بيزنطة والمسيحية:
الدين والمشكلات الدينية في بيزنطة (300 - 500 م)

عبدالوهاب سنان النواري في الخميس 20 نوفمبر 2014


* مدخل:

   بزوال الاضطهاد الديني بحق المسيحيين وبوصول الكنيسة إلى شاطئ الأمان بدأت الكنيسة تشهد صراع عقائدي بين طوائف المسيحية المختلفة, وطفت على السطح المتناقضات العنصرية والاجتماعية والفكرية التي كانت مختفية في القاع وقت كانت المسيحية مضطهدة, كاد هذا الصراع أن يهدد وجود الكنيسة بل واحدث انقساما شاسعا بين مريديها وقضى على فكرة الكنيسة المسكونة الواحدة لكل المسيحيين. ([1])

   وتتلخص المسيحية في الإيمان بالأب الذي هو الله عزوجل والابن المسيح والروح القدس الذي عن طريق أنجب الله المسيح من مريم العذراء, وأن الهدف من قدوم المسيح إلى العالم هو خلاصة. وقد جاء لخاصته أي (بني إسرائيل) ولكن خاصته لم تقبله, فصلبوه ولكنه قام في اليوم الثالث وخرج من القبر وصعد إلى السماء عند أبيه حيث يجلس عن يمينه ولن يعود المسيح إلى الأرض إلا قبل قيام الساعة حيث يقود الفقراء والمظلومين إلى المملكة السماوية التي سوف يحققها لهم, وقد وضعت المسيحية شروطا للدخول فيها مثل: التعميد والغفران أو التوبة ثم الإيمان بقيامة المسيح وبيوم القيامة, هذا من ناحية العقيدة, أما في الواقع فإن المسيحية تقوم على التراث اليهودي والشريعة الموسوية وما تشربته من أفكار إغريقية. ([2])

   وهذه هي الكارثة فالعقيدة الجديدة (المسيحية) تأثرت بالآراء القديمة, فأخذت عنها بعض نواحي ضعفها فانحدر الفكر من مستواه الرفيع إلى مستوى العامة, ونتيجة الاضطهاد تعين على الفكر أن يتنازل عن علياه لينتصر, فعن الوثنية أخذت المسيحية عادة عبادة الصور التي كان يمقتها الآباء الأقدمون, ومن العبادات الدينية انتقل إليها حاس لم يكن دائما متفقا مع الأخلاق, وأما عن اليهودية فقد انتقل اليها تعصب لا سبيل معه إلى التسامح . ([3])

    وواقع الأمر أن شيئاً من المبالغ في بعض ما جاء في الإنجيل المحرف, وفي التقاليد الموروثة عن اليهودية أو المأخوذة عن ديانات أخرى, وكذلك تحت وطأة شيء من قسوة الاضطهاد وسوء الحالة النفسية؛ بادرت المسيحية إلى ابتداع مذاهب غريبة, وكان العلماء ورجال - الدين والفلسفة والعلوم المختلفة - الذين يعرفون الكثير عن الأديان وفلسفاتها وما تدعو إليه يغلفون بها الديانة الجديدة, وبهذا أصبحت المسيحية مجالاً للفلسفة أو الهرطقة من كثرة النقاش حول الإيمان وقوانينه والإله. ([4])

 

* المشاجرات الدينية والشقاق المذهبي:

    يصعب على المؤرخ تصور ما بلغته المشاجرات الدينية والمشاقات المذهبية من العنف والبغضاء حول القضايا اللاهوتية, ومع ذلك نعرض هنا بإيجاز, القضايا الدينية التي أدت إلى مثل هذا الوضع الحرج, إذ أنها كانت بالفعل سبباً مباشراً لهذه الانفصالات التي لا يزال بعضها قائما لليوم. فالاختلاف الجوهري يقوم أصلا على الصعيد الديني, ويتناول وجود طبيعتين في السيد المسيح: الطبيعة البشرية والطبيعة الإلهية. ففي نظر البعض الذين كان يهمهم في الدرجة الأولى, المحافظة على الوحدة الإلهية أو الجانب الإلهي في شخصية المسيح, فظهور السيد المسيح بلحمه ودمه, وآلامه وصلبه، لم يكن إلا تشبيهاً من وجهة نظرهم. وبهذا قال أتباع الطبيعة الواحدة. أما خصومهم, فقد رأوا في هذه كلهم حقائق مطلقة ووقائع لا يواجهها الشك, وأن الطبيعة البشرية تختلف عن الطبيعة الإلهية بحيث أن الآلام التي تحملتها احداها لا تمس الثانية بشيء . ([5]) 

    ظهر أول انشقاق بعد اعتناق قسطنطين الكبير للمسيحية بقليل, وذلك في أفريقيا, قاد هذا الانشقاق أحد رجال الكنيسة المتطرفون واسمه (دوناتوس) وذلك احتجاجاً على تعيين (كايكيليانوس) أسقفا على قرطاجة لأن هذا الأسقف أعلن عن نيته العفو عن كل الكهنة الذي خانوا العقيدة أثناء اضطهاد ديوقلديانوس وسلموا الأناجيل لسلطاته لكي تحرق, واتسعت هوة الخلاف عندما رفض قسطنطين الكبير تطبيق امتيازات المسيحيين لتشمل أتباع دوناتوس, بل أنه كلف السلطات العسكرية بسحق هذه الحركة. وفي عام 321م أدرك قسطنطين الكبير عدم جدوى هذا الاضطهاد لأنه يزيد المنشقين عناداً على عنادهم فأصدر قرار بوقفة تاركا الحكم لله. وفي مصر أعلن (ميليتوس) أسقف أسيوط اعتراضه على التسامح الذي قام به القديس بطرس أسقف الإسكندرية نحو المسيحيين الذين كفروا أبان اضطهاد ديوقلديانوس وعادوا إلى التوبة, وانشق ميليتوس مكونا جماعة له كان أحد أعضائها ناسك ذكي أسمه آريوس. ([6])  

    نادى آريوس أن الابن (المسيح) أقل من الأب في الجوهر, ووضعه بين بقية المخلوقات والحقيقة أنه قال بسمو هذا المخلوق, ولكنه وضعه بين سائر البشر, وأقرت الاريوسية أن المنطق يحتم وجود الأب قبل الابن. وقد ناهض هذه الآراء (أثناسيوس) حيث قال: أن الأب والابن من جوهر واحد أو مادة واحدة. ولما انتقل النزاع الديني من مصر إلى غيرها من أقاليم الإمبراطورية, أراد الإمبراطور قسطنطين الكبير وضع حد لهذا النزاع في مرحلته المبكرة, فدعا إلى عقد مجمع ديني في نيقية سنة 325م لإرساء قواعد الإيمان ووضع صيغة للعقيدة وهو ما عرف بقانون الإيمان المسيحي, وقد ضم هذا المجمع 318 - أسقف في أول مجمع مسكوني عرفته الكنيسة. وانتهى المجمع إلى رفض آراء آريوس ونفيه إلى (تربيه) في بلاد الغال وإدانة أنصاره بالهرطقة . ([7])

    غير أن النزاع بين الاريوسية والاثناسيوسية لم يقف عند هذا الحد, فقد شرع قنسطنطيوس (337-361) الذي خلف أباه قسطنطين الكبير - يـبحث بنفسه أبوة المسيح, حتى انتهى رأيه إلى اعتناق مذهب آريوس وقرر سنه 353م, طرد أثناسيوس من كرسي الإسكندرية, وكان أن حشد (سريانوس) قائد الحامية العسكرية الرومانية ـ وكان آريوسيا ـ قواته بمدينة الإسكندرية, وهاجم الكنيسة التي كان يؤدي فيها أثناسيوس وأنصاره الصلاة, فقتل الكثير منهم, ولكن أثناسيوس لم يصب بأذى وتمكن من الهرب. واختار الآريوسيون جورج الكبادوكي بطريركا على الإسكندرية,  حيث بدأ في التو سلسلة من الإجراءات العنيفة لإرغام الناس على قبول المذهب الأريوسي, وقد استخدم القوة العسكرية في سحق كل أولئك الذين رفضوا اعتناق مذهبه, وذلك بتعذيبهم أو قتلهم أو نفيهم. وأخيراً عاد أثناسيوس إلى الإسكندرية, وتولى الأسقفية من جديد, وقضى السنوات السبع الباقية من حياته في سلام وسكون, حتى توفي في ربيع عام 373م. بعد أن احتمل الكثير من اضطهاد الأباطرة الآريوسيين .([8])    

* عودة الوثنية:

    وباعتلاء جوليان المرتد (361-363) عرش الإمبراطورية الرومانية, أخذ النزاع الديني طابعاً جديداً, ذلك أنه على الرغم من العداء بين الآريوسيين والأثناسيوسيين حول العقيدة, فقد نشط أنصار المذهبين في تدمير المعابد الوثنية أو تحويلها هي وآثار الوثنيين لصالح المسيحية, دون النظر إلى العواقب الوخيمة التي ستقع عليهم من قبل السلطات الرومانية. ولكن أتباع الوثنية وجدوا في الإمبراطورية جوليان الذي ارتد عن المسيحية خير سند, فصبوا جام غضبهم على المسيحيين وانتقموا لما حل بهم على أيديهم. وبعد مصرع الإمبراطور جوليان تولى جوفيان (363-364) عرش الإمبراطورية فأعاد على الفور للمسيحيين حقوقهم وامتيازاتهم. وفي عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الكبير (378-395) تلقت الوثنية ضربة قاصمة, فقد أصدر مرسوما أعلن فيه بطلان العبادات الوثنية ومنع تقديم القرابين, وإحراق البخور, وإراقة الخمور, وممارسة الكهانة, ومعرفة الغيب, وما إلى ذلك من العادات والتقاليد الوثنية, وقام بإغلاق المعابد الوثنية ومصادرتها . ([9])    

* ايهما الطبيعة الغالبة:

    في منتصف القرن الخامس أخذ النزاع بين الكنائس المسيحية الشرقية صورة جديدة, فلم بعد يدور حول الطبيعتين الإلهية والبشرية بل حول شخص المسيح. ذلك أن مدرسة أنطاكية بحثت في كلمة الله المتجسدة وهي الصلة بين البشر والله, وأقرت: أن المسيح له طبيعتين واضحتين, على أن الطبيعة البشرية هي الغالبة في المسيح, وقالت: أن المسيح بشر استقرت فيه الإلوهية, وأن مريم ليست (أم الله) ولكنها أم المسيح البشر, الأمر الذي جعل تلك المدرسة تصطدم برأي آباء الكنيسة المجمع عليها, وقد حدث أن راهبا من أنطاكية من تلاميذ تلك المدرسة يدعى نسطوريوس اعتلى كرسي بطريركية القسطنطينية في سنة 428م, وراح ينشر آراء تلك المدرسة بحماس شديد ومهارة فائقة. وقد تصدى له كيرلس بطريرك الإسكندرية ودخل معه في معركة عنيفة حول معنى كلمة (أم الله) وقد وقف البابا سلستين إلى جانب كيرلس, وأعلن إدانة نسطوريوس واعتبر آراءه هرطقة, وحسما للخلاف دعا الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني إلى عقد مجمع ديني في القسطنطينية سنة 431م لإصدار قرار في هذا, وقد حكم المجمع بإدانة نسطوريوس .([10])

* الطائفة البيلاجوسية:

    أما الطائفة البيلاجوسية التي أوجدها الراهب الانجليزي (بيلا جيوس) عندما ذهب إلى روما عام 400م, ثم هاجر إلى قرطاجة ثم أقام في فلسطين, وقد ذهب بيلا جيوس إلى أن الإنسان مخيرا وليس مسيرا, وبالتالي شك في قدرة الإنسان على أن يحرر نفسه من الشر والخطيئة بمشيئته الذاتية وبناء على ذلك أنكر فكرة توارث الخطيئة منذ أيام آدم أب البشر. وقد تصدى القديس اغسطين للرد على البيلاجوسية. وبالرغم من أن المجمع الكنسي الإفريقي أدنها عام 420م, واعتبرها هرطقة, ثم أيد ذلك مجمع افيسوس عام 431م, إلا أن البيلاجوسية وجدت لها عشاقا بين رهبان بلاد الفال. ومن هناك انتشرت إلى انجلترا حيث عجزت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية أن تملي شروطها في هذه الولاية .([11])   

* محاولة التوفيق بين النسطورية وكيرلس:

    وفي القسطنطينية ظهر راهب يدعى إيوتيخيوس (أوتيخا) (378-454) وقد اعتنق مبادئ كيرلس, ولكنه أضاف بقوله: انه كانت هناك طبيعتان للمسيح قبل التجسد طبيعية إلهييه وطبيعة بشرية, ولكن بعد التجسد اتحدت الطبيعتان معا حتى أصبح للمسيح طبيعة واحدة فقط وهي الطبيعة الإلهية, وبمعنى آخر أن الطبيعة البشرية في المسيح تلاشت في طبيعته الإلهية كما تتلاشى تماما نقطة خل في المحيط ومن ثم أصبح للمسيح طبيعة واحدة هي الطبيعة الإلهية. وهذا المذهب يعرف بالمذهب المونوفيزتي أو مذهب الطبيعة الواحدة .([12])

    وقد حاول الإمبراطور رينون (474-491) التوفيق بين أصحاب مذهب الطبيعة الواحدة وبين أصحاب مذهب الطبيعيتين, فنشر في يوليو سنة 482م, وبموافقة بطريرك القسطنطينية أكاسيوس, مرسومه الشهير المعروفة باسم هينوتيكون أو مرسوم الاتحاد (الوحدة), واعترف هذا المرسوم بقرارات المجامع المسكونة الثلاثة الأولى السابقة لمجمع خلقيدونية, وهي نيقيه والقسطنطينية وافسوس, وقد تحاشى هذا المرسوم ذكر تعبير (مذهب الطبيعة الواحدة) كمحالة لإيجاد حل وسط؛ الغرض منه اعادة الهدوء إلى مختلف الكنائس. والواقع انه كان من الصعب الوصول إلى أي توفيق في المسائل الدينية، لأن المرسوم لم يرض أتباع مجمع خلقيدونية ولا أتباع المونوفيزتية، ومن ثم زاد الخلاف بين الفريقين. فضلا عن ذلك أعلن بابا روما رفضه لمرسوم الاتحاد, وأصدر قرار الحرمان ضد بطريك القسطنطينية, فرد الأخير على هذا بأن حذف ذكر أسم البابا من الشعائر  الدينية, الأمر الذي أدى إلى شقاق بين روما والقسطنطينية استمر ثلاثين عام. ([13])   

    هذه صورة موجزة للصراع والتفكك الفكري الذي ساد ولايات الإمبراطورية فأضعف وحدتها في وقت راحت القبائل الجرمانية تهاجم الإمبراطورية الرومانية وتقطع منها أجراء, تستقل بها إلى أن استقلت تماما بالشرط الغربي للإمبراطورية مكونة دويلات لها شخصية مستقلة وهي أصل بعض دول  أوربا الحديث .([14])

 

 

هذا ومن الله التوفيق                                                                                              



[1]
-  سيد أحمد على الناصري, تاريخ الإمبراطورية الرومانية السياسي والحضاري, ط/2, دار النهضة العربية , القاهرة , 1991. ص: 437

[2]-  نفس المرجع. ص: 491

[3]-  كولتون, عالم العصور الوسطى في النظم والحضارة, ترجمة: جوزيف نسيم يوسف, دار المعارف, الإسكندرية, 1964. ص: 13

[4]-حسين كفافي, المسيحية والإسلام في مصر, مكتبة الأسرة, مصر, 2001. ص: 50

[5]- إدوار بروي وآخرون, تاريخ الحضارات العام - القرون الوسطى - ج3, ترجمة: يوسف أسعد داغر وفريد م. داغر, منشورات عويدات, بيروت - باريس, ط/3, 1994. ص: 51 

[6]- سيد احمد علي الناصري, مرجع سابق, ص: 437

[7]- محمود محمد الحويري, مصر في العصور الوسطى من العصر المسيحي حتى الفتح العثماني, ط/2, المكتب المصري, القاهرة, 2002. ص: 27

[8]- نفس المرجع, ص: 28

[9]- نفس المرجع, ص: 29

[10]- محمود محمد الحويري, مرجع سابق, ص: 35

[11]- سيد احمد علي الناصري, مرجع سابق, ص: 497

[12]- محمود محمد الحويري. مرجع سابق, ص: 37

[13]- محمود محمد الحويري, مرجع سابق, ص: 40

[14]- سيد أحمد علي الناصري, مرجع سابق, ص: 479 

اجمالي القراءات 7902

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2014-11-03
مقالات منشورة : 84
اجمالي القراءات : 654,178
تعليقات له : 60
تعليقات عليه : 66
بلد الميلاد : Yemen
بلد الاقامة : Yemen