا جاهزين فى الوقت المعلوم .

1 / 2 / 3 : وإنبث عملاء الفرعون بين السكان يشجعونهم على حضور المباراة ، وتشجيع السحرة حين يغلبون : ( وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمْ الْغَالِبِينَ (40) الشعراء ). كلمة ( وقيل ) رائعة جدا فهى ترسم لوحة لأشخاص يوسوسون للناس ، شأن العملاء المجهولين فى أى نظام مستبد .  

1 / 3 : ونجح الاستدعاء للسحرة كما نجح تجميع الجماهير ، وشهدت الجماهير المباراة ، ولأنهم يعتقدون فى قدرة السحرة فقد أثّر السحرة على أعينهم فرأوا سحرهم عظيما : ( قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) الاعراف ).

1 / 4 : يتضح مما سبق :

1 / 4 / 1: المقدرة الهائلة للدولة الفرعونية العميقة على الاتصال بين العاصمة والأقاليم وكل القرى والمدن ، والقدرة الفائقة على التنظيم والتجميع والتنسيق والتسفير بحيث تم الأمر فى الموعد المحدد.

1 / 4 / 2 :  الشعب المصرى يوجد فى خلفية المشهد  فى قصة فرعون موسى . يجرى تجميعه وحشده وسوقه وتحفيزه . كما قال عمر بن العاص ( مطية راكب ).!

2 ـ حشد الملأ الفرعونى لمراقبة قوم موسى ومطاردتهم

2 / 1 : كان بنو إسرائيل تحت رقابة مشددة من دولة فرعون العميقة  يمنعهم من الهرب من جحيم تعذيبه . فرعون فى طغيانه وإستكباره يستنكف أن يستجيب لطلب موسى ويسمح لهم بالخروج من مصر ، يريد أن يظلوا تحت سلخانة تعذيبه ليرهب بهم بقية سكان مصر ، ولا يريد أن يقال عنه إنه خضع لواحد من بنى إسرائيل ، وهو الذى أرغم بالتعذيب بنى إسرائيل على عبادته . ولولا تدخل الرحمن لاختلف الوضع . كان الوحى الالهى يخبر موسى بأن عيون الفرعون تتبعهم .

2 / 2 : أوحى جل وعلا  لموسى: (  فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23) الدخان ). أى أن يتسللوا ليلا تحاشيا للمراقبة .

2 / 3 : ومع هذا فقد وصل الخبر الى فرعون فأرسل أمرا لكل الملأ فى كل العمران المصرى بالحشد والتجميع ، قال جل وعلا : ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) الشعراء )

2 / 4 . وجاء فى بيان الاستدعاء للملأ إن بنى إسرائيل شرذمة قليلون ولكنهم للفرعون وملئه غائظون ويجب الحذر منهم : ( إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56) الشعراء )

2 / 5 : ثم العجيب هذه القدرة الفائقة على تجميع وحشد وتسيير كل الجنود والملأ من كل العمران المصرى فى مدة وجيزة ، ثم يزحفون معا وجميعا تحت قيادة فرعون يطاردون بنى إسرائيل وهم يتجهون شرقا نحو سيناء والبحر الأحمر ، ولحقوهم وهم على ضفة البحر الأحمر . كان بنو اسرائيل فى وضع حرج ، البحر أمامهم وفرعون وجنده خلفهم . قال جل وعلا : ( فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ (66 ) الشعراء )

ثالثا : الدولة العميقة تتحكم بالتعذيب فى كل العمران المصرى

1 ـ منتظر من بنى إسرائيل أن يعانوا أشد المعاناة من فرعون بدولته العميقة المتحكمة ، فهى تعُدُّ عليهم انفاسها . وحتى من يولد منهم طفلا يأتى الملأ لذبحه إن كان ذكرا أو إسترقاقه إن كان أنثى .  نستعيد قوله جل وعلا : ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6) ابراهيم ). الله جل وعلا لم يقل ( أنجاكم من فرعون ) بل من (آل فرعون ) يعنى مخالبه وقواته الأمنية الباطشة.  

2 ـ ولكن نضع بعض ملاحظات :

2 / 1 : القانون السائد هو التعذيب ، ولكنه قانون يتم تنفيذه بالهوى. والدليل أنه نجا من القتل هارون أخ موسى ، كما إن أخت موسى لم يتم إسترقاقها . حين ولد موسى كان الأمر بالذبح والاسترقاق . ثم حين جاء موسى لفرعون رسولا ظهر من جديد نفس الاقتراح ، قال جل وعلا :  ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (25) غافر).( وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) الاعراف )، وإشتد الإضطهاد الفرعونى لبنى إسرائيل ، وإشتكوا لموسى أنهم تعرضوا للأذى قبل مجيئه وبعده فوعظهم بالصبر :( قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) الاعراف ). ومن شدة الارهاب الفرعونى إنفض كثيرون من بنى إسرائيل عن موسى ، قال جل وعلا : ( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الْمُسْرِفِينَ (83) يونس ).

2 / 2 : نلاحظ فى الآية الكريمة السابقة كلمة ( وملئهم ) . جاءت بالجمع وليس بالمفرد . هنا إشارة الى تعدد طبقات الملأ . وأن ( الملفّ ) الاسرائيلى يتولاه بعض الملأ الفرعونى . وهذا منتظر من دولة مركزية عميقة تتحكم فى الشعب المصرى .

2 / 3 : يقول جل وعلا عن هذا الملأ الفرعونى بتقسيماته ودرجاته : ( فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمْ الْمُثْلَى (63) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنْ اسْتَعْلَى (64) طه ). تنازعوا وإختلفوا فى الآراء ثم إنتهى الأمر بهم الى الاتحاد صفا واحدا حفاظا على ملكيتهم ( للأرض ) وطريقتهم ( المُثلى ) فى الاستبداد بها وحكمها وفى الاستعلاء على الشعب . وعندهم أن المفلح هو من إستعلى .

2 / 4 : لم يكن هناك تشريع لدى فرعون موسى يخدع الناس بمقولة ( التعذيب جريمة لا تسقط بالتقادم ) بينما يستمر التعذيب راسخا بالتقادم . كان التعذيب ـ ولا يزال ـ هو القانون المنقوش بسياطه على جسد المصريين . وبتعدد الملأ من السادة كان ـ ولا يزال ـ من حقهم تعذيب من يشاءون متى يشاءون وكيف يشاءون . هذا لترسيخ ( هيبة الفرعون ودولته ــ العميقة ).!

رابعا : النهاية :

1 ـ قال جل وعلا : (  فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) الزخرف ). أى غرق فرعون بقومه ( أجمعين ) لم ينج واحد منهم . القوم هنا يشملون آل فرعون ( الأسرة المالكة ) والأجهزة العسكرية والأمنية والإدارية والحكومية ، من هامان الى أصغر ( جندى أمن مركزى )

2 ـ كل هؤلاء كانوا جنود فرعون الذين غرقوا معه ، قال جل وعلا : ( فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40) الذاريات ). غرقوا جميعا من فرعون الى أقل ( مُخبر ) وأقل ( امين شرطة ).

3 ـ هذا مفهوم من تاريخ دولة الرعامسة العسكرية ، التى ( تعسكر ) فيها كل شىء ، والتى إنقسم فيها الناس الى ( عسكر سادة يحكمون ) وعبيد يتعذبون .

4 ـ السؤال الآن : إذا كان فرعون قد تحرك بكل قواته العسكرية والأمنية والإدارية والحكومية تاركا خلفه الشعب المصرى فلماذا لم ينتهزها المصريون فرصة للثورة والتحرك ضد فرعون فى غيابه مع اجهزة حكمه ؟ الجواب فى كلمة واحدة : ( التعذيب ) . كانوا يعرفون أن فرعون خرج بكل نظام حكمه فى إستعراض للقوة ليقضى تماما على مجموعة من الناس الغلابة ، وسيرجع منتصرا . لو ثاروا عليه فى غيابه ورجع  فسيكون مصيرهم أشنع من مصير السحرة .

5 ـ توارث المصريون  ـ حتى الآن ــ آثار التعذيب . تتردد فى أغانيهم كلمات العذاب ونبرة الحزن  والشجن ومواويل الصبر . ولا يزالون حتى الآن يقولون ( أستر يارب ) . ويتوقعون الشّر، وأذا ضحكوا قالوا : اللهم إجعله خير .!  يستكثرون على أنفسهم لحظة سعادة ..

أخيرا :

1 ـ وصلت مصر الآن بعد حكم العسكر من عام 1952 الى الفصل التام بين الشعب المصرى و( الملأ ) الحاكم ، ليس فقط فى الإغداق الهائل على الملأ والتضييق الهائل على الشعب ،ولكن أيضا فى عسكرة ( الملأ ) وتحصينهم من أى مساءلة مهما فعلوا بالشعب . أى صاروا ( آلهة ) ينازعون رب العزة جل وعلا الذى لا يُسأل عما يفعل. قال جل وعلا : (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) الأنبياء ) .

2 ـ فهل إقتربت نهاية الفرعون الحالى ودولته العميقة ؟ وهل إذا انتهت هذه الدولة العميقة وتحولت مصر الى فوضى سيحتلها بنو اسرائيل كما حدث فى عهد موسى ؟ وكم عدد الملايين من المصريين الذين ستسيل دماؤهم أنهارا ؟ وهل الحرص على السُّلطة يستحق هذا كله ؟ ! ثم : ألا يوجد ( مؤمن ) من آل فرعون يعظ قومه بالقرآن الكريم ؟  

3 ـ اللهم رحمتك بالشعب المصرى .!! 

اجمالي القراءات 1425

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (2)
1   تعليق بواسطة   سعيد علي     في   الجمعة 06 يوليو 2018
[88905]

اللهم رحمتك بالشعب المصري .


تحليل رائع و تدبر أروع و اللهم رحمتك و لطفك بالشعب المصري العزيز .. هناك فراغ تأريخي في ما حدث بعد غرق الفرعون ذلك أن حتى بنو إسرائيل الذين نجوا بعد غرق الفرعون حدثت لهم أحداث كثيرة بدءا من عبادتهم للعجل و سفر موسى عليه السلام لملاقاه ربه جل و علا و عودته و مواقفه مع هارون عليه السلام ثم عودتهم لمصر التي ( اورثهم الله جل و علا بعد أن تمت كلمة الحق جل و علا الحسنى على بني إسرائيل ) بعد هذه الأحداث العظام نتخيل أن الأرض التي ورثها بنو إسرائيل - مصر - أرضا اصابها تدمير هائل ( وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ) و هذا يستلزم إعمارا جديدا و بالتالي تدخل مصر مرحلة أخرى مرحلة بناء و إعادة تعمير و هنا يكمن الخلل في التأريخ لهذه الفترة المنسية .



ماذا عن زوجة الفرعون التي إتخذت من موسى ولدا و ما هو دورها من هذا الحدث الجلل ؟



ماذا عن قارون و ثروته في هذه الفترة ؟



ما هو أثر التدين لدى بنو إسرائيل بدعوة موسى لا سيما و أنهم كانوا ( يصلون ) في بيوتهم التي إتخذوها قبلة و ما أثر هذا الدين على الشعب المصري ؟ هل حكم موسى مصر سياسيا ؟ 



الأنهار التي قال فرعون عنها بأنها تحته لا بد أن يكون لها أثرا هل طمست ؟ المسافة بين موقع الإدارة الفرعونية و مكان الغرق لا يعدوا أن يكون مسافة السير بالخيل من الليل إلى الإشراق و هذا الطريق معروف بدليل أن الجيش الفرعوني سلكه مع العلم أن موسى عليه السلام و من معه كانوا غالبا يمشون مترجلين .



ما أروع القصص القراني فهل من متعظ و هل من معتبر .. التأريخ يعيد نفسه !! و يدفع أهل مصر نزوات و جهل و بطش و ظلم الفرعون .



اللهم رحمتك بالشعب المصري العزيز .



2   تعليق بواسطة   آحمد صبحي منصور     في   الثلاثاء 10 يوليو 2018
[88920]

عذرا أحبتى . تهشم جهازى الكومبيوتر ونستيعد نقل ما فيه الى جهاز جديد


وهذا يستلزم وقتا .

والله جل وعلا هو المستعان .

ولا حول ولاقوة إلا بالله العلى العظيم .!!

أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 3710
اجمالي القراءات : 30,375,979
تعليقات له : 4,116
تعليقات عليه : 12,452
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي