قراءة في قضية مُحــَــيـّـرة!:
التنوير كما أراه!

محمد عبد المجيد في الأربعاء 27 يونيو 2018


التنوير كما أراه!

 

إذا جئت بألف مثقف مستنير، ورسموا لك كل تفاصيلَ مجتمع الحُلم المستقبلي؛ فإن حاكما متخلفا يسانده رهطٌ من الدُعاة الدينيين يستندون على ألسنة وأنامل إعلاميين رضعوا الإفكَ مع حليبِ أمهاتِهم يستطيعون القضاءَ علىَ التنويرِ في سبعة أيام وسبع ليالٍ، ويختفي الشيخ محمد عبده وراء الحويني، ويصعد عمرو خالد فوق أكتافِ الشيخ شلتوت، ويسخر أحمد موسى من روحِ جلال معوض!

لا تنوير بدون الغوصِ في همومِ الوطن، ولا فصل للسياسةِ عن الثقافة، وعودة شاب بريء من زنزانة قذرة إلىَ أحضانِ أهله أهم عند الله من بناء طرق ومرافيء وقنوات بطول البلاد وعرضها!

لا تنوير بدون البدء بحقوق الإنسان، والتحضُّر واجهته الحقيقية هي كل شبر من أرض الوطن، من المدارس والجامعات مرورًا بالحقول والمصانع، وليس انتهاءً بالمحاكم والمستشفيات!

لا تنوير بدون الإيمان أن المساواة بين المواطنين هي الرضا الأول عند الله، والدولة التي لا يتساوى فيها الكافر مع المؤمن، والطبيب مع المريض، والعالم مع الجاهل، والضابط مع المتهم، واللواء مع الشاويش، والسجّان مع السجين، تهيل التراب على تمدنها وتحضرها.

لا تنوير بوجود خطوط حمراء تنزل الرعب في قلوب الناس، ومن يخاف من القصر لن يطالب بحقوق ساكن الكوخ!

لا تنوير إذا اشتركت القوىَ الدينية في بث الجهل والخرافات والخزعبلات؛ والدولة التي تُعلــِّـم الحقوق الإنسانية من خلال رجال الدين ستسقط في براثن الإرهاب في يوم من الأيام.

لا تنوير قبل أن يعود المواطن إلى أحضان الكتاب، ومن لا يقرأ كل يوم في غير كتب الدراويش فلن يساهم قيد شعرة في تطوير وطنه إلى الأفضل.

لا تنوير إذا كانت صورة الحاكم بسوطه وعصاه لا تبرح ذهن المواطن إلا إذا كان صاحب مشروع قومي وعلمي ووطني وثقافي وأدبي، حتى لو أمر بجلد من يرفض تعلم القراءة والكتابة.

لا تنوير إذا لم يؤمن الشعب بأن حاكمَهم خادمُهم، وأنه مسؤول عن كل خطأ مهما صغر فهو الذي يُعيّن الأصلح والأشرف والأكفأ ليدل الرعية على الطريق.

لا تنوير إذا تخاذل المجتمع في مواجهة الفساد، وتراجع القضاء عن دوره في استتباب العدل، وسال لعاب رجل الأمن لتضخم جيب الثري، فالرشوة والكفر العلني بالله يتساويان.

لا تنوير مع قداسة الناس لأناس ماتوا وشبعوا موتًا، فنحن أبناء عصرنا، نأخذ من الماضي أقل القليل مما ينير عقولنا ونهمل أكثر الكثير مما يمنعنا عن اللحاق بركب الأمم المتقدمة.

لا تنوير إذا زادت المساجد والكنائس عن معاهد البحوث العلمية والطبية والمكتبات.

لا تنوير بدون انتقاد لاذع من المواطن لخادم الشعب، أي الحاكم، وكلما ظن المواطن أن الزعيم يفهم أكثر من الرعية ظهرت مستنقعات الرعب والجهل، واعتقد الحاكم أنه نبيُ عصره وفيلسوف عهده.

لا تنوير بدون نتائج وانتصارات في الحقل العلمي والرياضي والفني والثقافي والمسرحي والموسيقي، وكل مكان ليس فيه مطبعة أو مكتبة سيشير إلى طريق السقوط على أنه صعود.

لا تنوير مع وجود دراويش الإعلام وقردة القنوات الفضائية وعدم محاسبة مروّجي التفاهة وصغائر الأمور.

لا تنوير إذا لم يكن زعيم الدولة دودَ قراءة، يلتهم الكتابَ قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، ولا يستشير رجالَ الدين.

لا تنوير إذا احتفظ الأميُّ بحقه في التصويت الرئاسي والنيابي والمحلي ومجالس الإدارات، فالأميُّ مواطن له كل الحقوق إلا حق التصويت؛ لأنه سيأتي لقيادة الدولة بأعشاب المسؤولين وصنّاع الفساد، ومُركبّي جثث الموتىَ من جديد ليحكموا الشعبَ باسم السماء.

لا تنوير إذا كانت الكنيسة والمسجد فوق القانون وقبله، فللأديان توقير واحترام، وليس قيادة دولة عصرية غير منهزمة.

لا تنوير مع الخوف، ولا تقدّم مع الرعب من رجل الأمن( والاحترام هنا غير الرعب)، ولا لحاق بركب العصر قبل أن يسبقنا القاضي والمستشار والضابط الذي ينفذ الحُكم العادل.

لا تنوير في دولة يرتع ويلعب ويتضخم الفساد أمام أعين الحاكم تكملة لعشرات السنوات.

لا تنوير إذا كان رئيس السلطة التشريعية أجهل من دابة لأن الحاكم هو الذي اختاره، أما الأعضاء فأنصاف أميين انتخبهم أميون وأشباههم!

لا تنوير إذا اعتقد الناس أن التقدم هو المباني والطرق والكباري وليس الإنسان والفكر والعلوم الإنسانية وعلاج الطفل وفراش في مستشفيات نظيفة لكل مواطن ألقاه المرض بين أيدي ملائكة الرحمة.

لا تنوير مع السماح للفكر الديني المتطرف والإعلامي المتخلف، فمصر مثلا، تسمح لكل ملوثي الفكر بالطائفيات والمعارك والاستعلاء والتفرقة المواطنية أن يهيمنوا على المشهد، فما يفعله مستنير في عشر سنوات؛ يهدمه متخلف باسم السماء أو منهزم باسم السلطة أو .. فاسد باسم المال في يوم واحد.

لا تنوير مع وضع الحاكم في صورة رمز الدولة فالرمز هو العالــِـم والطبيب والجرّاح والكاتب والأديب والمفكر والإداري والتشريعي!

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في 27 يونيو 2018

 

 

اجمالي القراءات 825

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (4)
1   تعليق بواسطة   نور مصطفى على     في   الخميس 28 يونيو 2018
[88871]

مقالة رائعة


للاسف الامة بصفة عامة جاهلة ولو القيت نظرة على الماضى سنجد ان الاحتلال الذى حصل وما كتبه التاريخ عنه بشجع فاردنا التحرر ووقف الشعب بكل طوائفه ليضحى من اجل الحرية ويهلل لها ليجد نفسه يرزح تحت العبودية ولكن بصورة اخرى الذى يمتص دمك هو منك يتكلم نفس اللغة وينتمى لنفس الدين وولد عل  نفس الارض .لايمكن التنوير لامة جاهلة لا تعرف الا الطاعة العمياء والبوح خلف الجدران كانو يقولون ان الرسول ارسل المسلمين إلى الحبشة عند حاكم مسيحى لأنه عادل وكما يقول المثل  كافر عادل ولا مسلم ظالم .فمثلا الفلسطينيين كانوا تحت حكم اليهود الفقر صفر وكان المتهمون السياسيون يعيشون فى السجن بظروف عادية حقوقهم مكفولة ثم اتت السلطة الفلسطينية فالوضع الاقتصادى اصبح سئ واصبح هناك سجن اخر .كان الفلسطينيون اقتصاديا بعد الخليج ثم اصبحو لى ظل السلطة الغالبية فقراء برواتب ضعيفة ثم اتت الهانم حماس فزاد الفقر والجوع والموت واصبح هناك سجون اخرى اى 3 سجون ل3 حكام ولكن سجونهم اشد ظلاما والفقر اصبح السمة الخاصة لاهل غزة مش ناقص غير ابو العلاء المعرى يكتب اشعارا فيهم .انا لااؤيد الاحتلال بكل صوره ولكن اى حرية فى ظل الجوع وهدر الحقوق وان تعيش فى خوف والدين فقط هم من يسطرونه لا تفكير ان فكرت فانت كافر ومفسد فى الارض .صورة الحرية المشوهة التى توهم كل فرد يعيش على بقعة ما ويحكمه ابن بلده انه حر هى قمة التخلف فلا حرية ان لم يكن لك ظهر يحميك وللاسف الشعوب ظهورها عارية وتستحق مايقع من السوط عليها فمن يقف ضد الاحتلال الفرنسى الانجليزى ويتصف بالبسالة عليه ان يقف ضد الاحتلال الاسوا فنحن غرباء فى الوطن .



2   تعليق بواسطة   سعيد علي     في   الجمعة 29 يونيو 2018
[88872]

هناك أمل أستاذ محمد عبد المجيد . راوندا و ماهتير محمد نماذج للأمل .


حفظكم الله جل و علا أستاذ محمد .. حقيقة ما يحدث في البلاد العربية شيئا محزن و تنطبق مقولة سعد زغلول على الوضع الراهن و ما قبله ( ما فيش فائدة .. غطيني يا صفية ) !! من كان يعتقد أن دولة في إفريقيا أنهكتها الحروب الأهلية و المجاعة و الفقر و المرض أن تنهض سريعا و تنفض كل ذلك الغبار عنها و تنسى و تتناسى كل الأحداث لتقف باسقة ذات ظل وراث إنها راوندا .. هل من دولة عربية تستنسخ التجربة الراوندية ! تجربة أخرى ماليزية بقيادة المهاتير محمد أسس و إجتهد و عمل بصدق فكانت ماليزيا و عندما تنحى رجع الفساد و الظلم و ها هو يأتي بآمال الماليزيين و في أول أسبوع من عودة غرس الأمل و حصد مبكرا ثمار العدل و التنوير .



لدينا كل شئ حقيقة .. لدينا الأرض و الماء و البترول و الغاز و المعادن و لدينا أجمل كتاب قرآن ربي جل و عل و من أسف أن نكون في القاع بل و بدأنا نحفر من زمان !!! القران الكريم هو الحل ( ليس شعارا فضفاضا ) بل طريقة عمل و تأسيس لدول الحرية و العدالة .



دمت بخير أيها الطائر الجميل .



3   تعليق بواسطة   محمد عبد المجيد     في   الجمعة 29 يونيو 2018
[88873]

نور مصطفى علي وظُلم ذوي القربىَ


نعم، نور مصطفىَ علي، فالاستعمار الداخلي أشد بشاعة وظلما من الخارجي. شكرًا على التعليق المثمر والمفيد، رعاك الله 



4   تعليق بواسطة   محمد عبد المجيد     في   الجمعة 29 يونيو 2018
[88874]

سعيد علي ضرب مثلا برواندا وماليزيا


أنا لم أفقد الأمل، العزيز سعيد علي، وأتفق معك بأن نموذجــي  رواندا وماليزيا يستحقان التأمل والمحاكاة، ولكن ماذا نفعل وحكّامنا يكرهون شعوبهم؟



تحياتي القلبية



أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-07-05
مقالات منشورة : 518
اجمالي القراءات : 3,807,825
تعليقات له : 526
تعليقات عليه : 1,289
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Norway