كل مجرمٍ خاسر :
كل مجرمٍ خاسر

أسامة قفيشة في الأربعاء 20 ابريل 2016


كل مجرمٍ خاسر

حين يكون هناك مجرم هذا يتطلب بأن هناك جريمة و هناك أيضا ضحية ,

فالمجرم يتم تعريفه بأنه من ارتكب فعل ما أو امتنع عن فعلٍ ما , و يدان على سلوكه ,

فهناك جرائم تتعلق بالأشخاص و جرائم تتعلق بالممتلكات و جرائم تتعلق بالدولة و جرائم تتعلق بالمجتمع بحسب من هو الضحية ,

قد يفلت المجرم من العقاب في الدنيا من قانون العقوبات البشري لأن المجرم قد يتمتع بمهارات تمكنهُ من إخفاء جريمته بالتستر خلف عملٍ ما أو مظهرٍ ما (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ ) 46 المرسلات , و هذا لا يعني تفاديه من الانتقام (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ ) 22 السجدة , و لكنه لن يفلت من العقاب الإلهي في الآخرة لأن الجميع لا يخفون على الله جل وعلا (إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ ) 74 طه ,

فالمجرم دائماً هو المعتدي الظالم ( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ) 31 الفرقان , فالعِداء هو ارتكابٌ لفعلٍ إجرامي ,

و يأتي الإجرام أيضاً بالامتناع عن الفعل المطلوب (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ) 159 البقرة , فالسكوت عن قول الحق هو إجرام و مرتكبه مجرم ,

و الكذب في كلام الله جل وعلا بتحريفه أو بعدم تصديقه و الخضوع له , أو بنسب كلام آخر له هو أعلى مراتب الظلم (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ) 17 يونس , فعليه يكون أعظم جرم يُرتكب هو الذي يكون في حق الله عز و جل ,

و لهذا وجب عدم كتمان ما جاءنا من الحق في كلام الله جل وعلا (أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) 140 البقرة ,

فالمجرم بطبيعة عقليته و نفسيته المريضة يرفض الحق مستكبراً , فكلام الحق جل وعلا يفضح المجرمين و يبين لنا من هم و يشرح لنا صفاتهم و أفعالهم و إجرامهم ( وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ) 55 الأنعام , فالمجرم دوماً كارهاً للحق (وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ) 82 يونس ,

فحين نقوم بالدراسة النفسية للمجرم يتضح لنا بأن إجرامه يرجع للبيئة التي عايشها و للموروث الفاسد الذي ورثه و للحضانة التي احتضنته و أنشأته , فعليه يجب الربط بين الفعل الإجرامي و بين دوافع المجرم كون الجريمة هي فعلٌ و سلوكٌ غير سوي , فذلك الفعل هو مرض نفسي لتفكيرٍ منحرف , فيتطلب العمل على وضع سياسة للوقاية من هذا المرض من أجل العلاج , ففي النهاية نجد أن المجرم و الجريمة هي نتاج و صناعة المجتمع و البيئة التي تخرج منه هؤلاء المجرمين ,

حين نقوم بسماع كلمة جريمة فانه يتبادر للأذهان فوراً مفهومها التقليدي , و لكن نجد في كلام الله جل وعلا بأن المفهوم الفكري و العقائدي هو أشد خطراً و أشد جرماً (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ ) 31 الجاثية ,

و نجد ذلك أيضاً في قوله جل وعلا (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ) 40 الأعراف ,

و هنا نجد بأن العلاج الرباني لتفادي تلك الجرائم , نجد مكنونه في القرآن الكريم وحده , و لا شيء غيره القادر على علاج تلك الجرائم بكل صورها و معانيها , فإتباع آيات الله جل وعلا و الإيمان المطلق بها و العمل بها هو العلاج و الخلاص و الوقاية ,

الجريمة التقليدية على بشاعتها و ظلم الضحية تبقى أقل انتشاراً و تأثيراً على المجتمع بالنسبة للجريمة الفكرية التي تنتشر كالوباء فتشمل كل أفراده و مكوناته ,

و لمواجهة الجريمة بشقيها التقليدي و الفكري يجب محاربة الجهل و الفقر و كل الأمراض النفسية و توعية الروابط الأسرية و الاجتماعية و مكافحة الإعلام و التعليم السيئ و القدوة السيئة ,

نحن اليوم نعيش في عالمٍ مترابط ببعضه البعض , فغدا مجتمعاً واحداً لا يفصل بين الجميع فاصل , فالوباء الفكري ينتشر بسرعةٍ في كل اتجاه ليتضاعف عدد ضحاياه و يزداد , مما يهدد أمن الجميع بلا استثناء ,

فالإجرام الفكري هو إشباع لهوى و رغبات النفس بطريقه شاذة لا تقبلها و لا تستسيغها الفطرة البشرية , شذوذٌ في القيم و الغرائز ,

أما المجرم التقليدي فهو الذي يعاني من السيطرة و التحكم بغرائزه و ميوله بالشكل السليم ,

الجريمة التقليدية و الجريمة الفكرية هي جريمة اختياريه يرتكبها المجرم بكامل إرادته دون إكراه , لأن الإنسان مكلف بعقله و باتخاذ قراره الشخصي فيعاقب بذاته (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ ) 32 سبأ ,       

 فالأسوأ حظاً حين يكون المجرم هو الضحية في آنٍ واحد بظلمه لنفسه برفضه سبيل الهدى و اتخاذه سبيل الهوى ,

المجرم الفكري هو الذي يضطهد الناس و يجبرهم على رأيٍ واحد فيحتكر عقولهم خوفاً على انهياره إذا ما انهار ما يدعو اليه , كونه يعتقد استمرار وجوده و بقاءه و هيمنته هي بفعل هذا الفكر الإجرامي ( إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ ) 26 غافر , و هو أكثر الناس فساداً و إجراماً , فهذا هو مرضه الذي يعاني منه ,

و يُبقي المولى جل وعلا الباب مفتوحاً أمام جميع المجرمين للتوبة و الاستغفار و التكفير عن تلك الجرائم بالعمل الصالح و إعطاء كل ذي حقٍ حقه (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ) 52 هود , فإن رفضوا ذلك و تولوا فلهم عقابٌ أليم ,

و صدق الله العظيم (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ) 35 القلم .

 

سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا

سبحانك إني كنت من الظالمين

اجمالي القراءات 5470

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2014-04-09
مقالات منشورة : 189
اجمالي القراءات : 1,013,655
تعليقات له : 219
تعليقات عليه : 419
بلد الميلاد : فلسطين
بلد الاقامة : فلسطين