ق 1 / ف5 : المناخ الثقافي فى عصر عبد العزيز في اطار الممكن والمستحيل :

آحمد صبحي منصور في الثلاثاء 22 يوليو 2014


كتاب ( المعارضة الوهابية فى الدولة السعودية فى القرن العشرين )

الفصل الخامس : تحليل سياسة عبد العزيز وتجربة الاخوان

المناخ الثقافي فى عصر عبد العزيز في اطار الممكن والمستحيل :

أولا: العظمة الميكافيلية لعبد العزيز آل سعود بين الممكن والمستحيل :  

1 ــ قد يقال ببساطة ان عبد العزيز قد حقق حلمه الذي وهب عمره له باقامة ملك ابائه ،وكان الاخوان وسيلته في تحقيق هذا الهدف ،فلما انجزوا له هدفه وجاء أوان تقسيم الغنائم استأثر وحده بالمملكة  ،وارجعهم الي نجد، فلما ثاروا عليه اطاح بهم ،وبقي يحكم منفردا دولته الجديدة التي اعطاها اسم اسرته ،وتوارثها ابناؤه من بعده .هذا قول يبدوا صحيحا في ظاهره ،خصوصا وانه ينطبق علي الصراع المستمر بين منشئ الدولة وكبير او كبار قواده ،ولكن في مضمار التحليل يبدو للتجربة السعودية خصوصيتها في موقعها الزمني والمكاني ،وفي شخصية صاحبها .

2 ــ ان التجربة السعودية في توحيد شبه الجزيرة العربية قد حققت مبكرا حلم وحدة عربية ،لم يستطع العرب خصوصا في الشمال اقامة وحدة مماثلة ،برغم الزخم الاعلامي والسياسي الذي اثاره عبد الناصر وحزب البعث ،ودعاة القومية العربية في ما بين (1967:1955).والتجربة السعودية في اقامة دولة سنية دينية قد حققت مبكرا حلم اقامة دولة دينية  لا يزال يطمح في اقامتها الاصوليون و الاخوان المسلمون الذين انشأوا منظمات الاخوان المسلمين علي نمط اخوان عبد العزيز وتمسكوا بمنهجه السنى الحنبلي الوهابي ،ومع نجاحهم  الثقافي والاجتماعي والدعائي  بتأثير السعودية وقطارها النفطي ،الا انهم حتي الان لم يتمكنوا الا في اقامة حكم هزيل في السودان ،وحرب اهلية في افغانستان ومذابح في الجزائر ومصر أي كرروا منهج اخوان عبد العزيز النجديين ،وافتقدوا وجود شخصية عبقرية مثل عبد العزيز .بل هناك اكثر من اقامة الدولة السعودية التي تجمع في طياتها العروبة والدولة الدينية معا .هناك نجاح فرد بدوي واحد في اقامة دولة بساعده ،في منطقة صحراوية ،اهلها هم نفسهم المحاربون والجيوش ،وبذلك تستعصي مكانا وتاريخا علي التوحيد والوحدة السياسية ،ويستعصي ايضا- زمانا-في عصر تخطيط الحدود بين الدول ،ان ينجح حاكم في ضم بلاد اخري الي حوزته بالقوة، ولكن عبد العزيز نجح واقام دولته ،وبعد نجاحه بنصف قرن حاول صدام حسين ان يكرر تجربته في ضم اجزاء من ايران ،او ضم الكويت فأضاع مستقبل العراق لمدة نصف قرن قادم‍‍ علي الاقل .

3 ــ افراد قليلون في التاريخ هم الذين ينشئون دولا ،حتي في العصور الوسطي عصر الدول المتحركة والدول الثابته .واقل القليل هم منشؤ الدول في العصر الحديث من نابليون في فرنسا وبسمارك في المانيا ومحمد علي في مصر ولينين في الاتحاد السوفيتي وماو في الصين وتيتو في البلقان واخرين . ولكن يقف عبد العزيز بن عبد الرحمن بينهم جميعا متميزا بظروف اصعب تقترب من المستحيل ،ولكنه مثلهمقهر المستحيل وجعله ممكنا حين استغل فن الممكن في الزمن المستحيل او فن المستحيل في الزمن الممكن ، فنجح في خلق واقع جديد اسمه المملكة العربية السعودية ،وقد حمل هذا الواقع في طريقه مملكة الاشراف في الحجاز ،ودولة آل الرشيد في شمر، ثم اضاف اليهم الاخوان فيما بعد ،حملهم جميعا  الي متحف التاريخ ..

ثانيا : المناخ الثقافى المتحكم فى المناخ السياسى هو التحدى الأكبر لعبد العزيز

1 ـ أكبر التحديات ـ أو المستحيل الذى واجهه عبد العزيز  فى عصره كان المناخ الثقافى :  الانواع السياسية الثلاث السابقة كلها شرعيات سياسية، ولكن الاقرب منها الي النجاح هي التي تحسن التعامل مع المناخ الثقافي السائد، فتغيره الي الافضل، وتحسن التصرف مع القوى المتحكمة لتقيم علي حسابها واقعا جديدا بأقل قدر ممكن من الخسائر والتكاليف ،وكل ذلك في اطار التعامل بين الممكن والمستحيل ،تجرب ان تقترب من المستحيل بحذر لتعرف ما هو المستحيل بحق فتتعامل معه علي هذا الاساس، وما يبدو مستحيلا في ظاهره، وان كان ممكنا في حقيقته بكثير من الجهد فتبذل ما تستطيع لكي تحوله الي ممكن بأقل قدر من التضحيات .

2 ــ ولكل عصر مناخه الثقافي السائد والقوى المتحكمة فيه. ولا يصح ان نفرض معطيات مناخنا الثقافي ومراكز القوة علي ما كان في عصر عبد العزيز .ففي عصرنا مثلا فان المناخ الثقافي هو حقوق الانسان ومنظمات المجتمع المدني في اطار العولمة الامريكية المنفردة للسيطرة علي العالم الذي اصبح بثورة الاتصالات والمعلومات والمخترعات قرية كونية واحدة ،انها ثقافة النظام العالمي الجديد التي تفرض واقعها الكوني علي العالم الثالث الذي يعاني من الاستبدادا والتخلف والاستغلال والفساد وحقوق الانسان .اما عصر عبد العزيز ،فقد تركزت القوة في يد إنجلترا مع مشاركة فرنسية ،وكانت أوروبا الديمقراطية تواجه أخر بعث للديكتاتورية بينما يعيش العالم الاسلامي والعربي باحثا عن الحاكم المستبد العادل، الذي كان يعتبره الإمام محمد عبده أفضل حل ممكن ،وفي ذلك الوقت كانت إنجلترا تحتل مصر، وتسيطر علي ما تبقي من أملاك الدولة العثمانية في الرافدين وحول الخليج العربي والهند ،بينما تسيطر فرنسا علي الجزائر وتونس ،وتتنافس مع إنجلترا علي التهام ما تبقي من أملاك السلطان العثماني .والإنجليز والفرنسيون يتلاعبون فيما بينهم بالملوك والزعماء و الأشراف والقادة والمعارضة فيما يسمي بالعالم الاسلامي والعربي في ذلك الوقت، هم الذين يشعلون الثورة العربية الكبري للاجهاز علي الدولة العثمانية ،وهم الذين يقتسمون أملاكها العربية في الرافدين، وهم الذين يعطون فلسطين لدولة إسرائيل   ، وهم الذين يخططون الحدود وفق مصالحهم، ويقيمون دولا بمقتضي اتفاقية سايكس بيكو بعد الحرب العالمية الأولى.

3 ــ في هذا المناخ الثقافي والسياسي ظهر عبد العزيز آل سعود يواجه المستحيل ،وبينما ضاعت دول و إمارات تحت عجلات القوى الأوربية المتحكمة برغم ما قدمته لإنجلترة من خدمات (الشريف الحسين وخدمته للحلفاء ) نجد عبد العزيز قد استطاع بناء دولته حجرا حجرا، وانتزعها قطعة قطعة من بين انياب القوى المتحكمة، ونجح في ذلك حين اتبع سياسة فن المستحيل في الزمن الممكن، او فن الممكن في الزمن المستحيل ، وقهر به المناخ الثقافى السياسى لعصره.

ثالثا  :المستحيل في المناخ الثقافي في عصر عبد العزيز

1 ــ كانت التصوف السنى هو الدين السائد تحت شعار السنة ( المناقضة للتشيع أو الرافضة ) في العالم الاسلامي السني، وكانت الوهابية السنية هي الاستثناء في هذه القاعدة مع وجود انصار لها في مصر وشمال افريقيا، وكان الوهابيون ينقمون علي الشيعة والصوفية عبادتهم للأضرحة وتقديسهم للبشر ،وكان الوهابيون علي حق في ذلك ،وكان الشيعة والصوفية ينقمون علي الوهابيين استحلالهم لدماء المسلمين المسالمين وهدمهم لما يعتبرونه مقدسات ،وكانوا علي حق في ذلك.  

2 ــ وبين هؤلاء واولئك برز صوت مجتهد لم يلبث ان ضاع في الزحام ،هو صوت الامام محمد عبده( ت 1905 )الذي انتقد الصوفية في تخلفهم العقلي كما انتقد الوهابية في تزمتهم وتشددهم ،ووضع اصولا للاسلام تخالف الايدولوجية الوهابية ،هي: 1-  قيام الايمان علي العقل . 2- تقديم العقل علي ظاهر الشرع عند التعارض بينهما .  3- الابتعاد عن التكفير .  4- التفكر بسنن الله في الخلق ،أي الاستدلال العلمي . 5- هدم السلطة الدينية والدولة الدينية  فليس في الاسلام سلطة دينية .وانما دولة مدنية ،ولم يجعل الاسلام لأي فرد او جماعة سلطة علي العقائد وتقرير الاحكام .  6- حماية الدعوة لمنع الفتنة ،فالقتال في الاسلام لرد الاعتداء وليس في التكفير والاكراه في الدين .  7- ومودة المخالفين في العقيدة .  8- والجمع بين مصالح الدنيا والاخرة ،والنبي لم يقل بع ما تملك واتبعني ،ونهي عن الغلو في الدين ،واباح الزينة والطيبات .(1).

رابعا : المناخ الثقافى بين مصر والجزيرة العربية

1 ــ ومع علو مكانة الامام محمد عبده الدينية والسياسية ووجوده في مصر الاكثر انفتاحا الا ان المناخ العام السائد اجهض دعوته ،فمات وهو يلعن شيوخ  الأزهر الذين اضاعوا الاسلام .

2 ــ ومن عجب ان يحاط عبد العزيز باثنين من اصدقائه كلاهما ادرك هذه الحقائق الاسلامية التي ارساها محمد عبده في مطلع القرن العشرين فيما اشتهر بالجدال بينه وبين وزير خارجية فرنسا مسيو هانونو ،والاثنان هما حافظ وهبة و الصحفي النمساوي المسلم محمد اسد . حافظ وهبة تجاهل التناقض بين منهج محمد عبده والمنهج الوهابي ،وزعم ان الامام محمد عبده كان يشيد بابن عبد الوهاب ،وقد كانت مشورة حافظ وهبة ضرورية لعبد العزيز ،واقامت فجوة بين عبد العزيز والمستوى الفقهي لعلماء الوهابية المشهورين بتزمتهم وجمودهم ،وحافظ وهبة بذلك حقق بدهائه ( بعض ) ما كان الامام محمد عبده يدعو اليه من نبذ الجمود والتخلص منه [2].واعان عبد العزيز علي مواجهة جريئة لاحد اهم المستحيلات في عصره وهو المناخ السياسي السائد .

3 ــ اما محمد اسد فقد عرف الاسلام عن طريق القرآن ،وبالفهم المباشر للايات ادرك من حقائق الاسلام ما لم يدركه علماء الاسلام في القرون الوسطي والعصر الحديث ،ومع انه لم ير الامام محمد عبده ،ولم يظهر في كتابه (الطريق الي مكة )انه قرأ شيئا من مؤلفاته الا ان الاتفاق بينهما واضح لأن منهجهما اتفق في الرجوع الي القرآن والاحتكام اليه واعتبار سنة النبي  تطبيقا للقرآن وليس مختلفة عنه او مناقضة له .والفارق بينهما (محمد عبده ،ومحمد اسد )ان محمد عبده بعد جهاد سياسي وثقافي ،وبعد اجتهاد فقهي  آوى الي القرآن، يحتكم اليه في تراث المسلمين وافكارهم ،اما محمد اسد فقد دخل مباشرة الي المنبع الاصيل الي الاسلام وهو القرآن ، بكل خلفيته الثقافية الغربية ،مدركا الفجوة الهائلة بين الاسلام والمسلمين .ومن هنا تناثرت في كتابه سطور الاعجاب بعبد العزيز والصداقة التي كانت بينهما مع بعض اللمحات النقدية لسياسته وتدينه الوهابي ،ولأنه كتب كتابه بعد انتهاء مشوار حياته في الجزيرة العربية والمنطقة ،فان الصدق واضح فيما كتب  .

الا ان ما كتبه محمد اسد عن عبد العزيز يدخل في نطاق ما ينبغي ان يكون اسلاميا وسياسيا ،وهو بهذا يعبر عن نفسه وثقافته وليس عن عبد العزيز والمناخ السائد الذي يعيش فيه عبد العزيز والمستحيلات التي يجب ان يتعامل معها، ومن هنا فان نصائح محمد اسد لعبد العزيز لا يمكن تنفيذها ،بالاضافة الي انه ليس من المنتظر ان يرحب أي مسلم عادي ولا نقول (الامام عبد العزيز)  باجتهاد في الاسلام يأتيه من خواجة اوروبي اسلم حديثا ،ويريد ان يعلم المسلمين امور دينهم .لقد كان عبد العزيز يحب محمد اسد ويحترمه ويعتقد في اخلاصه في الاسلام ،في نفس الوقت الذي كان يحتقر فيه ادعاء( فيلبي) للاسلام ووصوليته ونفاقه ولكن يظل محمد اسد في نظر عبد العزيز مهما بلغ اسلامه واجتهاده الاسلامي مجرد اوروبي اسلم ويحتاج الي من يعلمه الاسلام لا ان يعلم المسلمين الاسلام .

4 ــ وننقل فقرات من كتاب محمد اسد ثم نعلق عليها: (وبلغ توسع ابن سعود الذروة في 1924 1925 عندما فتح الحجاز ،بما فيه مكة والمدينة وجدة ،واخرج عائلة الشريف التي كانت قد استولت علي الحكم هناك بعد ثورة الشريف حسين علي الاتراك في عام 1916 بمعاضدة الانكليز .وباستيلائه علي هذه الارض المقدسة ،ظهر ابن سعود ظهورا كاملا امام انظار العالم الخارجي ،وكان عندئذ في الخامسة والاربعين من العمر .

لقد ملأ وصول ابن سعود الي هذه المرتبة ،بصورة لم يسبق لها مثيل وفي وقت كان معظم اقطار الشرق الاوسط يستسلم فيه لتوغل النفوذ الغربي ،اقول ملأ وصول ابن سعود الي الحكم العالم العربي بالامل انه قد جاء اخيرا زعيم وقائد عربي يخلص الامة العربية كلها من عبوديتها .وتطلعت اليه جماعات اسلامية عديدة من غير العرب لاحياء الفكرة الاسلامية بأكمل معانيها وذلك بأقامة دولة تكون فيها الكلمة العليا بروح القرآن وحده، ولكن هذه الامال لم تتحقق قط ،فلما ازدادت قوته وتوطدت ،اتضح ان ابن سعود لم يكن اكثر من ملك يهدف الي ما هو ليس اسمي او ارفع من اهداف الكثيرين من الحكام المطلقي السلطة من قبله في الشرق.

ومع ان ابن سعود رجل عادل ومنصف في اموره الخاصة ،مخلص لأصدقائه ومؤازريه وكريم نحو اعدائه وذو مواهب عقلية ارفع كثيرا من مستوى معظم اتباعه ،فانه لم يظهر ذلك المظهر البعيد وتلك القيادة الملهمة التي توقعها الناس منه .صحيح انه انشأ حالة من الامن العام في مملكته الواسعة الاطراف لم تعرف في بلاد العرب منذ عهد الخلفاء الاولين منذ الف سنة وانما حقق ذلك ،عن طريق قوانين صارمة وتدابير تأديبية قاسية وليس عن طريق بث الشعور بالمسئولية المدنية في شعبه .لقد ارسل قبضة من الشباب ليدرسوا الطب و اللاسلكي الي الخارج ،ولكنه لم يفعل شيئا كي يرسخ في نفوس شعبه، ككل، الرغبة في التعلم ،وكيما يرفعهم عن طريق ذلك من الجهل الذي انغمسوا فيه قرونا عديدة .انه يتكلم دائما ودلائل الاقناع كلها بادية في حديثه عن عظمة طريقة الحياة الاسلامية ،ولكنه لم يفعل شيئا في سبيل بنيان مجتمع تقدمي عادل تستطيع فيه تلك الطريقة في الحياة ان تعبر عن نفسها تعبيرا ثقافيا .انه بسيط ،متواضع ،ذو همة كبيرة علي العمل ،،ولكن في الوقت نفسه ينهمك ويسمح لمن حوله بالانهماك في المتارف المسرفة .انه متدين جدا ،وينفذ بالحرف كل الاوامر الشكليه في الشريعة الاسلامية، ولكن الذي يبدو انه لا يعطي أي اهتمام لجوهر هذه الاوامر واغراضها الروحية،انه يؤدي فروض الصلاة الخمسة في اوقاتها تماما ،ويقضي الساعات الطوال في التهجد ،ولكن الظاهر انه لم يخطر له قط ان الصلاة وسيله فحسب ،وليست غاية في ذاتها .انه يحب الكلام عن مسئولية الحاكم نحو رعاياه، وكثيرا ما يستشهد بحديث النبي ،(كلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته ) ولكنه مع ذلك عندما سئل مرة لماذا لم يحاول ان يقيم دولته علي اساس اقل شخصية ليتمكن ابناؤه من ان يرثوا بناءا حكوميا منظما اجاب " لقد اسست مملكتي بسيفي وجهودي ،فليبذل ابنائي جهودهم الخاصة من بعدي". ان سلطته شخصية ولكنها لا ترتكز علي وسائل القوة بقدر علي ما تركز علي قوة شخصيته .وهو معتدل في كلامه وسلوكه كما ان روحه الديموقراطية بحق تمكنه من ان يتكلم مع البدو الذين يأتون اليه بثيابهم الرثة القذرة كأنما هو واحد منهم ،وان يسمح لهم ان ينادوه باسمه الاول عبد العزيز ،ومن ناحية اخري فانه يستطيع ان يشمخ علي اصحابه المناصب الرفيعة ويحتقرهم لما انس منهم الخنوع ،انه يحتقر كل وضيع متعاظم محدث النعمة .)[3]

5 ــ ونلاحظ من حديث محمد اسد اشارته الرائعة الي ازمة الفقه السني في التركيز علي الاوامر والعبادات واعتبارها هدفا في حد ذاتا مع ان القرآن الكريم يعتبر العبادات كلها وسائل لهدف اعظم وهو التقوى (البقرة 21،183،197،194،العنكبوت 45)والتركيز علي العبادات فقط قد  يجعلها في النهاية مسوغا لارتكاب المحرمات والوقوع في التطرف، ومن هنا كان الاخوان في تربيتهم الفقهية و السنيه يركزون علي الامر بالقتال ،ولا يعلمون ان الهدف من القتال ان يكون في سبيل الله ،أي لدفع الاعتداء فقط دون الهجوم ودون غرض دنيوي ،وهذا الاجتهاد من محمد اسد سابق لأوانه ويتناقض مع الاتجاه الديني السائد لدي عموم المسلمين .

الا ان محمد اسد اشار الي وجود فجوة ثقافية بين عبد العزيز وشعبه ،فوصفه بأنه ذو مواهب عقلية ارفع كثيرا من مستوى معظم اتباعه . ولكنه اخذ عليه انه لم ينهض ثقافيا بشعبه ولم ينشئ مؤسسات حكومية منظمة ..وذكر اجابة عبد العزيز (لقد اسست مملكتي بسيفي وجهودي ،فليبذل ابنائي جهودهم الخاصة من بعدي .) وهذه الاجابة تمثل سياسة عبد العزيز في مواجهة المناخ السياسي الثقافي السائد .

6 ــ فهذا المناخ قد تأكدت جذوره عبر مناخ استمر قرونا ،ولهذا كان علينا في هذا البحث ان نبدأ بمقدمات تمهيدية توضح جذور هذا التراكم الذي خلق مناخا تحتم ان يسير فيه عبد العزيز والاخوان وسائر المسلمين الاخرين خارج الجزيرة العربية ،وهذا المناخ الذي تراكم قرونا من الثقافة الدينية والطقوس والعادات والتقاليد والعقائد يكون مستحيلا ان تغيره بين يوم وليلة ،حتي مع تغير العالم وتقدمه لأنه ارتبط بالدين حتي اصبح من الدين بل اصبح هو الدين ، ليس فقط في نجد المنعزلة المنغلقة بل في الحجاز المنفتح علي العالم ،فالشريف حسين عندما جاء الي الحجاز حارب كل جديد حتي انه لم يسمح للناس بركوب السيارات واستعمال ساعات اليد والاكل علي الكراسي ،فلما ذهب الشريف وجاء عبد العزيز قالوا اذا كان هذا حظ البلاد من الحسين فكيف يكون حظها من ابن سعود وهو الذي تربي في الصحراء ،ولا شك انه سيحول عاصمة الحجاز الي قرية من قري نجد ،وايد ظنونهم ما سمعوه من اعمال الاخوان ،وهذا ما قاله عبد الحميد الخطيب لعبد العزيز منبهرا بشخصيته المنفتحة [4].

خامسا : المناخ الثقافى فى الأزهر وقتها

1 ــ ومشهور ذلك الجدال الذي احتدم بين الشيخ الظواهري شيخ الازهر والملك عبد العزيز في المؤتمر الاسلامي الذي عقد لتقرير مصير الحجاز بعد 1926 ،ودافع شيخ الازهر عن رؤيته الصوفية التي يؤمن بها معظم العالم الاسلامي والتي تحتج علي هدم القبور المقدسة ، مع انه  يتنافي تقديسها مع حقيقة الاسلام الكبري في انه لا اله الا الله .وقد فشل المؤتمر ،واعجب المسلمون بموقف الشيخ الظواهري المناقض لعقيدة الاسلام وردوده علي عبد العزيز لأنها كانت تعبر عن المناخ السائد .

2 ــ وفيما بعد قابل محمد اسد الشيخ المراغي قبل ان يكون شيخا للازهر بعدة سنوات،وحتى نتعرف على المناخ الثقافى فى الأزهر ــ  بعد وأد حركة الاصلاح التى قادها الامام محمد عبده  ــ ننقل من كتاب محمد اسد وصفه للحركة العلمية في الازهر وتعليق الشيخ المراغي وقتها عليها ،يقول محمد اسد ( وفي اجتهادي لأخذ صورة اكمل عما كان الاسلام يعنيه في الحق،اخذت فائدة كبري من الايضاحات والتفسيرات التي تمكن من تزويدي بها اخواني المسلمون القاهريون .وكان من ابرزهم الشيخ مصطفي المراغي ،وهو من اشهر علماء الاسلام في ذلك الوقت ،والمع علماء الجامغ الازهر ،بما لا يقبل الشك (وقد قدر له ان يصبح شيخه بعد ذلك ببضع سنوات ).ولابد انه كان في منتصف العقد الخامس من العمر في ذلك الحين ،الا ان جسمه الممتلئ العضلي كانت له خفة ابن العشرين وحيويته .وبالرغم من علمه وسعة اطلاعه ووقاره فانه كان دائما فكها بشوشا .واذا كان الشيخ المراغي تلميذا للمصلح المصري العظيم محمد عبده ،ورافق في صباه تلك الجذوة المتقدة ،جمال الدين الافغاني ،فقد كان هو نفسه مفكرا وناقدا ثاقب الرأي .انه لم يتوان قط عن ان يشعرني بأن المسلمين في العصر الحديث قد قصروا في الحق تقصيرا كبيرا عن مثل دينهم ،وان شيئا لا يمكن ان يكون اكثر خطأ من قياس الامكانات والقوي في رسالة محمد بمقياس حياة المسلمين وتفكيرهم في الايام الحاضرة .قال : (تماما مثلما يكون من الخطأ ان نري في سلوك المسيحيين سلوكا غير محب لبعضهم نحو بعض ،دحضا لرسالة الحب الذي جاء بها المسيح ..) بهذا الانذار عرفني الشيخ المراغي بالازهر.

دخلنا الي صحن الجامع فوجدت التلاميذ،وكانوا يرتدون الجبات الطويلة السوداء ويضعون العمامة البيضاء فوق رؤوسهم ،جالسين علي حصر من قش ،يقرأون في اصوات منخفضة في كتبهم ومخطوطاتهم ،وكانت المحاضرات تلقي في قاعة المجلس الكبري حيث كان عدد من المدرسين يجلسون ،علي حصر كذلك تحت الدعامات التي كانت تقطع القاعة في صفوف طويلة .وفي شبة دائرة امام كل مدرس كان فريق من الطلبة يجلسون القرفصاء .ولم يكن المدرس ليرفع من صوته ابدا ،وهكذا فقد كان واضحا ان الانتباه والتركيز الي اقصي الحدود كانا ضروريين بسبيل التقاط كل كلمة تخرج من فمه ،وكان لابد لي من الاعتقاد ان مثل هذا الاستغراق من شأنه ان يفضي الي المعرفة الحقيقية ،ولكن الشيخ المراغي سرعان ما بدد اوهامي حين قال : (هل تري  هؤلاء العلماء هناك ؟ انهم مثل تلك البقرات المقدسة في الهند ،التي تلتهم ،كما قيل لي ،كل ما تستطيع العثور عليه في الشوارع من اوراق مطبوعة ..اجل انهم يزدردون كل الصفحات المطبوعة من الكتب التي كتبت منذ قرون عدة ،ولكنهم لا يهضمونها .انهم لم يعودوا يفكرون لأنفسهم .انهم يقرأون ويرددون ،يقرأون ويرددون والتلاميذ الذين يصغون اليهم لا يتعلمون الا ان يقرأوا ويرددوا ،جيلا بعد جيل .)وقاطعته قائلا : (ولكن الازهر ،يا شيخ مصطفي ،علي كل حال ،مركز العلوم الاسلامية واقدم جامعة في العالم !، ان المرء لتقع عينيه علي اسمه كل صفحة تقريبا من التاريخ الاسلامي الثقافي .وما قولك بالمفكرين ورجال الدين والفلاسفة والمؤرخين والرياضيين العظام الذين اخرجهم الازهر خلال القرون العشرة الاخيرة ؟). فأجابني بمرارة : (لقد انقطع عن اخراجهم منذ عدة قرون .لربما كان في ذلك بعض المبالغة ،ذلك ان مفكرا مستقلا كان يظهرمن الازهر بين الحين والحين حتي في الازمنة الحديثة .ولكن الازهر ،بصورة عامة ،اصيب بالعقم الذي يشكو منه العالم الاسلامي كله اليوم ،وانطفأت جذوته المتقدة .ان اولئك المفكرين المسلمين المتقدمين الذين ذكرتهم لم يحلموا قط بأن افكارهم ،بعد هذه القرون العديدة ،بدلا من ان تستمر وتنمو وتتطور ،يقدر لها ان تعاد وتعاد ،كأنما هي حقائق الاسلام غير القابلة للخطأ .فلو اردنا ان نبدل حالتنا بأحسن منها ،فان علينا ان نشجع التفكير الحي بدلا من تقليد ما سبق من افكار ..). ويقول محمد أسد : ( ولقد ساعدني وصف الشيخ المراغي الحاسم للازهر علي ان ادرك سببا من اعمق اسباب الانحطاط الثقافي الذي يبهر المرء في كل مكان في العالم الاسلامي .الم يكن هذا التحجر العلمي لهذه الجامعة القديمة منعكسا ، الي درجات مختلفة في العقم الاجتماعي للحاضر الاسلامي ).[5]

3 ــ وتولي الشيخ المراغي مشيخة الازهر وظلت المناهج العقيمة كما هي ،ولم يفلح في تغييرها لأن المناخ لم يسمح ..وعندما حاول شيخ الازهر الحالي ( محمد سيد طنطاوى ) في اواخر القرن العشرين تخفيف بعض المقررات الدراسية في الازهر ثار عليه الجميع واتهموه بما يشبه الكفر حتي اضطر في مجلس الشعب الي ان يقسم انه يفعل ذلك لمصلحة الاسلام ..                

4 ــ اذا كان هذا هو الحال في مصر المنفتحة بطبيعتها علي العالم فان التحدي يكون اعظم في نجد،ويظهر لنا مدي المستحيل الذي واجهه عبد العزيز وسياسته مع هذا المستحيل حين ننقل عن حافظ وهبة هذه الصورة التاريخية عن المناخ الثقافي السائد في الجزيرة العربية،ذلك المناخ الذي كان يشكل مستحيلا عليه ان يغيره الا بهدوء وروية.  

الهوامش

1-  الامام محمد عبده :الاسلام بين العلم والمدنية :2/124:101.سلسلة التنوير .مصر: الهيئة العامة للكتاب :1993 .

2-  الامام محمد عبده :نفس المرجع :2/174:151.

3-  محمد اسد :الطريق الي مكة :223:291.

4-  جلال كشك :السعوديون والحل الاسلامي :42.

5-  محمد اسد :المرجع السابق :233:231 .

اجمالي القراءات 4373

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (3)
1   تعليق بواسطة   سعيد علي     في   الثلاثاء 22 يوليو 2014
[75257]

إخراج الأزهر من التقليد الأعمى الظلامي إلى النور الذي أنزل مع خاتم المرسلين هو الحل .


يبقى الأزهر كمؤسسة تعليمية و جامعة من مبادئها ( تجلية حقائق الإسلام العظيم كدين سماوي مصدرة الوحيد المحفوظ هو كتاب الله و رسالته المحفوظة من التحريف وهي القران الكريم ) وحيث أن المناخ السائد و المسيطر على الأزهر و علمائه ( إلا من رحم الله و أنار بصيرته بالقران و القران فقط ) أقول يبقى المناخ السائد هو نشر الفكر السلفي النحبلي الوهابي الإخواني !! و ما منح ( الدكتوراه الفخرية لإبن عبد العزيز : الملك عبد الله ) إلا مؤشرا واضحا لمدى تأثير البترودولار على هذه المؤسسة و أكثر من ذلك فالبترودولار له تأثيرا كبيرا على السلطة السياسية في مصر منذ مبارك و في فترة حكم الدكتور مرسي و الآن وحتى بعد أن حدث ( التراشق الصحافي بين صحافة مصر و السعودية ) و سحب السعودية لسفيرها من القاهرة ( هرول ) الإخوان و مرشدهم و شيوخهم إلى بلاط الملك عبد الله و قال كلمته الشهيرة لهم : ( فليقل خيرا أو ليصمت !! موجها كلامه لصحفيي مصر ) إن تنوير الأزهر بفكر القران الكريم هو الحل لا سيما وأن الأزهر يمنح مقاعد لطلبة من مختلف دول العالم في آسيا و أفريقيا و غيرها و بالمجان و لكن ( الثقافة السائدة و المسيطرة على الأزهر ) هي ثقافة المستحيل !! و يبقى قلم الدكتور أحمد و ( بعض الأزاهرة ممن تدبروا القران و عرفوا حقيقة الدين الإسلامي و هي الحرية الكاملة ) هي أو هم الشمعة أو الشموع المضيئة في ظلام الثقافة السائدة !! فصبرا جميلا و الله المستعان .



2   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الأربعاء 23 يوليو 2014
[75288]

هل التغيير حلم يصعب تحقيقه


السلام عليكم ، بصدق كما تقول يا دكتور لابد من تغيير المناخ الثقافي الحاليي ونقصد به تغييرا شاملا ليس تغيير  مؤقت (في الطقس ) وكما يقولون في المثل : ( ترجع ريما لعادتها القديمة ) لأن المناخ قد أصابه العفن من قرون !  ما أحوجنا في مصر والعالم الإسلامي  إلى نهضة معتزلية فكرية تكسر كل آلهة السلف ، تحرق كل الكتب الصفراء ، وتبدأ فكرا جديدا قائما على  نتاج العلم الحديث وثقافته الذي لا يتعارض  مع الإسلام الحقيقي الموجود في القرآن .



3   تعليق بواسطة   آحمد صبحي منصور     في   الخميس 24 يوليو 2014
[75292]

شكرا استاذ سعيد على ، وشكرا استاذة عائشة حسين ، واقول


بدأ أهل القرآن فى تغيير المناخ الثقافى . حتى عام 1977 كان أقصى نقد هو مجرد التساؤل عن حديث فى البخارى مثل حديث الذبابة. الآن صار كثيرون يجهرون بكفر البخارى وغيره ويعلنون الكفر بالسنة ، ويستعملون المصطلحات التى قمنا بصياغتها مثل ( الدين الأرضى ) . كان تقديس الصحابة سائدا وخصوصا الخلفاء الراشدين لا يجرؤ أحد على نقدهم ، حطمنا هذا التقديس وأوضحنا بالأدلة كفر صحابة الفتوحات وأن الاسلام برىء من هذه الفتوحات العسكرية وما تبعها من احتلال وظلم ومذابح وسبى وسلب .

بدأنا وتحملنا ..ومهدنا الطريق لغيرنا . وسارت عجلة التنوير. ونرجو ان تستمر ، حتى يتغير مناخ المسلمين الى الأفضل .  

أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 3223
اجمالي القراءات : 25,352,188
تعليقات له : 3,805
تعليقات عليه : 11,679
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي