بسم الله الرحمن الرحيم:
ما هو المخرج؟

عمرو توفيق في السبت 31 اغسطس 2013


مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴿الفتح: ٢٩﴾

فقد وصف الله تعالى افراد المجتمع الإيماني بالشدة على الكفار، وهي إما أن تكون بمجاهدتهم بآيات الله البليغة في وقت السلم:

فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ﴿الفرقان: ٥٢﴾

أو بشدة القتال في أثناء الحرب:

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿التوبة: ٧٣﴾،﴿التحريم: ٩﴾

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴿التوبة: ١٢٣﴾

ثم وصف أفراد المجتمع الإيماني بأنهم (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) أي يتصف التعامل فيما بينهم بالرحمة والرقة والرفق، والذلة: أي التواضع الشديد:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿المائدة: ٥٤﴾

-وأتساءل: كم واحدا منا عندما ينتهي من صلاة الجماعة وبعد أن يسلم على جاره، يسأله عن أحواله حتى إذا وجده محتاجا إلى شيء يحاول أن يساعده؟-

..(تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ)،

(وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ) والشطء فرخ الزرع والنخل،

ففي البداية تُزرع البذرة الحية في باطن الارض، وبعد فترة تتحول إلى زرع يرتفع فوق سطح الارض (فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ) أي وضع له الزارع عصا قائمة تسنده، فاذا بهذا الشطء يستمد الضوء والماء والأملاح من البيئة والمحيط، فيقوى ويرتفع مستغلظاً مستوياً، (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) فالصديق معجب والعدو مغتاظ وحاقد.

إن المجتمع الحي هو تماماً كتلك البذرة الحية، فهو يملك القدرة على أن يمتص من حوله الإمكانات المادية والبشرية ويذوِّبها كلها في بوتقة واحدة، ويعطيها التفاعل ويوجهها من أجل بناء الحضارة الإنسانية التي تسير أبدا في اتجاه النمو والتكامل.

بينما المجتمع الميت فهو كالبذرة الميتة، يفتقد خاصية الامتصاص والتفاعل والنمو، وبالتالي سرعان ما يتفسخ ويتفتت ومن ثم يتلاشى.

إن مجتمع رسول الله ص مثلاً لم يكن عدد أفراده في مكة المكرمة قبل الهجرة النبوية يزيد عن مائتي إنسان مستضعف، ثم لما هاجروا وجدوا كلمة الله قد أحيت مجتمعا في انتظارهم:

 وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿الحشر: ٩﴾

فكانوا معًا( المهاجرين والأنصار) مثالا رائعا للمجتمع الحي.

 وبعد أقل من ربع قرن، استطاع القرآن أن يُحوّل المجتمعات الكثيرة المتواجدة في الجزيرة العربية، إلى مجتمع مسلم واحد، ويذوِّبها في هدفه.

وأما المثال على المجتمع الميت، فهو الأمة الإسلامية اليوم، والتي انقسمت إلى دول انطوت كل واحدة منها على نفسها وتجمّدت داخل حدودها، مما أدّى بهذا المجتمع إلى أن يفقد شخصيته ، ويضعف ويتفسخ من الداخل، ويصبح نهزة الطامعين، وأن تتعرض ثرواته وخيراته للنهب، وكرامته للسحق، وليصبح اليوم مجتمعا متخلفا يخضع لسيطرة القوى الاجنبية العظمى توجهه كيف شاءت، وتتلاعب بمقدراته أنّى يحلو لها.

ولا خروج لنا من هذه الظلمات إلا بالرجوع إلى رسالة الله تعالى من مصدرها الأصيل وهو الكتاب المبين، ونزن أنفسنا عليه، فإن وجدناها على خير استزدنا، وإن وجدناها على شر غيرناه إلى الخير:

... إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ... ﴿الرعد: ١١﴾

 ومن أجل أن يتم ذلك يجب أن ننقطع عن  عيوب الناس لنتفرغ لأنفسنا لمداواتها من أدوائها، فكفى بذلك شغلا، والله المستعان إذ يقول:

أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿البقرة: ٤٤﴾

ثم إذا تم التغيير ندعو الناس بالحسنى:

ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴿النحل: ١٢٥﴾

اجمالي القراءات 5408

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-06-11
مقالات منشورة : 61
اجمالي القراءات : 556,322
تعليقات له : 27
تعليقات عليه : 35
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt