التمهيد لكتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية ) :
بداية التصوف فى تاريخ المسلمين

آحمد صبحي منصور في الثلاثاء 25 نوفمبر 2014


   التمهيد : التصوف عقيدة وتاريخاً

بداية التصوف فى تاريخ المسلمين

 لنضع الأمور في نصابها الصحيح علينا أن نبدأ بالأساس الذي يتناقض فيه التصوف مع الإسلام . كل منهما دين له عقيدة وشعائر دينية . والأديان على تنوعها واختلافاتها  تنقسم إلي قسمين :

ا - دين الله الذي شرعه لخلقه وهو الإسلام الذي جاء به وحي السماء بكل اللغات (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ.).( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ...19، 85 آل عمران)، وهو يعنى الاستسلام الكامل لأوامر الله وحده وبكل اللغات .

المزيد مثل هذا المقال :

2- الدين الأرضي الذي يخترعه البشر ويختلفون فيه حسب الهوى ، فيحرفون فيدين الله ويفترون عليه الكذب ويقدسون مع الله البشر من الرسل والأئمة ، وهذا هو الوثنية بالشرك أو الكفر العقيدى القلبى ، ولا فارق بينهما . ودين الله أسبق في الوجود في التاريخ الإنساني فقد فطر الله البشر على أن يسلموا له وحده (الأعراف 172 ،والروم 30 ) وكانآدم أبو البشر رسولا  لأولاده ( آل عمران 33) وتلاه الأنبياء يقولون نفس العقيدة لا إله إلا الله (الأنبياء 25)، ولكن باللغة التي ينطقونها ( ابراهيم 4 )، ثم قيلت باللغة العربية في الرسالةالخاتمة.( الشعراء 195 )

3 ــ وهناك قصة للصراع بين عقيدتي الإسلام الخالص والوثنية المشركة تكررت في تاريخ الأنبياء؛ فنوح عليه السلام تحمل الأذى حتى انتصر في النهاية ومعه قلة مؤمنة نجاها الله منالطوفان ، وتدور الأيام ، ويعود الشرك الوثنى إلى قلوب الأحفاد من الذرية مرتبطا بالبغى على الرسالة السماوية وبوقوع الاختلاف بين الناس فيرسل الله رسولا آخريلقى نفس الأذى فيصمد، وهو يذكر قومه بما حدث من الأسلاف السابقين (وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ...الأعراف69)، ويهلك الله قوم عاد وينجى النبي هودا ومن آمنمعه ، وتدور الأيام فيكفر الأحفاد، و يأتي منهم نبي جديد هو صالح الذي يقول لقومه (وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ ...الأعراف74)، وهكذا تستمر قصة الصراع بينالعقيدتين ، ينتصر الرسول ، ثم يعود الشرك  الوثنى بالبغى على الرسالة السماوية والشقاق بين الناس ، وتقديس البشر والحجر تحت دعاوى شتى منها حبالرسول نفسه وأصحابه ، حيث يتحول الحب إلى تقديس والتقديس إلى عبادة ، إلى أن يأتيرسول جديد تتكرر معه نفس القصة .

ثم جاء محمد خاتم الأنبياء ــ عليهم جميعا اللسلام ــ  بمعجزة القرآن الذي فصّل كل ملامح الشرك الوثنى ورد عليها، وقد حفظ الله هذا القرآن ليكون حجة على البشر إلىيوم القيامة ، خصوصا الذين كرروا مسيرة الانحراف والقرآن في أيديهم يؤولون آياته ويخترعون مناهج أخرى للدين ما أنزل الله بها من سلطان ، ويربطونها ظلما وزورا بالله جل وعلا ورسوله الكريم .

4 ــ أى إن قصة الصراع العقيدي بين الإسلام والوثنية الشركية لم تنته بانتصار خاتم النبيين عليهم السلام ، وإنما استمرت محاولات العقاند الشركية القديمة للظهور تحت إسم الإسلام ، وتخترع لها أديانا أرضية جديدة كالسّنة والتشيع والتصوف ، تتصارع فيما بينها وتتقسّم فى داخلها ــ شأن أهل الكتاب وأديانهم الأرضية قبل نزول القرآن الكريم وبعده حتى الآن .ـــ وكل منها يحتكر لنفسه الحقيقة المطلقة ويتهم الآخر بالكفر  .

5 ــ صحيح أنه ظهرت فى العصر العباسى الأول فرق فلسفية و كلامية ( أى من علم الكلام ) تبحث وتختلف فى العقائد ، وصيغت فيها مؤلفات فى ( الملل والنحل ) كتبها أبو الحسن الأشعرى و الشهرستانى و ابن حزم وقبلهم المالطى ، ولكن لا نعتبرها أديانا أرضية كالسّنة والتشيع والتصوف ، لأن هذه الفرق ـ وأشهرها المعتزلة والمرجئة ـ لم تزعم الوحى الالهى ، أى لم تنسب أقوالها زورا وكذبا لله جل وعلا أو للرسول فيما يُعرف بالحديث القدسى والحديث النبوى . كانوا يقولون آراءهم وينسبونها لأنفسهم ، ويجادلهم الآخرون على قدم المساواة ، بلا تقديس لإمام وشيخ ، وإعتباره إلااها أو نصف إله ، فظلوا فى إطار الفكر البشرى.

أما الدين الأرضى فيبدأ بزعم الوحى ونسبة تعاليمه وتشريعاته لله جل وعلا وتقديس أئمته وأربابه . وهذا  ينطبق على السّنة والتشيع والتصوف ، فهى أديان أرضية تؤله أئمتها وأولياءها وتنسب أقوالهم لله جل وعلا ورسوله ، وتعتبرها وحيا إلاهيا ، وتتهم من يرفضه بالكفر . غاية ما هنالك أن السنيين والشيعة ينسبون هذا الوحى المزعوم لله جل وعلا ورسوله  عبر إسناد وعنعنة ، أما أئمة الصوفية فيتطرفون فى الكذب، يزعمون أنهم يتلقون الوحى مباشرة من الله جل وعلا بلا واسطة .

6 ــ وبهذا تحقق فى ( المسلمين ) بعد موت النبى محمد عليه السلام بقرنين وأكثر ما أخبر به رب العزة عن أهل الكتاب وبنى إسرائيل الذين إختلفوا من بعد ما جاءهم العلم ( الالهى ) أو الرسالة الالهية ، فبغوا عليه بالتقول أو الوحى الكاذب على الله جل وعلا ورسوله ، وخرجوا بذلك عن ( الاسلام ) الذى هو دين الله جل وعلا :( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)  آل عمران )

7 ــ وقد بدأت أولى المحاولات الشركية للظهور مباشرة بعد موت النبى محمد عليه السلام ، فيما عرف بحركة الردةالتي ارتبطت بإدعاء النبوة والوحي وعلم الغيب ، ومختلطة بعناصر جاهلية عربية كالعصبيةالقبلية  ــ والأنفة من سيطرة قريش وعدم دفع الزكاة ، وبإخماد أبى بكر لحركة الردة كانتفكيره في دفع العرب للفتوحات شغلا لهم عن تكرار قصة الردة ، فأحدثت الفتوحات ردّة أكبر فى تاريخ المسلمين لا تزال قائمة حتى الآن ، فهى التى نشرت ــ ليس الاسلام ــ بل الكفر بالاسلام ، أو الكفر تحت شعار الاسلام ، إذ بسببها تأسست ديانات المسلمين الأرضية وتفريعاتها والتى لا تزال سائدة حتى الآن .

8 ــ كانت الفتوحات العربية عصيانا هائلا لرب العزة جل وعلا الذى ينهى عن الاعتداء الحربى : ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) البقرة) كما كان الاحتلال العربى للبلاد المفتوحة وقهر أهلها وإغتصاب نسائهم وسلب أموالهم وإرغامهم على دفع الجزية ظلما لا يرضاه رب العالمين (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ(108)آل عمران )( وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ (31) غافر)،والله جل وعلا لا يحب الظالمين :( وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57)( 140) آل عمران ) فكيف إذا حمل هذا الظلم إسم الاسلام باعتباره ( فتوحات إسلامية )؟ . هنا أفظع الظلم لرب العزة قبل البشر .

9 ــ وتأسّس الدين السّنى لتبرير وتشريع هذا الاعتداء الذى تحول الى إحتلال مستمر ومستقر ، واصبح الدين السّنى ممثلا للسلطة الحاكمة بسلطتها وعنفها وقسوتها وهيمنتها ، فقابله أبناء الأمم المفتوحة بتأسيس ديانات أخرى ــ تحت رداء الاسلام ــ تنبع من ثقافتها الدينية المحلية ، تواجه الدين السّنى للحاكم العربى القرشى المستبد ، فتم تطوير ( التشيع ) السياسى فى العصر الأموى ليصبح فى العصر العباسى عقيدة دينية ودينا أرضيا يعيد العقائد الفارسية فى عبادة إلهى الخير والشر فى شكل ( التبرى ) و ( التولى ) ، اى تقديس وموالاة (على وآل البيت ) وتحقير وتكفير أبى بكر وعمر وعثمان ..الخ والتبرى منهم على أنهم آلهة الظلام والشر.

10 ــ ثم على هامش التشيع نشأ التصوف معبرا عن الثقافة الشعبية المتوارثة فى كل بيئة، يعيد إنتاج العقائد المحلية فى لغة عربية وبأسماء ومصطلحات جديدة وبشخصيات مقدسة عربية وغير عربية ، ويصل نسبها لآل البيت . ولهذا نجد الاختلافات فى تعريف التصوف وإشتقاقاته ومصادره . ولكن بالقطع ليس الاسلام من بين مصادره لأنه نقيض للاسلام .  

11 ــ لقد إحتل العرب باسم الاسلام ايران وما بعدها شرقا والعراق والشام ومصر وما بعدها غربا ، وهى مناطق عريقة في الفلسفات الوثنية والنزعات القومية . وبدأ عرق الردة ينبض عند الفرس أكثر الأجناس المحكومة قومية وتاريخا وكراهية للعربوبني أمية . ووجد الفرس ضالتهم في قيام الدولة العباسية بمساعدتهم فصار لهم فيهاالنفوذ فتطلعوا إلى أتمام استقلالهم بالردة عن الإسلام وإعادة المُلك الغارسى ، فكثر في العصر العباسي الأولوجود الزنادقة لولا أن العباسيين في قوتهم استأصلوا حركة الردة وقضوا عليها سياسيا.

فالتفت الفرس إلى التشيع فقربوا بينه وبين عقاندهم القديمة وخلطوه بأغراض سياسية قومية فواجهوا الشدة من بني العباس ، فردّ عليهم شيعة الفرس بإختراع التصوف . فإعتبر دين السّنة ( المعبر عن الخلافة العباسية ) التصوف خصما ، واصبح رواد التصوف ضحية للإضطهاد السنى .

12 ــ على إن التشيع على أية حال قد أرسى للتصوف الأسس التي يقوم عليها، وورث التصوف عقائد التشيع ورسومه وتخفف من أوزاره السياسية ، فبدأ حركة دينية تزعم الحُبّ الالهى ( العشق الالهى ) لتخفى عقيدتها فى ( الحلول والاتحاد ووحدة الوجود ) ، ويتحول بها تقديس بعض البشر الى تقديس الكون كله وإعتبار هذا الكون جزءا من الله جل وعلا وفق عقيدة وحدة الوجود الصوفية .

وهذا التطرف فى الكُفر العقيدى بدأ به رواد من الأعاجم ، تتلمذوا على يد أساطين الشيعة ، ف(معروف الكرخي) الرائد الصوفي كان نصرانيا فأسلم على يد الإمام على الرضى وهو من مواليه ، وبعد ( غسلامه ) أصبح أول رائد صوفى . (ومعروف ) هو أستاذ ( السري السقطى)، الذي هو أستاذ (الجنيد) الملقببسيد الطائفة الصوفية ، وقد قال معروف لتلميذه السري : ( إذا كانت لك حاجة إلى اللهفاقسم عليه بي ) (45)، فأرسى بذلك قاعدة التوسل بالأشخاص وجاههم عند الله . وبدأالتصوف بذلك مشواره العقيدي.

13 ــ ثم دخلت الخلافة العباسية ( السنية ) في دور الضعف حين تحكمفيهم الأتراك ومتطرفو السنيين ( الحنابلة ) ، فاستفاد المتصوفة من ضعف العباسيين فتشكلت خلايا التصوف من شيخومريدين ، وتمت الاتصالات بينهم فيما بين مصر والعراق والحجاز والشام عبر السفر وقد جعلوه شعيرة دينية باسم  ( السياحة الصوفية ) واجتذبوا لهم العوام فدخلوا فى التصوف أفواجا .  

ومع ضعفالخلفاء العباسيين فلم تمر الحركة الصوفية الجديدة فى بدايتها بدون رد فعل ، فلاحقت الدولة العباسية ( السنية ) روادالتصوف بالمحاكمات والنفي والاضطهاد حتى اضطر الجنيد لأن يتبع التقية الشيعية ، ويعلن أن ( طريقنا منوطبالكتاب والسنة ) (46)، وفى نفس الوقت يدرّس التصوف في عقر داره بين المخلصين منتلاميذه وبعد أن يقفل باب داره (ويضع المفتاح تحت وركه) خوفا من أن يتهموه بالزندقة ، ومع ذلك فلم ينج من الاتهام بسبب  كلمة قالها مما جعله يتستر بالفقه ( السّنى ) ويختفي ، وحوكمسمنون و ذو  النون المصري وسهل بن عهد الله، وبلغ اضطهاد الصوفية ذروته بقتل الحلاج  عام 301(47).

14 ــ ولا يزال الجنيد زعيما للمعتدلين  من الصوفية بسبب ما اشتهر  عنه إعلان تمسكهبالكتاب والسنة حتى أن من أنكر على الصوفية فيما بعد خدعته أقاويل الجنيد التي قالها بالتقية ، فابن الجوزي ت 597 يستدل  بقول الجنيد السابق ويتخذه حجة على الصوفية  الصرحاء الذين أعلنوا عقيدتهم فيما بعد في عصر ابن الجوزي نفسه.

15 ــ ومع ذلك فإنالأقوال القليلة التي حُفظت عن الجنيد تشي بعقيدته الحقيقية التي منع الخوف منظهورها ، فهو يرى أن العارف الصوفي هو ( من نطق عن سرك وأنت ساكت ) (49) أي سنّللصوفية ادعاء الكشف أو علم الغيب ، وسئل عن مصدره الذي يستقى منه أقواله الجديدةفقال لهم:( من جلوسى بين يدي الله ثلاثين سنة أسفل تلك الدرجة ، وأومأ إلى درجة - سلم -في داره ) (50) فأرسى مقولة العلم اللدني والوحي. أي أن مسيلمة الحنفي ليس وحده الكذاب.!!

فالتصوف المعتدل لا يفترق عن ادعاءات المرتدين كمسيلمة الكذاب غاية ما هنالك أنمسيلمة جاء في عصر قوة العرب القرشيين  ، أما "الجنيد" فقد جاء في عصر الوهن حيث ضعفالعباسيين وقوة الشعوبية وتدهور العرب ، حتى أن مصرع الحلاج زعيم الصوفية المتطرفينلم يتم إلا بدوافع سياسية أكثر منها دينية ، وبعد محاكمة زادت على العشر سنوات .وبمرور الزمن تغيرت الظروف أكثر لصالح التصوف فتضاءل الإنكار عليه ، وزاد انتشارهوبدأ يأخذ دوره في اضطهاد خصومه من الفقهاء السنيين فى العصر المملوكى كما حدث لابن تيمية ، فتبدلت الآية ، وبدأت دورة أخرى   من دورات الصراع الديني بين السنيين والصوفية .

اجمالي القراءات 8233

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4040
اجمالي القراءات : 35,363,633
تعليقات له : 4,402
تعليقات عليه : 13,052
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي