( كتاب الحج ب 6 ف 5 ) :مفاوضات قبيل الاشتباك الحربى فى كربلاء

آحمد صبحي منصور في الخميس 20 يونيو 2013


 

كتاب الحج بين الاسلام والمسلمين    

الباب السادس :مذبحة كربلاء وإنتهاك المسلمين للبيت الحرام والشهر الحرام

الفصل الخامس  :  مفاوضات قبيل الاشتباك الحربى فى كربلاء

مقدمة

لم يستمع الحسين لنصح الناصحين ، وحين وقع فى مخالب أعدائه بدأ يتنازل فى المفاوضات معهم لينجو بحياته ، ولكنهم لم يترفقوا به ، فطالبوا باستسلامه بلا قيد ولا شرط . فرفض ، فكانت المذبحة . ونتعرض هنا لمراحل التفاوض وظروفه حسبما رواه الطبرى فى تاريخه .

 أولا : المفاوضات و المواجهة مع جيش الحُرّ بن يزيد التميمي:

1 ـ أرسل ابن زياد بجيش يقوده الحُرّ بن يزيد التميمى ، لا ليقاتل الحسين ولكن ليقبض عليه ويحضره الى ابن زياد . وهذا يعنى القتال لأن الحسين لم يكن ليستسلم لابن زياد . وكان الحُرّ بن يزيد رجلا نبيلا يؤمن بقلبه بأفضلية الحسين بدليل أنه رضى أن يصلى خلف الحسين بما يعنى قبوله بإمامة الحسين ، وكان يتحاشى مسئولية قتال الحسين ، فكان بين نارين ، كونه قائدا لجيش يأتمر بأوامر الوالى ابن زياد ، وتعاطفه مع الحسين ، لذا لم يبادر بالدخول فى حرب الحسين ، ولم يحاول إعتقال الحسين ، بل كان بارّا به ، باحثا عن حلول وسط ، يتفاوض معه فى طريقة يتجنب بها القتال ، فنصح الحسين أن يأخذ طريقا لا يدخل به الى الكوفة ولا يعيده الى الحجاز ، الى أن يستشير الوالى ابن زياد . تقول الرواية عن جيش الحُرّ بن زيد : ( ..وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي ثماليربوعي فوقفوا مقابل الحسين وأصحابه في نحر الظهيرة.. فلم يزل مواقفًا الحسين ، حتى حضرت صلاة الظهر ، فأمرالحسين مؤذنه بالأذان ، فأذن ، وخرج الحسين إليهم ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال‏:‏ " أيهاالناس إنها معذرة إلى الله وإليكم إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم ورسلكم أن اقدمإلينا فليس لنا إمام لعل الله أن يجعلنا بك على الهدى فإن كنتم على ذلك فقد جئتكمفإن تعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم أقدم مصركم وإن لم تفعلوا أو كنتم بمقدميكارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه‏.".‏فسكتوا ، وقالوا للمؤذن‏:‏" أقم . " فأقام . وقال الحسين للحر‏:‏" أتريد أنتصلي أنت بأصحابك ؟ " فقال‏:‏ " بل صل أنت ونصلي بصلاتك‏".‏فصلى بهم الحسين،  ثم دخل ، واجتمع إليه أصحابه . وانصرف الحر إلى مكانه،  ثم صلى بهم الحسين العصر ، ثم استقبلهم بوجهه،  فحمد الله وأثنى عليه ثم قال‏:‏ " أما بعد،  أيها الناس . فإنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى لله ونحن أهل البيتأولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدعين ما ليس لهم والسائرين فيكم بالجور والعدوان.  فإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقنا وكان رأيكم غير ما أتتني به كتبكم ورسلكم انصرفتعنكم‏." . ‏فقال الحر‏:‏" إنا والله ما ندري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر‏" .‏فأخرج خرجين مملوءين صحفًا ، فنثرها بين أيديهم‏.‏فقال الحر‏:‏ " فإنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك وقد أمرنا أناإذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد‏.‏" فقال الحسين‏:‏ " الموت أدنى إليك من ذلك‏!‏ " . ثم أمر أصحابه فركبوالينصرفوا ، فمنعهم الحر من ذلك‏.‏فقال له الحسين‏:‏ " ثكلتك أمك‏!‏ ما تريد ؟ " قال له‏:‏  أما والله لوغيرك من العرب يقولها لي ما تركت ذكر أمه بالثكل كائنًا من كان ، ولكني والله ما ليإلى ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما يقدر عليه‏.‏".  فقال له الحسين‏:‏ " ما تريد.؟ ".  قال الحر‏:‏ " أريد أن أنطلق بك إلى ابنزياد "‏.‏قال الحسين‏:‏ " إذن والله لا أتبعك."‏.‏قال الحر‏:‏ " إذن والله لا أدعك‏." .‏فترادا الكلام . فقال له الحر‏:‏ " إني لم أؤمر بقتالك ، وإنما أمرت أن لاأفارقك حتى أقدمك الكوفة . فإذا أبيت فخذ طريقًا لا تدخلك الكوفة ولا تردك إلىالمدينة حتى أكتب إلى ابن زياد ، وتكتب أنت إلى يزيد أو إلى ابن زياد ، فلعل الله أنيأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلى بشيء من أمرك‏.".‏)

2 ـ فى الطريق تنحى الحُرّ بن يزيد ، وترك الحسين يسير ، فقابل الحسين بعض شيعته القادمين من الكوفة الذين نصحوه بعدم دخول الكوفة ، قال له (  مجمع بن عبيد الله العائذي وهو أحدهم‏:‏" أما أشراف الناسفقد أعظمت رشوتهم وملئت غرائرهم فهم ألبٌ واحدٌ عليك ، وأما سائر الناس بعدهم فإنقلوبهم تهوي إليك وسيوفهم غدًا مشهورة إليك‏." ) وحذّره أحدهم وهو الطرماح بن عدي، بألا يدخل الكوفة لأن أهلها أجمعوا على حربه ، ونصحه أن يلجأ الى جبل طىء واسمه ( أجأ )‏ ويتحصّن به ، ووعده أن يجمع له أنصارا من قبائل سليم وطىْ. وكالعادة العلوية  لم يأخذ الحسين بنصيحته .  نستكمل الرواية وفيها يقول الطرماح بن عدي للحسين محذّرا :‏ " والله ما أرى معك كثير أحدٍ ، ولو لميقاتلك إلا هؤلاء الذين أراهم ملازميك لكان كفى بهم . ولقد رأيت قبل خروجي من الكوفةبيومٍ ظهر الكوفة وفيه من الناس ما لم تر عيناي جمعًا في صعيد واحد أكثر منه قطليسيروا إليك .! فأنشدك الله إن قدرت على أن لا تقدم إليهم شبرًا فافعل. ) ثم يقول له ناصحا : ( فإن أردت أنتنزل بلدًا يمنعك الله به حتى ترى رأيك ويستبين لك ما أنت صانع فسر حتى أنزلك جبلناأجأ فهو والله جبل امتنعنا به من ملوك غسان وحمير والنعمان بن المنذر ومن الأحمروالأبيض . والله ما إن دخل علينا ذل قط ، فأسير معك حتى أنزلك القرية ، ثم تبعث إلىالرجال ممن بأجأ وسليم من طيء ، فوالله لا يأتي عليك عشرة أيام حتى يأتيك طيء رجالًاوركبانًا . ثم أقم فينا ما بدا لك ، فإن هاجك هيجٌ فأنا زعيمٌ لك بعشرين ألف طائييضربون بين يديك بأسيافهم ، فوالله لا يوصل إليك أبدًا وفيهم عين تطرف‏") ورفض الحسين : (  فقال له‏:‏ " جزاك الله وقومك خيرًا‏!‏ إنه قد كان بيننا وبين هؤلاءالقوم قول لسنا نقدر جمعه على الانصراف ولا ندري علام تتصرف بنا وبهم الأمور‏.‏") ، وتقول الرواية عن الطرماح بعد رفض الحسين لنصيحته أنه سار لأهله بالمؤن التى كان يحملها ورجع لنصرة الحسين فعلم فى الطريق بمقتل الحسين فرجع الى اهله : (  فودعه وسار إلى أهله ووعده أن يوصل الميرة إلى أهله ويعود إلى نصرهففعل ، ثم عاد إلى الحسين فلما بلغ عذيب الهجانات لقيه خبر قتله فرجع إلى أهله‏.‏)

3 ـ وجاءت الأوامر من ابن زياد للحُرّ بن يزيد بأن يمنع الحسين الماء وأن يحيله الى العراء ، وجعل ابن زياد من رسوله عينا يراقب الحُرّ فى تنفيذ أوامره . تقول الرواية: (.. فلم يزالوا يتياسرون حتى انتهوا إلى نينوى المكان الذي نزل به الحسين ، فلمانزلوا إذا راكب مقبل من الكوفة ، فوقفوا ينتظرونه ، فسلم على الحر ولم يسلم على الحسينوأصحابه . ودفع إلى الحر كتابًا من ابن زياد فإذا فيه‏:‏" أما بعد فجعجع بالحسين حتىيبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي ، فلا تنزله إلا بالعراء في غير حصين وعلى غير ماء . وقدأمرت رسولي أن يلزمك فلا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمري والسلام‏.‏"  فلما قرأ الكتاب قال لهم الحر‏:‏ " هذا كتاب الأمير يأمرني أن أجعجعبكم في المكان الذي يأتيني فيه كتابه ، وقد أمر رسوله أن لا يفارقني حتى أنفذ رأيهوأمره‏.‏".وأخذهم الحر بالنزول على غير ماء ولا في قرية فقالوا‏:‏ دعنا ننزلفي نينوى أو الغاضرية أو شفية‏.‏فقال‏:‏ لا أستطيع هذا الرجل قد بعث عينًا علي ‏.‏)

ثانيا : جيش عمربن سعد بن أبى وقاص ومفاوضات ما قبل الحرب :

1 ـ ثم أرسل ابن زياد جيشا يقوده عمر بن سعد بن أبى وقّاص . كانت الكوفة تتبعها ولايات فى المشرق الفارسى ، ولوالى الكوفة أن يعين ولاة تتبعه فيها ، وقد بعث ابن زياد بعمر بن سعد على رأس حملة لاخضاع الديالمة فى منطقة الرى ، وجعله واليا عليها . فلما جدّت مشكلة الحسين جعله ابن زياد قائدا للجيش المكلف بقتال الحسين ، وإن لم يفعل فلن يكون واليا على الرى . فجاء ابن سعد بن أبى وقاص بجيش ليقاتل الحسين حتى لا تضيع منه إمارة اقليم الرى الفارسى . تقول الرواية :  ( فلما كان الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة في أربعةآلاف . وكان سبب مسيره إليه أن عبيد الله بن زياد كان قد بعثه على أربعة آلاف فيدستبى . وكانت الديلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها . وكتب له عهده على الري فعسكربالناس في حمام أعين . فلما كان من أمر الحسين ما كان ، دعا ابن زياد عمر بن سعد ، وقالله‏:‏  " سر إلى الحسين فإذا فرغنا مما بيننا وبينه سرت إلى عملك‏" .‏فاستعفاه‏.‏فقال‏:‏ " نعم على أن ترد عهدنا "‏.‏ فلما قال له ذلك قال‏:‏ " أمهلني اليوم حتى أنظر‏" .‏فاستشار نصحاءه فكلهم نهاه . وأتاه حمزة بن المغيرة بن شعبة ، وهو ابنأخته فقال‏:‏ "  أنشدك الله يا خالي أن تسير إلى الحسين فتأثم وتقطعرحمك فوالله لأن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض لو كان لك خير من أن تلقى اللهبدم الحسين‏!‏ " فقال‏:‏ " أفعل‏." ‏وبات ليلته مفكرًا في أمره . فسُمع وهو يقول‏:‏

أأترك ملك الري والريرغبةً أم أرجع مذمومًا بقتل حسين

وفي قتله النار التي ليس دونها حجابٌ وملك الريقرة عين .

ثم أتى ابن زياد فقال له‏:‏ " إنك قد وليتني هذا العمل وسمع الناس به فإنرأيت أن تنفذ لي ذلك فافعل وابعث إلى الحسين من أشراف الكوفة من لست أغنى في الحربمنه. " وسمى أناسًا‏.‏فقال له ابن زياد‏:‏ " لست أستأمرك فيمن أريد أن أبعث . فإن سرت بجندنا،  وإلا فابعث إلينا بعهدنا‏.‏قال‏:‏ فإني سائر‏.‏)

2 ـ ودارت مفاوضات بين الحسين وبين عمر بن سعد ، وعرض الحسين أن ينصرف عائدا ، وكتب عمر ابن سعد بهذا الى ابن زياد ، فرفض ابن زياد ، وطلب أن يبايع الحسين ليزيد أولا ثم يرى رأيه فيه فما بعد ، وشدّد على منع الحسين من الماء . تقول الرواية : (فأقبل في ذلك الجيش حتى نزل بالحسين ، فلما نزل به بعث إليه رسولًايسأله ما الذي جاء به . فقال الحسين‏:‏ " كتب إليّ أهل مصركم هذا أن أقدم عليهم ، فأما إذكرهوني فإني أنصرف عنهم‏."  ‏فكتب عمر إلى ابن زياد يعرفه ذلك . فلما قرأ ابن زيادالكتاب قال‏:‏ " الآن إذ علقت مخالبنا به يرجو النجاة ولات حين مناص ." ثم كتب إلى عمريأمره أن يعرض على الحسين بيعة يزيد ، " فإن فعل ذلك رأينا رأينا " ، وأن يمنعه ومن معهالماء‏.‏فأرسل عمر بن سعد عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس فنزلوا علىالشريعة وحالوا بين الحسين وبين الماء‏.‏وذلك قبل قتل الحسين بثلاثة أيام ) .. فلما اشتد العطش على الحسين وأصحابه أمر أخاه العباس بن علي فسار فيعشرين راجلًا يحملون القرب وثلاثين فارسًا فدنوا من الماء فقاتلوا عليه وملؤواالقرب وعادوا .).

3 ـ وجرت مفاوضات أخرى بين الحسين وعمر بن سعد ، يتضح من بعضها أن المال فيها كان سيّد الموقف ، إذ دارت فيها مفاوضات مالية بينهما . تقول الرواية أن الحسين بعث لابن سعد يقول له :( أن القنيالليلة بين عسكري وعسكرك‏.‏فخرج إليه عمر فاجتمعا وتحادثا طويلًا ثم انصرف كل واحد منهما إلىعسكره . وتحدث الناس أن الحسين قال لعمر بن سعد‏:‏ "اخرج معي إلى يزيد بن معاوية وندعالعسكرين‏.‏" فقال عمر‏:‏ " أخشى أن تهدم داري‏.‏"  قال‏:‏ " أبنيها لك خيرًا منه‏.‏"  قال‏:‏ " تؤخذ ضياعي‏.‏"  قال‏:‏ " أعطيك خيرًا منها من مالي بالحجاز‏.‏"  فكره ذلك عمر‏.‏) . وهناك رواية تضيف أن الحسين قال له : ( اختاروا منيواحدة من ثلاث‏:‏ إما أن أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه ، وإما أن أضع يدي في يديزيد بن معاوية فيرى فيما بيني وبينهرأيه ، وإما أن تسيروا بي إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئتم فأكونرجلًا من أهله لي ما لهم وعلي ما عليهم‏.‏). وواضح هنا أن الحسين يقدم تنازلات كل مرة ، وواضح أيضا أن ابن زياد لا يأخذ بها . وهناك رواية أخرى وحيدة تنكر هذا ، يقول الطبرى : (  وقد روي عن عقبة بن سمعان أنه قال‏:‏ صحبت الحسين من المدينة إلىمكة ومن مكة إلى العراق ولم أفارقه حتى قتل ، وسمعت جميع مخاطباته للناس إلى يوممقتله . فوالله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس أنه يضع يده في يد يزيد ولا أن يسيروه إلىثغر من ثغور المسلمين ولكنه قال‏:‏ دعوني أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه ، أو دعونيأذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمر الناس‏.‏فلم يفعلوا‏.‏) .والأرجح انهما وصلا لاتفاق بعث به عمر ابن سعد لابن زياد فرفضه ابن زياد بتأثير صديقه شمّر بن ذى الجوشن . تقول الرواية : (ثم التقى الحسين وعمر بن سعد مرارًا ثلاثًا أو أربعًا . فكتب عمر بنسعد إلى عبيد الله بن زياد‏:‏ " إما بعد فإن الله أطفأ النائرة وجمع الكلمة وقدأعطاني الحسين أن يرجع إلى المكان الذي أقبل منه ، أو أن نسيره إلى أي ثغر من الثغورشئنا، أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده. وفي هذا لكم رضى وللأمةصلاح‏.‏"   فلما قرأ ابن زياد الكتاب قال‏:‏ " هذا كتاب رجل ناصح لأميره مشفق علىقومه. نعم قد قبلت‏" .‏فقام إليه شمر بن ذي الجوشن فقال‏:‏" أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضكوإلى جنبك ؟ والله لئن رحل من بلادك ولم يضع يده في يدك ليكونن أولى بالقوة والعزةولتكونن أولى بالضعف والعجز . فلا تعطه هذه المنزلة فإنها من الوهن.  ولكن لينزل علىحكمك هو وأصحابه ، فإن عاقبت كنت ولي العقوبة وإن عفوت كان ذلك لك ولله . لقد بلغني أنالحسين وعمر يتحدثان عامة الليل بين العسكرين‏".‏فقال ابن زياد‏:‏ " نعم ما رأيت . الرأي رأيك.  اخرج بهذا الكتاب إلى عمرفليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي ، فإن فعلوا فليبعث بهم إليّ سلمًا ، وإنأبوا فليقاتلهم ، وإن فعل فاسمع له وأطع . وإن أبى فأنت الأمير عليه وعلى الناس ، واضربعنقه وابعث إلي برأسه‏.‏ " وكتب معه إلى عمر بن سعد‏:‏ " أما بعد فإني لم أبعثك إلى الحسين لتكفعنه ولا لتمنّيه ولا لتطاوله ولا لتقعد له عندي شافعًا . انظر. فإن نزل الحسين وأصحابهعلى الحكم واستسلموا فابعث بهم إليّ سلمًا ، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثلبهم ، فإنهم لذلك مستحقون . فإن قُتل الحسين فأوطىء الخيل صدره وظهره ، فإنه عاقٌّ شاقٌّقاطع ظلوم . فإن أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أنت أبيت فاعتزلجندنا .وخلّ  بين شمر وبين العسكر. والسلام‏ .‏ " ).  وأطاع عمر بن سعد بن أبى وقاص الأوامر ، وبعث بها للحسين يطلب منه الاستسلام بلا قيد ولا شرط . فرفض الحسين وانتهت بهذ المفاوضات ، وتحتمت الحرب .

ثالثا : خطابات قبيل الاشتباك الحربى

1 ـ فى البداية طلب الحسين من أنصاره أن يرحلوا ويأخذ كل واحد منهم بفرد من أهل الحسين ويختفوا  بهم ، وان يتركوه يواجه وحده مصيره ، فرفضوا جميعا . تقول الرواية أنه قال لهم :( " قد أذنت لكم جميعًا فانطلقوا في حلّ ليس عليكم مني ذمام . هذا الليل قد غشيكمفاتخذوه جملًا ، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي . فجزاكم الله جميعًا ، ثمتفرقوا في البلاد في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله ، فإن القوم يطلبونني ولو أصابونيلهُوا عن طلب غيري‏.‏"  فقال له إخوته وأبناؤه وأبناء إخوته وابناء عبد الله بن جعفر‏:‏ " لمنفعل هذا لنبقى بعدك‏!‏ لا أرانا الله ذلك أبدًا‏!‏ ". فقال الحسين‏:‏ " يا بني عقيلحسبكم من القتل بمسلم . اذهبوا فقد أذنت لكم‏.‏" قالوا‏:‏ " وما نقول للناس؟! نقول‏:‏ تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتناخير الأعمام ولم نرم معهم بسهم ولم نطعن منهم برمح ولم نضرب بسيف ، ولا ندري ما صنعوا؟لا والله لا نفعل . ولكنا نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ، ونقاتل معك حتى نرد موردك. فقبح الله العيش بعدك‏!‏ " . وقام إليه مسلم بن عوسجة الأسدي فقال‏:‏ " أنحن نتخلى عنكولم نعذر إلى الله في أداء حقك‏.‏أما والله لا أفارقك حتى أكسر في صدورهم رمحي وأضربهم بسيفي ما ثبتقائمة بيدي . والله لو لم يكن معي سلاحي لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك‏.‏وتكلم أصحابه بنحو هذا ‏.‏ )

2 ـ وعبأ الحسين جيشه . تقول الرواية :  ( وعبى الحسين أصحابه وصلى بهم صلاة الغداة ، وكان معه اثنان وثلاثونفارسًا وأربعون راجلًا . فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه ، وحبيب بن مطهر فيميسرتهم .وأعطى رايته العباس أخاه ، وجعلوا البيوت في ظهورهم ، وأمر بحطب وقصب فألقي فيمكان منخفض من ورائهم ، كأنه ساقية عملوه في ساعة من الليل ، لئلا يؤتوا من ورائهم. وأضرم نارًا تمنعهم ذلك‏.‏) وعبأ عمر بن سعد جيشه . تقول الرواية : (  وجعل عمر بن سعد على ربع أهل المدينة عبد الله بن زهير الأزدي ، وعلىربع ربيعة وكندة قيس بن الأشعث بن قيس ، وعلى ربع مذحج وأسد عبد الرحمن بن أبي سبرةالجعفي ، وعلى ربع تميم وهمدان الحر بن يزيد الرياحي . فشهد هؤلاء كلهم مقتل الحسين إلاالحر بن يزيد فإنه عدل إلى الحسين وقُتل معه . وجعل عمر على ميمنته عمرو بن الحجاجالزبيدي ، وعلى ميسرته شمر ابن ذي الجوشن . وعلى الخيل عروة بن قيس الأحمسي ، وعلى الرجالشبث بن ربعي اليربوعي التميمي . وأعطى الراية دريدًا مولاه‏.‏)

3 ـ وخطب فيهم الحسين قبل القتال  ، ونادى :( :‏ يا شبث بن ربعي‏!‏ ويا حجار بن أبجر‏!‏ ويا قيس بنالأشعث‏!‏ ويا زيد بن الحارث‏!‏ ألم تكتبوا إلي في القدوم عليكم ؟ قالوا‏:‏ لمنفعل‏.‏ثم قال‏:‏ بلى فعلتم‏.‏ثم قال‏:‏ أيها الناس إذ كرهتموني فدعوني أنصرف إلى مأمني منالأرض‏.‏ فقال له قيس بن الأشعث‏:‏ أولا تنزل على حكم ابن عمك ، يعنيابن زياد ، فإنك لن ترى إلا ما تحب‏.‏فقال له الحسين‏:‏ أنت أخو أخيك ( يعنى يفعل مثل أخيه محمد بن الأشعث ) أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر مندم مسلم بن عقيل .! لا والله ولا أعطيهم بيدي عطاء الذليل ولا أقر إقرار العبد‏.‏)  وخطب زهير بن القين يعظ أهل الكوفة فردوا عليه بالسباب . تقول الرواية : ( وخرج زهير بن القين على فرس له فيالسلاح فقال‏:‏ " يا أهل الكوفة نذار لكم من عذاب الله نذار. إن حقًا على المسلم نصيحةالمسلم . ونحن حتى الآن إخوة على دين واحد ما لم يقع بيننا وبينكم السيف. فإذا وقعالسيف انقطعت العصمة ، وكنا نحن أمة وأنتم أمة."...فسبّوهوأثنوا على ابن زياد، وقالوا‏:‏ " والله لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومن معه أو نبعث بهوبأصحابه إلى الأمير عبيد الله بن زياد سلمًا‏.‏" فقال لهم‏:‏ " يا عباد الله إن ولد فاطمة أحق بالود والنصر من ابنسمية ( يعنى عبيد الله بن زياد )  ، فإن كنتم لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن تقتلوهم. خلوا بين الرجل وبين ابن عمهيزيد بن معاوية ، فلعمري إن يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين‏.‏"  فرماه شمرٌ بسهم وقال‏:‏" اسكت اسكت الله نأمتك أبرمتنا بكثرةكلامك‏!‏ " فقال زهير‏:‏ " يا ابن البوال على عقبيه‏!‏ ما إياك أخاطب ، إنما أنت بهيمة‏!‏والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين، فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم‏.‏".فقال شمر‏:‏ "إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة‏.‏". قال‏:‏ " أفبالموت تخوفني؟!  والله للموت معه أحب إلي من الخلد معكم‏!‏. ) .

4 ـ وانشق الحر بن يزيد عنهم وانضم الى الحسين وقاتل معه : (  ولما زحف عمر ( ابن سعد بن أبى وقاص ) نحو الحسين أتاه الحر بن يزيد فقال له‏:‏" أصلحكالله‏!‏ أمقاتل أنت هذا الرجل؟ " قال له‏:‏ " إي  والله قتالًا أيسره أن تسقط الرؤوسوتطيح الأيدي‏.‏"  قال‏:‏ " أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضىً ؟ " فقال عمرابن سعد‏:‏ " والله لو كان الأمر إلي لفعلت ، ولكن أميرك قد أبى ذلك‏.‏ " فأقبل ( الحُرّ ) يدنو نحو الحسين قليلًا قليلًا ، وأخذته رعدة . فقال له رجل منقومه يقال له المهاجر بن أوس‏:‏ " والله إن أمرك لمريب‏!‏ والله ما رأيت منك في موقفقط ما أراه الآن‏!‏ ولو قيل من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك‏.‏".!  فقال له‏:‏ " إني والله أخيّر نفسي بين الجنة والنار ، ولا أختار علىالجنة شيئًا . ولو قُطّعت وحُرّقت‏. " . ‏ثم ضرب فرسه فلحق بالحسين فقال له‏:‏ " جعلني الله فداكيا ابن رسول الله‏!‏ أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع وسايرتك في الطريق وجعجعت بكفي هذا المكان .! ووالله ما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضت عليهم أبدًا ، ولا يبلغونمنك هذه المنزلة أبدًا . فقلت في نفسي‏:‏ لا أبالي أن أطيع القوم في بعض أمرهم ولايرون أني خرجت من طاعتهم . وأما هم فيقبلون بعض ما تدعوهم إليه .ووالله لو ظننت أنهملايقبلونها منك ما ركبتها منك . وإني قد جئتك تائبًا مما كان مني إلىربي ، مؤاسيًا لك بنفسي، حتى أموت بين يديك .! أفترى ذلك توبة ؟ قال‏:‏ " نعم يتوب الله عليكويغفر لك‏." .‏وتقدم الحر أمام أصحابه ثم قال‏:‏ " أيها القوم . ألا تقبلون من الحسينخصلةً من هذه الخصال التي عرض عليكم فيعافيكم الله من حربه وقتاله ؟ فقال عمر‏:‏ " لقدحرصت لو وجدت إلى ذلك سبيلًا‏.‏"  فقال‏:‏ " يا أهل الكوفة لأمكم الهبل والعبر‏!‏ أدعوتموه حتى إذاأتاكم أسلمتموه وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه، ثم عدوتم عليه لتقتلوه ؟ أمسكتم بنفسهوأحطتم به ، ومنعتموه من التوجه في بلاد الله العريضة حتى يأمن ويأمن أهل بيته فأصبحكالأسير لا يملك لنفسه نفعًا ولا يدفع عنها ضرًا ، ومنعتموه ومن معه عن ماء الفراتالجاري يشربه اليهودي والنصراني والمجوسي ، ويتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه .! وها هووأهله قد صرعهم العطش‏!‏ بئسما خلفتم محمدًا في ذريته‏!‏ لا سقاكم الله يوم الظمإإن لم تتوبوا وتنزعوا عما أنتم عليه‏!‏ " فرموه بالنبل فرجع حتى وقف أمام الحسين‏.‏).

ونأتى لتفاصيل القتال فى كربلاء .

اجمالي القراءات 6717

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4037
اجمالي القراءات : 35,343,655
تعليقات له : 4,402
تعليقات عليه : 13,051
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي