الماضي.. الكنز والقلعة:
الماضي.. الكنز والقلعة

على سالم في الخميس 03 مايو 2007


للناس جميعا ماض يدعمون به حاضرهم أما انا فالماضي عندي كنز اغترف منه وقلعة اهجم منها علي الحاضر فأحوله الي اشلاء عاجزة عن صنع المستقبل، انا في حالة زيارة دائمة للماضي وخصوصا في الوي اند عندما اكون مجهدا من صنع اللاشيء طوال الاسبوع، في آخر زيارة لي الي مضارب قبيلة العامرية، كانت الليلة قارسة البرد غير ان السماء كانت صافية وقد رصعتها النجوم اللامعة، اما القمر فكان بدرا، ها أنذا اجلس خارج خيمة مضيفي ابو ليلي نحتسي الجنزبيل الساخن، في ظلام الليل لاح شبح من بعيد، كان رجلا يجوس بين الخيام بخطوات بطيئة، مد ابو ليلي يده بخفة وامسك بمقبض سيفه، علي بعد خطوات منا صاح الرجل مناديا: ليلي..



ليلي هذه شابة يقال إنها رائعة الجمال ككل بطلات الحواديت القديمة، غير اني لم ارها شخصيا حتي ذلك الوقت، شعرت بالدهشة، كيف ينادي احد الناس في ظلام الصحراء علي آنسة في بيئة تعتبر نطق اسم المرأة عورة بل فضيحة، بعد ان اقترب منا الشبح قليلا تعرف مضيفي عليه فصاح بغضب خفيف: أقيس اري؟.. ماذا وقوفك والفتيان قد ساروا؟

رد قيس بصوت خافت ورقة: ما كنتش معاهم يا عمي.. كنت في الدار.. وبعدين حبيت أولع نار عشان اتدفي.. فما لقيتش ولعة.

قال ابو ليلي: تقوم تيجي تزعق في الربع بالليل وتقول ليلي؟ التقاليد تحتم انك تنادي يا عمي.. او تقول يا اهل البيت.. او تقول يا أهل الله ياللي هنا..

رد عليه بتهذيب: انا آسف يا عمي.

صاح صديقي مناديا: يا ليلي.. يا ليلي.. انت يا بنت.. ابن عمك هنا، عاوز شوية حطب مولعين.

انبعث من داخل الخيمة صوت انثوي جميل: مش معقول.. قيس عندنا.. وعاوز ولعة.. ده انا اولع له صوابعي شمع..

في تك اللحظة جاءت لأبو ليلي مكالمة علي تليفونه المحمول انصرف بعدها علي الفور، في الغالب استدعوه في مأمورية اغارة علي قبيلة اخري، تركني بعد ان قال لي: مش حاغيب.. همه ساعتين تلاتة بالكتير، نخلص علي رجالتهم وناخد نسوانهم وعيالهم ومعيزهم.. الجمال خدناها منهم الجمعة اللي فاتت.. خد راحتك.. البيت بيتك.

جملته الاخيرة رنت في اذني، كانت تصلح بالفعل عنوانا لبرنامج تليفزيوني في المستقبل، نادت ليلي علي خادمتها عفراء، وكانت عفراء بالفعل، من الواضح انها لم تستحم منذ عشرة اعوام، شح المياه في الصحراء هو المسئول عن ذلك.

اختفي الاب وظهرت ليلي، قدمت نفسي للسيد قيس بوصفي ضيفا قادما من المستقبل في اجازة سريعة، استأذنت في الإنصراف غير ان قيس اصر علي وجودي بالقرب من النيران المشتعلة، هذا هو الحب العفيف اذن، لا احد لمس يد الآخر في هذا الجو الساحر المشحون بالحب، هذا نوع غريب من الحب لا يذوب فيه المحب في محبوبته بل يحترق كل منهما وحده في مكانه، سألني قيس: أنت قادم من المستقبل.. تري ما هو مستقبل حبنا؟

الليل في الصحراء يغري بالصراحة، قلت له: لا اريد ان اسبب لكما ألما.. لن تتزوجا.. هكذا ستحافظان علي حبكما قويا الي الابد.. اقصد الي ان تموتا.. لن تتزوج ليلي لسبب بسيط هو أنك تحبها وهي تحبك وابوها يعرف ذلك والقبيلة كلها تعرف ذلك بل الجزيرة العربية كلها وسكان الشام يعرفون ذلك.. ولهذا السبب لن يوافق ابوها علي زواجك منها.. سيزوجها لشخص آخر فتمرض وتموت وتمرض انت ايضا وتموت.. سيقول التاريخ ان السبب في ذلك الموقف الغريب من الاب انك صرحت علنا من خلال أشعارك انك تحب ليلي.. اما انا فاقول ان السبب هو كراهية الحياة نفسها ليس عند الاب فقط بل عندكم جميعا، هو سيرفض زواجك منها لانك شخص واضح تعبر في وضوح عما تشعر به في اطار تقاليد تمجد الاخفاء والالتواء والخبث والتآمر، والشخص الذي سيتزوجك هو ايضا وغد كبير خاصمته الرجولة، كيف لرجل يحترم نفسه ان ينام في فراش واحد مع امرأة يعرف القاصي والداني انها تحب شخصا آخر، غير اني لا اعفيكما من المسئولية فالإنسان وحده مسئول عن قدره، كان موقفكما هو الاستسلام للمرض والموت وكان الفشل في معركة ما يعني نهاية الدنيا، هذه حالة مرضية وليست حبا.. انتما والقبيلة كلها تعانون من حالة مرضية حادة ستعانون منها الي الابد.. هي حالة كراهية حادة للحب بوصفه انجازا بشريا.. الصحراء قاسية ويبدو انها طبعتكم بطابعها بل جعلتكم اكثر منها قسوة..

تساءلت ليلي في همس: هل انت واثق ان هذا هو ما سيحدث لنا؟

اجبت: نعم.. للاسف.

بدأت دموعها تسيل علي وجنتيها، كما بدأت دموعه تسيل علي خديه، كانا في حالة لا توصف من التعاسة، ندمت علي مصارحتهما بما سيحدث لهما في المستقبل.

في تلك اللحظة عاد الاب من غارته علي القبيلة الاخري، كان معه بعض الإماء والغلمان وعدد من المعيز، نظر الي قيس غاضبا وصرخ فيه: انت لسه هنا يا جدع انت.. قاعد تهبب ايه؟ اهتز قيس في مكانه وعجز عن الرد، واصل الاب: وايه الحاجات اللي انا باسمعها دي.. انت بتحب ليلي يا ولد؟

استجمع قيس شجاعته وقال في ثبات: نعم يا عمي..

صرخ ابو ليلي: نعم يا خويا..؟ هو احنا عندنا حد يحب حد؟ طيب.. والله العظيم ما حاتتجوزها.. اتفضل.. مش عاوز اشوف وشك هنا تاني.

قام قيس منكسرا وابتعد في الظلام، كما اختفت ليلي في خيمتها.

استأذنت في الانصراف غير أنه ألح علي أن أجلس لشرب المزيد من الجنزبيل وليحك لي عن معركته الاخيرة، مرت دقائق قبل ان يظهر شخص آخر ينادي: يا بو ليلي..

اجاب مضيفي: اتفضل.. اهلا وسهلا..

ملامح الرجل كانت تشبه الي حد كبير ملامح الفنان الراحل سراج منير، عرفته علي الفور، كان عنترة بن شداد جاء يشكو من والده الذي لا يريد الاعتراف بإبوته، اي يحرمه من ان يكون حرا وان يظل عبداً، اما الادهي والامر فهو ان بقاءه عبدا يمنعه من الزواج من عبلة، وفي نفس الوقت هو يطلب منه ان يحارب دفاعا عن القبيلة، القبيلة التي تحرمه من الحرية وتصر علي ان يكون عبدا الي الابد، يا له من منطق مستحيل انتجته عقلية خربة، تحرم الشجعان من الحرية ليظلوا عبيدا الي الابد.. بدافع من الغيرة المرضية.. هل تعرف سببا آخر؟

قمت من مكاني منصرفا، لم اتوجه داخل الزمن إلى المستقبل، بل يممت وجهي تجاه ماض ابعد.. الم اقل لك ان الماضي هو كنزي وقلعتي؟


اجمالي القراءات 8989

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الخميس 01 مايو 2014
[74231]

نحمد الله أنه ماضي


السلام عليكم نحمد الله  أن هذا الماضي كنز وقلعة الأستاذ علي سالم في الماضي ، لو استمرت الإغارة على القبائل بنفس الطريقة  الماضية ، وفق  مبدأ  القبلية   ولا وجود لحقوق الإنسان  والجمعيات الحقوقية .. التي تدافع عن حقوق الأفراد   ،  ماذا كان سيحدث ؟   لكن السؤال هل  لهذا الماضي القبلي الذي يعلي ميزان القوة المادية على كل القيم  الإنسانية  وجود أم هل تخلصنا من هذا الماضي فعلا   ، لكنه  قد أخذ  صورا حديثة  ،  وأسماء كثيرة  و مختلفة 



أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-03-23
مقالات منشورة : 8
اجمالي القراءات : 135,234
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 3
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt