صناعة الأسطورة:
الدرويش البطل!

محمد عبد المجيد في الخميس 19 سبتمبر 2013


الدرويش البطل

مع التخدير الجمعي للمهابيل والدراويش باسم الدين يصبح من السهل على الإنسان والحيوان التحرك ناحية القصر، والقاء البيان الأول دون أن ترفع الجماهير المغيبة أصابعها الأربعة من الخمسة احتجاجا أو اعتراضا.

الصورة التاريخية للماضي تبدو الآن واضحة وضوح الشمس في كبد سماء الأزرق الكبير، وهنا تستطيع أن تتخيل دراويش ومضللين ومتخلفين وفقراء الهند وقد أصبح كل منهم ( مبروكاً) لتخلفه العقلي، ولأنه كما يقول العامة والجهلة قريبا من الغيب والجن والأعشاب والبخور.



كنت أستطيع أن أصنع نبياً في الهند أو نيجيريا أو مالي أو جبال جواتيمالا أو نيبال، والآن يمكنني صناعة هذا النبي في مصر، وعمل ( لوجو ) رباعي أصفر، واستخراج لآليء الحكم من بين شفتيه اللزجتين، وتأويل خزعبلاته إلى قبسات من نور الأذكار القدسية.

صناعة البطل الدرويش تبدأ بربط السماء بالكراهية، والتشكيك في أصحاب الديانات الأخرى، ونفخ الأتباع بخرافات لا تصمد لحظــة واحدة أمام العقل، فالدرويش والعقل يتصادمان، والجماهير المغيبة تملك قوة تصادمية مدفوعة بالجهل والحقد ومشاعر الاستعلاء التي رفعتها من الدونية إلى الحديث وجها لوجه مع الدرويش البطل.

في مصر حدثت الحالة بطريقة مفاجئة، فمناهضو ما يسمونه انقلابا عسكريا، يتحدثون عن مرسي من منطلق شرعيته التي تقيأها صندوق الانتخاب، لكنهم أبداً لا يقتربون من الشرعية الحقيقية وهي الامكانيات العقلية والصحية والنفسية لدرويشهم المعزول.
إنهم لا يسمعونك، ولا يرون ثلاثين مليونا من البشر تكتظ بهم شوارع أرض الكنانة مطالبين برحيل رئيس فاشل، ولا يبحث أي منهم عن نتائج مشروع النهضة للاخوان، ويغمضون أعينهم عن عشرات الملايين الذين ضاقت بهم الأرض والعدل فخرجوا مرة ضد رئيسهم المتخلف، وانطلقوا مرة يطالبون جنرالا يملك الجيش بازاحة الرجل قبل أن يفكك مصر ويدفنها تحت ترابها أو يغرقها في نيلها.
صناعة الدرويش تجري على قدم وساق، والأغرب أن هناك فئة من الكتاب والمثقفين المصريين الذين حللوا الحرام في الصحافة القطرية ووقفوا ضد بلدهم وجيشهم بحجة مناهضة الانقلاب العسكري.
أي تلميذ في الابتدائية ولو كان الأبله في الفصل يعرف تماما أن الانقلاب هو حالة غدر، ومباغتة، وإتيان من الدبرتقوم به، غالبا، سلطــة عسكرية ضد سلطــة الحكم، ولا يعرف به الشعب، وقد يكون ايجابيا أو سلبيا.
كل الانقلابات في الدنيا كانت هكذا، أوغندا وكوبا وباكستان وسوريا والعراق وإيران وإثيوبيا والكونغو وكمبوديا وتشيلي وتونس والمغرب و... أما أن يقوم وزير الدفاع بطلب من الشعب، كله تقريبا، بالاطاحة بمخرب متغطرس ودموي، يعمل مهربا للسجناء الخطرين، بالاطاحة به باسم الشعب، فهذا ليس انقلابا عسكريا، لكنه انتخاب في أرقى صوره، وأجمل مشاهده السلمية، والأكثر تحضرا وتمدناً.
لكن تبقى صورة الحكم متعلقة بعلامة استفهام بطول مصر وعرضها:
كيف يسيطر الارهابيون من الاخوان والتيارات الدينية على مدينة لأكثر من شهر، والمفترض حتى في أكثر الدول تقدما أن لا تستمر سيطرة الارهابيين على مدينة لأكثر من أربع ساعات ثم يقوم الجيش بجعل عاليها سافلها، على الطريقة الروسية في المسرح.
كيف كشر الاخوان عن أنيابهم، وأعلنوها صراحة بأنهم سيستنزفون جيشنا، ومع ذلك لم يصدر حكم غير قابل للنقض بحل كل الأحزاب الدينية.
لماذا لم تجتمع القيادتان المصرية والقطرية للتفاهم أو للاختلاف، فكل المجرمين والقتلة والارهابيين والقاعديين يحركهم المال، وجهادهم لا يستقيم بدون زيادة حساباتهم في المصارف.
وأخيرا فقد تناهى إلى السمع والبصر أن هناك ظلما شديدا في عمليات الاعتقال والتعذيب، مما سيكون له أثر سلبي على دعمنا وتعاطفنا مع الفريق أول عبد الفتاح السيسي.
إننا في صف الجيش والشرطــة ضد الاخوان، لكننا لسنا في أي الصف إذا ظــهر الحكم الجديد بوجه خلف قناع مبارك أو المشير أو مرسي.
ما حدث لأشقائنا الأقباط في دلجا وصمة عار سيتذكرها المؤرخون، خاصة أنها ليست وليد ساعة أو بعض اليوم، لكنها ظلت لعدة أسابيع تتحدى أكبر جيش في الشرق الأوسط، فكيف إذا تحداه أوغاد وارهابيو سيناء؟
كلما رأيت كفاً صفراء بأصابع أربعة أحتقر صاحبها ولا أستطيع أن أتخيل مصريا يطالب بعودة حمار ليقود النهضة من جديد.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 18 سبتمبر 2013

اجمالي القراءات 5190

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-07-05
مقالات منشورة : 518
اجمالي القراءات : 3,806,386
تعليقات له : 526
تعليقات عليه : 1,289
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Norway