الجحيم الذي تهفو إليه قلوبنا

كمال غبريال في الأحد 07 فبراير 2016


تدفقت في رأسي الأفكار داهمة، عند رؤيتي في قناة فضائية لجموع اللاجئين السوريين الهاربين شمالاً ‏من تقدم الجيش السوري إلى الحدود مع تركيا. ما يبدو ظاهرياً هو أن هؤلاء كانوا الحاضنة الشعبية ‏لداعش والنصرة وجيش الإسلام وأحرار الشام وأمثالها. هذه الملايين من البشر اعتنقت ما اعتنقت من ‏رؤى لنفسها وللعالم، وهي تحت حكم علماني، هو الأكثر قسوة واستبداداً في العالم، والأكثر عداء لهذا ‏التيار، سواء من الناحية السياسية البعثية العلمانية، أو الناحية الطائفية لحكم يُتَهم بأنه حكم عائلي ‏وعلوي. ومع ذلك استشرى الفكر الداعشي بينهم، واتشحت البنات في سن الثالثة بالسواد. لم تشتق هذه ‏الملايين لنسمات حرية تتنفسها، وإنما ذهبت إلى دفن عقولها وأجسادها في السواد الحالك، وفي وحمرة ‏دمائها التي يسفكها المجاهدون في سبيل الله.


لم أجد ما أخرج به من تأملي لتلك الجموع، سوى أن عدالة الطبيعة تتحقق، بقوانينها السارية على كل ‏الكائنات. كائنات قويت أجنحتها وصارت طيوراً، وأخرى فقدت أطرافها، وصارت ثعابين تزحف في ‏الأوحال، وتلدغ كل من تطوله أنيابها، كما ذهب الكثير منها لأن يكون بعوضاً وذباباً وصراصير!!‏
التنوع في الكائنات الحية لا يأتي فقط من تنوع الظروف البيئية التي عاشت فيها، ولكن أيضاً من ردود ‏أفعال وتطور تلك الكائنات وفق تركيبها وتكوينها الذاتي. لقد أثبت إنسان الشرق الأوسط سواء في ‏ظروف بيئته الأصلية، أو حال انتقاله للحياة في العالم الحر، أن اتجاهه العام يجنح لرفض الحضارة ‏الإنسانية بصيغتها المعاصرة، ويذهب إما للانكفاء على ذاته، أو إلى العداء والكراهية للعالم وللحضارة. ‏‏. نتحدث بالطبع عن تيار عام نرصده، بما لا يمنع وجود الكثير من الحالات الفردية الاستثنائية، أو ‏حتى وجود تيارات أخرى باتجاه الحداثة والحضارة، لكنها أضعف من أن تكون ذات تأثير يعتد به على ‏الصورة العامة.‏
ما نريد قوله هو أن اجتياح الفكر والروح الظلامية المعادية للحياة لهذه الشعوب ليس نتيجة عوامل ‏عارضة، تلك التي ربما ساهمت في تفاقم الحال. فالأساس بالدرجة الأولى هو نوعية شخصية هذه ‏الشعوب، وهي التي ساقتها للتمسك بالموروثات والفيروسات الثقافية المتوطنة. فكم من شعوب غادرت ‏ميراثها الثقافي، لتنزع نحو مسيرة تغيير وتجديد دائم، خاصة حين يكون تأثير ذلك الميراث وبيلاً على ‏حياتها. لذا فإن دور الموروثات أو الفيروسات الثقافية المتوطنة يأتي في الدرجة الثانية، يتلوها في ‏درجات متأخرة متفاوتة سائر العوامل البيئية، الطبيعية منها والاقتصادية والسياسية.‏
نعم كان البترودولار الذي يضخه مشايخ قبائل الخليج وراء تقوية تيار الظلامية والكراهية، لكنه لم يخلق ‏هذا التوجه من فراغ. لم يستثمر أمراء النفط ثرواتهم في هذا الاتجاه عبثاً، أو نتيجة لصدفة سيئة. ولم ‏تملأ الدولارات النفطية جيوب تلك الملايين من البسطاء، الذين كان خيارهم المصيري لأنفسهم هو ‏الارتماء في أحضان سواد القلوب والأفكار.‏
وكانت الأنظمة السياسية الاستبدادية الثورية العروبية وراء كفر الجماهير بما هو قائم، لكن هذا وحده ‏غير كاف لأن تذهب هذه الملايين لما هو أسوأ. والظن أن العكس كان من المفترض أن يكون هو ‏الصحيح، أن تكون الهيمنة وقمع الحريات في النظم العروبية دافعاً لنفور الناس من كل هيمنة، ‏والاتجاه إلى حيث الحرية واحترام إنسانية الإنسان.‏
الفقر المادي الذي ترزح فيه ملايين الشرق الأوسط، لا يمكن كذلك اعتباره دافعاً لتجاهل الناس لحقائق ‏واقعهم الأرضي، والتعلق بسماء لابد وأنهم يدركون بالفطرة أنها لن تمطر عليهم ذهباً وفضة أو مَنّاً ‏وسلوى، ولا يجوز أن نصدق تلقائياً من يسند هذا الزحف الجماهيري الهابط إلى الهاوية، إلى معاناة ‏الفقر وبؤس الحال.‏
قد يكون اجتماع كل ما سبق من عناصر رافداً لظاهرة الإيغال في السقوط الحضاري لإنسان الشرق ‏الأوسط، لكن جوهر أو قلب الظاهرة أمر آخر مختلف، لن نجده إلا لدى الإنسان الشرق الأوسطي ‏وهويته البيولوجية.‏
شعوب الشرق الأوسط تذهب الآن بأقدامها، إلى مصيرها الذي اختارته لنفسها، حتى وإن كان من بينها ‏من يسير باكياً مولولاً لاطماً الخدود، ملقياً الاتهامات يميناً ويساراً وأعلى وأسفل. . نحن جميعاً ذاهبون ‏عاجلاً أو آجلاً إلى الجنة أو الجحيم الذي تهفو إليه قلوبنا!!‏

 

Kamal Ghobrial

Alexandria- Egypt

+201226834061

اجمالي القراءات 4230

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-03-23
مقالات منشورة : 598
اجمالي القراءات : 3,620,011
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 264
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt