(يمحو الله ما يشاء ويثبت! وعنده أم الكتاب):
هناك أجل مسمى و"أجل محتمل " في القضاء والقدر.

الشيخ احمد درامى في الجمعة 02 ديسمبر 2016


هناك أجل مسمى و"أجل محتمل " في القضاء والقدر.

خذوا حذركم!!

 

(يمحو الله ما يشاء ويثبت! وعنده أم الكتاب)   (كل يوم هو في شأن!)

الإنسان مقهور فيما يصيبه وما يناله، ومخيّر فيما يفعله.

ما عدا الحتميات الأربعة، (الولادة والنسب، و"الرزق"والموت) فالإنسان يتحكّم فيما يفعل. وأفعاله غير محتومة عليه. بل يكون دائما في مفترق الطرق؛ ويجد أمامه اختيارين (النجدين). محتوم عليه أن يختار أحدهما. فإما يختار الأحسن وإما يختار الأسوأ؛ لكنه غير مجبور على اختيار واحدا معينا منهما. فالمحتوم عليه هو اختيار أحدهما. أما أيهما؟ فالاختيار له.

وسوابقه الحسنة أو السيئة تبرز، ساعة تردده، وتشترك في توجيه تصميمه نحو اختيار أو آخر. فمن سرق بيضا في سراء، قد يسرق ثورا في ضراء. ومن أنفق دينارا في ضراء، قد ينفق قنطارا في سراء؛ إن استطاع. وكل فعل بني آدم، (صالحا كان أو طالحا)، يستجلب أمثاله ويدعو إليها. فاختيار المرء، أيا كان، فإنه بنت سيرته ونزعاته وخُلقه. الله سبحانه وتعالى لا يتدخل في اختياره إطلاقا!

فالمحكوم عليه بالقتل في يوم كذا، مثلا؛ إذا اقترب الوقت فإنه سيتعرض لزيد يعاكسه ويستفزه كي ينفذ عليه القدر؛ لكن حسن خلق زيد ونصوح قلبه وكثرة أعماله الخيرية، تجعله يعرض عنه، ولا يرتكب الجريمة. فيتعرض لعمر. وهنا أيضا نجد أن عوامل كثيرة (الخيرية أو الشرية) من سوابق عمر تتضافر وتجعل منه منحوس الحظ لارتكب ذنب قتله، أو سعيد الحظ فيعرض عنه. وهكذا؛ يتعرض للناس حتى يلتقى مع من اكتسب الكفاية من السوء فنحس حظه بسببها، فتعاطى فعقر.

الله سبحانه وتعالى قدر القتل عليه في ذلك اليوم، ولكنه س.ت. لم يحمل عليه أحدا. بل تركه لكل من أصبح صدره "ضيقا حرجا" بما اكتسب من الآثام.

إن الله، سبحانه وتعالى، يقدَّر الأمور والمصائببالنسبة لمن تقع له أو عليهم(والله خلقكم وما تعملون.) [الصافات: 96] أي أنه س.ت، خلقنا وخلق خليطا من أعمال خيرية وشرية متنوعة، تُقصد بها اختبارنا في الدنيا. لكنه، جل وعلا، لا يحدد للأفعال والمصائب أي فاعل بعينه. بل كلما حان وقت فعل مقدّر ينادي مناد هل من متطوّع؟ فيتطوع أي واحد تأهّـل له من حسناته السابقة فينفذه إن كان خيرا. أو يتطوع أي واحد تأهل له من سيئاته السابقة، فينفذه إن كان شرا.

تتعرض أمامنا، طوال كل يوم. حشد من الأفعال والفرص، الحسنة والسيئة؛ فيتجاوب كل مع ذاك أو مع ذاك؛ حسب استعداداته التي اكتسبها من أفعله وسلوكه السابقة.

 

فآدم وحواء، مثلا، كانا في مفترق الطرق بالاختيار؛ إما البقاء في الجنة، أو الهبوط على الأرض. وكلا الاختيارين كانا سواء عند الله. لأن الله (سبحانه وتعالى) لا يكسب ولا يخسر شيئا بجعل منهما خليفة في الأرض أو تركهما في الجنة واختيار غيرهما. فالخيار كان لهما. فاختارا، (بسذاجة وطمع وفقد عزم)، موجبات الطرد من الجنة، فأُهبطا إلى الأرض.

وربنا سبحانه وتعالى كان يعلم مقدما خيار آدم في الاحتمالين (وإن لم يجبره على أحدهما). لذا قال للملائكة، مسبقا: "إني جاعل في الأرض خليفة." لعلمه أن آدم سيختار (بغفلته وسذاجته وفقد عزمه) موجبات الهبوط. قال جل وعلا: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل، فنسي. ولم نجد له عزما!) [طه: 115]أ

 

الحتميات "الأربعة"

الولادة والنسبحتميتان ثابتتان. لا الشك فيهما ولا المناقشة. أما الأجل، والرزق فهما حتميتان متغيرتان.

1 الأجل: فهناك "أجل مسمى" "أجل محتمل" بالعقاب. (إن عذاب ربهم غير مأمون!)[المعارج: 28]

 

1.1 و"الأجل المسمى"فهو مقدّر من عند الله. فإذا حان، لا يستأخر ثنية ولا يستقدم، فيموتأو يُقتلالمرءعنده بالضبط، لا محالة،

      

1-2 لكن هناك  "أجل محتمل" يقرره الله (جل وعلا) أنى يشاء، حذفا تقصيرا للأجل المسمى. (يمحو الله ما يشاء ويثبت! وعنده أم الكتاب)فيُهلكعنده قوم أو فرد، بإذن الله، قبل أجالهم المسماة. ينتج ذلك من سلوك المرء أو قوم، وفعلهم ما يترتب عليه الهلاك، فأهلكهم الله معا، قبل أجالهم الفردية المسماة.

ونفهم ذلك:

أولا:من فرعون وقومه (فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ.)على الطول. قبل آجالهم.

وثانيا:يونس عليه سلام لولا أنه كان من المسبحين لهلك ثَـمفي بطن الحوت؛عند أجل عقابي له، وللبث رفاته في أعماق البحر إلى يوم يبعثون. ولكنه سبح وتاب، فغُفر له، وأُخِّر إلى أجله المسمى.

ثالثا:يظهر ذلك جليا في سورة نوح عليه سلام. عند قوله تعالى: (إنا أرسلنا نوحا إلى قومه، أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم. قال يا قومي إني لكم نذير مبين. أن اعبدوا الله وتقوه وأطبعوني. يغفر لكم من ذنوبكم، ويؤخركم إلى أجل مسمى. إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون.) فمن قول نوح "ويؤخركم إلى أجل مسمى" نفهم إمكانية وقوع عكس ذلك. أي عدم تأخيرهم إلى الأجل المسمى، ويهلكهم فبل ذلك. فعلا قد وقع ما حذرهم نوح عليه وأنذرهم فيه؛ وهو عدم تأخيرهم إلى أجل مسمى؛ إذ أهلكهم الله جميعا في يوم واحد.

وما كان ذلك مكتوبا عليهم سلفا. بل (مما خطيئاتهم أغرقوا وأدخلوا نار، فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا.)ولو لم يكن التأجيل والتأخير في الأجل ممكنا، لتجنب نوح ارتكاب مثل ذلك الخطأ {ويؤخركم إلى أجل مسمى} في ترغيب قومه إلى الطاعة. إذا علم أن الأجل المسمى لابد من وصولهم إليه، سواء أطاعوا أم عصوا.

 

إن الموت والقتل يقعان عند الأجل المسمى. أما الهلاك فهو عقاب ينهي فيه الله العمر حذفا للأجل. ويقع بمشيئته على قوم أصروا على العناد بعد الإنذار.

وكذلك الذي ارتكب جريمة الاستخفاف بالعقل الذي كرمه الله به، واهمله، أو ألقى بنفسه إلى التهلكة. كعدم تجنب الوباء، أو عدم اتباع نصائح الأطباء عند المرض. (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) فأولئك يهلكهم الله بذنوبهم ويقضي عليهم الموت عقابا لهم قبل أجالهم.

 

الرزق:إن أدنى قدر من الرزق مقدّر حتميّ ومضمون لكل دابة في الأرض. (وما من دابة في الأرض إلا على الله وزقها...)

أما زيادته ونقصانه، فإنه أمر ممكن أنى يشاء الله. (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) لاحظوا أن ربنا قد استعمل هنا فعل المضارع. "يبسط ويقدر". وذلك دليل على استمرار أخذ القرارات في شأن الرزق. وقال تعالى على لسان إبراهيم عليه سلام مع قومه: (...فابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.) [العنكبوت: 17]أي فاطلبوا من الله مزيدا من الرزق.وذلك يدل أن الرزق يزداد وينقص. ولو كان الرزق مضمونا كاملا لكل فرد، لما يكون هناك داعي في ابتغائه، من جديد، عند الله؛  كما أمر به إبراهيمعليه سلام!

 

1 أدلة الزيادة في الرزق في القرآن:

قد تكون الزيادة في الرزق منّا أو فتنة أو بلاء:

* (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه)[عسق: 20]

 *(فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا. يرسل عليكم السماء مدرارا. وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا.) (نوح: 12،11،10]، إمكانية الزيادة في الرزق،ثوابا وتشجيعا.

(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ.)[الأنعام: 165]. زيادة في الرزق ابتلاء واستدراجا منه سبحانه وتعالى.

 

2 أدلة على نقصان الرزق من القرآن:

قد يكون نقصان الرزق ابتلاء أو عقابا أو زجرا.

وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)[البقرة: 155]النقص في الرزق، بمثابة بلاء حسن للمؤمنين.

(وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ.) [الأعراف: 130]النقص في الرزق زجرا لهم لعلهم يرجعون.

(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا: قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ؛ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ. [النحل: 112]النقص في الرزق عقابا للعصاة.

 

فخلاصة القول في الموضوع هي:

1 -أن الأجل أجلان "أجل مسمى"، "أجل محتمل". غير مأمون! عقابا. حذار!

2-أما الرزق: فأدنى قدر منه حتميّ ومضمون لكل دابة. لكن حذار! في زيادته محتمل للثواب أو لابتلاء أو الفتنة. ونقصانه محتمل كذلك للزجر أو الابتلاء أو العقاب

 

 

سنة الله في الخلق

الله سبحانه وتعالى لا يخلق عنصرين من نوع واحد. فأيما كان العدد الذي يريده من نوع، (مليار أُسّ مليار، أو أضعاف ذلك، أو أكثر)، فإنه، جل وعلا، يخلق منه فردا واحدا فقط؛ فيتولد منه العدد المراد.

إذا قال الله لشيء كن! فإنه لا يكون فقط فحسب، بل ويتولد منه ، في لحظته، كل ما يتعلق به من أفراد وأجناس... إلى نهاية الزمن الذي قدر له في الوجود.

معنى ذلك عند ما قال الله، جل وعلا، للكون كن، فانطلق "الانفجار العظيم" (Big Bang)، جرى كل شيء منتظر في الوجود أمامه بوضوح وتفصيل، في لحظة أقل من الزمن الذي تستغرقه سرعة الضوء لاجتياز طول عُشر مليمتر.

خلاص!... كل شيء جرى (في عالم الغيب "الرقمي")، وتمّ، وسُجل في سجيل اللوح المحفوظ، وجفت الأقلام؛ فأصبح ماض عند الله، قبل بدء تفصيلات الخلق المادي. كما قال جل وعلا: فكل شيء في كتاب (من قبل أن نبرأها) أي من قبل أن نبدأ إخراجه في حيز الوجود.

فكل واحد منا، (من آدم إلى آخرنا)؛ قد عاش حياته كاملة، بكل حرية، أمام الله سبحانه تعالى (في عالم الغيب)، وهو في ظهر آدم، "وآدم بين الماء والطين" (كما يقولون). فعرف الله منا كل شيء (كل افعالنا، وكل قرارات التي أخذناها ثَم، بكل حرية، بعد تردد، وكل خياراتنا، وكل إقدامنا وإحجامنا أمام الأمور ...وهكذا إلى نهاية حياتنا) وذلك في اللحظة التي قال فيها لآدم كن. فجرت أمامه حياة ذريته كلها وتمّ بوضوح وتفصيل في لحظة شبه منعدمة.

(وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا:بلى شهدنا!)

 .

وما الحياة الدنيا، أمام الله جل وعلا، إلا "إعادة بث" (Reissue)، حيث أنه سبحانه وتعالى سبق أن علم منا كل شيء بالتفصيل، وسجله في اللوح المحفوظ.

لذلك يكتب السعيد سعيدا قبل ولادته، بناء على أعماله التي عمل وهو في طوره "الرقمي" (في عالم الغيب). ويكتب الشقي شقيا قبل ولادته، بناء على أعماله التي عمل وهو في طوره "الرقمي" (في عالم الغيب)، الطور الذي تعتبر الحياة الدنيا نسخة له، طبق الأصل.  

وعليه، عند ما يموت طفل من يوم ولادته، فإن ذلك لا يغير شيئا عند الله، فيما يخص معرفته به، جل وعلا،. وإنما يفيد ذلك فقط أن الله س.ت. قد عافاه الله من معاناة الحياة الدنيا. لكنه، عز وجل، عالم به سلفا كل العلم؛ ل"مشاهدته" جل وعلا، جريان حياته كاملة، يوم قال فيه لأبيه آدم كن؛ وقبل خلقه إياه ماديا. وعرف كونه شقيا أم سعيدا؛ سواء عاش في الدنيا او لم يعش فيه.

فعند الله سبحانه وتعالى، المستقبل مقدم على الماضي والحاضر. فترتيب الزمن عند الله كالاتي. المستقبل أولا، ثم الماضي، ثم الحاضر! فإذا قال الله لشيء كن! جرى مستقبله كله كاملا ويصبح ماضيا عنده، قبل أن يبدأ تتابع خروج عناصره في حيز الوجود. قال تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب، من قبل أن نبرأها!إن ذلك على الله يسير.) [الحديد: 22]. أي من قبل أن نخلقها ونخرجها في حيز الوجود. إذ جرت عنده، سلفا، جميع أفعالنا، التي عملناهابكل حرية، في عالم الغيب، وتلتها عواقبها المناسبة من خير وشر، وسُجلت في اللوح المحفوظ، قبل بدء إعادة بثها هنا في الدنيا.

"ذلك بما قدمت أيديكم! وأن الله ليس بظلام للعبيد". [آل عمران: 182] صدق الله العظيم!

                                                                  والله س.ت. أعلم.

اجمالي القراءات 7652

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2016-06-30
مقالات منشورة : 39
اجمالي القراءات : 397,301
تعليقات له : 105
تعليقات عليه : 42
بلد الميلاد : Senegal
بلد الاقامة : Senegal