الإسلام والقومية العربية...:
مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ الجزء العاشر والأخير

محمد صادق في الإثنين 17 مارس 2014


 

مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ

الجزء العاشر والأخير

الإسلام والقومية العربية...

إن القوى الرجعية لم تعمل فقط على إفراغ  الإسلام من محتواه التقدمى والجهادى، بل سعت إلى تصوير القومية العرية معارضة للإسلام، الأمر الذى يؤدى إلى فصل الطاقة العربية عن الطاقة الإسلامية وصولا إلى إضعاف العرب وتفتيتهم خدمة للقوى الإستعمارية التى تجهد فى أن يكون العرب مشتتين فتسهل السيطرة عليهم.

ولكى تنجلى حقيقة العلاقة بين القومية العربية لا بد من التركيز على الأمور الآتية:

يُفهم من واقع القرءان الكريم أن المسؤولية التاريخية فى قضية الإسلام تقع على كاهل العرب فى المقام الأول، وأن الأمة العربية هى المعنية بالإسلام فى الدرجة الأولى. فالقرءان الكريم جاء بلسان عربى والرسول محمد – عليه السلام – عربى، والدعوة الإسلامية إبتدأت بالعرب مصداقا لقوله تعالى :

" وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ " (سورة الشعراء 214

وقوله تعالى: " وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا " (سورة الشورى 7إن النبى محمد عليه السلام، لم يُبعث إلى عشيرته وأم القرى ومن حولها فقط، وإنما كلفه الله السميع العليم تبليغ الرسالة السماوية إلى الناس كافة وإن إختلفت إجناسهم وتباينت ألوانهم كما قال الله تعالى:

" وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا " (سورة سبأ 28

وقوله تعالى: " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ " (سورة الأنبياء 107

ولعل هذا ما تم تأكيده تحت عنوان " عالمية الإسلام "، ولهذا صار المعيار الأول للتقرب إلى الله سبحانه هو التقوى والإيمان وليس العرق أو اللون، إذ لم تردع عروبة أبى لهب وأبى جهل  مثلا عن الغواية والضلال ولم تمنع رومية صهيب الرومى، ولا قومية بلال الحبشى وسلمان الفارسى من الإيمانبالإسلام ومناصرة النبى عليه السلام.

إذا كان الإسلام قد نزل إلى الناس كافة، فذلك لا يعنى تجاهل حقيقة كانت ولا تزال من الحقائق الثابتة، وهى أن الإسلام لم ينطلق من حدوده الضيقة فى الجزيرة العربية إلى كافة الآفاق لأن العرب كانوا من القوة المادية والفكرية بحيث تمكنوا من إستيعاب كل خصوصيات الأمم المحيطة بهم مما يسر لهم نشر الدين الإسلامى بصورة سريعة.

لذلك فإن أى تفكير فى إنبعاث إسلامى بمعزل عن إسهام العرب فيه، هو سلوك لا قيمة له، ومن ناحية أخرى فإن الإنبعاث الإسلامى بدون العرب متحدين فى دولة قومية عربية واحدة، سيلقى من الصعوبة ما يجعل إنتشاره عسيرا لأن للعرب من التأثير الأعظم الذى يتجسد فى إلتصاقهم التاريخى بالإسلام، وفى لسانهم العربى الذى هو لسان القرءان المبين.

وعلى هذا فإن العامل الدينى والقومى، تبعا للترابط بينهما، يحركان التاريخ ويؤثران تأثيرا مباشرا فى تموين الأمم سلبا ولإجابا. وكانا وما يزالان السبب فى كل التحولات التاريخية الكبيرة. بمعنى أن التاريخ يصنعه ويحركه هذا العامل الفكرى للقومية والدين.

ويُستنتج من كل هذا، أن الإسلام فى حقيقته الصافية قد نشأ عن قلب العروبة وساير تاريخها وإمتزج بها فى أزهى أدواره، فلا يمكن أن يكون هناك إصطدام بينه وبين القومية، فهو جزء مهم مغذِ لها، ومفصح عن أهم نواحيها الروحية المثالية وسيبقى الدين الإسلامى ورسالة القرءان الكريم إلى الأبد بالرغم من الحاقدين، دين التقدم والعلم والجهاد، يستوعب حميع الشعوب والقوميات محافظا على خصوصيات كل منها.

الخاتمة...

الدين ضرورة... إذ لا حياة بلا دين.. حتى الذين لا يؤمنون بدين سماوى نجدهم يستلهمون لأنفسهم دينا وضعيا، وهذا يبين لنا بجلاء أن الدين ضرورة حياتية، وأن الحياة لا تستقيم بدونه. فالدين ضرورة بغض النظر عن الإيمان به أولا، سواء كان ذلك على مستوى الفرد أو على مستوى الدولة.

إن أى أمة تحتاج إلى مرجع تحدد على أساسه الحق والباطل، الخير والشر، الحلال والحرام، الحقوق والواجبات، وعندما يكون هذا المرجع دستورا وضعيا فإنه يفتقر إلى قوة الإقناع والإحترام والقدسية. لأنه يحتاج أولا إلى مرجع آخر يستند إليه ويبرره حتى يضفى عليه الإحترام والقدسية. ولأنه قابل ثانيا للحذف والتعديل والإلغاء والتبديل لسد الثغرات التى قد تظهر فيه مراعاة لأمزجة الأنظمة السياسية المتلاحقة ومصالحها.

ذلك أن كل نظام سياسى يريد أن يكون الدستورملبيا لحاجته ومبررا لسلوكه ونهجه، ختى ولوكان نهجا ديكتاتوريا دمويا ولكن عندما يكون شريعة المجتمع هو الدين أو العرف أو الإثنين معا، الذى يرقى إلى قوة الدين، فإن كل الناس سوف تتقبل أحكامه بلا جدل أو شك أو خلاف. ويستحيل على أى نظام سياسى أن يغير فيه شيئا أو يحذف أو يضيف، نظرا لما للدين من قدسية وإحترام، ونظرا لأنه المرجع الوحيد الذى يتفق عليه الجميع.

أما على مستوى الفرد فإن للدين ايضا ضرورتها القصوى. فبدون دين تصبح حياة الإنسان بلا معنى تماما كحياة سائر الكائنات الأخرى. ومن لا دبن له لا خلاق له. إذن الدين هو مصدر الإلزام الأخلاقى لكل فرد، والذى لا دين له ليس لديه مصدر للإلزام الأخلاقية. فكيف يُمكن الثقة فى إنسان لا دين له؟ ما هو الوازع الذى يجعله يصدق القول؟ وما هو الوازع الذى يبعده عن خيانة العهد ؟

فقد يقول قائل إن المجتمع يمكن أن يكون مصدرا للإلزام الأخلاقى. فالإنسان يصدق القول خوفا من المجتمع، ويفى بوعده خوفا من المجتمع، ولكن المجتمع لا يمكن أن يكون مصدرا للإلزام الأخلاقى فالإنسان يستطيع أن يخدع المجتمع ويستطيع أن يتوارى وينعزل عنه.

وقد يقول قائل إن القانون يصلح أن يكون مصدرا للإلزام الأخلاقى ولكن المرء يستطيع أيضا أن يتحايل على القانون ويخدعه. وهنا يصبح الإنسان وحشا تُسيره غريزته الحيوانية.

إذن ليس هناك من مصدر غير الدين له قوة الإلزام الأخلاقى. فالدين هو ضمير الإنسان. فعندما يكون المرء ملتزما دينه متمسكا بأوامره وتعليماته، فإنه يسلك نفس السلوك الأخلاقى، ويفعل الخير ويتجنب أفعال الشر، سواء كان أمام الناس أو بمعزل عنهم. لأنه يخاف الله السميع العليم ويعلم أنه سيحاسب فى يوم من الأيام أمامه.

والدين بالإضافة إلى أنه يشكل ضمير الإنسان وذمته، فإنه أيضا مصدر للراحة والإستقرار فى المجتمع. فالمجتمعات المتدينة هى اقل المجتمعات معرفة بالجرائم وعمليات الإنتحار، وما إلى ذلك من الجرائم التى هى سمة من سمات المجتمعات التى تطغى فيها الجوانب المادية.

والأديان السماوية، إلى جانب كل ذلك تعتبر المصدر الساسى للمعرفة. فهى التى تجيب عن كل الأسئلة التى تدور فى ذهن الإنسان عن كل ما هو غيبى غير محسوس: عن بداية الخلق ونهايته، عن الكينونة والصيرورة، عن سر الحياة والموت وما إلى ذلك.

وبناء على هذه الحقائق جميعها، فإن الدين ضرورة للفرد والمجتمع. إن الإسلام هو إسلام الفكر والعمل والتقدم، وليس إسلام الجوارى والإسراف وإكتناز الأموال وإستعباد الناس وإستغلالهم.. كل هذا كى يعود للدين الإسلامى صورته الحقيقية المشرقة.

وإلى هنا ينتهى " ما قدروا الله حق قدره " ونلتقى بإذن الله تعالى مع موضوع آخر إن كان فى العمر بقية.

وأود أن أختم هذه السلسلة بآية من الذكر الحكيم: " آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ " البقرة 285

أستودعكم الله سبحانه والسلام على من إتبع الهدى...

 

 

 

 

اجمالي القراءات 11929

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (3)
1   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الإثنين 17 مارس 2014
[73985]

ومن رضي الحياة بغير دين .... فقد رضي الفناء لها قرين


السلام عليكم أستاذ محمد ، لاشك أن  ماتفضلت به عن الدستور القرآني كمنهج صحيح مائة في المائة  ولا سبيل إلى استبدال القرآن كمنهج بأي دستور آخر بشري لأن الدستور الوضعي البشري يحمل قصور وعوارا  مهما كانت قوته ومهما كانت دقته  ! هذا أمر  ليس فيه جدل أو فصال لكن ما فيه جدال وفصال حقا الحامل للقب  :"المسلم "   الذي يبعد عن لقبه  بمقدار يجعل غير حاملي اللقب يجعلونه مقياسا للأسف الشديد  وتسوء الحالة أكثر عندما  يكون مسلما وعربيا  أيضا يضاعف حجم المشكلة وهذا مع الأسف الشديد . أتمنى حقا أن أوافقك الرأي ولكن ليس كل مايتمنى المرء يدركه ..  



2   تعليق بواسطة   محمد صادق     في   الأربعاء 19 مارس 2014
[73999]

ألأخت الكريمة الأستاذة عائشة حسين


وعليكم السلام أستاذة عائشة..



أشكرك شكرا جزيلا على مداخلتك الكريمة ، وآسف على التأخير فى الرد على سيادتكم.



طبعا أوافق على مقولتك بأن الجدال والفصال فى حامل للقب مسلم، لا أختلف مع سيادتكم فى هذا، ولكن لم أستوعب عبارة جاءت فى آخر تعليق سيادتكم تقول :



أتمنىحقا أن أوافقك الرأي ولكن ليس كل مايتمنى المرء يدركه ..  


 


أرجو من سيادتكم توضيح  إن كان هناك خطأ من طرفى فلا بد من التصحيح وأنا أتعلم من كل صغير وكبير، فأرجو ما هو هذا الرأى الذى فيه عدم الموافقة. أكون شاكر لسيادتكم حتى أستفيد.


أخوكم محمد صادق


3   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الأحد 13 ابريل 2014
[74099]

مجرد مسافة


السلام عليكم أستاذ محمد الصادق  ، عذرا لتأخري في الرد ،   مجرد مسافة واحدة لم تأتي اثناء الكتابة  فهي اتمنى    حقا  المقصود أنني أتمنى أن أوافقك الرأي  ولا انتقد المسلمين ولكن ليس كل ما يتمنى المرء يدركه 



شكرا  والسلام عليكم 



أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-10-30
مقالات منشورة : 398
اجمالي القراءات : 5,524,861
تعليقات له : 685
تعليقات عليه : 1,373
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Canada