أزمة المثقفين والثقافة العربية:
أزمة المثقفين والثقافة العربية

سعد الدين ابراهيم في الخميس 03 مايو 2007


طالعنا الكاتب الصحفي والأديب محمد سلماوى بمقال فى الأهرام بتاريخ 2/1/2006 بعنوان "المثقف ومثلث الحصار"! . وقد كرّس من شهرة محمد سلماوى فى السنوات الأخيرة أنه أصبح أمين سر أفكار الكاتب الكبير، صاحب نوبل، نجيب محفوظ. فمنذ حادث الاعتداء الآثم على محفوظ بواسطة بعض المتطرفين الدينيين، والذي عاق حركته وقدرته على الكتابة بقلمه، أصبح الرجل يبوح بفكره لمحمد سلماوي، ينشرها أسبوعيا صباح الخميس فى صحيفة الأهرام.

وما جاء بمقال سلماوي نفسه، يلخصه في المقدمة، حيث يقول: "يقف المثقف فى مصر داخل مثلث من ثلاثة أضلاع، يحاصره من كل جانب ويعوق انطلاقه إلى رحابة الفكر وحرية الإبداع. الضلع الأول من هذا المثلث هو بلا شك السلطة السياسية، التي مازالت تتسلح بترسانة بالية من القوانين المقيدة للحريات، والتي تسمح لها بتقييد حرية التعبير والنشر والإبداع. والضلع الثاني، هوالمؤسسة الدينية، التي قويت شوكتها فى السنوات الأخيرة حيث أصبحت تتدخل فى العملية الإبداعية، فتدعو لمصادرة الكتب حتى و إن لم تكن كتباً دينية. كما وصل الحد ببعض المتعصبين الدينيين إلى العمل على إخراس الفكر والإبداع، بمحاولة اغتيال أعلامه مثل أديبنا الأكبر نجيب محفوظ والدكتور فرج فودة، وغيرهما. وأما الضلع الثالث فهو الرأى العام غير المستنير، الذي قد يتشبث بعادات بالية، مصرا أنها تقاليد مقدسة، لا ينبغى المساس بها، بينما هي في معظمها أعراف متخلفة لا يمكن أن يحقق التقدم إلا باسقاطها. وأصحاب هذا الاتجاه لا يقبلون من المبدع أي خروج عن التقاليد، بينما الفن هو فى جانب منه تخط للأعراف السائدة والثورة عليها".



وما جاء في مقال سلماوي تفصيلا لكل ضلع من أضلاع المثلث هو صحيح تماماً في رأينا. غير أنه لا يمسك بكل أطراف أزمة الثقافة والمثقفين فى مصر و العالم العربي. وربما لأن الموضوع أو الأزمة، هي أكبر مما يستطيع الإلمام به كاتب واحد، أو مقال صحفي واحد. وكنا قد تعرضنا- أنا وسبع وعشرون من زملائى فى مركز ابن خلدون- للحصار والتنكيل من الضلع الأول لمثلث سلماوى. وهو "السلطة السياسية" لنظام الرئيس حسنى مبارك (2000-2003).

والطريف والمحزن معاً، هو أن الحصار الذي يتعرض له المثقف في مصرنا وعالمنا العربي هو أشبه "بالدائرة"، أو المربع المتصل الأضلاع، وليس فقط مثلث سلماوى. ومن ذلك أن صمت المثقفين أنفسهم، خوفاً من السلطة، أو في الأغلب تزلقاً لها هو جزء من هذا الحصار. وقد وثّق باحث شاب هذا المشهد، قبل محمد سلماوى بخمس سنوات، وهو المحامي مختار قاسم، فى كتاب ضخم تناول قضية مركز ابن خلدون ، واستخدم فى عنوانه نفس التشبيه الذى استخدمه سلماوى فى حديثه عن أزمة أو مأساة المثقفين، وهو "مثقف تحت الحصار".

ولأن هذا الكاتب (سعد الدين ابراهيم) كان فى قلب الحصار، وعانى منه مع أسرته وأهله، وزملاؤه في مركز ابن خلدون وتلاميذه فى جامعات مختلفة الشيء الكثير، فقد وقع مقال سلماوى وكتاب مختار قاسم من قبله بعدة سنوات على جراح، أوشكت أن تندمل. ولكنها كأى جراح غائرة تترك من ورائها أثاراً غير منظورة، وندوبا منظورة، هي في حالتنا تدهور عصبي، يؤثر إلى اليوم (بعد ست سنوات) على سلوكنا الحركى – المشى والتوازن الجسماني. و لذلك تأملت كثيرا وأنا فى سجون مبارك لسنتين، أزمة الثقافة والمثقفين، وكتبت، ومازلت أكتب عنها، في سياقات مختلفة، كلما ألحت الحاجة إلى تحليل وجه من وجوه أزمة الثقافة والمثقفين فى مصر والعالم العربي ومنها هذا التقديم الذي ألهمني إياه مقال الصديق محمد سلماوى.

ولكن كما في كل أزمة – كما يقول المثل الصيني – "هناك مشكلة عويصة ولكن أيضا فرصة سانحة للأفضل". وأعترف أنه كانت فى تجربة سجنى العديد من الفرص، لأتعلم الكثير عن نفسي وعن جوانب شتى من الطبيعة البشرية، وعن مؤسسات مجتمعي، وعن قوى الخير والشر في مصر والعالم. ومن ذلك المؤسسة الأمنية والمؤسسة القضائية فى أسوأ وأحسن صورهما.

ومن ذلك أنه خلال السنوات الثلاث التي أعقبت خروجي من سجون مبارك، تضاعف تكريمي بالجوائز والشهادات الفخرية، أكثر مما حصلت عليه فى الأربعين سنة السابقة لدخولي السجن. ولأن الذي يحصل على هذه الجوائز يلقى عادة كلمة فى حفل تسلمها. ولأن الصحافة المحلية والدولية التي كنت أتلقى فيها هذا التكريم كانت تنقل ما ألقيه من كلمات فى هذه المناسبة، فقد كنت أحرص على أن أقول جديدا فى كل مرة، وخاصة إذا كنت سأكرم فى نفس الدولة أكثر من مرة. وفى أحد المناسبات لم يكن لدي جديد أبداً في كلمتي سوى التعبير عن خاطر صادق مر بي في الدقائق السابقة لبدأ الاحتفال، وهو "أن الجائزة التي شرفتموني بها، كان لا بد أن تكون مناصفة بيني وبين الرئيس حسني مبارك. فلولا أن الرجل أودعني السجن، لما تحولت من استاذ جامعي عادي، يعبر عن أرائه بما تعود عليه من حرية أكاديمية، إلى شخصية عامة مرموقة كأحد سجناء الرأي والضمير، ويحظى بكل هذا التكريم..". وضجت قاعة الاحتفالات الكبرى بتلك الجامعة (فى أنديانا) بالضحك. ولكن تلك هي فعلا الحقيقة!.

فربما من كان يعرفني قبل السجن لا يتعدّى مليون شخص من مصر والعالم العربي والدوائر الأكاديمية والحقوقية. ولكن بعد السجن خلال الفترة ما بين عامي 2000 و 2003، فإن من سمعوا اسمي وعرفوا شكلي قد تضاعف عددهم مائة مرة على الأقل، لتواتر التغطية الإعلامية في الصحف والإذاعات و شبكات التليفزيون، وخاصة أثناء المحاكمات الثلاث التي مرت بها القضية. إذ لم يعد مألوفاً في البلدان المتحضرة أن يوضع المتهمون فى أقفاص حديدية – مثل الحيوانات – كما هو الحال فى المحاكم المصرية. ولابد أن مشهدي، ومعي سبعة وعشرون من الباحثين بمركز ابن خلدون، قد فتح شهية الاعلاميين الغربيين، فضلا عن موضوع القضية، الذي أظهر تخلف نظام مبارك، وأعطى الفرصة لكل من يريدون تسوية حساباتهم معه، وربما مع مصر كلها، أن يصولوا ويجولوا.

ولكن القضية كلها بجوانبها الجادة و العبثية، أعطت الفرص لكثيرين آخرين لتسوية حساباتهم الخاصة، سواء من الأجهزة الأمنية فى مواجهة المنشقين والمعارضين، مثل المتهم الأول في القضية (سعد الدين ابراهيم) أو من أحزاب المعارضة فى مواجهة تنظيمات المجتمع المدني – اعتقادا منها أن تلك المنظمات سحبت منها أعضاءً فعليين أو محتملين.

والأنكى من ذلك، أن قضية ابن خلدون، أعطت الفرصة لزملاء من المثقفين، ولمنظمات ومراكز بحثية شقيقة للشماتة فى مركز ابن خلدون والعاملين فيه. وتصور البعض من هؤلاء أن اختفاء المركز والعاملين فيه وراء القضبان سيفسح لهم المجال لملأ الفراغ الذي كانوا يشغله الخلدونيون ـ بحثاً و دعوة وعملاً في المجال العام- مصرياً و عربياً وعالمياً. ولم يكن لنا أن نكتشف مشاعر الشماتة هذه، إن كان أصحابها قد ظلوا صامتين، أثناء محنة الخلدونيين (2000-20003). ولكن بعضهم لم يستطع أن يحتفظ بهذه الشماتة لأنفسهم، فقد سارعوا بالتعبير عنها، حتى أثناء التحقيق مع الخلدونيين فى صيف 2000، وقبل أن يحالوا إلى المحاكمة، وقبل أن يدان أي منهم. وكان أضعف الإيمان بالنسبة لهؤلاء المثقفين أن يتريثوا، أو ينتظروا احتراماً للقاعدة العامة، أن المتهم يظل بريئا، إلى أن يصدر عليه حكم بات ونهائي" (أى لا يقبل الاستئناف أو النقض من جهة قضائية أعلى). بل ومن هؤلاء الشامتين ما استبق نهاية التحقيقات، أو حتى الإحالة إلى المحاكمة، أو صدور أي حكم، ليطالب بإعدام المتهم الأول (سعد الدين ابراهيم) شنقاً في ميدان عام، حدده هو بأن يكون "ميدان التحرير"، أوسع و أشهر ميادين القاهرة.

وقد وثّق أحد الباحثين الشباب، هو مختار قاسم في مجلد ضخم (600 صفحة)، صدر عن دار ميريت عام 2001، ما كتبه ونشره هؤلاء الشامتون، واختار عنواناً لمجلده هو "مثقف تحت الحصار". وقد نفذت (أو اختفت) نسخ هذا الكتاب من الأسواق خلال أسابيع قليلة من ظهوره. كما قبض على المؤلف وحبس لعدة أسابيع بعد التحقيق معه، لأسباب قيامه بنشر الكتاب.

وكان بعض المثقفون المصريون والعرب يدركون أن من الواجب التضامن المعنوي مع الخلدونيين فى محنتهم، وهم يواجهون السلطة الغاشمة لآل مبارك. وقد فعل خمسمائة منهم ذلك فعلا. وقد تقدمهم الليبرالي وعالم الاقتصاد المرموق الدكتور سعيد النجار. ود. ابراهيم الدسوقى أباظة، ود.ابراهيم شحاتة، ود. محمد الجوهري، ود. عبد المنعم سعيد، ود. حسام البدراوى، واللواء الدكتور أحمد عبد الحليم، ود. احمد كمال أبو المجد، ود. حازم الببلاوي، والفنان محمد نوح، والكاتب الصحفى سلامة أحمد سلامة، ود.ميلاد حنا، ود. محمد السيد السعيد، وأمين المهدي، ورضا هلال، ود. مدحت خفاجي، وفريد زهران، وأحمد عبد الحفيظ، ويوسف سيدهم، ورمزي زلقمة، ودلال البرزي، وفريدة النقاش، ونهلة الشال وصلاح عيسى، ووافية النقاش، وإبراهيم عيسى، وصلاح منتصر، و الكاتب المسرحى على سالم، والمفكر الاسلامى جمال البنا، والقطب الإخواني عصام العريان، وآخرون تضيق الصفحات المحدودة لهذه المقدمة عن ذكرهم جميعا. ولكن نفس الباحث الذى وثّق ما فعله وكتبه هؤلاء الشتامون وثّق أيضا ما فعله وكتبه ما سماهم "المثقفين الشرفاء"، تمييزا لهم عمن سماهم "الراجمون بالحجارة"!.

وضمن أحداث قضية ابن خلدون كان هناك تضامن دولي واسع. وكان من بين أهم المتضامنين الناشطة الإيطالية، وعضوة البرلمان الأوروبي إيما بنينو Emma Bonino التى أتت لمصر عدة مرات لحضور جلسات المحاكمات الأولى والثانية والثالثة. والتقت في تلك الأثناء بعشرات ممن قيل لها أنهم "مثقفون مصريون". وفوجئت السيدة التي لم تكن قد قابلت أياً من الخلدونيون السبعة وعشرين، ولم تكن قد تعرفت على المتهم الأول في القضية، إلا وهو فى قفص الاتهام، أن معظم من قابلتهم كانوا يتهربون من اتخاذ موقف تضامني مع الخلدونيين. ولما كانت هي تسألهم لماذا؟ كانت تسمع ما أدهشها من أعذار. فمن قائل أنه يختلف مع المتهم الأول فى هذه المسألة السياسية أو تلك ومن قائل أنه لا يتفق مع المتهم فى توجهاته الديمقراطية أو موقفه من أمريكا والغرب وإسرائيل، أو بسبب دفاعه عن حقوق الأقباط والأقليات، وهو ما يفتح فى رأيهم الباب للفتن أو التدخل الأجنبي. ومنهم من تهرب بذريعة أن المتهم الأول كان "ناصريا"، وهو يمقت الناصريين. أو أولئك الذين تملصوا من التضامن مع المتهم لأنه كان ناصريا وتخلى عن ناصريته!. ومنهم من قال أن المتهم يعمل في الجامعة الأمريكية، ومتزوج من أمريكية، وهو (أي المثقف الرافض للتضامن مع المتهم)، يمقت كل ما هو أمريكي. وسمعت أعذارا أخرى شتى.. فقالت السيدة فى أحد مقابلاتها لصحفية ايطالية "ان المثقفين المصريين الذين رفضوا التضامن مع د. سعد الدين ابراهيم الليبرالي، رفضوا أيضا التضامن مع الناشطة النسائية نوال السعداوى الاشتراكية الماركسية .. إنهم لا يتضامنون إلا مع شهيد كامل يكتمل مثل المسيح أو غاندي.. وهذا مجرد غطاء للخوف أو الغيرة أو العجز عن فهم معنى حقوق الانسان أو الالتزام بالدفاع عنها، حتى في حالة من نختلف معهم ..!"

وربما ما قالته السيدة بنينو يلخص أزمة المثقفين المصريين، و ربما كل المثقفين العرب المعاصرين. فقيم الحرية و الحق الإنساني في التعبير والاختلاف لم تتعمق في معظمهم بعد. ومازالت تحكمهم، بدلاً من ذلك، قيم مغرقة في الذاتية والقبلية، بمعنى التمركز حول "الأنا الفردانية" أو في أحسن الأحوال مع "الأنا الجمالية". أي مع من هم "مثلي" (أو من أقربائي، من نفس العائلة أو القبيلة أو الحزب). وربما هذا هو أحد أسباب ضعفهم فى التأثير على مجتمعهم أو في السلطة الحاكمة. بل ربما كانت هذه "الذاتية" و "القبلية" هي ما يغري السلطة ويسهل عليها الاستهانة بهم، والتنكيل بهم فرادى، مطمئنة أن رفاقهم سيخافون و لن يجرؤ معظمهم على التضامن مع من استهدفه السلطان!.

ولكن حتى بعيدا عن سيناريو قضية مركز ابن خلدون و د. سعد الدين ابراهيم الذي تكرر في قضية حزب الغد، ورئيسه أيمن نور، بعد خمس سنوات، فإن أزمة المثقفين المصريين هي في كثير من جوانبها تعكس أزمة أكبر وأعمق للثقافة العربية عموماً و المصرية خصوصاً وهو ما لابد أن نتطرق إليه كلما سنحت الفرصة لذلك.


اجمالي القراءات 16553

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   نورا الحسيني     في   الإثنين 07 مايو 2007
[6641]

سبب آخر وجيه

وهناك سبب آخر في أزمة المثقف تتمثل في قصر ذات اليد وخاصة إذا لم يكن يعتمد على إرث أو دخل ثابت يدر عليه من مشروع ناجح أو زوجة ثرية تتحمل النفقة إن هو تم تشتيته عن الأسرة وهذا سبب هام لا يستهان به ويعرف أهميته من كان في نفس الظروف السابقة وليس له من عائد أو عائل غير الله سبحانه .المثقف يضطر لكتابة بعض ما يأتي بسد رمقه حتى وإن كانت لديه أوليات في الكتابة غير ذلك ، وأصدق مثال على ذلك هو الدكتور / صبحي الذي لم يكن له من عائد سوى المرتب الذي منعه الأزهر أيضازيادة في إيذائه وهم الآن يحاولون اسكات ألسن كثيرة تقول نفس الأفكار بكل وسيلة في ايديهم ولكن لا احد يستطيع إيقاف عجلة المعرفة كما أنه لا يمكنه ايقاف طواحين الهواء .
اللهم ارحمنا واغفر لنا.

أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-03-23
مقالات منشورة : 217
اجمالي القراءات : 1,883,869
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 410
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt