خطبتي جمعة:
الفرح الحقيقي

عبدالوهاب سنان النواري في الإثنين 05 ديسمبر 2016


الخطبة الأولی:

 

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

سبحان الله رب العالمين

سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون

سبحانه هو الواحد القهار

سبحانه وتعالی عما يشركون

هو الذي أرسل رسوله بالهدی ودين الحق ليظهره علی الدين كله.

قرآنا عربيا لعلكم تعقلون.

كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير.

آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين.

 

أما بعد أيها الإخوة المؤمنون، فإنه وتزامنا مع بدأ المشركين إعداداتهم واستعداداتهم للإحتفال فما يسمونه: (المولد النبوي) تلك البدعة والتظاهرة السياسية التي لا صلة لها بدين الله جل وعلا، كان لزاما علينا أن نفند مزاعم أولئك المشركين، بالإحتكام إلی الله جل وعلا، من خلال كتابه العزيز، وذلك في إطار جهود حثيثة لتنقية وتطهير ديننا الحنيف من كل البدع والأوهام والخرافات والشركيات، التي أصبحت وكأنها جزء منه.

ولأن العصر أصبح عصر القرآن الكريم، بعد أن سقطت أوراق التراث المزيف، فقد بحث المشركون عن سند ومسوغ قرآني يدعم بدعتهم ودروشتهم وفعاليتهم السياسية هذه، فاقتنصوا قوله تعالی: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (يونس 58) . غير أننا كلما رجعنا إلی القرآن الكريم لمراجعة أدلتهم والتبين من استدلالاتهم نجدهم سيئي الحظ، فالقرآن الكريم بطبيعته لا يخدم البغاة والطغاة والمجرمين والفاسدين، ودعونا نتتبع موضوع (الفرح) قرآنيا حتی تتضح الصورة أكثر.

يحدثنا الحق تبارك وتعالی، عن صفة وطبيعة متجذرة في النفس البشرية بشكل عام، وهي أن الإنسان يفرح بالخير، ويجزع ويكفر ويقنط إذا ما أصابه الشر، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالی: وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور (الشوری 48) .. وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون (الروم 36) .

هذه هي القاعدة العامة، ولكن دائما هناك استثناءات، ولكل قاعدة شواذ كما هو معروف، فهناك ولله الحمد نوعية من المؤمنين إذا نالت الخير عملت الصالحات وسخرته في سبيل الله، وإذا ما أصابها الشر صبرت لحكم ربها وشكرت، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالی: ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور ، ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور ، إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير (هود 9-11) .

والله جل وعلا، يقدر الخير والشر، ويبسط الرزق وقدره، لحكمة بالغة، الله جل وعلا، يحب التوسط والاعتدال، لا يريدنا أن نحزن لما أصابنا، ولا نفرح بما آتانا، فهو جل وعلا، لا يحب كل مختال فخور، وفي ذلك يقول سبحانه: ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك علی الله يسير ، لكيلا تأسوا علی ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور (الحديد 22-23) .

ولنا في قصة قارون وحواره مع قومه الكثير من الدروس والعبر، أهمها أن الله جل وعلا، لا يحب الفرحين، وأن الواجب علی الإنسان أن يبتغ فيما آتاه الله الدار الآخرة، وطبعا لا ينسی نصيبة من الدنيا، وأن يحسن الإنسان علی أخيه الإنسان، ولا يبغ الفساد في الأرض، فالله جل وعلا، لا يحب المفسدين، وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالی: إن قارون كان من قوم موسی فبغی عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ، وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسی نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين (القصص 76-77) .

من ناحية أخری، يحدثنا رب العزة عن نفسيات المنافقين والكفار، بأن كل همهم الدنيا مع أنها لا تساوي شيء أمام الآخرة، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالی: الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع (الرعد 26) .

يفرح المنافقون بالتخلف عن ركاب المجاهدين، ويكرهون أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وفيهم يقول الحق تبارك وتعالی: فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ، فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون (التوبة 81-82) .

ليس هذا فحسب بل ويفرحون إذا ما أصاب المؤمنين سوء، ويسوءهم أن ينال المؤمنون حسنة، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالی: إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها (آل عمران 120) .. إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون (التوبة 50) .

هذا الفرح الزائف مصيره جهنم وبئس المهاد، نفهم ذلك من قوله تعالی: لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم (آل عمران 188) .

وهناك الفرح المشروع، وهو فرح المؤمنون بتحقق الوعود الإلهية، الفرح بنصر الله جل وعلا، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالی: ويومئذ يفرح المؤمنون ، بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (الروم 4-5) .

وأعظم فرحة علی الإطلاق، هي فرحة المؤمنين الذين قُتلوا في سبيل الله جل وعلا، وفيهم يقول الحق تبارك وتعالی: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ، فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين (آل عمران 169-171) .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، إنه تعالی ملك بر رؤوف رحيم.

قلت ما سمعتم، واستغفر الله العلي العظيم لي ولكم، ولوالدي ووالديكم، ولسائر المؤمنين والمؤمنات من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

الخطبة الثانية:

ينهانا الحق تبارك وتعالی، أن نكون من المشركين من الذين فرقوا دينهم إلی طوائف وجماعات وأحزاب، كل منها فرحة بما هي عليه من الضلال، وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالی: ولا تكونوا من المشركين ، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (الروم 32) .

ودين الله جل وعلا، هو ذلك الكتاب السماوي المنزل علی القوم، والتفرق يحدث من خلال إختلاق وتأليف كتب جديدة ووضعها إلی جانب كتاب الله جل وعلا، كوحي آخر والمصدر الثاني للتشريع، فيكون لكل فرقة كتبها التي تختلف عن الأخری، وكل فرقة فرحة بما لديها من الكتب، لذی يجب مقاطعتها جميعا، والتمسك بكتاب الله وحده، نفهم ذلك من قوله تعالی: وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ، فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون ، فذرهم في غمرتهم حتی حين (المؤمنون 52-54) .

المؤمنون الحقيقيون لا يفرحون إلا بذلك المنزل السماوي (القرآن الكريم) ويذرون كل ما تم جمعه من روايات وأحاديث لعينة تدمر وتفرق الأمة، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالی: يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدی ورحمة للمؤمنين ، قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (يونس 57-58) .

والقرآن الكريم يحدثنا عن نوعية رائعة من أهل الكتاب تلك النوعية التي كانت تفهم الكتاب بشكل صحيح، هذه النوعية فرحت بنزول القرآن الكريم، وفي المقابل هناك من كان ينكر بعض ما جاء به القرآن الكريم، والمهم في الأمر بأن المسلم يفرح بما أنزل الله ولا يشرك به شيئا، ولا يتبع أهواء الذين لا يعلمون، وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالی: والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعوا وإليه مآب ، وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق (الرعد 36-37) .

وهناك نوعية أخری، تكذب كلام الله جل وعلا، وتجادل في آياته، وتشرك بربها من خلال ما تفرح به من الكتب والأولياء، وفي هذه النوعية يقول الحق تبارك وتعالی: ألم تر إلی الذين يجادلون في آيات الله أنی يصرفون ، الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون ، إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون ، في الحميم ثم في النار يسجرون ، ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون ، من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين ، ذلك بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون ، ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوی المتكبرين، فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرحعون (غافر 69-77) .

ويتكرر نفس الحديث في نفس السورة، عن ذلك المصير الأسود الذي يلقاه كل من لا يكتفي بكتاب الله وجل وعلا، ويفرح بما عنده من كتب وروايات وأولياء ما أنزل الله بهم من سلطان، وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالی: أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنی عنهم ما كانوا يكسبون ، فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون ، فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين ، فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون (غافر 82-85) .

 

ختاما: يقول الحق تبارك وتعالی: يا أيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا ، وسبحوه بكرة وأصيلا ، هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلی النور وكان بالمؤمنين رحيما (الأحزاب 41-43) .

وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين (غافر 60) .

ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ، ربنا وآتنا ما وعدتنا علی رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد.

ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته علی الذين من قبلنا ، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ، واعف عنا ، واغفر لنا وارحمنا ، أنت مولانا فانصرنا علی القوم الكافرين.

قوموا إلی صلاتكم يرحمكم الله

اجمالي القراءات 7992

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2014-11-03
مقالات منشورة : 84
اجمالي القراءات : 714,343
تعليقات له : 60
تعليقات عليه : 66
بلد الميلاد : Yemen
بلد الاقامة : Yemen