برنامج باسم يوسف متقدمون أم منحطون(4-4)

سامح عسكر في الجمعة 01 نوفمبر 2013


الفن الساخر هو صنف من صنوف الأدب وهو عمل فني بالعموم، وكل مجتمع يُفرز نتائج أو ظواهر -يجري محاكاتها فنياً- يجب أن يكون هذا الفن مساوي في القيمة والاتجاه للمجتمع، وهو ما يسميه البعض.."بالفن مرآة المجتمع"..فإذا كان البرنامج يحكي وجدان المجتمع فيجب عليه التقيد بما يُمليه هذا الوجدان ، ويعني ذلك عدم إدخال أي رؤى لا تتناسب مع توجهاته، أي إذا أقدم البرنامج على توظيف أي رؤية سياسية مخالفة لضمير الشعب في الإعلان عن رأي آخر فهذا ليس فناً ولا سخرية، بل هو انطلاق من موقف سياسي وتوظيفه بالمهارة لتحقيق مكاسب سياسية، وفي تقديري أن البرنامج وقع في هذا الخطأ.

لا يمكن أن ينطلق البرنامج من فن السخرية وهو يحقق ويرجّح في النهاية أن ثورة يونيو ليست بثورة شعبية مشروعة، أو أن يجزم بسلطة استبدادية عسكرية وهي لم تتدخل سوى في حربها على الإرهاب والتطرف دون أن تتعرض هذه السلطة للعمل السياسي الداخلي وتكوين المؤسسات، لم يتعرض مثلاً للجان الدستور والاستماع، ولم يتعرض لطُرق تشكيل الحكومة، بل لم يتعرض للانتخابات وكيف يراها.. ثم يجزم في النهاية باستبداد عسكري بطريقة مرسلة.

ماذا يعني ذلك؟

يعني أنه وكما قلنا في سائر الحلقات أن البرنامج أراد أن يثبت حياديته من منطلق سلبي وهو قلة الموضوعات لديه ، فالمَشاهد التي تستحق السخرية تغيرت والأبطال كذلك تغيروا ، لم يعد لديه لثبوت الحياد إلا أن ينتقد السلطة فقام بوصمها باتهامات غير موجودة، وتتوازي هذه الاتهامات مع الادعاء بأن هذه السلطة غير مشروعة جاءت من انقلاب عسكري وليست عن ثورة شعبية وضمير إنساني كان يُشاهد جرائم السلطة السابقة وتأسيسها لبذور الإرهاب والتكفير في المجتمع.

لسنا ضد النقد، ولكن أن يكون هذا النقد دون أي خلفيات مسبقة، فالبرنامج كان يرى ثورة الشعب المصري أنها عمل عسكري غير مشروع...وعليه فالسلطة القائمة مستبدة، وأن وزير الدفاع هو الحاكم الفعلي للبلاد..وعليه فسعيه لإنشاء كيان إعلامي للجيش هو استبداد سياسي....وهكذا..قس على ذلك باقي السقطات الفكرية والمنهجية التي وقع فيها البرنامج وأدت إلى تسويقه لرؤية الإخوان والإرهابيين عن الوضع في مصر، لماذا لم يسمحوا لأنفسهم مثلاً في تفكير عميق وتحقيق في الأحداث الأخيرة بطريقة منهجية، ويحرصوا على عدم تناول الرموز الشعبية بنفس الطبيعة الساخرة؟

لو قلنا أن له الحق في ذلك يسأل سائل مباشرةً وهل هناك ما يستدعي السخرية؟...هل تمر مصر بوضع طبيعي تكون فيه الدعاية ضد الجيش رأي آخر؟...وكيف يرى الناس ضحايا الجيش والشرطة في حين كان البرنامج يسخر من تواجدهم في المشهد؟..وهل هناك رؤية للبرنامج مستقبلية تُحاكي الأحداث الراهنة دون التعرض للوطن واتجاهات الشعب؟..وهل يلزم السخرية عقلاً ناقداً أم أنها مجرد تنفيس للرأي الآخر دون مضمون؟..وهل وظيفة البرنامج هي التنفيس عن الآراء الأخرى أم السخرية من سلبيات المجتمع ؟..وهل حينها نجزم بأن البرنامج ساخر أم له وظيفة سياسية تنطلق من موقف سياسي مُسبق؟..ولماذا لا يجري الإعلان عن ذلك دون تصدر المشهد كساخر محايد؟..وهل يوجد حياد في أوقات الحروب والمحن؟..وماذا لو تعرض أحد عناصر البرنامج للقتل على يد الإرهاب هل حينها سيقرر تناول الإرهاب بسخرية أم موقف سياسي؟..فإذا فعلوا ذلك فلماذا لم يفعلوا مع ضحايا الإرهاب من الجانب الآخر؟

أسئلة موجهة للبرنامج والقائمين عليه، وأهم عنصر داخل منظومته هو الفنان باسم يوسف والذي أكن له كل الحب والتقدير كشخصية فنية وجماهيرية ذات وعي..لكن مع هذا الحب فنقد البرنامج ضروري ، فعلى صفحتي الخاصة رأيت آراء واتجاهات شتى جميعها تضع الرجل في مرتبة العصمة، وأن أقواله وأفعاله دائماً صحيحة، وأن الخطأ لا يخالجه حتى في ضميره، وكافة ما سبق يدل أن الرجل معبود وصنم حقيقي لفئة من الناس، فإذا أردنا الدخول في عصر الحرية فلتتحطم الأصنام ،ولكن ليس تحطيماً يخلع نزاهتها من قلوب الشعب، حينها لن يكون تحطيماً للرموز بل هو عملية إسقاط كامل لها دون اعتبار للنتائج.

نحن لا نشكك في نزاهة القائمين على البرنامج بل نرى-ويرى غيري- بأنهم أخطئوا في التقدير فحسب، لا نزايد على وطنيتهم، ولعل ما فعلوا نتج عنه انحراف بعض المؤيدين عن دعم الجيش في حربه على الإرهاب بحُجة الخوف من السلطة العسكرية، وهي نفس الفزاعة التي استخدمها الإخوان في الضغط على المجلس العسكري السابق، وبعد أن فطن المجلس العسكري لقوة الإخوان وضعف ما سواهم قرر التحالف معهم، فخرج –حينها-من يهتف ضد الجيش في صورة الهتاف ضد الحُكم العسكري، وها هي هذه المرحلة على الأبواب إذا لم يستفيق البرنامج لخطورة المرحلة، لأن قوة وتماسك الجيش المصري على المحك، وهو بحاجة للدعم على مستوى الإعلام والشعب، لا أن نصبح خناجر في ظهره في ظل مواجهته مع الإرهاب.

اجمالي القراءات 5215

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 777
اجمالي القراءات : 4,623,612
تعليقات له : 102
تعليقات عليه : 409
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt