نقد منهج ابن عبدالبر في التمهيد على الموطأ

سامح عسكر في الخميس 14 نوفمبر 2013


عاش ابن عبدالبر(368-463هـ) في قرطبة الأندلسية، وعاصر سقوط الخلافة الأموية وسلطة بني حمود، بل وشهد أوائل ملوك دولة الطوائف، وعاش في كنف بني الأفطس وما اشتُهِرَ عنهم من العلم والفكر، خاصةً المظفر محمد بن عبدالله الأفطس صاحب كتاب"المظفري"الكبير والمشهور تاريخياً ولكن لا توجد له نسخة واحدة(دولة الإسلام في الأندلس 2/87)....هذه النشأة والبيئة أثرت في الرجل حيث وبسقوط الأمويين شجعه ذلك على اتخاذ موقف شديد من معاوية، بل ابن عبدالبر يكاد يشتهر بهذا الموقف المعادي للأمويين وأصحابهم..

وقد أكرمه بنو الأفطس وأغدقوا عليه المناصب حتى تولى القضاء الشرعي، وفي هذه الأجواء المشجعة ظهر ابن عبدالبر بكثرة التأليف والتصنيف، خاصة في الفقه المالكي وكتابه الكبير.."التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد"..وكان دافعه حسب ما كتب في مقدمته.." إني رأيت كل من قصد إلى تخريج ما في موطأ مالك -من حديث رسول الله- قصد بزعمه إلى المسند وأضرب عن المنقطع والمرسل"..ثم وصل لقراره.." رأيت أن أجمع في كتابي هذا كل ما تضمنه موطأ مالك في رواية يحيى بن يحيى الليثي من حديث رسول الله مسنده ومقطوعه ومرسله وكل ما يمكن إضافته عليه السلام،ورتبت ذلك مراتب قدمت فيها المتصل ثم ما جرى مجراه مما اختلف في اتصاله ثم المنقطع والمرسل"اهـ.. 

ويبدو أن ليحيي الليثي عند ابن عبدالبر منزلة عظيمة وثقة في الرواية ظهرت في قول ابن عبدالبر.." وإنما اعتمدت على رواية يحيى بن يحيى المذكورة خاصة لموضعه عند أهل بلدنا من الثقة والدين والفضل والعلم والفهم ولكثرة استعمالهم لروايته وراثة عن شيوخهم وعلمائهم"اهـ.. ويحيي الليثي هو من أشهر رواة الأندلس المالكيين(152-234هـ) وهو من أدخل علوم الموطأ للأندلس بعدما استقرت الأوضاع للأمويين في إسبانيا ، فأخذ ابن عبدالبر رواية يحيي ووصل بها المقطوع والمُرسل من الموطأ وهو ما كشفه ابن عبدالبر في قوله.." ووصلت كل مقطوع جاء متصلا من غير رواية مالك وكل مرسل جاء مسندا من غير طريقه... ليرى الناظر في كتابنا هذا موقع آثار الموطأ من الاشتهار والصحة "انتهى

من هذه الخلفية كتب ابن عبدالبر كتاب التمهيد، وكان يقصد به تقوية الموطأ في علم الأسانيد، خاصةً وأن الموطأ كله بلاغات ومراسيل وعنعنات لا يعمل بها فقهاء المذاهب سوى المالكية، وقد جاء ابن عبدالبر بعد مالك ب300 عام ليوصل تلك البلاغات والمراسيل عدا القليل، وهذا يعني أن الحديث وصل في عهد ابن عبدالبر إلى مرتبة عليا تجرأ فيها العلماء لوصل الأخبار عن النبي بشكل رجعي وهذا غريب!!..لكن تزول الغرابة إذا علمنا أن عصر ابن عبدالبر كان فيه التحديث عن الرسول مهنة النُجباء والقُضاة، ولم يُعجِب ابن عبدالبر كيفية تعامل الفقهاء مع الموطأ فأثبت لهم صحته، حتى أنه لم يكتفي بأساليب المالكية التي تصحح المراسيل والبلاغات بمجرد الثقة..

ولكن من هو يحيي الليثي الذي وثق فيه ابن عبدالبر؟...وهل سمع يحيي الموطأ من مالك أم من شخص آخر؟..خاصةً إذا علمنا أن عصر مالك كان النقل فيه شفهياً والموطأ كان فريداً في تدوينه، وربما لم تعلم به الأمصار إلا بعد عقود، وهذا يعني أن ال 200 عاماً الأولى في تاريخ الإسلام لم يُدوّن فيها كتاب حديث واحد ومعتبر سوى الموطأ، وقد علمنا ما فيه من الكلام...فضلاً عن 200 عام ونيفاً هي المسافة ما بين سماع يحيي الموطأ وتقريظ ابن عبدالبر له واعتباره عمدة التمهيد لتصحيح كتاب مالك، وكذلك لم يلتقِ يحيي مالكاً سوى في عامه الأخير قبل وفاته، فكيف سمع الموطأ ومالك مريض؟..وكيف ضبطه وهو حينذلك كان شاباً في العشرينات ؟..(الديباج المذهب 2/352)

يحيي الليثي قال عنه الحافظ في التهذيب هو .." يحيى بن يحيى بن كثير الليثى ، الأندلسى القرطبى ،روى عن مالك الموطأ إلا يسيرا منه فإنه شك فى سماعه فرواه عن زياد بن عبد الله شبطون عن مالك "اهـ...وقال فيه ابن حجر صدوق قليل الحديث وله أوهام وأضيف أنه لم يروي له أصحاب الكتب الستة، يعني أنه غير مشهور، وهو لم ينقل الموطأ سماعاً من مالك(تاريخ الإسلام 5/ 972) رغم معاصرته ولكنه نقل من زياد بن شبطون(ت193هـ)..والنقل كان سماعاً شفهياً ،وهو لم يكتب كتاباً فكيف يثق فيه ابن عبدالبر كل هذه الثقة ويرفع ويوصل بها مراسيل الموطأ؟!

كذلك فيحيي كان من شيوخ قرطبة ذوي المكانة والنفوذ السياسي والشعبي على عهد.."عبدالرحمن بن الحكم الأوسط"..(176-238هـ)..وقد ذكر المؤرخ محمد عبدالله عنان في كتابه.."دولة الإسلام في الأندلس"..أن يحيي الليثي لم يغادر إسبانيا طوال فترة حكم عبدالرحمن الأوسط(1/276) وقد حكم الأوسط 32 عاماً عاش فيهم يحيي 28 بجوار الحاكم، وهذا يعني صحة ما قاله المؤرخين بأن يحيي الليثي لم يسمع من مالك سوى في عامه الأخير في موسم الحج، ثم عاد العام التالي بعد وفاة مالك ليُحدث عن الليث بن سعد وآخرين، أي أنه لم يبرح الأندلس إلى جزيرة العرب منذ أن كان شاباً في العشرينات، وقد عاش يحيي 82 عاماً مما يعني أنه ظل 60 عاماً الأخيرة بعيداً عن الرواية وضبط علوم مالك، وهذا يُعزز القول بأن مدح ابن عبدالبر ليحيي كان مُبالغاً فيه لحاكمية رأي الرجل على جمهور المالكية في الأندلس.

في تقديري أن عدم دقة ابن عبدالبر في النقل عن يحيي كان لتعامله بعقلية محلية ومذهبية، ترفع من شأن المالكية عِوضاَ عن سقوط الموطأ، فكان يهمه وصل ما روى مالك لسيادة مذهبه في الأندلس، خاصةً إذا علمنا أن العصر الذي عاش فيه ابن عبدالبر كان ملوك دولة الطوائف، وأكثر ما كان يميز هذا العصر هو التنوع الفكري، فنشأت الحاجة إلى المواجهة والدفاع عن النفس بإحياء تراث مالك ونشره وتعميمه في إسبانيا، وكان لا أمل للمالكية في هذا العصر بعد شيوع قوة الحنابلة في الشرق، وقوة الأحناف والشيعة الإسماعيلية في الجنوب، فكان على المالكية أن ينشطوا في الغرب لتعويض سقوطهم في الممالك.

لكن الغرابة في ما فعله ابن عبدالبر هو أن مراجعة كتاب مالك كانت من الأولى أن تأتي من معاصريه أو ممن جاء بعده بزمنٍ قليل وليس ب300 عام..علماً بأن الإمام مالك(93-179هـ) عاش ومات في المدينة المنورة بينما ابن عبدالبر عاش ومات في الأندلس..!..فكيف استطاع من يعيش في الأندلس معرفة رجال المدينة وضبطهم أكثر ممن قضى عمره في المدينة نفسها؟!!!وهل يصح من عاش في أمريكا أن يعلم أحوال من عاش في الصين أكثر من الصينيين أنفسهم؟!

ربما يجوز ذلك عند ابن عبدالبر والمحدثين عامة، وحُجتهم في ذلك هي الثقة المقدمة على العقل والدين معاً، فإذا جاء الخبر وكانت به شبهة على الدين نظروا فيه على أن لا يردوه، فيأولوه أو يقبلوه على حاله، والرد كان في منهاجهم جريمة!

أريد هنا الفصل ما بين سلوك ابن عبدالبر -والذي جاء في سياق التبرير –وبين قيمة الموطأ نفسه ككتاب حديث، ففي تقديري أن الموطأ ذا قيمة حديثية أرفع شأناً من البخاري ومسلم ، فالرجل اعتمد في منهاجه على مذهب أهل المدينة ، وهو منهج يستطيع به السيطرة على الكذب والوضع أكثر من غيره، ففي التراث المنقول شفهياً كلما ضاقت علوم الرواية فيه زمكانياً كلما كان الضبط أدق وأفضل، وهذا خلاف ما حدث في كارثة البخاري ومسلم .."أقصد صحيحيهما!"..حتى ولو كانت الصحاح مسندة والموطأ مُرسل فهذا دليل على أن علم الإسناد هو علم لا قيمة له من الناحية العلمية، لأنه يخرج في النهاية بصورة تنظيمية تركيبية معتمدة على الإخراج والقدرة على التعبير ليس أكثر، حتى أن الراوي كلما كان ماهراً في التعبير والمنطق كلما كان حديثه أقرب للتصديق ولو بالكذب.

وهذا يعني أن موطأ مالك في النهاية هو كتاب حديث يشمله كل ما يشمل كتب الحديث من أمراض ما دام الراوي ماهراً كذاباً، ورغم المقارنة بينه وبين الصحاح-والتي جاءت في صالحه-إلا أنه لا يمكننا الاعتبار بما جاء فيه سوى بعد عرضه على القرآن والعقل، ولأسباب تتعلق بالرواة وقدراتهم الذهنية والأجواء السياسية المضطربة التي كان يعيشها المسلمون والعرب آنذاك، وما يشفع لمالك أن موطأه كان أقل كتب الحديث اسرائيليات وقصص أسطورية، فقد خرج كتابه بصورة فقهية أكثر منها أدبية عقائدية ، مما يعني أن القصص والأساطير التي كتبها البخاري ومسلم بعد ذلك كانت مُشاعة على ألسن الناس ولكن رفض مالك كتابتها، وهذا يُثبت صحة القول بأنه كلما ضاقت علوم الرواية زمكانياً كلما كان الضبط أدق وأفضل.

اجمالي القراءات 7265

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 727
اجمالي القراءات : 3,912,835
تعليقات له : 92
تعليقات عليه : 371
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt