ولكن سيكون وزيرا:
رسب ابنى فى الامتحان

منيرة حسين في الإثنين 30 مارس 2015


قالت لى ثائرة  : رسب ابنى فى الأمتحان مع أننا لم نبخل عليه بشيء .. غرفة مريحة له فى الشقة ،أفضل الكماليات ، دروس خصوصية ،ومصروف جيب مناسب ، وكل ما يطمع فيه من الطعام والنزهة وأحدث الملابس. ومع ذلك رسب فى الأعدادية ..

  قلت لها : قد يكون مستوى ذكائه تحت المتوسط ومهما أجتهد فلا ذنب له ..

قالت : كلا ..  إن مستوى ذكائه مرتفع ، وليس له مشكلة من أى نوع .. فنحن أسرة متفاهمة وهو يأخذ حقه من الحنان والرعاية ،وليس عليه إلا أن يذاكر ويجتهد ، ولكن كلما أسترق النظر إليه أجد عينيه على الحائط ، وهو ينتهز الفرصة ليهرب من المذاكرة بأي طريقة.. كما لو أن الجلوس أمام الكتاب تعذيب له ..

   قلت لها: أجلسى معه وأنصحيه وحدثيه عن المستقبل الذى ينتظره إذا إجتهد ، أنك وابوه لن تعيشا له إلى الأبد ..كونا له أصدقاء  ..

   قالت :فعلنا هذا وأكثر . وهو بالمناسبة ولد مهذب ومؤدب وذكى . ولكن لا ندرى سبب تلك الخصومة بينه وبين المذاكرة ولا ندرى ما ذا نفعل له .

   وسكتت قليلا وتنهدت، وقالت :

أبوه بني نفسه بنفسه . كان  من أسرة ريفية فقيرة ، أبوه فلاح واخوته فلاحون ، ولكنه كافح وتعلم . إنتزع التفوق فى الدراسة من بين أنياب الفقر . ظل حتى الثانوية وليس له سوى قميص واحد ، ولم يلبس بدلة كاملة إلا بعد الوظيفة ، ولم يعرف الأستذكار فى الكهرباء إلا فى الكلية ، لم يذق وجبة دسمة شهية إلا بعد الزواج ، لم يخرج فى رحلة أو نزهة إلا بعد الخطوبة .. حتى بعد أن تزوجنا عشنا كفاحا مستمرا قبل مولد هذا الابن الوحيد ، حتى وصل أبوه  إلى ما وصل إليه . أبوه يريد أن يوفر على أبننا كل هذه المتاعب ، ولهذا نهيىء له كل السُّبُل كى يتفوق ، وعليه  أن يتفوق على الجميع كما كان أبوه فى شبابه . عليه أن يعيد تاريخ أبيه وأكثر .. ولكن خاب رجائى فيه .. ماذا بيدنا أن نفعل له أكثر مما فعلنا ؟

    قلت لها : أبوه نتاج عصره ، وأبنكما نتاج عصر مختلف . ولكنكما أيضا مسئولان بعض الشيئ عن رسوب أبنكما..

ظهر الهلع على وجهها .

قلت : أرجو أن تستمعى إلى النهاية  .

 قلت :  زوجك نشأ فى بيئة حرمان ، وقهر الحرمان بإن جعل له  هدفا هو أن يتعلم وأن يتفوق ، وإلا فليس أمامه إلا أن يعمل فلاح أجيراً فى ارض الغير مثل اخوته وابيه .. والد زوجك لم يحاول أن ينصح ابنه بالمذاكرة ، بل ربما لم يقل لك أمرا بالمذاكرة .. فالواقع أمامه هو الذى كان يدفعه للمذاكرة .. ليس مجرد الحرمان والرغبة فى الخروج منه ، ولكن يضاف إلى ذلك أمل فى مستقبل مشرق حين يتخرج فى الجامعة متفوقا فيجد فرصة أمامه حيث لا مجال وقتها للواسطة أو المحسوبية ، وحيث يستطيع ابن الحرمان أن ينال حقه بالتفوق وينزوى ابن الأكابر صاغرا لأنه لم ينجح أو لم يتفوق . كان ذلك فى الستينات . عصر نهوض أبناء الفلاحين والعمال لأقتناص فرصة التعليم والتفوق . وأنتهى هذا فى عصرنا . فقد تضخم عدد الموظفين فى الأرض وتضاءلت مرتباتهم وانخرطوا فى فئة الفقراء مستحقي الزكاة ـ إذا كانوا شرفاء بالطبع ـ ولم تعد الدولة قادرة على توظيف المزيد حتى بتلك المرتبات الهزيلة ، وأصبحت الوظائف المميزة بالأختيار والواسطة ومحجوزة مقدماً لأبناء الصفوة والأكابر والأغنياء القادرين على الرشوة . وهم غير المحتاجين أصلا للمرتب . بالنسبة لهؤلاء أبناء الذوات ليس مهما أن كان متفوقا أو متخلفا .المهم أن يكونوا عنصرا فى الفساد ، وتطبيق مبدأ " فتح عينك تأكل ملبن " ، و" وشيلنى واشيلك " .

أما الفقراء فليس أمامهم إلا التبطل أو التطرف

وقلت لها :  أن التعليم جعل ابناء الفقراء أكثر وعيا بالحرمان الذى يعيشون فيه وأكثر وعيا فى الأمل الذى ضاع فى المستقبل لأن التعليم بالنسبة لهم لم يكن ترفا وإنما مهنة تتيح لهم وضعا أفضل إجتماعيا وإقتصاديا وإذا إنخفض أو أنعدم العائد الأقتصادى فى الشهادة الجامعية أصبحت عند الفقير لا تساوي قيمتها الورقية . لهذا فقد أصبحوا يحلمون بالسفر وترك هذا البلد حتى لو إنضموا الى داعش . الحرمان الذى كان يدفع الفقراء فى الستينيات الى التعليم والتفوق والصعود من طبقة العمال والفلاحين الى طبقة الأفندية والوزراء والمثقفين ، اصبح هذا الحرمان دافعا للتطرف والانتحار نقمة على الاستبداد والفساد .

  قالت : وما دخل أبنى بهذ كله .

قلت : ابنك لم يعرف الحرمان وليس لديه الدافع أو الرغبة فى وضع أفضل لأنه أصبح بفضل والده فى وضع أفضل .. وهو ينتظر من ابيه فى المستقبل أن يوفر له الوظيفة بنفس قدرته  على توفير كل متطلباته ، وهو يعلم أن والده لن يبخل عليه بذلك وهو فى موقعه الهام ، فلماذا يجتهد ويتعب نفسه .؟.  إنه ينتظر من أبيه أن يواصل طريقك فى الأجتهاد فى وظيفته والترقى فى المناصب حتى يصبح وزيرا وعندها سيجد أمامه أفضل الوظائف والمشروعات حتى ولو لم يحصل على الأعدادية ..

وخرجت صاحبتى مسرعة  ولم تُعقّب على كلامى..

وأيقنت أن زوجها سيعمل جاهدا ليكون وزيرا عما قريب .سيكون الباشا الوزير  من أجل عيون إبنه البيه الصغير .

اجمالي القراءات 7911

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2008-02-13
مقالات منشورة : 30
اجمالي القراءات : 381,117
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 54
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt