العوام جنود تطبيق الشريعة الحنبلية القائمة على أساطير الشفاعة ب5 ف 2

آحمد صبحي منصور في الخميس 05 ديسمبر 2013


العوام جنود تطبيق الشريعة الحنبلية القائمة على أساطير الشفاعة ب5 ف 2

النبى لا يشفع يوم الدين :( كتاب الشفاعة بين الاسلام والمسلمين )

الباب الخامس : الشفاعة وتطبيق الشريعة الحنبلية

الفصل الثالث  : العوام جنود تطبيق الشريعة الحنبلية القائمة على أساطير الشفاعة

أولا : الحنبلية دين العوام

1 ـ اساطير الشفاعة وما تعنيه من تأليه للنبى والأئمة وتأليه ابن حنبل هو القاعدة الايمانية فى الدين السُّنى الحنبلى . أقاموا على هذا الإيمان شريعة التسلط على الناس والبغى عليهم والتخكم فى عقائدهم وسلوكياتهم بحديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره  ..) وهم أهل التنفيذ وهم أيضا أهل التفسير لما هو المعروف وما هو المنكر ، فما يتفق مع أهوائهم فهو المعروف وما لا يعرفونه وما لا يفهمونه وما لا يوافقون عليه فهو المنكر ، ومفروض عليهم تغييره باليد ، وبما تحمله اليد من سلاح ، وباللسان بالدعوة وأفانين الافتراء والكذب على ورسوله . وحتى يضموا اليهم الأغلبية الصامتة فهى أيضا مفروض عليها الانكار والتغيير بالقلب ،مع أن القلب لا يستطيع إن يُحدث تغييرا . بالاضافة الى شريعة التسلط والارهاب فقد ترسخت شريعة الانحلال بالفواحش بنوعيها الطبيعى و الشّاذ . وفى رحاب العقيدة الايمانية ( الشفاعة ) وضمان دخولهم الجنة مهما إرتكبوا من إثم وعدوان وفواحش إنطلق العصر العباسى الثانى فى حمأة الرذيلة ، وبنفس الحماس الذى إنتشر فيه التزمت الحنبلى و التدين السطحى بمزاعم التقوى والتوبة والنقاب والازدحام فى مجالس الوعظ والقصص الدينى .

2 ـ هنا لا ننسى أن نوعى الكبائر من الذنوب هما الفواحش الجنسية والبغى أو الظلم . وأن المتقين هم الذين إذا فعلوا فاحشة أو وقعوا فى الظلم بادروا بالتوبة: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135)آل عمران )  لأن المتقى يخاف ربه إن عصى من عذاب يوم عظيم: ،( قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) الزمر) حيث لا مجال لأُمنيات الشفاعات ، فمن يعمل سُوءا لا بد أن يُجزى به ، ولن يجد له من ينصره أو يشفع فيه أمام الواحد القهّار :( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً (123) النساء )

3 ـ كان سهلا نسيان هذا الرقى الحضارى الاسلامى فى العقيدة والسلوك طالما أتاح الدين السّنى الحنبلى للرعاع والعوام تصدر الحياة الدينية بمجرد أن يفترى أحدهم حديثا أو يدوّنه أو يتحدث به فى مجالس الوعظ . هنا نصل الى نوعية أخرى من التشريع الحنبلى وهى ( تجهيل العوام ) . بالحنبلية تم تجييش العوام للإعتداء والتسلط بزعم تغيير المنكر ، وتم الهبوط بأخلاقهم للحضيض بزعم دخولهم الجنة مهما وقعوا من فسوق وعصيان . ثم تم تعليمهم الجهل (الدينى ) والهبوط بعقلياتهم الى أحط مستوى بالاعتقاد فى المنامات وتقديس القبور وتصديق أى خُرافة تُقال ونشر الثقافة السمعية التى تُسارع بالتصديق والايمان بكل ما تسمعه الإذن دون التثبت وطلب البرهان .

ومن عجب أن يأمر رب العزة بالتثبت فى أمور الدنيا فيقول جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)الحجرات). ويأتى فاسقون بأخبار كاذبة وأحاديث كاذبة ملفقة بإسناد مُضحك يسرى عبر القرون من وقتهم حتى عصر النبوة. ثم بدلا من إعتبارهم فسقة مستحقين للإحتقار فإنهم يصبحون أئمة ، ولا يزالون ، بدليل الرُّعب الذى يرتسم على ملامح الرعاع والعوام ودعاة العوام حين ننقد آلهتهم السنية الحنبلية من البخارى الى ابن حنبل ومسلم وغيرهم .

4 ـ كان سهلا نجاح التطبيق للدين الحنبلى لأنه يُلبى أهواء العوام . من الصعب أن تبنى وأن تُصلح ، ومن السهل أن تهدم وأن تُغوى . هناك من الأميين الذين لا يقرأون ولا يكتبون ولكن لهم عقولا يستنيرون بها . قد يكون احدهم جاهلا بالقراءة والكتابة ولكنه عاقل يصونه عقله من تصديق الخرافات والأكاذيب . هذا ( الأمى ) العاقل خير ألف مرة من حاصل على شهادة أزهرية تعلم فيها (الجهل الدينى ) فيما يعرف بالأحاديث واللاهوت الدينى القائم على الخرافات والأكاذيب . وهذه لا تزال مُشكلتنا فى التعليم الدينى فى مصر لدى المحمديين والمسيحيين على السواء . مشكلة ( تعليم الجهل ) . أو الهبوط بالعقل الانسانى الى حضيض الجهل بزعم أنه (علم دينى مقدس ). وهذا ما فعله الحنابلة فى عوام العصر العباسى الثانى ، وهذا ما يفعله الآن فى عصرنا الحنابلة الوهابيون ، فالوهابيون هم حنابلة هذا العصر .

ثانيا : العوام هم جنود التطبيق الحنبلى

1 ـ  فى عصر الخليفة المأمون كان الشاعر العتابى يسير فى شوارع بغداد، فدخل السوق وهو يأكل الطعام ،وكان ذلك يخالف المروءة أو" الاتيكيت"لدى ارباب الطبقة العليا،ولذلك احتج عليه صديقه قائلا "أتأكل الطعام فى السوق ويراك الناس؟" فقال له العتابى ساخرا:"وهل اولئك ناس؟انهم بقر" ، فاحتج صديق العتابى وزمجر،فقال له العتابى:"سأريك ان كانوا ناسا أم بقرا" ثم صعد الى الربوة ونادى فى الناس"ياقوم هلموا أحدثكم عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم )،فتدافع اليه الناس واجتمعوا حوله،واقبل يحدثهم يقول:روى فلان عن فلان عن فلان ان رسول الله.(صلى الله عليه وسلم)قال.وظل يخرج من حديث الى أخر وقد تعلقت به العقول والقلوب والعيون، وسيطر على المستمعين ،اذا حرك يده يمينا تحركت رؤوسهم يمينا،واذا أومأ برأسه يسارا التفتوا يسارا ،الى أن قال لهم ...وروى غير واحد(اى أكثر من واحد)أنه صلى الله عليه وسلم قال :اذا بلغ لسان احدكم ارنبة انفه دخل الجنة) وسكت...فاذا بكل واحد من المستمعين يخرج لسانه يحاول ان يصل به الى ٍانفه،واصبح منظرهم جميعا مضحكا،فالتفت العتابى الى صديقه ساخرا وقال: ألم اقل لك انهم بقر؟ ) .

2 ـ ذكرنا هذه الحادثة فى موضوع الاسناد ، ونستشهد بها هنا للتعرف على من أسماهم الشاعر العتابى ( بقر ) وهم السوقة وأصحاب الحرف والمهن ، ومن أبنائهم من تعلم الحديث وصار يحمل مهنة والده وأسرته وهو شيخ للحديث ، وسافر من بلده الى الحواضر المشهورة فظل يحمل اسم بلده الأصلى سجستان ( السجستانى ) بخارى ( البخارى ) نبسابور ( مسلم النيسابورى ) ترمذ ( الترمذى ) طبرية ( الطبرى )..الخ . كل منهم يزعم أنه لقى فلانا من العلماء فى بعداد أو الكوفة أو البصرة أو المدينة أو اليمن أو القاهرة . ولم تكن هناك معاهد علمية تعطى شهادات. ولم يكن هناك من يتحقق من زعم فلان أنه لقى فلانا أو سمع منه . وهذا الفلان الذى يقصدونه شيخا يُملى عليهم أحاديث يزعم أنه سمعها من فلان عن فلان عبر القرون حتى النبى ، وهو فى الواقع يمليهم أحاديث من تأليفه ، وينشرها ويسجلها أولئك التلاميذ على أنها ( دين ) . هؤلاء التلاميذ هم الطبقة الأعلى من العوام ، الذين ترقوا على مستوى آبائهم من العوام الموصوفين بالبقر . أما الشيوخ مصدر تلك الأكاذيب فهم القادة للعوام ، وهم أيضا بحكم مستنواهم العلمى وتخصصهم فى الكذب لا يزالون فى طبقة العوام . فليس (الحديث ) علما على الاطلاق . هو أكاذيب وخرافات .

3 ـ ويقال فى ترجمة ( على بن عاصم ت 201 ) الذى عاصر العتابى وخلافة المأمون ، إنه كان يجتمع عنده أكثر من 30 ألفا من الطلبة ، وكان يجلس على سطح لتراه هذه الألوف المؤلفة .( تاريخ بغداد 11 / 103 ـ المنتظم 10 / 103  ) هنا تقدير لعدد الطلبة لشيخ واحد فى مدينة واحدة ، وهذا يدلنا على إنخراط مئات الألوف من الطلبة على سماع مئات الشيوخ فى عشرات المدن ، وهذا فى عصر المأمون . وبالتالى نتخيل أضعاف أضعاف أضعاف هذا العدد فى عهد الخليقة المتوكل الذى فرض الحنبلية دينا ، وشجع ملايين العوام على الانخراط فى السنة الحنبلية ، وأن يكون لهم بها نفوذ دينى ، وقد كانوا من قبل من المهمشين الذين لا يأبه بهم أحد . وفى وضعهم الجديد كانوا يحتاجون الى رمز ينتسبون اليه وزعيم يحملون إسمه فوجدوه فى شخصية ابن حنبل بعد موت ابن حنبل .

ثالثا : جنازة ابن حنبل أكبر مظاهرة للعوام وجعلوها أكبر جنازة فى تاريخ المسلمين :

1 ـ أفرد إبن الجوزى فى مناقب ابن حنبل أبوابا تتحدث عن جنازته . فى باب 83 ( فى ذكر الجمع الذين صلّوا عليه ) قال أحدهم ( دفنا أحمد بن حنبل يوم الجمعة بعد العصر سنة إحدى وأربعين ( بعد المائة ) ، وما رأيت جمعا أكبر من ذلك ). وقال عبد الوهاب الوراق : ( ما بلغنا ان جمعا كان فى الجاهلية والاسلام مثله . حتى بلغنا أن الموضع مُسح وحُزّر على التصحيح فإذا هو نحو من ألف ألف ، وحزرنا على السور نحوا من ستين ألف إمرأة ، وفتح الناس أبواب المنازل فى الشوارع والدروب ينادون : من أراد الوضوء . وكثر ما غشترى الناس من الماء ..) . وأخبر بنان القصبانى أنه حضر جنازة أحمد بن حنبل مع من حضر (.. فكانت الصفوف من الميدان الى قنطرة باب القطيعة . وحُزّر من حضرها من الرجال ثمان مائة ألف ، ومن النساء ستون ألف إمرأة . ) . وقال موسى بن هارون ( يقال أن أحمد بن حنبل لما مات مُسحت الأمكنة المبسوطة التى وقف الناس للصلاة عليها ، فحُزّر مقادير الناس بالمساحة على التقدير ستمائة ألف وأكثر ، سوى ما كان فى الأطراف والحوالى والسطوح والمواضع المتفرقة أكثر من ألف ألف . ). وبعث الخليفة المتوكل عشرين شخصا لتقدير عدد الناس فقدروا العدد بألف ألف وثلثمائة ألف سوى من كان فى السُّفن . وفى رواية أخرى مليون ونصف المليون . وافتخر عبد الله بن أحمد بن حنبل فزعم أن أباه قال ( قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم يوم الجنائز )

2 ـ وفعلا فإن المعتزلة ( أهل البدع ) إرتعبوا من هذا العدد الذى لا مثيل له لأنه يعتبر إستفتاءا شعبيا يؤكد إنحياز الأغلبية لما اصبح يعرف بالحنابلة ، والأغلبية طبعا هى العوام الذين أتاح لهم المتوكل حرية التعبير وأتاح لهم حديث تغيير المنكر حرية التسلط . لذا يضع ابن الجوزى الباب رقم 84 بعنوان ( فى ذكر ما جرى عند حمل جنازته من مدح السُّنّة وذمّ أهل البدع ) . يقول فيه : ( صلُّوا على أحمد بن حنبل فى المصلى ، وظهر اللعن على الكرابيسى ( شيخ المعتزلة وقتها ) ..فاُمر بلزوم بيته حتى مات ).! . وقال أحدهم : ( شهدت جنازة أحمد بن حنبل وفيها بشر كثير ، والكرابيسى يُلعن لعنا كثيرا بأصوات عالية ، والمريسى أيضا ) . وكان من حُسن حظ المريسى أنه مات من قبل . ويقول عبد الوهاب الوراق : ( أظهر الناس فى جنازة أحمد بن حنبل السُّنّة والطعن على أهل البدع . فسرّ الله المسلمين بذلك على ما عندهم من المصيبة لما رأوه من العزّ وعلو الاسلام ، وكبت الله أهل البدع والزيغ والضلالة . ) نراه هنا يحترع على عادة الحنابلة الاها متحيزا للحنابلة عدوا لخصومهم ، ويخترع إسلاما لا يتسع لغير الحنابلة . ونواصل نقل ما يقول هذا الرجل : (  ولزم بعض الناس القبر ، وباتوا عنده ، وجعل النساء يأتين فأرسل السلطان أصحاب المسالح فلزمزت ذلك الموضع حتى منعوهم مخافة الفتنة ). وفى الباب رقم 85 وتحت عنوان ( فى ذكر إزدحام الناس على قبره بعد دفنه ) يقول ابن الجوزى عن أحدهم أنه حضر جنازة أحمد بن حنبل ومكث طول الاسبوع يحاول الوصول الى قبره فلم يصل بسبب إزدحام الناس عليه . ووصل اليه بعد اسبوع .

3 ـ قد يُقال أن ابن الجوزى يُبالغ على عادته فى مناقب ابن حنبل ، ولكنه هنا لا يحكى منامات أو يروى أحاديث ، بل يروى تاريخا يُمكن تصديقه فى ضوء حاجة العوام والرعاع الى رمز دينى يلتفّون حوله ، ومن الأفضل أن يكون هذا الرمز ميّتا مدفونا ليُقدسوا قبره ، وليؤلفوا حوله ما تشاؤه أهواؤهم من أساطير ومن تشريعات ومؤلفات . وكان ابن حنبل هو الشخص المناسب بعد موته . لم يكن صالحا لهذه المهمة فى حياته بسبب جُبنه وهروبه وإعتزاله خوفا من السلطان حتى بعد أن تولى الخليفة المتوكل . ولم يرد فى مناقب ابن حنبل التى كتبها ابن الجوزى وغيره أن الناس إزدحموا على بيته بعشرات الألوف كما كانوا يفعلون مع غيره لأنه ببساطة إعتكف وإعتزل ، بل وتكلم ابن الجوزى فى مناقبه عن إعتكافه وإيثاره ( خُمول الذكر ) تاركا غيره من شيوخ الحديث يتوافدون على قصر المتوكل ، ويتلقون منه العطاء ويسافرون الى الآفاق ينشرون ( السنة ) حسبما قال ابن الجوزى فى تاريخ المنتظم. ابن حنبل بعد موته أصبح الرمز المناسب ، لذا تحولت جنازته الى مظاهرة لاعلاء دين العوام الأرضى ، باعتباره دين الأغلبية أو كما يقولون عنه حتى الآن ( أهل السنة والجماعة ).

4 ـ ومن الطريف أن المؤرخ المسعودى لم يتعرض لمحنة ابن حنبل فى عصر المأمون والمعتصم ، بل إنه فى سطر واحد أشار بسرعة الى مقتل أحمد بن نصر الخزاعى فقال : ( وفى سنة إحدى وثلاثين ومائتين قتل الواثق أحمد بن نصر الخزاعى فى المحنة على القرآن ) . أى أن المسعودى لم ير فى تاريخ ابن حنبل ما يستحق التأريخ ، إلّا إن المسعودى ذكر موت ابن حنبل ورأى أن جنازة ابن حنبل خبرا يستحق التوقف معه . يقول عنها: ( وحضر جنازته خلق من الناس لم يٌر مثل ذلك اليوم ، والاجتماع فى جنازة من سلف من قبله. ). ويتكلم عن العوام الذين حضروا الجنازة مندهشا مما قالوه : (وكان للعامة فيه كلام كثير جرى بينهم بالعكس والضد فى الأمور ) فالمسعودى ـ وهو مؤرخ وجغرافى مثقف وأقرب للمعتزلة ـ يعتبر قول العوام شيئا يخالف المعقول . ويستشهد بما نادوا به فى الجنازة التى حولوها الى مظاهرة : ( منها أن رجلا منهم كان ينادى : إلعنوا الواقف عند الشبهات  )ويعلق المسعودى فيقول : ( وهذا بالضد عما جاء عن صاحب الشريعة عليه السلام ) أى يخالف السُّنة الحقيقية للرسول . ويقول المسعودى : ( وكان عظيم من عظمائهم ومقدم فيهم يقف موقفا بعد موقف أمام الجنازة وينادى بأعلى صوته : وأظلمت الدنيا لفقد محمد ..   وأظلمت الدنيا لفقد ابن حنبل ) يقول المسعودى : ( يريد أن الدنيا أظلمت عن وفاة محمد عليه السلام ، وأنها أظلمت عند موت ابن حنبل كظلمتها عند كوت الرسول صلى الله عليه وسلم )( مروج الذهب 2 / 283 ، 404 ).  المسعودى يرى كلام العوام وقادتهم من اللعن ومساواة ابن حنبل بالرسول يأتى بالضدّ للاسلام ، ومع ذلك فلم يتهمهم بالكفر ، وعبّر عن رأيه بدبلوماسية . هذا بينما نجد رواة الحنابلة ومؤرخيهم كابن الجوزى يحتكرون الدين لهم ويكفّرون خصومهم ويلعنونهم فى الوقت الذى يرفعون فيه شيخهم ابن حنبل فوق مستوى الالوهية كما سبق التعرض له . والذى لم يفطن اليه المسعودى أننا بإزاء دين أرضى جديد يعبر عن العوام . الطريف أن المسعودى يشير فى نفس الصفحة الى أشهر من مات من المعتزلة ، ويصفهم باللقب الذى إشتهروا به وهو ( اهل العدل ) فيقول : ( وفى السنة التى مات فيها ابن حنبل كانت وفاة محمد بن عبد الله بن محمد الاسكافى ، وكان من أهل النظر والبحث ومن عليه أهل العدل ) أهل العدل يعنى المعتزلة . ويقول ( وكانت وفاة جغقر بن المبشر سنة أريغ وثلاثين ومائتين ، وكان من كبار أهل العدلية وأهل الديانة من البغداديين ) يقصد المعتزلة . ويستطرد فى ذكر من مات من المعتزلة    بنفس الأسلوب . هؤلاء المعتزلة هم الموصوفون عند الحنابلة بالمبتدعة والضلال والكفر.  

الخاتمة

1 ـ نحن الآن أمام جيش من الأغلبية ( العوام )، جنوده ممن سماهم الشاعر العتابى ( البقر ) وقادتهم المباشرون ممن تعلم الجهل على أنه دين الاسلام ، والقادة الكبار هم المتخصصون فى إختراع الأكاذيب فى شكل احاديث ومنامات .

2 ـ هو تقسيم يشبه فى عصرنا ( الأمن المركزى ) فى مصر ، حيث يتم تكوين جيش الأمن المركزى من المجندين الأميين الريفيين الغوغاء الجهلاء ، ثم يقوم بقيادتهم ضباط الشرطة الذين يتلقون الأوامر من كبار القادة . تصدر الأوامر من القيادات فيبلغها الضباط للجنود بالضرب فيقوم ( البقر ) بالتنفيذ حتى لو كان سحل الفتيات وتعريتهن فى الشوارع . نفس التقسيم فى مظاهرات الاخوان والسلفيين . تصدر الأوامر من القيادة العليا ويقوم الناشطون فى الشارع بتنفيذها عبر قطيع من البقر الذين يفعلون ما يؤمرون بفعله وهم مسلوبو العقل والضمير لأنه تمت برمجة عقولهم على أن هذا هو الاسلام ، وأن خصومهم فى الفكر وفى السياسة هم أعداء الاسلام .

3  ـ تخيل أن تتسلح هذه الغوغاء وأن تنطلق لتفعيل دينها على جثث خصومهم من المثقفين ( المعتزلة ) وأهل الكتاب والشيعة . تخيل هذا القطيع وهم يمارسون الاعتداء والتسلط بحديث تغيير المنكر باليد والسلاح ، وهم تحت مظلة أحاديث الشفاعة تضمن لهم الجنة بما يفعلون وما يرتكبون . هذا ما كان يحدث فى العصر العباسى الثانى ، والذى سنعيش معه فى المقالات القادمة لنرى الحضيض الذى وصلنا به الآن حين أعادتنا الوهابية الحنبلية الى أحطّ عصور السلف .

اجمالي القراءات 6582

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (3)
1   تعليق بواسطة   محمد وجيه     في   الجمعة 06 ديسمبر 2013
[73368]

بارك الله فيكم و أعانك على إتمام هذه المهمة الشاقة...


هذه الومضات التى تبعثها فى كتاباتك تنير الطريق و تكشف لنا كيف وصل حال بلادنا إلى ما هى عليه الآن، رغم كثرة المثقفين و كثرة كتاباتهم إلا أن أحدا –على حد علمى- لم يصل إلى ما ذهبتم إليه فى أبحاثكم، أرجوك استمر و تابع ما تقوم به، فأنتم بأناملكم تعزفون لحن النجاة لهذه الأمة و تبعث الأمل فى نفس كل مؤمن.



 


2   تعليق بواسطة   آحمد صبحي منصور     في   السبت 07 ديسمبر 2013
[73375]

الى الاستاذ محمد وجيه ..ومع الشكر أقول


أدعو الله جل وعلا أن يعينكم على نشر كلمة الحق لتصل الى الآفاق.



لقد تواضعت أحلامى لتصبح مجرد التمنى بأن أواصل نشر مؤلفاتى فى هذا الموقع الى آخر ما لدى من إستطاعة ، تاركا لهم مهمة توصيلها عبر الانترنت .



وسبحان من لا يكلف نفسا إلا وسعها .



3   تعليق بواسطة   محمد وجيه     في   الإثنين 09 ديسمبر 2013
[73422]

من طيب أصلكم و خلقكم الرفيع أن تدعونى بالأستاذ ...


ما أنا إلا أحد متابعيك ممن تفتحت أعينهم على الحقائق الغائبة من خلال كتاياتك، و لولا جهادك لما تعرفت على طريق الحق، فيكفى أنك ضحيت بكل عزيز لتنفع آخرين لا تعلمهم، الله وحده يعلمهم.  



نسأل الله أن يجعلنا سببا فى نشر كلمة الحق .. جزاك الله عنا خير الجزاء...


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4065
اجمالي القراءات : 35,820,440
تعليقات له : 4,423
تعليقات عليه : 13,099
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي