العلمانيّة والدفاع عن الجهل المقدّس:
عن الدولة والصلاة في جامعٍ فارغٍ

امارير امارير في السبت 24 يناير 2015


عن الدولة والصلاة في جامعٍ فارغٍ

العلمانيّة والدفاع عن الجهل المقدّس

نحن نعيش أوج عصر التفاهة، حيث عقد الزواج أهم من الحب، مراسيم الدفن أهم من الميت، اللباس أهم من الجسد، وقدّاس الأحد أهم من الله .                  إدورادو غاليانو

 

في رحلةٍ لإعادة قراءة العالم الذي نعيش داخله، نحاول المسير بمفردنا نستكشف خبايا الجامع الفارغ الذي جعلته الدولة فارغاً كونها تريد أن تملأه بما تريد أن يجد المصلّين داخله، ما تريده فقط، هنا نكتشف أن الجامع ليس ملكاً لأحد وأن العلمانيّة أضحت شرطٌاً ملحٌّاً من شروط الحداثة اليوم حتّى يتحرر الجامع ويفتح أمام الناس بعد أن كان موصداً أمام الجميع يفتح بابه فقط أمام المصلّين وهؤلاء ليسوا هم الناس جميعاً، العلمانيّة في واقع الأمر شرطٌ من شروط  استمرار الدين والحفاظ على حالة التديّن كحالةٍ فرديّةٍ مستقلّةٍ عن أي سلطة كون الجماعات الدينيّة في الأساس أصبحت بعد ثورة المعلوماتيّة وانهيار حواجز التواصل المعرفي، أصبحت حرّة غير مقيّدة بحدود الدوّلة أصلاً، فالعولمة أرغمت الأديان على الانفصال عن الثقافة والجغرافيا أيضاً، وفشل الدول الدينيّة ليس بسبب كون الدين فاشلاً أو عاجز في حقيقية الأمر، وهذه حقيقةٌ لا مفر من تصديقها سوى عبر بيع الإنسان عقله يقرر المسير بعقل غيره ربّما، حيث أن الواقع تجاوز فكرة الدولة الدينيّة، فكرة كون الدين يدخل داخل إطار مسؤولية أجهزة الدولة، فهذه الأجهزة لا تستطيع أن ترغم جميع المواطنين على أن يكونوا مؤمنين لتقوم بجرّهم نحو الجنّة بالسلاسل!، بسبب مركزي واحد وهو كون كلّ دين بنفسه يحوي داخله الكفار، فالدين الواحد أصبح أدياناً عديدة، وكل دولة تعلن أنها دولة مؤمنة على جانبٍ آخر تعلن أن دولتها الجارة هي كافرةٌ رغم استخدام نفس الأجهزة وذات عنوان الخطاب الديني لكن في الاتجاه المعاكس، وهذه حقيقة لا تعني للمواطنين شيئاً سوى أنهم يفقدون الحق في الدين والدولة أيضاً عندما تتبنى الدولة الدين نفسه.

 

 المسلمون هم هؤلاء جميعاً، أهل الحديث، المالكية، الحنفية، الشافعية والحنابلة ، السلفية, الأشاعرة, الماتريدية, أهل العقل، المعتزلة, الصوفية, الإباضية، الشيعةالزيدية،الإمامية، الإثنا عشريةوالإسماعيلية، والقرآنيون أيضا بل وآخرون، والمسيحيّون هم الكاثوليك والأرتودوكس والبروتستانت والكنيسة المشرقية المستقلة أيضاً وآخرون، وتتشعب اليهوديّة بين الأرثودكس واليهوديّة الإصلاحيّة واليهوديّة المحافظة وآخرون، كل هذا بعيداً عن التشعبات والتفاصيل القاتلة بين كل هذه الطوائف في الأديان الثلاثة والتي تعلن التناقض والتناحر بل والعداء المفرط بينها جميعاً بفروقها العقدية والفقهيّة والروحانيّة أيضاً، بل أن حتى البوديّة والتي كانت فلسفة لتصبح ديناً تتفرع وتتكاثر إلى أكثر من طائفة وجهة وعنوان فمنها المهايان، الهينايان والواجرايان، لكن السؤال المركزي هو لماذا تستهوي السلفية الشبان في أوروبا، ولماذا تحوي القاعدة والجماعات الجهاديّة أكبر نسبة مئويّة من المتحولين الى الإسلام من دول الغرب ؟، وفي اتّجاه آخر لماذا يصبح عشرات الآلاف من المسلمين في آسيا الوسطى وشمال إفريقيا والشرق الأوسط في العلن والخفاء أيضاً مسيحيّين، في أفريقيا يعتنق المسيحية 6 مليون مسلم سنوياً ؟، ولماذا تحقق البوذيّة انتشاراً واسعاً في أوروبا كأكبر دين نامي في القارة بل في استراليا أيضاً من حيث الزيادة المئوية والتي وصلت بنسبة نمو بلغت 79.1% بين الأعوام 1996 إلى 2001؟، وفي اتجاه آخر لماذا تنمو الكنيسة البروتسانتية في كوريا الجنوبيّة أكبر نموٍّ لها في العالم أجمع ؟، يجب أن نفتح أعيننا لنرى العالم على حقيقته، لنكتشف أن العلمانية أضحت سيرورةً تاريخيّةً، العلمانية لا بمعنى الضد للدين، بل بمعنى أن الدولة لن تستطيع احتواء المواطنين ومحاصرتهم وفق هويتها الدينية كون هذه الهوية غير ثابتة إلا في حال قررت الدولة الدينية نفسها التخلي عن المواطنين أنفسم .

 

إن الرقابة على الضمير أمرٌ مستحيل، والدولة ليست سوى قانوناً لا يهتم بعدد من يدرس النصوص الدينيّة أو من لا يكترث بها أصلاً، لا يمكن للدولة أن تحرص على قبول صلوات المواطنين أو دعائهم لأنه أمرٌ لا يخصّها أولاً ولا تستطيع أن يجعله يخصّها أيضاً، في الولايات المتحدّة أعلن سنة 2001 ما يقارب 15% من الأمريكان أنهم غير مؤمنين بأي دين، بينما ازداد عدد الكاثوليك في أمريكا سنة 2006 رغم انحدار عدد طلاب المدارس الكاثوليكيّة من 94000 سنة 1965 الى 4800 فقط سنة 2002 حسب مقال نشر في الواشنطن بوست في 12 سبتمبر 2006، يتحدث أن السبب ليس النمو الديني بل بسبب ( أسبنة ) أمريكا، كما يرد في الجهل المقدس، زمن دين بلا ثقافة لأوليفيه روا، وهذا سبب لا علاقة له بالدين أو التدين بل بسبب التحول الديموغرافي الحاصل في الولايات المتحدة نفسها، وهو نفس الحال في أوروبا حيث ينمو الإسلام ديموغرافيّاً وسبب ظهوره إلى العلن لا بسبب طغيانه في واقع الأمر بل بسبب علمانية الدول في أوروبا وكون الطقوس الدينية في الإسلام طقوس تتبنى فكرة الممارسة العلنيّة كالصلاة والصوم خلاف بقية الأديان، وهذه فكرة أخرى .

 

نعم فالعلمانيةّ أعطت انتعاشا للدين أكثر بكثير مما أعطته الدول الدينيّة لذات الأديان، فالأصوليّة التي أصبحت عنوان التديّن في واقع الأمر مصيرها الانهيار أمام حقيقة أن الطريق التي يسير فيها متجها نحو الدولة الدينيّة المشروع المعلن، سيوصله في نهاية المطاف إلى حتفه، الأصوليّة التي تنمو في الغرب عندما عادت الى حضن الدول الإسلاميّة أنتجت حقيقةً مفادها أن المواطنين في هذه الدول نفسها غير محتاجين لهذه الأصوليّة مقدار احتياجهم لدولة علمانيّةٍ تحمي الدين من الأصوليّة، وما يحدث في منطقة شمال إفريقيا تحديداً وليبيا بالخصوص دليل على عجز هذه الأصوليّة كون مشروع الدولة الدينيّة في واقع الأمر مشروع يفتقد إلى شيء مهم، ألا وهو الزمان المناسب الذي لن يأتي منذ تم لحظة اختراع المحرك البخاري وصولاً إلى لحظة انطلاق شبكة الإنترنت وتحول العالم إلى مجرد قريّة يستطيع الجميع معرفة ما يحدث في بيت جاره الذي يسكن في قارةٍ أخرى، ولتكون العّلمانيّة هي السبب في فتح الباب أمام الدين بمفهوم الحداثة في وجه الدين بمفهوم الموروث، فالديني التقليدي بطبيعته يفضل البقاء في جزيرةْ نائيةٍ كون العالم مليء بالأسئلة المحرجة والتي لم ينمو نموا ملحاً في اتجاه الإجابة عنها، ولنا في حالة السلفية التي بقيت رجعيّةً تحاول التعايش دون فائدةٍ مع التطور والثورة المعلوماتيّة التي جعلت الإنسان يجتاز حواجز الزمان والمكان، تلك الحواجز التي لم تستطع دائرة الفقه السلفي تجاوزها، فخرجت فتاوى المطاعم الحلال في الدول الغربيّة لحل مشكلة لا مبرر لها أصلاً سوى عدم قراءة القرآن نفسه : {  وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ  } المائدة 5 ، وسقط الفقه في معضل أزلي يستحيل حلّه إلا بالخروج من الفقه نفسه حول مشكلة مواقيت الصلاة والصوم في دول اسكندنافيا والقطب الشمالي حيث لا غروب ولا شروق لمدة تجعل الصلاة نفسها والصيام مهمّة يستحيل تنفيذها بسبب الجغرافيا نفسها، كون العلاقة بين الدين والجغرافيا لم تتحقق كاملة منذ تم احتكار الدين نفسه في بديهيّات ثقافيّة مرتبطة بجغرافيا الشرق الأوسط تحديداً عند الحديث عن الأديان الثلاثة اليهوديّة، المسيحيّة والإسلام، رغم كون هذه الأديان الثلاثة وبدرجاتٍ متفاوتةٍ أيضاً تعلن غياب الصفة الإقليميّة عن أتباعها، وهذا جزء من تناقضاتٍ لم يبحث احدٌ من رجال الدين عن حلّ لها. 

 

ما حدث بعد دخول عصر العولمة هو أن أصبحت الهويّة نفسها قادرةً على الهجرة بسهولة لم يحدث لها مثيل في التاريخ البشري، حيث أصبح انتقال الأفكار، المواد الثقافيّة، المفاهيم الموجهة للاستهلاك العام والخاص أمراً أكثر سهولةً من صنعها، لكن المشكلة في الدين التقليدي كونه بدلاً من أن ينمو ويتحرر من الدولة نفسها بل ومن الهوية أيضاً وينتشر مستفيداً من عوامل الانتشار هذه، إلا أنه كثيراً ما بقي يحاول البقاء في حالة كونه طائفةٍ تعلن العداء الدائم للآخر، والآخر هنا قد يحوي الجميع بما في ذلك الأنا التي تحمل لوناً أخر فقط، وهذه مشكلةٌ سار الخطاب التقليدي لحلّها نحو إعلان تحول الدين نفسه إلى هويّةٍ بيولوجيّةٍ يستحيل الخروج منها لتظهر لنا مسميّات جديدةٌ داخل الخطاب الديني نفسه كالمسلم العاصي أو اليهودي اللا أدري أو المسيحي الملحد والتي يطلقها الخطاب الديني على غير المؤمنين من أبناء المؤمنين بالدين نفسه ، حث تحاول الجماعة الدينيّة الحفاظ على حجمها البيولوجي، لدرجة تجعل فقيها في قناة إسلاميّة يتحدّث مفتخراّ وبسعادةٍ مفرطة في السذاجة عن رجل مسلم يعاقر الخمر ويرتكب كل المحرّمات لكنّه يشتاط غضباً ويدافع بكل قوّته عن الإسلام أو رجال تاريخه، في إعلان فجٍّ مفاده أن الدين نفسه أنفصل عن القيم التي أتى لأجلها، ألا وهي قيم الأخلاق بالدرجة الأولى، والفصل بين ما هو ديني وما هو إنساني وكأن الدين أصلاً هو ضد الإنساني !.

 

أما المقصد من العلمنة فهو الفصل بين الدين والدولة كون الدولة أصلا لا تستطيع أن تحاصر المواطنين أو تحاصر الدين داخلها أو خارجها أصلاً، العولمة حطمت الحدود وألغت العلامات الثقافية والجغرافية للدين فأصبح حراً في ذاته وتحولت الخصوصية التي يفرضها مفهوم الدولة أصلا منافي لقدرتها على فرض دين على مواطنيها، العلمانية ستأتي من الداخل لا من الخارج ، حيث ان الدين أصبح عابراً للحدود والدولة بطبيعتها محصورة داخل هذه الحدود، المقصود بالعلمانية هو فصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية وفي العالم الذي يعتنق فيه الأغلبية الإسلام كدين وجزء من الثقافة العامة أيضاً ليست الوهابية سوى دليل على أن الدولة عجزت في تكوين هوية دينية داخل حدودها محصورة بها، فالهوية الوهابية هوية داخل هوية الدولة معاكسة لها تقف ضدها بل تقف ضد المجتمع نفسه لتخلق ما يشبه المجتمع البديل داخل مجتمع الدولة نفسها، كونها لا تعترف بحدود المواطنة/الجغرافيا والرابط بين المنتمين إليها هو الإيمان الذي لا علاقة له بجواز السفر، ومثلها البوذية والمسيحية بل وحتى اليهودية في حال تمكنت الأخيرة الفرار من براثن الصهيونية والتي تعتبر هي وهي فقط من استطاع المزاوجة المستحيلة بين الدين والدولة .

 

العالم يسير الى الأمام، ولا مكان للمتقهقرين إلى الوراء إلا البقاء خارج هذا العالم في جزيرةٍ نائيةٍ لا مكان فيها للإنسان كإنسان، والدين يجب أن يتحرّر من سلطة الدولة كي يستمر في النمو ولا ينهار بين أيدي الأصوليّين والمتطرفين الى الهاوية، كما يجب على الدولة أن تنزع عنها رداء الدين الذي إذا حاولت أن ترتدي فإنها ستنزعه عن مواطنيها، إنها محاولات بائسة تقوم بها بعض الدول لأجل محاصرة المواطنين داخلها والدين خارجها، فتجريم التبشير في إسرائيل وإقرار عقوبة بالسجن لخمس سنوات لليهودي لذ يتبنى المسيحيّة، كما هو حال قرار تجريم ذات التبشير في الجزائر سنة 2006، بالإضافة إلى التجريم الغير معلن لذات الأمر في ليبيا والذي نتج عنه اعتقال شاب إفريقي فقط بسبب كونه يحمل الإنجيل في جيبه قبل سنوات في طرابلس، ومظاهرات مدينة درزدن الألمانية التي قام بها نشطاء حركة بيغيدا ضد أسلمة أوروبا في نوع من الحراك الصبياني المناقض لمفاهيم وقيم أوروبا الحديثة نفسها، بالإضافة إلى قوانين تجريم إهانة المقدسات والذي تستخدمه بعض الدول بل الكثير منها لأجل فرض سطوة خطاب ديني بعينه يحدد ماهية المقدس من الغير المقدّس، كل هذه الأفعال في واقع الأمر هي أفعال صبيانيّة تقف ضد التاريخ، الإنسان، الدين والدولة أيضاً، لأن الوقوف أمام سيرورة التاريخ وتفاعل المجتمع والواقع الذي يعيش داخله، خصوصاً في عصر أصبح العالم كله مجتمعاً واحداً في حال استثنينا كوريا الشمالية طبعاً، هذا الوقوف سيؤدي الى الخروج من التاريخ نفسه، أو كما يقول آدم سميثفي كتابه ثروة الأمم : ( ... من مصلحة المجتمع ككل ومصلحة الحكومة على وجه الخصوص على المدى الطويل السماح للناس باختيار دينهم بحريّة لأن ذلك يساعد على منع الفتن المدنية و تقليل التّعصّب , سيكون الجميع مضطر إلى تعديل تعاليمهم الصارمة والأكثر إثارة للجدل طالما أن هناك أديان وطوائف دينية مختلفة وذلك ليبدو أكثر جاذبية للمزيد من الناس وبالتالي كسب معتنقين جدد في وقت بسيط , المنافسة الحرة بين الطوائف الدينية للمعتنقين هي التي تضمن الهدوء والاستقرار على المدى الطويل ).

 

 

Top of Form

اجمالي القراءات 5277

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2011-12-23
مقالات منشورة : 42
اجمالي القراءات : 362,388
تعليقات له : 14
تعليقات عليه : 55
بلد الميلاد : libya
بلد الاقامة : libya