لقد خلقنا الإنسان في كبد :
لقد خلقنا الإنسان في كبد

أسامة قفيشة في السبت 21 اكتوبر 2017


لقد خلقنا الإنسان في كبد

الكَبَد ( بفتح الباء ) هو مصطلح فريد و نادر , لم يرد سوى مرة واحدة في كتاب الله جل وعلا حيث قال سبحانه ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ) 4 البلد ,

يقولون بأن المراد فيه هو المشقة و التعب و العناء أو الاعتدال و الاستقامة ,

سنحاول في هذا المقال من الوصول الأقرب لمفهوم ( الكبَد ) , و لكونه لم يرد سوى مره واحده فهذا يتطلب ربط أي معنى مستنتج بما لا يتنافى مع المفاهيم أو يتضارب معها , بحيث ينسجم هذا المراد مع ما تم استنتاجه في مفهومه و ما يشير له هذا المصطلح ,

قالوا بأنه ( الاعتدال و الاستقامة ) :

إن كان المراد بالاعتدال و الاستقامة هو الجانب السلوكي , فهذا يخالف حقيقة البشر , فهناك الكثير من البشر غير معتدلين و سلوكهم غير قويم فقال ( وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ) 103 يوسف ,  

و إن كان المراد بالاعتدال و الاستقامة هو الجانب الخَلقي , أي في بُنيته و تركيبه , فهذا لا ينسجم بحصره بالإنسان دون سائر المخلوقات , فكل مخلوق هو في حد ذاته و هيئته سويٌ و قويم فقال جل وعلا ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ) 7 السجدة , كما يتنافى مع مراحل خلق الإنسان نفسه ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ) 54 الروم ,

و أما في قولهم بأنه ( المشقة و التعب و العناء ) :

فهذا القول يتضارب مع الكثير من الآيات أذكر منها بعض الأمثلة لا الحصر ,

كقوله سبحانه ( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ ) 20 لقمان ,

فالله جل وعلا قد سخر كل شيء لراحة الإنسان , و أنعم عليه بنعمٍ لا تعد و لا تحصى ,

و كذلك قوله جل وعلا ( وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) 13 الجاثية ,

هذا التسخير الهائل كله من أجل الإنسان و من أجل راحته و سعادته , و لكن الإنسان بكفره و تكبره و جحوده و بإرادته المطلقة حولَ كل ما سُخر له من أجل أطماعه فانعكس عليه بالتعب و المشقة , فحول هذه الراحة التي أوجدها له الخالق إلى عناء و شقاء مستمر ,

فلو كان الكبد هو المشقة و التعب و العناء , لكان هذا سبباً للعصيان و مبرراً له ,

فعلى العكس تماماً , فالله جل وعلا قد سخر و هيأ كل شيء من أجل الإنسان , فأزال كل الأسباب و المبررات التي من الممكن بأن يتذرع بها هذا المخلوق الضعيف العنيد , و يتخذها مبرراً لعصيانه و جحوده , فكل هذا التسخير جاء لنقد العصيان كي يهتدي هذا الإنسان و يذعن لخالقه جل و علا ,

فمن هنا نقول بأن الكبد لا يعني مطلقاً ما جاؤوا به , فكما رأينا بأن تلك المفاهيم تتضارب بشكلٍ واضح مع الكثير من الأدلة الواضحة في كلام الله جل وعلا .

إذا فما هو المراد بالكبد ؟

بدايةً نتأمل قوله سبحانه و تعالى و الذي ورد به هذا المصطلح ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ * أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُّبَدًا * أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ * أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) 4-10 البلد ,

نلاحظ بأن هذا الكبد هو مرتبط بشكلٍ واضح بتصرف الإنسان و سلوكه , فهذا الإنسان بامتلاكه للمادة التي سخرها الله جل وعلا لراحته و سعادته في الدنيا و الآخرة , فهو يحسب و يظن بأنه لن يقدر عليه أحد و بعدم وجود من يراه و يراقب تصرفاته و سلوكه , لذا فقد أخطأ التقدير و أساء الظن , فكانت نتيجة سلوكه هذا اختياريه و إرادية ,

فمن أساء الظن كان سلوكه سيئاً , و من أحسن الظن كان سلوكه حسناً ,

لذا أقول حسب تقديري بأن المراد ( بالكبد ) الذي خلق الإنسان به و عليه , و انفرد به الإنسان عن باقي المخلوقات هو ( الاختيار الإرادي ) لسلوكه و تصرفاته ,

فالخالق جل وعلا قد خلق الإنسان في هذا الكبد , فجعله عاقلاً يستطيع التميز و التقدير بواسطة عيناه , و جعله ناطقاً ليعبر عن فكره و قراره , و هو الوحيد القادر على التدبير و التخطيط ,

فجعله الله جل وعلا في نقطة المنتصف , تلك النقطة هي التي سينطلق منها باختياره و إرادته , كي يسلك مسلك الحياة بخيره أو بشره ( و هديناه النجدين ) ,

نقطة المنتصف هذه , هي نقطة محورية و جوهرية في حياة كل إنسان , يبلغها بسنٍ معين , حين يبدأ بالتفكير بطريقة مستقلة , حين بلوغه لرشده و إدراكه التام ,

في هذه الفترة المحورية يبلور كل إنسانٍ فيها مستقبله السلوكي , فيسلك أحد الدربين باختياره و إرادته المطلقة لا أحد يؤثر على قراره و لا أحد مسئولٌ عن سلوكه , فتسقط كل المبررات و الأسباب التي قد يتذرع بها لتبرير سلوكه و نهجه و تصرفاته , فلا يبقى له أي ذريعةٍ يحتج بها على مسلكه الذي سلكه .

 

سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا

سبحانك إني كنت من الظالمين 

اجمالي القراءات 6588

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (6)
1   تعليق بواسطة   عثمان محمد علي     في   الأحد 22 اكتوبر 2017
[87295]

الكبد هو التعب والنصب الجسدى والنفسى .


اهلا بك استاذ اسامه ...



الكبد  بفتح الباء هو التعب والمشقة والنصب بشكل عام ، ويشمل التعب الجسدى ،والنفسى ،أو احدهما .



فإقتضت إرادة الله أن يظل الإنسان فى كبد وتعب للحصول على نعم الله وخيراته فى الأرض والسماء ، وأن يظل كذلك فى كبد وتعب ونصب وصراع مُستمر بين النفس الأمارة بالسوء ، والنفس اللوامة ، او بين صراع دائم بين ان يقترب من الخير ،او يقترب من الشر . وسورة البلد كلها تتحدث عن هذا الصراع ونتائجه  يوم القيامة على كل من إختار ان ينحاز للنفس اللوامة وسلك دروب فعل الخيرات ،   ومن إختار الإنصياع لأوامر النفس الأمارة بالسوء وإنخرط فى مهالك الشر ..



..وبناءا عليه فإن (( الكبد- بفتح الباء)) .هو (التعب والمشقة والنصب)) سواء كان جسمانيا أو نفسيا ، او هما معا ...



تحياتى .



2   تعليق بواسطة   أسامة قفيشة     في   الأحد 22 اكتوبر 2017
[87297]

أصل الخلق التسخير و نتيجة الاختيار تحدد المصير


هذا الصراع و التعب و العناء هو نتاج الفعل و ليس الأصل , و قد قلت في مقالي بأن الإنسان بكفره و جحوده و أطماعه قد حول كل ما سخره الله جل و علا من نعمة إلى نقمة , فبدل بسلوكه الشرير الراحة إلى تعب و عناء ,



فالأصل هو تسخير كل شيء لراحة الإنسان إن أحسن الاختيار , فمن عرف ربه و ذكره و اتبع هداه فلا يشقى في هذه الدنيا ,



و من أساء الاختيار , فعيشته ضنكٌ و تعبٌ و عناء ,



و هذا واضح في قوله جل وعلا ( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ) ,



فهدى الله جل وعلا المتمثل في رسالاته هو لتصحيح المسار و للمساعدة في حسن الاختيار و الإرشاد إلى طريق الراحة في حسن استغلال ما سخر له , لذا كان القرآن الكريم بتعاليمه من أجل السعادة و الراحة ( في الدنيا و الآخرة ) فقال (مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ) ,



فمن سلك هذا الطريق و هو أحد النجدين اللذان جعلهما الخالق جل وعلا اختياراً فرديا , فيختار الإنسان بإرادته المطلقة إحداهما فيسلكه , فكان لزاما تحصيل النتيجة الدنيوية إما حياة طيبه و إما حياة و معيشة ضنكا , فقال سبحانه (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) . 



3   تعليق بواسطة   سعيد علي     في   الأحد 22 اكتوبر 2017
[87298]

رابط لمناقشة الموضوع أستاذ أسامة .


http://www.ahl-alquran.com/arabic/show_article.php?main_id=6358



في هذا الرابط قد يثري النقاش أستاذ أسامة حفظكم الله جل و علا .



4   تعليق بواسطة   أسامة قفيشة     في   الأحد 22 اكتوبر 2017
[87300]

شكراً أستاذ سعيد على مشاركتك


قمت بالإطلاع على هذا الرابط , هي تساؤلات جميله يطرحها الكاتب , و لفت انتباهي مشاركة الأستاذة لطفيه سعيد , و مشاركتها في محلها من خلال تدبرها لمصطلح ( الكبد ) و هذا الربط الجميل و الرائع ,



ما أود قوله مجدداً بأن الكبد هو الاختيار لا النتيجة , و ليس مفروضاً عليه , فلو فرض عليه هذا التعب و العناء لكان سبباً في العصيان , و لكن التعب و العناء ليس فرضاً من الله جل وعلا عليه بل ما فرض عليه هو الاختيار , فبعد الاختيار الإرادي تأتي النتيجة ( إما ضنكاً و إما سعادة ) .



5   تعليق بواسطة   سعيد علي     في   الأحد 22 اكتوبر 2017
[87301]

أوافقك القول استاذ اسامة


أوافقك القول استاذ أسامة في :



بأن الكبد هو الاختيار لا النتيجة , و ليس مفروضاً عليه , فلو فرض عليه هذا التعب و العناء لكان سبباً في العصيان , و لكن التعب و العناء ليس فرضاً من الله جل وعلا عليه بل ما فرض عليه هو الاختيار , فبعد الاختيار الإرادي تأتي النتيجة ( إما ضنكاً و إما سعادة ) .



حفظكم الله جل و علا .



6   تعليق بواسطة   فتحى احمد ماضى     في   السبت 28 اكتوبر 2017
[87360]

تدبر جميل ومعقول


اتفق الى حد ما مع تحليل الاخ اسامة في ما ذهب اليه مع ذكر دليل بسيط على قوله وهو لو كان الكبد اصل  ومفروض على الانسان من ربه لما استطاع احد ان يهرب منه او ان يتجاوزه ولكننا نرى في هذه الحياة ان بعض البشر لا يعاني ولا يصيبه الكبد في كثير ان لم يكن كل امور حياته كمن ورث ملا عن ابيه او جده بالمليارات وعاش حياته في قصور ورغد من العيش دون ان يكلف نفسه كبد او عناء البحث والعمل عن شيء وربما يموت على هذه الحالة من النعيم والترف دون ادنى جهد .... كلام فيه منطق وتدبر من الاخ اسامة مشكورا



أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2014-04-09
مقالات منشورة : 185
اجمالي القراءات : 651,435
تعليقات له : 209
تعليقات عليه : 405
بلد الميلاد : فلسطين
بلد الاقامة : فلسطين