معجزة اختيار اللفظ في القرآن : مدخل لعلم قرآنى جديد : ( الجزء الثانى )

آحمد صبحي منصور في الأحد 15 سبتمبر 2013


 

رابعا

(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ  ) (  صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ  )

 فى سورة البقرة يقول تعالى عن المشركين (  صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18) البقرة )  ،  ويقول عنهم فى موضع آخر فى نفس السورة : ( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (171)  البقرة ) .

المزيد مثل هذا المقال :

فما هى معجزة إختيار اللفظ هنا ؟ .

لماذا قال الله تعالى فى الآية الأولى عنهم :( فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ )، وقال فى الآية الأخرى عنهم :( فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ )  ؟ السياق هو الذي يقتضى ذلك .

ونرجع إلى سياق الأولى يقول تعالى :( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) مثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18) البقرة ) ، فالذين اشتروا الضلالة بالهدى خسروا فى هذه التجارة ولم يربحوا لأن مصيرهم هو الخلود فى النار حين باعوا نور الهدى  ، أى أضاعوا النور واستحقوا الخلود فى النار ، والله تعالى يضرب لهم مثلا برجل استوقد نارا ليستفيد منها النور والضياء فجاءت الريح فأطفأت النار وجعلتها مجرد جمرات نار بدون نور ، فأصبح فى ظلمات لا يستطيع الرؤية ، وهكذا حال المشركين يعيشون فى ظلمات صما بكما عميا ، لا يستطيعون  الاهتداء ولا الرجوع إلى الطريق المنير .

والسياق فى هذا التشبيه يقتضى أن يقول تعالى : ( فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ  ) لأنه المناسب للصورة التمثيلية التى ذكرها القرآن ، فذلك الرجل حين ضاع منه النور أصبح فى ظلمة لا يستطيع الهداية فى طريقه ولا يستطيع الرجوع الى المكان الذى جاء منه .

والسياق مختلف فى الآية الأخرى: ( البقرة 171 ). فالآية قبلها تقول:( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (170)   ، أى تتحدث عن إتباع المشركين للسلف وما اعتاده الآباء ممّا يخالف القرآن الكريم ، ثم يقول جل وعلا عنهم فى الآية التالية : ( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (171)  البقرة ) ، أى يضرب الله تعالى لهم مثلا بالحيوان الذي ينعق أى يصرخ بما لا يفهم ، وإذا سمع فلا يعقل .!.غاية ما هنالك أن ذلك الحيوان الأعجم إذا سمع رفيقا له ينعق ويخور أجابه بنعيق آخر وخوار آخر بحكم العادة والطبيعة . وهكذا المشركون مع آبائهم وأسلافهم ، فالأسلاف عبدوا الأصنام والأولياء من دون الله فسار على أثرهم الأبناء قائلين:( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22 ) الزخرف ) أو كما قال الله تعالى:(إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70) الصافات  )  ،وهذا التقليد الأعمى معناه انعدام العقل، لذا قال تعالى عنهم :( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) . وهكذا كان التشبيه فى الآية الأولى برجل ضل الطريق ولا يستطيع الرجوع بينما كان التشبيه فى الآية الأخرى بالحيوان الذي يردد ما يقوله الآخرون بدون عقل . 

خامسا

( يا قوم ) ( يا بنى اسرائيل )

يقول الله تعالى عن موسى : ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ )  ( 5 ) الصف ) ولكن يقول عن عيسى : ( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ  ) (6) الصف  )   

فما هى معجزة إختيار اللفظ هنا ؟

 موسى كان يخاطب قومه فيقول لهم : يا قوم ، وعيسى يخاطب بنى إسرائيل فلا يقول لهم يا قوم ، وإنما يقول لهم يا بنى إسرائيل . بل إن نبي الله موسى كان أكثر نبي فى القرآن تكرر حديثه لقومه بقوله لهم : يا قومي .. وفى المقابل فإنه لم برد فى القرآن مطلقا أن عيسى قال لبنى إسرائيل : يا قومي .. وكل ما هنالك أن الله تعالى يقول عن السيدة مريم : (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ) 27 : مريم ) ، ومن الطبيعي أن يكون بنو إسرائيل هم قوم السيدة مريم كما أن يكون بنو إسرائيل قوم موسى ، ولكن من المنطقي أن ألا يكون ينو اسرائيل هم قوم عيسى عليه السلام لأن عيسى عليه السلام رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه (النساء 171 )،  

وقد ولدته أمه بدون أب ، والانتساب للقوم يكون حسب الأب ، ولهذا كان موسى يقول لقومه " يا قوم " بينما كان عيسى يقول لهم يا بنى إسرائيل ، مع أن كلا من موسى وعيسى عليهما السلام جاء بنفس الدعوة إلى الإيمان بالله تعالى وحده ، وكلاهما قال لبنى إسرائيل :( إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ) .

ويلاحظ أن عيسى عليه السلام هو النبي الوحيد الذي يذكر القرآن نسبه ، فيقول : (عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ  )، وتكون كلمة ( ابن ) بالألف فى كل الأحوال خلاف قواعد اللغة العربية الموضوعة فى العصر العباسى . وقد ذكر القرآن أن مريم هى بنت عمران (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ ) التحريم 12 )

، و ( آل عمران 35 : 36 ) ،  هذا بينما لم يقل القرآن قال : إسماعيل ابن إبراهيم ، أو قال إسحاق ابن إبراهيم ، أو قال يعقوب ابن إسحاق أو قال يوسف ابن يعقوب ، مع أن القصص القرآني يذكر أن يوسف هو ابن يعقوب ويعقوب هو ابن إسحاق ، وإسحاق وإسماعيل هما ابنا إبراهيم عليهم السلام ، أى أنا عيسى هو النبي الوحيد المذكور على أنه عيسى ابن مريم والسؤال .. لماذا ؟ .والإجابة: للتأكيد على بشريته  عليه السلام وأنه مخلوق من أم بلا أب ، كما أن الله تعالى خلق حواء من آدم  بلا ( أم )، وخلق آدم بل أب وبلا أم ، والله تعالى أشار إلى ذلك حين قال :( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)       آل  عمران  ). فإذا كان بعض الناس يزعم ألوهية المسيح فإن القرآن يرد عليهم بأنه ليست هناك مشكلة فى خلق المسيح بدون أب لأن الله تعالى خلق آدم من قبل بدون أب ولا أم ، ولهذا كان التأكيد على أنه "عيسى بن مريم " لتأكيد البشرية للمسيح . وصدق الله العظيم القائل : (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَانظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) المائدة  )  .

سادسا :

(مِنْ إِمْلاقٍ ) (خَشْيَةَ إِمْلاقٍ  )

يقول تعالى فى سورة الأنعام  ضمن الوصايا العشر : (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ) 151 ) ، ويقول الله تعالى فى سورة الإسراء : ( وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ) (31) ).  

فما هى معجزة إختيار اللفظ هنا ؟

ــ بالنظرة السريعة يبدو التطابق بين معنى الآيتين فالمعنى هو النهى عن قتل الأولاد بسبب الفقر لأن الله تعالى هو الذي يرزق الآباء والأبناء .

ــ والنظرة المتأملة تستدعى العديد من التساؤلات .. والإجابات ..

 لماذا قال الله تعالى فى سورة الأنعام:( نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ) وقال فى سورة الإسراء : (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم ) ؟  ولماذا لم يقل صيغة واحدة فى الآيتين كأن يقول فيهما "نحن نرزقكم وإياهم " أو " نحن نرزقهم وإياكم " ؟

والإجابة هى فى التأكيد على المساواة التامة بين الأبناء والآباء فى الحاجة للرزق من الله ، فالأب سبب فى رزق الابن ، والابن سبب فى رزق الأب ، والله تعالى يرزق الآباء والأبناء ، ومع أن الأب هو الذي يسعى فى طلب الرزق وهو الذي يتصور أنه السبب الوحيد فى رزق الابن إلا أن الله تعالى بهذا التأكيد يقرر أنه مهما سعى الأب فى العمل فإنه يحصل على المقدار المحدد له من الله تعالى ، وأن الله تعالى يجعل الابن سببا فى رزق الأب ، كما يجعل الأب سببا فى رزق الابن ، فقال يؤكد هذه المساواة : ( نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ) ، (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم ).   وإذا علم الأب أن الرزق من الله تعالى له ولأبنائه وأن الله تعالى تكفل برزق الجميع عندئذ لن يفكر فى قتل أولاده بسبب الفقر والإملاق .

3 ـ  ونأتي للسؤال الثانى الأهمّ : لماذا قال الله تعالى فى سورة الأنعام:( وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ  ) وقال فى سورة الإسراء : (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ) ، وهل هو نفس المعنى ؟

والإجابة أن المعنى متقارب ولكنه مختلف ؛ فقوله تعالى فى سورة الأنعام:( وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ  )  يعنى لا تقتلوا أولادكم ( بسبب الفقر) ، وأما قوله تعالى فى سورة الإسراء : (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ )   فيعنى لا تقتلوا أولادكم ( خوفا من الفقر ). والفارق بينهما دقيق وهام ، ويتجلى فى طبيعة الولد المنهي عن قتله . فقد كانت العرب فى الجاهلية " أو بعضهم " يقتلون الأولاد بسبب الفقر فقال تعالى :( وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ  )  ، أي لا يدفعكم الفقر الحاضر إلى قتل أولادكم الأطفال . وقد كان بعضهم يقتل الأبناء وهم أجنة فى بطون أمهاتهم خشية الفقر فى المستقبل ، فقال تعالى : (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ) ، أي خوفا من فقر محتمل أو فقر سيجئ . إذن فالمعنى مختلف بين فقر حاضر يدفع الأب لقتل أولاده عجزا عن إعالتهم ، وفقر محتمل فى المستقبل أو خوف من فقر محتمل يدفع الأب أوالأم  للتخلص من الجنين ، ونزل القرآن العظيم ينهى عن الحالتين معا فى موضعين مختلفين .

سابعا :

( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ) ( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا  )

قال تعالى {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـذَا إِنْ هَـذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ }الأنفال31. ) . هذه هى الآية الوحيدة في القرآن الكريم التي يقول فيها رب العزة:" وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا " وفي المواضع الأخرى، وعددها ست مرات قال تعالى: "وإذا تتلى عليهم أياتنا بينات.." فلماذا لم يقل تعالى في الآية "31" من سورة الانفال : {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا  )  بدون كلمة "بينات"؟ .

فما هى معجزة إختيار اللفظ هنا ؟ إن التدبر في الآيات يعطي الإجابة :

1- يقول تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ}يونس 15 . أي أنهم استمعوا للآيات حتى أصبحت بينات لديهم، فطلبوا من النبي أن يأتي لهم بقرآن آخر بدل هذا القرآن.

2-ويقول تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً }مريم73 . أي أنهم استمعوا مع المؤمنين للآيات حتى أصبحت بينات لديهم، ثم قالوا للمؤمنين أنحن خيراً أم أنتم؟

3- ويقول تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} الحج 72 .أي أنهم استمعوا وأنصتوا للآيات البينات حتى ظهرت الكراهية على وجوههم، وكانوا على وشك البطش بالمؤمنين الذين يتلون عليهم القرآن.

4- ويقول تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ} سبأ 43 . أي أنهم أنصتوا للقرآن وخرجوا من إنصاتهم للآيات البينات باتهام للنبي بأنه يريد أن يصدهم عن عبادة الأصنام التي كان يعبدها الأسلاف ، أي فهموا حقيقة الإسلام واعتبروا دعوة النبي اتهاماً له بالخروج على عادة الآباء والأجداد.

5- ويقول تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }الجاثية25. أي أنهم بعد أن سمعوا الآيات البنات طلبوا معجزة حسية وهى بعث الآباء الموتى.

6- ويقول تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ }الأحقاف7 أي اتهموا القرآن بالسحربعد أن استمعوا لآياته البينات.

 وفي المواضع الستة جاء وصف الآيات بأنها بينات ، وجاء تعليق المشركين يدل على أنهم استمعوا الآيات ووصلهم بيان القرآن فما ازدادوا بهذا البيان إلا إعراضاً وصدوداً.

 وفي الموضع الوحيد الذي لم يأت فيه وصف البينات لأنهم أعرضوا مقدماً عن الاستماع وعن الإنصات، ولذلك فقد أعرضوا عن التوقف للإنصات إلى بيان القرآن، يقول تعالى :{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـذَا إِنْ هَـذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ}، أي أنهم منذ البداية رفضوا الاستماع وقالوا: قد سمعنا وإننا نستطيع الإتيان بمثله، وهذا هو السبب في تفرد هذه الآية بعدم وجود كلمة " بينات " فيها.بل إنهم فى سورة غضبهم وإندفاعهم طلبوا من الله جل وعلا أن يهلكهم إن كان القرآن حقا : " وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (31) وإذ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32) ألانفال )

ثامنا :

(فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ) (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ  )

يقول تعالى في تحدي العرب بمعجزة القرآن : ( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . البقرة 23 " .

ويقول تعالى :( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . يونس 38 " .

فما هى معجزة إختيار اللفظ هنا ؟

الواضح في الآيتين أن الله تعالى يتحدى العرب في أن يأتوا بسورة ، وأن يكون ذلك على رؤوس الأشهاد ، وهذا التحدي يأتي ردا على تشككهم فيما نزل على النبي محمد عليه السلام : ( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِه ) ، أو يأتي ردا على اتهامهم  النبي بأنه افترى هذا القرآن : ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِه ).

وهناك فارق دقيق بين الآيتين المتشابهتين في الموضوع , ففي الآية الأولى يقول تعالى " فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ " ولكن في الآية الأخرى يقول تعالى " فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِه " بدون كلمة ( من ) . ونتساءل عن السبب !

والواضح أن التشابه بين الآيتين ليس تاما .

فالآية الأولى تتحدث عن شك المشركين في القرآن الذي نزل على النبي ( ص ) الذي وصفه الله تعالى بأنه " عبدنا " ولذلك جاء التحدي للمشركين يقول لهم " فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ " أي هاتوا سورة من شخص مثل النبي , أي اجعلوا شخصا عربيا فصيحا مثل النبي ( ص) يأتي بسورة مثل الذي نزل على النبي .. إذن الضمير في قوله تعالى " من مثله " يعود للنبي عليه السلام . ولذا تقول الآية " وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " أي يأتوا بشهود من العرب يكونون حكاما بين النبي وأمثاله من فصحاء العرب , فإذا عجز هذا الشخص الذى هو مثل النبى محمد  أمام أولئك الفصحاء عن الآتيان بسورة ، فقد ثبت أن فصاحة القرآن فوق طاقة النبي وكل أمثاله من العرب الفصحاء .

أما الآية الأخرى فترد على اتهامهم للنبي بأنه افترى القرآن أي انه الذي ألّف وصنّف القرآن وقاله وكتبه ونسبه لله تعالى زورا وافتراء ، لذا يقول تعالى : ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِه ) أى مثل القرآن ، فالضمير هنا يرجع للقرآن ( افتراه ) أي افترى القرآن ، والقرآن يرد عليهم بأن يأتوا بسورة مثل سور القرآن , والتحدي هنا بأن يستدعوا من يشاءون إن كانوا يستطيعون الإتيان بسورة مثل سور كتاب الله ، فإذا عجزوا عن الإتيان بسورة مثل سور القرآن فقد ثبت إن إعجاز القرآن فوق طاقتهم جميعا .. فالتحدي في الآية الأولى في أن يؤتوا بصورة من شخص مثل النبي عليه السلام في الفصاحة ، أما التحدي في الآية الأخرى ففي أن يؤتوا جميعا بسورة مثل سور القرآن في فصاحته وسيعجزون وقد عجزوا .  

يبقى أن نقول إن المستفاد من الآيتين أن الذى نزل على النبى هو ( سور ) القرآن فقط ، فلا توجد سور إلا فى القرآن . أى هو القرآن وكفى . لم يقل رب العزة فأتوا بسورة وحديث من السُّنة .!! أين البخارى هنا ؟  

تاسعا :

(الْأَرْضَ هَامِدَةً ) ( الأرض خاشعة)

يقول الله سبحانه وتعالى فى سورة الحج :  ( وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)  ). ويقول تعالى فى سورة فصلت  : ( وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ) 39 ).  

فما هى معجزة إختيار اللفظ هنا ؟

 لماذا قال "هامدة " فى سورة الحج ، وقال " خاشعة " فى سورة فصلت ؟ مع أن الوصف جاء للأرض بنفس المعنى ، فإن الخشوع هو الهبوط ، وهو نفس معنى همد " وفى نفس المعنى يقول تعالى :( لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ )  (21) الحشر 21) .

والأرض تكون هامدة هابطة إذا ظل الماء بعيدا عنها فإذا نزل عليها الماء دبت فيها الحياة وامتلأت بالكائنات الحية الدقيقة من بكتريا وجراثيم وحشرات ومستعمرات . والقرآن الكريم يعبر عن حال الأرض أو التربة حينئذ فيقول  : ( فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ) أى اهتزت بالحياة فى داخلها وزادت ، والربا والربوة بمعنى الزيادة . ولو أخذنا حفنة من التراب وفحصناها تحت المجهر وجدنا فيها حياة ، فإذا خلطنا التراب بالماء ونظرنا له تحت المجهر وجدنا مستعمرات من الحركة والحياة والنماء .

ونعود إلى نفس السؤال : لماذا قال هنا " هامدة " وقال هناك "خاشعة " مع أن المعنى متقارب ؟

إن السياق القرآني هو السبب .

تقرأ آية سورة الحج بأكملها وهى تقول : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ) والآية تبرهن على البعث بعد الموت من خلال أطوار حياة الإنسان من خلق آدم من تراب وماء إلى التناسل بعده فى أطوار الجنين وخروجه طفلا إلى أن يموت ،  ونفس الحال مع الأرض التى تكون هامدة ثم تحيا بالماء . وطالما أن السياق فى الآية عن الموت والحياة والبعث فالوصف ( هامدة ) هو الأنسب . 

أما فى سورة فصلت فالله تعالى يقول : (  وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38)).  فالسياق هنا فى موضوع السجود والعبادة لله تعالى وحده وهذا شأن الملأ الأعلى من الملائكة وشأن المؤمنين . ولأن السياق فى العبادة والخشوع قال تعالى بعدها : ( وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ )  فصلت 39 .أى قال خاشعة لأنها الأنسب فى السياق ، كما كانت هامدة هى الأنسب فى سياقها.

اجمالي القراءات 15726

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (3)
1   تعليق بواسطة   توفيق البحري     في   الأحد 15 سبتمبر 2013
[73048]

دعاء

 اللهم لا تجعلنا ممن هجروا القرآن تدبرا و تفكرا واجتهادا

واجعل لنا من لدنك خيره ونوره زادا

ولا تجعلنا ممن نسوا الذكر فنسيتهم عقابا

ولا الذين جحدوا نعمتك فضربت بينهم وبين رحمتك أبواب


2   تعليق بواسطة   غسان مغارة     في   الإثنين 16 سبتمبر 2013
[73053]

تحية لكل من يدعو الى الله

 الحمد لله الذي انعم علينا بنعمة التوحيد


وللدكتور احمد جزيل الشكر بكل محبة


3   تعليق بواسطة   مروة احمد مصطفى     في   الخميس 19 سبتمبر 2013
[73067]

ياالله

 اللهم أرزقنى بحفظ القرآن  ويسر لى فهمه وتفسيرة


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4467
اجمالي القراءات : 43,068,842
تعليقات له : 4,719
تعليقات عليه : 13,653
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي