لماذا التشبث بالقرآن..؟!

حافظ الوافي في الجمعة 20 اكتوبر 2017


النصوص الخبرية تعتمد في صحتها على ثقة الرواة ومن خلال فرضية صحة الآسانيد.. وحده النص القرآني صحته في مضمونه ومحتواه).. فلو كان القرآن قابل للتحريف لما كانت هناك حاجة للروايات ولاختلاق ما أسموه وحيا ثانيا..

كان بالإمكان التخلص من الآيات التي تحث على اتباع الوحي فقط وتحذر من اتباع أي جهد بشري اخر منسوب للنبي.. كان بالإمكان جعله وفق قواعدهم اللغوية حد التطابق عدا انه خالف كل الأدبيات رسما وشكلا ومضمونا وجاء بلسان عربي مبين..

إن وقفت على قصيدة شعرية ما،  فاعلم انه هناك مثيل لها وان وقفت على رواية فاعلم ان هناك رواية غيرها بنفس القالب وان وقفت على كتاب احاديث ستجد هناك كتابا للروايات شبيها له في طائفة اخرى او دين آرضي آخر وان وقفت على اية فن من الفنون ستجد هناك تآلف وتداخل وتشابه فيما بينها لكن ان وقفت على القرآن فاعلم أنه الكتاب الوحيد الذي لامثيل له فهو الكتاب الفريد الذي ينتقل معنا من جيل الى جيل منفردا دون ثنائية ولا شبيه له وهو لا يحمل اسما للمؤلف ويؤكد انه من لدن عليم خبير دون ان يضع اسما معينا يشتهر به باعجازه ودقته ..

والقرآن من خلال اعجازه وفصاحته ومايحمله من نصوص مفعمة بمفهوم كفيل بخلق جيل انساني متراحم مستقر يجعلك تشعر منذ اول تمحيص انك امام معظم مؤلف في التاريخ يحمل فنا فريدا وينتقل بهذه الصورة البديعة دون تحريف او تزوير وبإشراف دقيق من الهيئات التي يفضحها القران ويحذرنا منها.. فالقرآن انتقل لنا هكذا كما هو دون "عنعنة" ودون اسانيد ولا يعتمد على دقة الرواة  في صحته بل المضمون الرصين والحبكة الفريدة والنصوص المحكمة هي الحكم والفيصل في اثبات صحة هذا الكتاب (كتاب صحته في مضمونة بداخله) لهذا كانت الفطرة السليمة دينا قيما والقرآن مقياسا وكتاب حق به يعدلون,,

لقد غرس الله في نفوس أئمة الدين الأرضي ومؤسساته شهوة الحفاظ على القرآن كما هو مرسوما، فالمعجزة في أن كبريات المؤسسات الدينية وعتاولة الشرك أنفسهم هم من يقومون بسحب المصاحف من الأسواق اذا حدث اية خطأ مطبعي ويقومون بالتدقيق والمراجعة ليصل الكتاب الى الانسان البسيط الذي لاحول له ولا قوة يحذره من هذه المؤسسات التي ساهمت في وصوله بهذه الدقة ويفضح عتاولة الشرك ويعري المخادعين ، فقد تكفل الله بحفظ الذكر حتى لايكون للمرء اية مبرر في اتباع غير القران الذي حذره من اتباع الاباء او السادة والكبراء دون علم ودون عقل كما حذره من اتباع الهواء والشعراء الذين يقولون مالا يفعلون ويتبعهم الغاوون واتباعهم بالطبع سيكونون كثرة بفعل زخرف القول غرورا ولكن طاعة اكثر من في الارض هي ذاتها  اضلال عن سبيل الله وليس امامك الا ان تتمسك بالوحي كما امرك ربك فان كان من قبل الكتاب يحتفظ به لدى الرهبان ويخرجون للعامة ما كتبته ايديهم (تجعلونه قراطيس تبدونها و تخفون كثيرا ",, فاليوم اصبح القران يصل الى العامة بكل يسر ويحمل بين دفتيه فضحا كبيرا لمن يحرصون على وصوله اليك بنفس رسمه ومضمونه دون تغيير وهنا تكمن المعجزة ايها الغافل عنها فلا تكن من الذين يخادعون الله وما يخادعون الا انفسهم.. فالرسالات السماوية ذات مضمون واحد.. فقط كان يخفونها ويظهرون القراطيس وهو ما بات مع القرآن مستحيلا..  فدين الله واحد و لا تبديل لكلمات الله . بل بالعكس ، فحينما كان يحرف البشر تعاليم الله يأتي الله برسول آخر ليزيل التزوير و يعيدهم للدين الحق و في القرآن إشارة لذلك " يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب " . و دائما في هذا الصدد فإن القرآن يؤكد كل مرة على أحادية الدين ، فلا تجد ذكرا لأحد الكتب السماوية إلا و تتلوه عبارة " مصدقا لما بين يديه من الكتاب " ، بمعنى أن الكتاب الجديد لا يختلف عن سابقيه . و إشارة أخرى على هذا آية من سورة المائدة حينما جاء أناس من أهل الكتاب يتقاضون لدى النبي في حكم من الأحكام فأجابهم القرآن " كيف يحكمونك و عندهم التوراة فيها حكم الله ". و لما كان حكم الله واحدا في جميع الرسالات ، كان هذا هو وجه الاستغراب من مجيئهم للتقاضي لدى رسول الله . لذلك سأتفق مع الكاتب جلالي بلحاج بأنه لا ينبغي أن نصغي لمن يروجون لكون الرجم مثلا شريعة يهودية و ما إلى ذلك . فالله لا يغير رأيه في كل مرة . بل هم البشر يفترون عليه..

اعداء الانبياء حاولوا تكبيل الرسالة من خلال جعل القرآن عضين واتخاذ القرآن مهجورا في التشويش على العامة من خارجه ومن خلال كتب اخرى تعمل على بث افكار لتعطيل حواسك من ادراك الوحي واستيعاب المفهوم الحق، فيكون امام الخيار، فاما الانخداع ببهرج القول غرورا واما التخلص من التشويش واتباع الحق الذي وصل اليك نقيا ساطعا رغم سطوة المعارضين له والكارهين.. فما هي حجتك يوم الدين للخلاص من العذاب فان تبرأت ممن تبعتهم انت هم بالمثل سيتبرؤون منك وفي الاخير تأتي كلمة الفصل للتابعين والمتبوعين بانهم ليسوا بخارجين من النار فقد آتتهم الآيات واضحة في الدنيا ووصلت اليهم نقية وغير مزورة من أيدي الكارهين.. فمن يكفرونك ويسفهون رأيك لاتباعك القرآن وينعتوك بالقرآني وكأن اتباع القرآن جريمة، هم أنفسهم من يحرصون على ان تصلك  نسخة من القرآن بهذه الدقة المتناهية فهنا تكمن المعجزة..  فكل كتب وافكار التشويش وصلتك من اعداء النبي والقرآن ايضا وصلك من اعداء النبي فرضا، فكيف اتبعت التشويش ولم تتبع القرآن..

حاسب نفسك وكن من الذين يتحروا رشدا ولا يثبتون على آرائهم وعلى قول آبائهم وان كانوا على ضلال.. فالثبات ان كان بالمقادير عدلا فهو بالأفكار ظلما (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا .).

·         اضافة..

هذه الاضافة مأخوذة من طرح للكاتب جلالي بلحاج بشأن طرق التزوير سأوردها هنا للاستفادة وهي:

أما في الاسلام فالأمر مختلف قليلا في الأسلوب و لو كانت النتيجة واحدة . نعتقد أن حفظ القرآن في الصدور على صعيد واسع حال دون القضاء عليه و إخفائه . و كتاتيب الحفظ لا تزال موجودة ليومنا هذا . فالأسلوب الذي اعتمده المزورون لتزوير آخر الرسالات لم يعتمد على القضاء على القرآن ماديا بل اعتمد على سجنه و تكبيله و تقييده من خلال حرب على جبهات ثلاثة :

الأولى : تزوير و تعطيل الأحكام و الأوامر القرآنية ، باختلاق وحي ثان أسموه السنة النبوية قاضية على القرآن كما يقولون . و تعطيل آيات أخرى بما أسموه الناسخ و المنسوخ .

الثانية : تضييق أطر فهم آيات القرآن بأسباب النزول ، بحيث يربط عقل المسلم آية معينة بحادثة معينة فيتوهم أنه يعرف قصة الآية فتحجبه القصة الكاذبة عن محاولة فهمها على حقيقتها .

الثالث: تزوير معاني ألفاظ القرآن و تزوير قواعده اللسانية .

و على غرار السنة التي وضعت وحيا ثانيا موازيا للقرآن ، تم الاعتماد هنا على كلام آخر مفترى يضلل و يبعد عن استنباط معاني ألفاظ القرآن و استنباط قواعده اللسانية و هو الشعر عموما و الشعر الجاهلي خصوصا . و لما جاء القرآن بحسبهم بلغة العرب و كان الشعر الجاهلي سابقا للقرآن بحسبهم ، فلا بد و أن تكون معاني ألفاظ القرآن موافقة للمعاني التي يقرها هذا الشعر . فتجد المفسرين حينما يريدون إلصاق معنى معين بلفظ من ألفاظ القرآن يستشهدون بأبيات شعرية غالبا ما تكون لمجهولين فنجد عبارة " كما قال الشاعر " .. و لا تجد المسلم يضع هذا المعنى محل نقاش أو شك لما ترسب في ذهنه من أن الشعر سابق للقرآن و أن القرآن نزل بلغة " قريش " .

و انتحال الشعر الجاهلي هذا قد تفطن له كثيرون ، كالدكتور طه حسين و قبله المستشرق ديفيد صمويل و قبلهم ابن سلام . و هناك أدلة قوية تثبت انتحال جزء كبير من هذا الشعر إن لم نقل كله . و لم يقتصر الأمر عند هذا الحد ، بل ذهب آخرون بعيدا في محاولة التشكيك في القرآن ذاته ، من خلال معرفتهم بأن أقدمية هذا الشعر على القرآن أضحت ثابتة لدى الناس ، فاختلقوا شعرا فيما يشبه القرآن لإيهام الناس أن النبي محمدا عليه السلام كان يسرق من هذا الشعر . و لنا في أشعار امرئ القيس و أمية بن أبي الصلت أمثلة شاهدة على ما نزعم .

فنجد مثلا في أشعار امرئ القيس :

يتمنى المرء في الصيف الشتاء حتى إذا جاء الشتاء أنكره

فهو لا يرضـــــــى بحال واحد قتل الإنسان ما أكفـــــــره

و أيضا :

دنت الساعة وانشق القمر من غزال صاد قلبي ونفر

مر يوم العيد بي في زينة فرماني فتعاطى فعقـــــــر

بسهام من لحاظ فاتك فر عني كهشيم المحتــظر

وإذا ما غاب عني ساعة كانت الساعة أدهى وأمر

و أيضا :

إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالـــــــــــــها

تقوم الأنام على رسلــــــها ليوم الحساب ترى حالها يحاسبها

ملك عادل فإما عليها وإما لها

و في أشعار أمية بن أبي الصلت :

يقول خزانها ما كان عندكم ألم يكن جاءكم من ربكم نُذُر

و أيضا :

و آخرون على الأعراف قد طمعوا بجنة حفها الرمان و الخَضِر

و أيضا :

إن الحدائق في الجنان ظليلة فيها الكواعب ســــــدرها مخضود

و لهذه الأبيات كلها ما يماثلها من عبارات قرآنية ، و أحيانا آيات برمتها ، لإيهام الناس أن القرآن قد أخذ من هذه الأشعار التي نعتقد جازمين أنها قيلت لاحقا .

وكان لهذا الشعر دورا مهما أيضا في تأسيس القواعد اللسانية و البلاغية للغة العربية بشكلها الذي نعرفه الآن ، إضافة إلى القرآن بطبيعة الحال . و هذا الخلط في المرجعية في تحديد القواعد أفضى لكون هذا الشعر المنتحل يشوش على القواعد اللسانية القرآنية . و يجعل الباحث في هذا الشأن يصل إلى نتائج مشوشة بعضها صحيح و الآخر خاطئ .

فالحرب على القرآن من خلال هذه الجبهات الثلاثة ، جعلت منه كتابا أسيرا لأقوال فلان و علان .

لذلك كان لزاما علينا للعودة إلى القرآن و إعادة فهمه و تدبره أن ننتهج عكسيا نفس الطريق :

أولا : لا أحكام و أوامر تؤخذ من غير كتاب الله .

ثانيا : لا تعطل أحكام القرآن أو تقيد بأي شيء .

ثالثا : لا تفهم ألفاظ القرآن و لا تستنبط قواعده إلا من خلاله

و هذا المنهج من شأنه تحرير القرآن من القيود التي تكبله ، و معرفة حقيقة معاني آياته . و هذا ما سنراه في التطبيقات العملية لهذا المنهج .

- نصيحة:

وأخيرا سأقول لك أخي القارئ لا تنسى ان ما نكتبه هنا مجرد اجتهادات وفي الغالب فرضيات لا ينبغي ان تؤمن بها بل اني هنا أحذرك من تأييد أفكار مقالي هذا دون ان تعرضه على القرآن فهو الكتاب الذي يعد مقياسا لمناقشة الافكار وخاصة تلك المطروحة بلون ديني,, فلا  تكن سطحيا ولا بسيطا في الدين فبسطاء الدين هم اكثر الضحايا أمام المتشدقين بالأديان، بل استغل المقالات التي تثير فيك التشكيك في ان تشرع بالتمحيص والتدقيق من خلال التدبر ولا تؤمن بكل ما تقرأه دون العودة لعرض الافكار والفرضيات والمفاهيم على القرآن والعقل..

اجمالي القراءات 5057

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2014-11-05
مقالات منشورة : 49
اجمالي القراءات : 288,232
تعليقات له : 38
تعليقات عليه : 61
بلد الميلاد : Yemen
بلد الاقامة : Yemen