في ظل اجندات بن عمر..:
اليمن.. سلطة صادرتها المليشيات وطموحات مُكبلة على بوابة التغيير

حافظ الوافي في الإثنين 08 ديسمبر 2014


منذ انتهاء اليمنيين من مؤتمر الحوار الوطني في كانون الثاني (يناير) من العام الحالي والذي كان يعلق اليمنيين على مخرجاته قناديل آمالهم واتضح ان الحوار لم يكن سوى استراحة محارب، دخلت اليمن بعده فصلا جديدا من الفوضى التي اعقبت الربيع العربي في 2011 تزامن ذلك مع التمديد لفترة حكم الرئيس عبدربه منصور هادي.

الرئيس هادي  لا يتقن لعبة التوازنات كسلفه علي عبدالله صالح الذي كان يوصف بالراقص على رؤوس الثعابين رغم انه كان يحظى بما لم يحظى به اية رئيس قبله من دعم دولي واقليمي وتأييد شعبي واجماع القوى السياسية عليه  وما منحته المبادرة الخليجية من صلاحيات تجعله المرجع في كل قضية شائكة وقرارته هي الفيصل في القضايا التي لم تتفق عليها القوى الا ان الرئيس هادي احرق كل اوراق اللعبة السياسية دفعة واحدة وبدى صفر اليدين ورئيس ميت سريرا او تحت الاقامة الجبرية او كما وصفه المبعوث الاممي لليمن جمال بن عمر بانه " لا يصغي لأحد ويصحوا بعد الثالثة عصرا"..

 منذ اجتياح جماعة الحوثي للعاصمة صنعاء في 21 سبتمبر الماضي صادرت المليشيات القرار السياسي في البلاد وصارت الحكومة اليمنية  والسلطة السياسية ومؤسسة الرئاسة مجرد دمى بيد المليشيات وصار اليمن مهددا بالانفصال اكثر من ذي قبل واستغل تنظيم القاعدة  الفوضى في انتشار عناصره فيما تتارى تساقط المدن تباعا بيد العناصر المسلحة..

·        حامل الثورة مولود سفاح..

منذ اغتيال الرئيس اليمني/ إبراهيم الحمدي في عام1977م ظلت الدولة المدنية في اليمن حلماً ينشده اليمنيين دون جدوى..

رياح التغيير التي هبت بفعل عاصفة الربيع العربي لم تستثني اليمن؛ إذ علق اليمنيون قناديل تطلعاتهم المستقبلية في التغيير المنشود على ثورة 11 فبراير 2011 السلمية التي قادها الشباب والنشطاء في البلاد.

هذه الثورة وضعت أهدافاً تمثل اللبنة الأساسية لبناء دولة مدنية حديثة يسود فيها العدل والمساواة والمواطنة المتساوية ولا نفوذ فيها إلا للدستور والقانون، لكنها اصطدمت بصخور صلبة من العوامل بدأت بوجود أحزاب سياسية مسيطرة على المشهد السياسي في البلاد وإن كانت هذه الأحزاب قد منحت بفعل ضعف دورها، نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح عمراً لعقود من التراجع وتدهور عوامل نجاح بناء الدولة.. إلا أن هذه الأحزاب مثلت أُطر وقنوات رسمية يتعاطى المجتمع الدولي والمحيط الإقليمي من خلالها في كل ما يخص الأزمة اليمنية، لتبدو بمثابة حامل شرعي للثورة الشبابية وإن كان هذا الحامل ولد سفاحاً إبان أحداث2011م.

أحزاب المشترك استطاعت عبر أعضائها في الساحات السيطرة على التنظيمات واللجان لتقنع الشباب بعدم الهرولة وراء مبادرات صالح بتسليم السلطة للشباب، تحت مبرر أن تلك المبادرات من باب المراوغة المعهودة من صالح، على الرغم من أن قادة الأحزاب باتوا يدركون حينها أن صالح أصبح أكثر جدية من أي وقت مضى في تسليم السلطة، لذلك اغتنمت الأحزاب الفرصة لتهرول باسم الثوار كطرف  ثاني في توقيع المبادرة الخليجية؛ وهو ما كان تدشيناً للالتفاف على الثورة الشبابية.

·        مبادرة الخليج معيقة..

مبادرة الخليج التي رعتها السعودية أفرزت تسوية سياسية تمخض عنها مؤتمر حوار وطني وتشكيل حكومة محاصصة، كانت هي الأخرى إحدى معيقات ثورة التغيير التي تحتاج تنفيذ أهدافها لحكومة كفاءات وطنية قادرة على السيطرة على الوضع وكبح هرولة الانفلات الأمني والتدهور الاقتصادي، غير أن عجز حكومة الوفاق عجزت في تحقيق أدنى تطلعات الثوار، إضافة إلى تفشي ظاهرة الفساد في عهدها بشكل أكبر من ذي قبل.

التسوية السياسية بقدر ما حملت حلول ومعالجات للأزمة اليمنية، حملت أيضاً امتيازات أعادت النظام السابق إلى المشهد السياسي كشريك في السلطة وجعلت منه قوة مؤثرة في البلاد، كما أعطت الشرعية السياسية لقوى جديدة بدت أكثر نفوذاً ميدانياً وسياسياً كالحراك الجنوبي وجماعة الحوثي التي دخلت الحوار كقوة عسكرية، وإن كان ذلك يتنافى مع مبدأ التحاور الذي ينبغي أن يشمل قوى سياسية ونخب مجتمعية مدنية تؤمن بالسلم..

انقسام الجيش هو العامل الآخر الذي ساهم بشكل كبير في اعاقة أهداف الثورة ومسيرتها، حيث أدى هذا الانقسام مع ضعف الأجهزة الأمنية، إلى تدهور الأوضاع أمنياً وخروج مناطق عن سيادة الدولة لتؤول إلى قوى ذات خلفيات مناطقية وطائفية، الأمر الذي أدى إلى بروز أطر مناطقية ومذهبية بنشاط سياسي ونفوذ عسكري قبلي توزي قوة الأحزاب ونفوذها، خاصة بعد أن أصبحت هذه القوى المنافسة محل استقطاب من قبل الأحزاب السياسية في إطار كسب التحالف معها لاستخدامها في معركة الخصومة السياسية..

تنظيم القاعدة باليمن لم يتوسد مخدة النوم في ظل هكذا أوضاع ماردية باليمن؛ إذ استغل هذه التداعيات السلبية لتنفيذ هجمات واعمال إرهابية مثلت هي الأخرى عائقاً آخر فيما الدولة لم تجعل من الحرب على الارهاب اولوية يمنية بقدر ما جعلتها اولوية اميركية تنفذ بأدوات يمنية، بالاعتماد على الخيار العسكري وتجاهلت تبني استراتيجية وطنية لمكافحة التطرف وتجفيف منابع الارهاب..

·        الرئيس يتسول الشرعية..

تسول الرئيس هادي بقاء شرعيته من دول الخارج للاستقواء بدول غربية في فرض عمر فترة حكمه، أدى إلى التفريط بالسيادة اليمنية، من خلال انتهاكات لم تشهدها البلاد في العهد السابق ؛ الأمر الذي عمل على تعقيد الأزمة اليمنية وخلق مشاكل أخرى معقدة كما ساهمت الغارات الأميركية في خلق عوائق جديدة أمام أهداف الثورة الشبابية لتظل هذه الاهداف كطموحات مكبلة على بوابة التغيير.

إن عجز الأجهزة الأمنية وقوات الجيش عن القيام بدورها في السيطرة على الفوضى، أدى إلى اللجوء للجان يقودها وسطاء قبليين لحسم كثير من المشاكل في البلاد، ما شكل دعماً لنفوذ القبيلة وتراجعاً للدستور والقانون..

ولعل بقاء مراكز القوى السياسية والعسكرية والقبلية القديمة عمل على بروز ما يشبه الدولة العميقة باليمن، من خلال تفشي ظاهرة التهريب بمختلف أشكاله وعلى رأسها تهريب السلاح..

كل هذه العوامل كانت بمثابة صخور صلبة أمام عربة التغيير باليمن.

اليوم ينتظر اليمنيون تنفيذ مخرجات الحوار وسط مخاوف من فدرلة الدولة على أساس مناطقي وطائفي وجهوي بعد أن تضمن مؤتمر الحوار تمثيل  فئوي وجهوي بالمشاركة فيه..

وخرج اليمنيون من الحوار في وقت لازالت مناطق يمنية خارج سيطرة الحكومة المركزية وتزايد أعمال الاغتيالات والاختطاف والفوضى والتخريب وأعمال العنف تستعر في مدن جنوبية وفي مناطق محيطة بصنعاء ولاسيما الواقعة على شمال العاصمة..

·        الرصاصة الأخيرة في قلب الثورة..

ولعل التمديد لنظام الرئيس هادي وفترة حكومة الوفاق، مثل الرصاصة الأخيرة في قلب الثورة اليمنية، باعتبار ان بقاء النظام الحالي والحكومة الراهنة تمديدا للوضع القائم وسببا لتناسل معوقات أخرى كفيلة بالقضاء على ما تبقى من رمق الثورة .

هذا العنف الدموي المتزايد بالبلاد ينذر بمستقبل قادم بالويلات وبمخاوف قاتمة.. ما لم يستأنف الشباب الفعل الثوري بشكل أكثر تقدماً من خلال وضع برنامج ثوري لتحقيق كافة أهداف الثورة السلمية وإقامة الدولة المدنية التي يتطلع لها اليمنيون؛ بحيث يشكل هذا الفعل الثوري كقوة موازية للقوى السياسية ومشروع التسوية السياسية التي يرعاها المجتمع الدولي؛ وذلك في سبيل تطبيق مخرجات الحوار وفق الأهداف المرسومة للثورة، وعبر تشكيل شباب الثورة لهيئات رقابية على تنفيذ أهداف التغيير وتحقيق الإنجازات بحيث تكون هذه الهيئات قادرة على تحريك الشارع للضغط باتجاه تغيير أي مسؤول لا تتجاوز نسبة نجاحه في الإصلاحات 80% كون المرحلة لم تعد تحتمل الفشل اضافة الى أهمية عدم الاعتراف بأي مبررات تسوقها المناكفات السياسية لتجعل من قوى سياسية شماعة لفشل مسؤول ما، كون النجاح يعتمد على قدرة الشخص أو الجهة أو التنظيم على تطويع الواقع المعقد وليس المضي في طريق اسفلتية ممهدة، إذ أن البديل للمسؤول الفاشل سيكون قادراً على تطويع الواقع ما لم يكن كذلك سيكون هناك بديل آخر، كما لابد أن يتزامن مع تشكيل هذه الهيئات، استكمال هيكلة الجيش والأمن على أسس علمية.

تستمر الدماء والانفلات الامني والرئيس يحرك ماء في القدر يمني اليمنيين بأحلام يدركون انها لن تتحقق على يديه كما فقدت القوات المسلحة ثقتها فيها كقائد اعلى وخاصة انه تعهد مرارا "ان دماء الجنود لن تذهب هدرا" ولكن دون جدوى؛ حيث استخدم الرئيس سياسة مهادنة الجماعات المسلحة فيما لم يعر اهتماما بضحايا الجيش والامن.. الرئيس هادي يحاول من هذا كله امتصاص الغضب الشعبي الناجم عن المذابح النكراء وسقوط المدن ويحاول الانحراف بهجمة الانتقادات لسلطته والقيادة العسكرية العلياء بجعل الجنود لقمة صائغة للإرهابيين بعدم توفير حتى وسيلة نقل آمنة للجنود كالطيران جوا في ظل الحرب المفتوحة من الارهاب حيث ذبح 16 جنديا بأيدي عناصر القاعدة بحضرموت جنوب شرقي البلاد، وما احدثته القاعدة من تقدم في تنفيذ هجمات  ارهابية نوعية استهدفت مؤسسات ومقرات عسكرية وامنية سيادية كان نتيجة استمرار السلطة القائمة بقيادة الرئيس هادي في ممارسة حربها ضد الارهاب بشكل دعائي وإعلامي قاصر دون أن تتحول إلى حرب فعلية شاملة لاجتثاث الارهاب وتجفيف منابعه.

·        أجندات بن عمر وتشكيل مجلس عسكري بديل لهادي..

اليمن اصبحت ساحة لصراعات اقليمية ودولية حيث تتبارى القوى الدولية عبر وكلائها المحليين بالبلاد، وفي ظل ضعف السلطة في اليمن تزعزعت ثقة المجتمع الدولي والدول الغربية بالأجهزة الحكومية اليمنية وعمدت الادارة الاميركية في حربها على الارهاب على التنسيق استخباراتيا وعسكريا مع المليشيات بدلا عن الدولة وهو ما نراه حاليا في الحرب على الارهاب في محافظة البيضاء مؤخرا كما زادت قوة التدخلات الاميركية والايرانية في البلاد مقابل العمليات النوعية التي نفذها عناصر القاعدة في ظل الانفلات الامني.

ولم تؤتي الاتفاقات التي توقعها الاطراف اليمنية ثمارها في السلام والتفرغ لبناء الوطن، فمنذ السبعينات واليمنيون يوقعون اتفاقات السلم والشراكة ومسودات الوئام ووثائق للتهدئة لكن الأمر المستمر والملموس هو القتل والفوضى والتشظي والانتظار المرير للانهيار المرتقب..

مؤخرا دعا  الرئيس هادي قيادات الجيش اليمني للتطبيع مع مسلحي الحوثي واعتبارهم شركاء، ولعل دعوة هادي تعكس الضعف والهشاشة التي أصبح عليها المنصب السيادي الأول في اليمن وفقا للباحث والكاتب السياسي/ عبدالناصر المودع.

وتعد دعوة الرئيس للجيش بالتطبيع برهاناً واضح على أن الرئيس هادي فقد صلاحيته كرئيس للدولة، والذي من أولى مهامه الدفاع عنها من الجماعات التي تتمرد عليها وتنتزع صلاحياتها.

ويشير الباحث والكاتب السياسي/ عبدالناصر المودع الى الغرض من تحميل صالح المسئولية، لافتا الى  أن هذا الأمر يأتي وفق أجنده، تقوم على تفكيك وإضعاف المنظومة الحاكمة التي كانت تحكم اليمن حتى 2011، والتي يمكن اختصارها في الرئيس السابق صالح واللواء علي محسن وابناء الأحمر وحزب الإصلاح، وهي الأجندة التي نظر لها الحزب الاشتراكي، وتولى تنفيذها الرئيس هادي من خلال موقعه، ويقوم بتسويقها للعالم الخارجي جمال بن عمر - حسب المودع -  وتقوم هذه الأجندة على فكرة تحمل في ظاهرها الخير والصلاح لليمن، كونها تدعي بأن الإصلاح في اليمن لن يتم إلا بتفكيك المنظومة التي كانت تحكم اليمن، والتي يشار لها بمراكز القوى القبلية والعسكرية، وإضعافها أو إلغاء وجودها، ولتطبيق هذه الأجندة تم استخدام ورقة الانفصال في الجنوب، والذي قام الرئيس هادي – بحسب المودع – بدعم الحركة الانفصالية وتصعيد خطابها، واستخدام الحوثي كأداة أو بلدوزر عسكري يكتسح تلك المنظومة ويدمرها. وبما أن الحوثي قد تمكن من إضعاف أحد أجنحة تلك المنظومة (حزب الإصلاح وحلفائه العسكريين والقبليين) فإن الدور الآن على الجناح الثاني وهو الرئيس السابق صالح، والذي يتم تضخيم دوره في غزوات الحوثي، وتحميله مسئولية ما حدث. ويستدرك المودع بالقول أن الرئيس السابق صالح قد ساهم بغباء بتنفيذ جزء من الأجندة، التي تستهدفه، حين تحالف مع الحوثي بشكل من الأشكال للانتقام ممن ساهموا بخروجه من السلطة، غير أنه الآن قد أتى الدور عليه، حيث يقوم الرئيس هادي، وبن عمر باستهدافه واعتباره المسئول عن سقوط صنعاء، فيما المسئول الأول عن هذا السقوط هو الرئيس هادي ووزير دفاعه، والمبعوث الاممي جمال بن عمر، فكل هؤلاء شرعنوا انقلاب الحوثي في الوثيقة والتي يسمونها زورا (وثيقة السلم والشراكة الوطنية) والتي هي ليست إلا بمثابة البيان الأول للانقلاب، وأخطر ما في هذه الوثيقة أنها شرعنت للانقلاب في الداخل والخارج، وأظهرت للعالم وكأن القوى السياسية اتفقت عليها فيما بنودها الأساسية صاغها الحوثي وبن عمر والرئيس هادي، وتوقيع الأطراف الأخرى خاصة حزب الإصلاح لم تكن إلا حالة من حالات الزواج بالإكراه – حسب وصفه – فلا يعقل أن حزب يوقع على وثيقة فرضها الطرف الذي كان ينهب مقراته في نفس اليوم.

ويقول المودع في تصريح لصحيفة "اخبار اليوم" اليمنية إن أفضل بديل في الوقت الحالي هو مجلس عسكري يتولى السلطة، ويعيد الهيبة للدولة بعد أن قام هادي بوعي أو غير وعي بنخر الدولة، وتدمير الأسس التي تقوم عليها.

* عبدالحافظ الصمدي

اجمالي القراءات 3874

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2014-11-05
مقالات منشورة : 49
اجمالي القراءات : 288,231
تعليقات له : 38
تعليقات عليه : 61
بلد الميلاد : Yemen
بلد الاقامة : Yemen