عرض مقدمة ابن خلدون: ب6:(ف10)علم الكلام

آحمد صبحي منصور في الإثنين 14 سبتمبر 2015


كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية 

القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون

  تابع الباب السادس في ثقافة العمران في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه ومايعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مقدمة ولواحق

                                الفصل العاشر

                                            علم الكلام

مع ان ( علم الكلام ) اشتهر به المعتزلة وارتبط بهم أكثر من غيرهم إلا إن ابن خلدون  يرى أنه علم الدفاع عن العقائد الإيمانية السنية السلفية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعين المنحرفين عن عقائد السلف وأهل السنة. ويجعل إبن خلدون من التوحيد ( السلفى ) سر العقائد الإسلامية .   

السببية دليل التوحيد العقلي

   ويستدل على التوحيد بالبرهان السببي ، أو برهان العلة : هذه الأشياء حادثة ، وكل حادث لابد له من محدث ، وتنتهي الأسباب إلى مسبب واحد وهو الله لا إله إلا هو .

الدعوة إلى عدم البحث في الأسباب والبحث في المسبب

    والأسباب تعني الكائنات والموجودات في العالم المادي ، وما بينها من علاقات ، ويدعو إبن خلدون إلى عدم البحث في الأسباب ، لآنها تتضاعف ولا تستطيع النفس الإحاطة بها وبما فيها من أفكار ونظام ، واستشهد بقوله تعالي " ثم ذرهم في خوضهم يلعبون " ، وهو إستشهاد فى غير محله . وقال إن الباحث في الأسباب ربما يضل ويهلك . وقال إن تأثير الأسباب في المسببات مجهول وكيفيته مجهولة لذا يجب الامتناع عن بحث الأسباب ، والتوجه إلى الله مسبب الأسباب كلها لترسيخ صفة التوحيد في النفس ، واستشهد بحديث موضوع يقول " من مات يشهد أن لاإله إلا الله دخل الجنة ، فإن وقف عند تلك الأسباب فقد انقطع وحقت عليه كلمة الكفر ، وأن سبح في بحر النظر والبحث عنها وعن أسبابها وتأثيراتها واحدا بعد واحد فأنا الضامن له ألا يعود إلا بالخيبة " والواضح أنه حديث مصنوع .

    ومثل أهل السُّنة يؤكد إبن خلدون على استحالة الإحاطة بالكائنات وأسبابها لأن كل عقل ينحصر علمه فيما يدركه ولا يتعدى ذلك إلى مالا يدركه ، مثل انحصار الأصم فيما لا يسمع والأعمى فيما لا يرى وانحصار الحيوان الأعجم بما لا عقل فيه . لذلك يدعو إلى أن يتهم الإنسان إدراكاته في الحصر ويتبع ما يأمره به الشارع في الإعتقاد والعمل لأن الشارع هو الأعلم بما ينفع .

العقل لا مجال له في التوحيد ولا في الأسباب

    ولايعتبرإبن خلدون هذا إتهاما للعقل وإدراكاته ، إذ يرى أن العقل ميزان صحيح وأحكامه يقينية إلا أنه لامجال له في أمور التوحيد والآخرة والنبوة والصفات الألهية ، كما لا مجال له في الأسباب التي تتجاوز مدركاته ، ويصل إلى القول بأن التوحيد هو العجز عن إدراك الأسباب وكيفيات تأثيرها وتفويض ذلك إلى الخالق جل وعلا ، ويقول مقالة الصوفية " إذ لا فاعل غيره وكلها ترتقي إليه وترجع إلى قدرته " واستدل بقول بعضهم " العجز عن الإدراك إدراك ".

كمال التوحيد وكمال العبادات

   ويرى إبن خلدون أن التوحيد مجرد الإيمان ، ولكن كمال التوحيد حصول صفة منه تتكيف بها النفس . وكمال العبادة حصول ملكة الطاعة وتفريغ القلب عما سوى المعبود حتى ينقلب المريد السالك ربانيا ، وكذلك العلم بالتوحيد يكون بالإتصاف به فترسخ ملكته في النفس ويحصل بذلك الإتصاف والتحقيق ، وهذا هو معنى الكمال في أوامر الشرع ، فالكمال في الإعتقاد يكون هو العلم الثاني أي الإتصاف بالتوحيد ، والكمال في العبادات الإتصاف بها والتحقق بها . ثم يأتي الإقبال على العبادة ثمرة للإتصاف بها ، واستشهد بحديث " جعلت قرة عيني في الصلاة " أي صارت الصلاة صفة له يجد فيها منتهى لذته.

    وينتهي إبن خلدون إلى أن المطلوب في التكاليف حصول ملكة راسخة في النفس يحصل عنها علم إضطراري للنفس هو التوحيد ، وهو العقيدة الإيمانية ، وذلك يسري على التكاليف القلبية الإيمانية والعبادات البدنية . والإيمان مراتب أولها التصديق القلبي الموافق للسان وأعلاها تكيف الجوارح بذلك التصديق بحيث لا يقع المؤمن في معصية صغيرة أو كبيرة . واستشهد بحديث " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ".

عصمة الأولياء

    وبسبب إنتمائه الصوفى فقد جعلها المرتبة الثانية من العصمة بعد عصمة الأنبياء ، وهذه العصمة للمؤمنين تأتي بسبب الإيمان والعمل ، وبالعصمة يتفاوت الإيمان تبعا للعمل .

بين الإيمان والعمل

   ويرى إبن خلدون أن الإيمان فعلى ، والتصديق أول مراتبه . وهذا التصديق لا تفاوت فيه لأنه أقل ما يطلق عليه إيمان ، وهو الذي يمتاز به المؤمن عن الكافر ولكن التفاوت يأتي في الأعمال الناشئة عن الإيمان.

مفردات الإيمان

    وقد كلفنا الشارع بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء خيره وشره ، وتلك هي العقائد الإيمانية المقررة في علم الكلام ( السنى )، ويجب الإيمان بها بالقلب والإقرار بذلك باللسان.

 الإيمان بالله

    يرى إبن خلدون عقيدة الصوفية فى ( وحدة الفاعل ) فيقول أن الله تعالى هو الخالق الذي ترد الأفعال كلها إليه وحده ، وفي هذا الإيمان نجاتنا ، ومعرفتنا بكنه حقيقة الله يتعذر على أدراكنا . لذلك فإن المطلوب منا إعتقاد تنزيهه تعالى عن مشابهة المخلوقين وعن صفات النقص  "وتوحيده بالإتحاد وإلا لم يتم الخلق للتمانع "، والإعتقاد بأنه عالم قادر لتتم الأفعال التي تشهد بكمال إتحاده ، وأنه يعيدنا بعد الموت ، والإعتقاد في أنه بعث بالرسل وأنه جعل الجنة والنار .

نشأة علم الكلام

    وكان السلف على هذا الإعتقاد ، إلا أنه حدث خلاف في التفاصيل بسبب الآيات المتشابهة ، وتطور الخلاف إلى خصام وتناظر بالعقل وزيادة الإستشهاد بالنقل من الآيات وبذلك نشأ علم الكلام .

    فقد جاء في القرآن وصف المعبود بالتنزيه المطلق الظاهر الدلالة من غير تأويل ، ويجب الإيمان بها ، وجاءت تفسيرات نبوية من الصحابة والتابعين تفسر الأيات على ظاهرها ، وجاءت آيات أخرى في القرآن توهم التشبيه ، ورأي السلف عدم التعرض لمعناها ببحث أو تأويل مع الإيمان بها . إلا أن المبتدعة ( وهم فى نظره المخالفون لأهل السنة ) اتبعوا ماتشابه من الآيات وأوغلوا في التشبيه في حديث القرآن عن يد الله ووجه الله فوقعوا في التجسيم للذات الإلهية وخالفوا آيات التنزيه المطلق لله وهي الأكثر عدداالكثر ااا في القرآن والأوضح دلالة ، لأن التجسيم يقتضي النقص والإفتقار ، وقد احتجوا بأن له – تعالى – جسما لا كالأجسام ويرى إبن خلدون أنهم يقعون في التناقض والجمع بين النفي والإثبات.

    ومنهم من ذهب إلى التشبيه في الصفات كإثبات الجهة والإستواء والنزول والصوت والحرف  ، فوصلوا أيضا إلى التجسيم وقالوا صوت لا كالأصوات وجهة لا كالجهات.

آراء المعتزلة

   ثم كثرت العلوم والصنائع والتدوين والبحث ، وجاء المعتزلة في تعميم التنزيه وذلك بنفي صفات المعاني من القدرة والعلم والإرادة والحياة زائدة على أحكامها ، حتى لا يقال بتعدد الذات ، ويرد عليهم إبن خلدون بأن الصفات ليست عين الذات ، وقضى المعتزلة بنفي السمع والبصر لكونهما من عوارض الأجسام والتجسيم ، ويرد إبن خلدون إنهما إدراك للمسموع والمبصور ، وقضى المعتزلة بنفي الكلام ، ويرى إبن خلدون أنهم لم يعقلوا صفة الكلام التي تقوم بالنفس ، وعلى ذلك حكموا بأن القرآن مخلوق. ويرى إبن خلدون أن خلق القرآن بدعه خالفها أهل السنة وأدت إلى ظهور الإشاعرة حين نهض أبو الحسن الأشعري للرد على المعتزلة .

الأشاعرة

    وقد توسط الأشعري بين المشبهة المجسمة وبين المعتزلة ، فنفي التشبيه وأثبت الصفات المعنوية وقصر التنزيه على ما قصره عليه السلف . كما تحدث عن الإمامة ردا على الشيعة حين جعلوا الإمامة جزءا من عقائد الإيمان . ورأى الأشعري إنها قضية مصالح للأمة ولا تلحق بالعقائد . وتكاثر الكلام في الموضوع بعد ظهور الأشعري .

سبب تسمية علم الكلام

    ولأن هذا العلم قام على المناظرات الكلامية خصوصا في صفة الكلام ونسبتها أو عدم نسبتها لله تعالى فقد أطلقوا على هذا العلم علم الكلام.

تلامذة الأشعري

    وكان إبن مجاهد أهم تلامذة الأشعري ، وأخذ عنهم أبوبكر الباقلاني وأصبح إمام الأشاعرة ووضع لهم المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة ، وجعلها قواعد للعقائد الإيمانية الواجب اتباعها ، ثم جاء إمام الحرمين فوضع كتابه الكبير ( الشامل ) ثم اختصره في (الإرشاد) واتخذه الناس إماما لعقائدهم ، وانتشرت بعده علوم المنطق بين الناس .

أثر علم المنطق في علماء الكلام المتأخرين

   وبانتشار علم المنطق فرقوا بينه وبين الفلسفة ، إذ جعلوا المنطق وسيلة للإستدلال ، وبالمنطق بحثوا علم الكلام لدى المتقدمين فخالفوا الكثيرين منهم بالإستدلال المنطقي ، وردوا بالمنطق على بعض التأثيرات الفلسفية لدى المتكلمين الأوائل ، وردوا على الفلاسفة ، وهذه طريقة المتأخرين من علماء الكلام ، وأولهم الغزالى ثم إبن الخطيب .. ثم توغل من جاء بعدهم في الفلسفة ، وخلطوا بين الفلسفة وعلم الكلام ، مع ما بينهما من فوارق .

بين الفلسفة وعلم الكلام

    ومنهج البحث مختلف بين المتكلم والفيلسوف ، فعلم الكلام ينظر في الكائنات وأحوالها ليستدل بها على وجود الله وصفاته أما الفلسفة فتنظر في الكائنات من حيث الحركة والسكون .وتنظر الفلسفة في الإلهيات على أنها الوجود المطلق وما يقتضيه لذاته ، أما علم الكلام فيبحث العقائد من حيث الإستدلال عليها عقليا ووجوب الإيمان بها قلبيا ولرفع الشكوك والبدع . وما لبث أن وقع الإختلاط بين الفلسفة والكلام عند المتأخرين كما حدث لدى البيضاوي في كتابه " الطوالع ".

رأي إبن خلدون في ضرورة علم الكلام في عصره

    ويرى إبن خلدون أنه لم تعد ضرورة لعلم الكلام في عصره إذا انقرضت المبتدعة والملاحدة ،وقد رد عليهم الأئمة ، ولكن علم الكلام يفيد آحاد الناس وطلبة العلم في حججه النظرية في الدفاع عن العقائد ( السنية بالطبع ).!.  

اجمالي القراءات 12921

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 3707
اجمالي القراءات : 30,318,384
تعليقات له : 4,116
تعليقات عليه : 12,448
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي