القاسم المشترك :
القاسم المشترك

أسامة قفيشة في الخميس 16 فبراير 2017


القاسم المشترك

هو موضوعٌ يدعونا للتفكر و إلقاء الضوء من جديد لمفهوم النفس البشرية , ليس من أجل العودة للوراء , و لكن من أجل التعمق بالفكر لعلنا نصل قريباً من حقيقتنا , و سيبقى وصولنا للحقيقة المطلقة ناقصاً غير مكتمل .

قرأت سابقاً كلاماً و رؤية للدكتور منصور حفظه الله جل وعلا , قال فيها بأن الإنسان وحده من يملك تلك النفس , أما المخلوقات الأخرى فلا نفس لها , فمن هنا انطلق الفكر يراودني و يطاردني , و ها أنا اكتب لكم ما جال في خاطري , في محاولة قاصرة مني من أجل المعرفة و التمعن في هذا الجانب .

من الجانب العلمي كل كائن حي ينمو و يتطور و يمر في مراحل حياتية مختلفة و يدركه الموت هو في الحقيقة يمتلك نفساً , تلك النفس هي التي يمتاز بها , فهي التي تجعله حي , و هي بخروجها تجعله جسد ميتاً لا حراك فيه , باختصار شديد نرى بأن النفس هي مشتقة ٌ من التنفس الذي يرمز للحياة , و لجميع المخلوقات الحية طريقة خاصة بها للتنفس الذي يساعدها على العيش , أي أن النفس هي قاسم مشترك تشترك بها جميع المخلوقات الحية .

فبماذا يمتاز الإنسان عن باقي المخلوقات الحية الأخرى ؟

هل هو الإدراك ؟

حيث نلاحظ أن مصطلح الإدراك يفيد الوصول للشيء لا الفهم , فجميع المخلوقات تمتلك القدرة على الإدراك ( الوصول للشيء ) فكل كائن يصل لهدفه , لذا نجد هناك قاسماً مشتركاً في الإدراك .

هل هو العقل ( التفكر ) ؟

هناك بعض المخلوقات تعقل و تدبر أمرها , و هي تتفاوت في حجم التفكير و التحليل و المقدرة العقلية , و أعلى مراحل العقل هي عند الإنسان , فالإنسان لا ينفرد بالعقل بل يتفوق به على غيره , لذا نجد بهذا أيضاً قاسماُ مشتركاً بين المخلوقات , و لذا يأتي الكلام عن البشر ( لعلهم يعقلون , أفلا تعقلون , و هكذا ...

أم هو حرية الاختيار و قبول الاختبار ؟

( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا )

في اعتقادي هو ذاك , حيث يمتاز الإنسان بهذا الأمر عن باقي المخلوقات , و لكن كيف ذلك ؟ و كيف يحدث هذا الأمر ؟ إذا هي الأمانة التي حملها الإنسان بين شقيه ,

تلك الأمانة التي حملها الإنسان هي التي تأهله للخوض في غمار الاختبار و الامتحان ,

فهي توازي الفطرة التي فطرها الله ( قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ ) , لذا جميع المخلوقات تملك فطرة الله جل وعلا , أما الأمانة التي حملها الإنسان فهي الأمر الموازي لفطرته في حرية الاختيار و الدخول في دوامة الاختبار , و لذا تحتم على وجود قرين له كي يعيش في هذا التضارب و الصراع بين الخير و الشر و هو المسئول عن اختياره , فكان له يومٌ للحساب ,

تلك الأمانة أفرزت التكليف الذي ينبغي على حاملها , و يبدو بأن لتلك الأمانة قدسية جزئية و تكريم من الله جل وعلا لحاملها ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ) .

فالأمانة هي مجرد نفخة من الروح في جسد من وافق على حملها .

و المتكفل بهذا النفخ هو جبريل عليه السلام فهو المأمور بهذا الفعل ,

فهو ( الروح الأمين ) و هو مشتق من فعله الذي كلف به , فهو الذي ينفخ الروح التي هي نفسها الأمانة التي قبل الإنسان حملها , فيتم إيداع تلك الأمانة ( الروح ) في جسد حاملها و تبقى معه و هو مؤتمن عليها و متكفل بها إلى أن يموت ,

و هو ( الروح القدس ) و ذلك أيضاً مشتقاً من فعله الذي كلف به , فتلك الروح التي ينفخها لها قدسيتها و حرمتها , فلا يجوز انتهاكها أو التعدي عليها إلا بالحق .

فمن هنا يمكن القول بان الإنسان يمتلك نفساً كباقي المخلوقات , و يمتلك روحاً من الله جل و علا ينفرد بها عن باقي المخلوقات , تلك الروح يكن الانسان مؤتمن عليها في هذه الدنيا , و تفارقه عند الموت كما النفس , فهي تلك الأمانة التي قبل على نفسه حملانها ألا و هي الروح ,

( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا )

فقد يصل العلم بنا لإنسان آلي يعقل و يفكر و يدبر و يتحرك و يتنفس و يقرر , و لكن بدون روح لأن الروح من أمر الله جل وعلا , فهذا المصنوع لا حساب عليه و لا جزاء لفعله , بل يتحمل الإنسان الحقيقي نتاج ما صنعت يداها , فمن هنا بدأت التحذيرات من هذا الإنسان الآلي و الذكاء الصناعي خوفاً على البشرية .

أما عن مراحل تطور الإنسان , فلا صحة لهذا من قريب أو من بعيد لقوله جل وعلا ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) فلا تبديل لخلق الله جل وعلا .

 

سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا

سبحانك إني كنت من الظالمين 

اجمالي القراءات 1702

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (10)
1   تعليق بواسطة   ربيعي بوعاقل     في   الجمعة 17 فبراير 2017
[84873]

لسْتَ حرا ، أَنتَ مجبرٌ: كل عاقل مجبرٌ على الاختيار بين النجدين ، بين الجنة والنار.


سلام عليكم ، طبتم، صدقت '' حرية الاختيار '' هي الميزة الأساسيبة ، ولكن كيف يكلف بالاختيار فاقد الميزان ؟؟ العقل العقل يا صاحبي، ولا حرية ولا اختبار ولا ابتلاء  إلا للعقلاء .



     ذو العقل يشقى في النعيم بعقله              وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم



مع خالص تحياتي.



2   تعليق بواسطة   أسامة قفيشة     في   الجمعة 17 فبراير 2017
[84877]

شكرا استاذنا ربيعي


أشكرك على مداخلتك , 



بكل تأكيد تلك الامانه التي حملها الإنسان حتمت عليه خوض هذا الإمتحان و هذا الإختبار , فهل كان قادراً على حمل تلك الأمانه على وجهها الحق ؟ بكل تأكيد هو فاشل و جاهل حين قبل ذلك , فلذا قال لنا جل و علا  ( وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا )



3   تعليق بواسطة   مكتب حاسوب     في   الإثنين 20 فبراير 2017
[84938]



لا تموت الخلايا الحية مع موت الكائن الحي في نفس الوقت

و ما يميز الإنسان عن باقي المخلوقات الحية فهو ما يسمى "cognition" يعني الإدراك، المعرفة، اللغة، التعلم، الذاكرة، الأحاسيس، إلخ فهو متفوق في كل واحدة على حدة و بشكل كبير و إذا جمعت هذه الملكات كلها تضاعف التفوق بمرات كثيرة

أما بالنسبة للتسيير و التخيير عند الإنسان فالبحث العلمي يؤكد التسيير لا التخيير، بين ما هو جيني و وراثي و بيوكيميائي "الهرمونات" و التشابك العصبي "synapse" لا يبقى للمرئ إلا مساحة الوهم بأن بيده الخيار في مسار حياته

و الله أعلم



4   تعليق بواسطة   أسامة قفيشة     في   الثلاثاء 21 فبراير 2017
[84945]

تحياتي استاذ مكتب حاسوب


لا أزال مصراً على تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات بالروح لا النفس , و هي الأمانة التي قبل الإنسان على حملها فحمل جزءً منها فكان التكليف , و التكليف يفضي بحتمية الحساب .



أختلف معك في فهم التسيير و التخيير ,



التسيير هو ما يسره الله جل وعلا و قدره في كل شيء , للكون و للإنسان و الحيوان و لكل شيء , و أرى بان هامش التسيير هو أقل بكثير عند الإنسان عن باقي المخلوقات ,



فجميع المخلوقات التي رفضت حمل الأمانة فكانت بلا روح هي مسيرة بالكامل أي غير مخيره بتاتاً , أما الإنسان الذي تقبل حملها يكون هامش التخيير عنده كبيراً و هامش التسيير عنده قليلٌ جداً يتمثل بالحتميات الأربع . 



5   تعليق بواسطة   مكتب حاسوب     في   الثلاثاء 21 فبراير 2017
[84960]



السلام عليكم أستاذ اسامة،



ما معنى الروح؟ مثلا هل الناس المصابين بالعاهات العقلية "التخلف او التوحد إلخ" ليس لهم روح؟

هل هم مكلفين و مسؤولين و محاسبين؟

سبب الحساب هو إكتساب الانسان لملكة العقل الذي يسمح له بالتمييز بين الخير و الشر و ملكة الضمير الذي يؤنبه إذا فعل شرا و يدعوه للإنابة و الرجوع

و في غياب هاتين الميزتين يصير الانسان بلا تكليف و الملكتين تدخل في "cognition"


بالنسبة لموضوع التخيير أو حرية الخيار عند الإنسان "libre arbitre, free will" فالعلوم العصبية تقول بأنه وهم من صنع الدماغ



6   تعليق بواسطة   أسامة قفيشة     في   الأربعاء 22 فبراير 2017
[84977]

استاذ مكتب حاسوب


الإنسان بكل أعماره ذكوراً و إناثاً , صغيراً أو كبيراً عاقلاً أو فاقداً لعقله , يملك تلك الروح كما يمتلك تلك النفس ,



و لهذا فهو مكلف و مسؤول و محاسب , فمن كان منهم لديه إعاقة عقليه , فالله جل و علا لا يظلم أحدا , فمثله كمثل الأطفال الذين يموتون و هم صغار , و الله سبحانه و تعالى أعلم بهم و بحالهم .



7   تعليق بواسطة   مكتب حاسوب     في   الخميس 23 فبراير 2017
[84996]



أستاذ أسامة

كيف يمكن أن يكون مخلوق "مثل الصبي أو فاقد للعقل" مكلف، مسؤول و محاسب و هو أصلا فاقد للتلك الملكة؟

كأن يكون الكفيف مكلف، مسؤول و محاسب على ملكة البصر و هو فاقدها، أو يكون الأصم و الأبكم مكلف، مسؤول و محاسب على ملكة السمع و النطق و هو لا يكسبها


بالنسبة لي هو أمر غير منطقي و بلا معنى

المهم، علميا يتميز الإنسان العاقل عن باقي المخلوقات الحية بما فيها أجناس البشر المنقرضة بتفوقه في الوظائف المعرفية "fonctions congnitives"، و نتشارك في كل الباقي

 



8   تعليق بواسطة   أسامة قفيشة     في   الخميس 23 فبراير 2017
[85001]

أخي استاذ مكتب حاسوب


القاعدة العامة تقول بأن الانسان تحت التكليف و الحساب بالمجمل و العام ,



أما من كان فاقدا لنوع من أنواع الكمال البشري , فهذا هو الشاذ من القاعدة الأساس , و لكل شاذ شذوذه الخاص ,



و لا يعمم الشاذ و لا يقاس به . 



9   تعليق بواسطة   مكتب حاسوب     في   الجمعة 24 فبراير 2017
[85023]



أستاذ أسامة،

أليست القاعدة هي عدم التكليف و الحساب لمن خانته القدرة العقلية؟ ألا يوجد إجماع عند الناس "كل الناس" على "رفع القلم عن ثلاثة"؟

ام أننا أمام أمر شاذ؟

المهم



10   تعليق بواسطة   نهاد حداد     في   الجمعة 24 فبراير 2017
[85025]

اهلا بالسيدين مكتب حاسوب والسيد أسامة قفيشة


أظن أن الآية التي يقول فيها عز وجل ، " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا قد تحسم النقاش بينكما " ، ، لا أريد أن أنحاز لرأي أحدكما ولكنني أضع هذه الآية بين أيديكما فتدبراها لعلكما تحسمان الموقف ! تحياتي ! 



أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2014-04-09
مقالات منشورة : 103
اجمالي القراءات : 243,277
تعليقات له : 405
تعليقات عليه : 299
بلد الميلاد : palestine
بلد الاقامة : palestine